النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة النور: الآية ٣
وروي عن ابن مسعود ﴾ أنه قال: إذا زنى الرجلُ بالمرأة ثم نَكَحها بعد ذلك،
فهما زانيانِ أبداً. وبهذا أخذ مالك ﴾؛ فرأى أنَّه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه
الفاسد؛ لأنَّ النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يُصَبّ على ماء السِّفاح؛ فيختلط
الحرامُ بالحلالِ، ويمتزج ماءُ المَهَانة بماء العِزّةِ(١).
الرابعة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: من كان معروفاً بالزّنى أو بغيره من الفسوق، مُعْلِناً
به، فتزوّج إلى أهل بيت سترٍ وغَرَّهم من نفسه، فلهم الخيارُ في البقاء معه أو فراقه،
وذلك كغَيْبٍ من العيوب، واحتجَّ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ينكحُ الزَّاني
المجلودُ إلا مثلَه))(٢). قال ابن خُوَيْز منداد: وإنما ذكر المجلودَ لاشتهاره بالفسق، وهو
الذي يجب أن يفرّق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسقِ فلا.
الخامسة: قال قوم من المتقدمين: الآية محكمةٌ غير منسوخة، وعند هؤلاء: مَنْ
زنى فَسَد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجةُ فَسدَ النكاح بينها وبين زوجها.
وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخُ النكاحُ بذلك، ولكن يُؤمر الرجلُ بطلاقها إذا زنت،
ولو أمسكها أَثِم، ولا يجوز التَّزوّج بالزانية ولا من الزَّاني، بل لو ظهرت التوبةُ،
فحينئذ يجوز النكاح(٣).
السادسة: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نكاح أولئك البغايا، فيزعم بعض أهل
التأويل أنَّ نكاح أولئك البغايا حرَّمه الله تعالى على أمةٍ محمدٍ عليه الصلاة والسلام،
ومن أشهرهنَّ عَناق (٤).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣١٨/٣، وأخرج أثر ابن مسعود عبد الرزاق (١٢٨٠٢)، وسعيد بن
منصور (٨٩٦)، والطبراني في الكبير ٣٣٦/٩ (٩٦٧٠) البيهقي ١٥٦/٧ بلفظ ((فهما زانيان ما اجتمعا»،
وينظر المدونة ٢٧٨/٢ .
(٢) سلف في المسألة الأولى - القول الخامس .
(٣) ينظر الإشراف ١٠٢/٤، ومصنف عبد الرزاق (١٢٨٠٧) و(١٢٨٠٨)، ومصنف ابن أبي شيبة
٤ /٢٦٤ - ٢٦٥ .
(٤) المحرر الوجيز ١٦٣/٤، وسلف ذكر عناق في المسألة الأولى - القول الثاني.

١٢٢
سورة النور: الآيات ٣ - ٥
السابعة: حرَّم الله تعالى الزنى في كتابه، فحيثما زنى الرجلُ فعليه الحدُّ، وهذا
قول مالك والشافعيّ وأبي ثَوْر، وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم: إذا كان في
دار الحرب بأمانٍ وزنى هنالك ثم خَرجَ: لم يُحدّ. قال ابن المنذر (١): دار الحرب
ودار الإسلام سواءٌ، ومَنْ زنى فعليه الحدُّ؛ على ظاهر قوله ﴿الََِّةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ
وَجِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَدَّةٍ﴾
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَا يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِيِنَ جَلْدَةً
وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿ إِلَّا الَّيْنَ تَبُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (@)
فيه ست وعشرون مسألة:
الأولى: هذه الآية نزلت في القاذفين، قال سعيد بن جُبير: كان سببها ما قيل في
عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها. وقيل: بل نزلت بسبب القَّذَفة عامًّا لا في تلك
النازلة(٢).
وقال ابن المنذر(٣): لم نجد في أخبار رسول اللـه * خبراً يدلُّ على تَصريح
القذف، وظاهرُ كتاب الله تعالى مستغنّى به، دالٌ (٤) على القذف الذي يُوجبُ الحدَّ،
وأهل العلم على ذلك مجمعون.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ﴾ يريد يَسْبُّون، واستعير له اسم الرَّمْي؛ لأنه
إذايةٌ بالقول، كما قال النابغة:
وجرحُ اللسان كجرح اليدِ(٥)
:
(١) في الإشراف ٢/ ٤٣ وما قبله منه.
(٢) المحرر الوجيز ٤ / ١٦٤.
(٣) في الإشراف ٢/ ٦١ - ٦٢ .
(٤) في النسخ عدا (ظ): دالاً، والمثبت من (ظ) والإشراف لابن المنذر.
(٥) نسبه ابن العربي في أحكام القرآن ٣٢٠/٣ لأبي كبشة، ونسبه الثعالبي في ثمار القلوب ص ٣٣٣
لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ١٨٥، وصدره: ولو عن نثا غيره جاءني.

١٢٣
سورة النور: الآيتان ٤-٥
وقال آخر :
بريئاً ومن أجْل الّوِيّ رمانِي(١)
رَمَاني بأمْرٍ كنتُ منه ووالدي
ويسمّى: قذفاً، ومنه الحديث: ((إنَّ ابنَ أميّة قذفَ امرأته بشَرِيك بن السَّحماء)»(٢)
أي: رماها.
الثالثة: ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هنَّ(٣) أهمّ، ورَمْيُهنَّ بالفاحشة
أشنع وأنكى للنفوس، وقَذْفُ الرجال داخلٌ في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة
على ذلك، وهذا نحو نصّه على تحريم لحم الخنزير، ودخل شحمه وغضارِيفه ونحو
ذلك بالمعنى والإجماع. وحكى الزَّهراوِيُّ أن المعنى: والأنفس المحصنات؛ فهي
بلفظها تعمُّ الرجال والنساءَ، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَالْمُعْصَنَتُّ مِنَ النِّسَآءِ﴾
[النساء: ٢٤] (٤).
وقال قوم: أراد بالمحصنات الفُروجَ، كما قال تعالى: ﴿وَلَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا﴾
[الأنبياء: ٩١]، فيدخل فيه فروجُ الرجال والنساء. وقيل: إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا
قُذفت؛ ليعطف عليها قذف الرجل زوجته، والله أعلم.
وقرأ الجمهور: ((المحصَناتُ)) بفتح الصاد، وكَسَّرَها يحيى بن وَثّاب.
والمحصَنات العفائف في هذا الموضع(٥). وقد مضى في ((النساء)) (٦) ذكر الإحصان
ومراتبه. والحمد لله.
(١) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي، وسلف ٤٨٣/١ .
(٢) أخرجه أحمد (١٢٤٥٠)، ومسلم (١٤٩٦) عن أنس، وأخرجه البخاري (٢٦٧١) عن ابن عباس.
(٣) المثبت من (م) و(ظ) وفي (خ) و(د) و(ز): هو .
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٤ .
(٥) المحرر الوجيز ١٦٤/٤، وقرأ: المحصنات، بكسر الصاد: الكسائي. السبعة ص٢٣٠ ، والتيسير
ص٩٥ .
(٦) ٦ /٢٤٠ .

١٢٤
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
الرابعة: للقذف شروط عند العلماء تسعة:
شرطان في القاذف، وهما العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف
ساقط دونهما.
وشرطان في الشيء المقذوف به، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحدُّ - وهو
الزنى أو اللواط - أو ينفيه من أبيه، دون سائر المعاصي.
وخمسة في المقذوف، وهي العقل، والبلوغ، والإسلام، والحريّة، والعفَّة عن
الفاحشة التي رُميَ بها، كان عفيفاً من غيرها أم لا، وإنما شرطنا في المقذوف العقل
والبلوغ - كما شرطناهما في القاذف - وإن لم يكونا من معاني الإحصان؛ لأجل أنَّ
الحدَّ إنما وضع للزَّجر عن الإذاية بالمضرَّة الداخلة على المقذوف، ولا مضرّة على
من عَدِمِ العقلَ والبلوغ؛ إذ لا يوصف الوطء(١) فيهما ولا منهما بأنه زنّى.
الخامسة: اتفق العلماءُ على أنه إذا صرَّح بالزنى؛ كان قذفاً ورَمْياً موجباً للحدّ،
فإن عرَّض ولم يُصرِّح؛ فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: لا يكون
قذفاً حتى يقول: أردت به القذف. والدليل لما قاله مالك: هو أنَّ موضوع الحدّ في
القذف إنَّما هو لإزالة المعرَّة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت المعرّة
بالتعريض، وَجَب أن يكون قذفاً كالصّريح(٢) والمعوّل على الفهم، وقد قال تعالى
مُخبراً عن شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْعَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] أي: السفيه الضالّ،
فعرّضوا له بالسبِّ بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات، حسبما تقدم في هود(٣).
وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤) [الدخان: ٤٩]. وقال
حكايةً عن مريم: ﴿يَتَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَفِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]
(١) في (م): اللواط، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٠/٣-١٣٢١
والكلام منه.
(٢) في (م) و(د) و(ظ): كالتصريح، والمثبت من (ز) و(ف)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي
٠١٣٢٢/٣
(٣) ١٩٤/١١ - ١٩٥ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢١/٣ - ١٣٢٢.

١٢٥
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
فمدحوا أباها ونَفَوْا عن أُمِّها البغاء، أي: الزنى، وعرّضوا لمريم بذلك؛ ولذلك قال
تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] وكفرُهم معروف،
والبهتان العظيم: هو التعريض لها، أي: ما كان أبوك امرأْ سَوْءٍ وما كانت أمُّك بغيًّا،
أي: أنت بخلافهما وقد أتّيْتِ بهذا الولد. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. فهذا اللفظُ
قد فُهم منه أنَّ المراد به أنَّ الكفّار على غير هدى، وأن الله تعالى ورسوله على
الهُدى؛ ففُهِم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه.
وقد حبس عمر ﴾ الحُطيئة لما قال:
دعِ المكارِمَ لا ترحل لبُغْیتھا
واقْعد فإنَّك أنت الطَّاعِمُ الكاسي(١)
لأنه شبهه بالنساء في أنَّهنَّ يُطْعَمْن ويُسقين ويُكسون.
ولما سمع عمر (٢) قول النجاشيّ:
ولا يظلمونَ الناسَ حَبَّةً خَرْدَلٍ
قُبيِّلةٌ(٣) لا يَغدِرونَ بذمَّةٍ
قال: ليت آل الخَطّاب(٤) كذلك. وإنما أراد الشاعر ضعفَ القبيلة، ومثلُه كثير.
السادسة: الجمهور من العلماء على أنَّهِ لا حدَّ على مَنْ قذف رجلاً من أهل
الكتاب، أو امرأةً منهم.
وقال الزُّهرِيّ وسعيد بن المسيّب وابن أبي لَيْلَی: علیه الحدُّ إذا كان لها ولد من
مسلم.
(١) طبقات فحول الشعراء ١١٦/١، وبهجة المجالس ١٠٦/٣، والعقد الفريد ٣١٧/٥ - ٣١٨، والبيت
سلف ١٢٥/١١ .
(٢) لفظة: عمر من (ظ).
(٣) في (م): قبيلته. والنجاشي هو قيس بن عمرو، الحارثي الشاعر، كان فاسقاً رقيق الإسلام. قاله ابن
قتيبة في الشعر والشعراء ص٣٢٩، والبيت فيه ص٣٣١ .
(٤) في النسخ عدا (ظ): ليت الخطاب، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الشعر والشعراء ٣٣١/١.

١٢٦
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
وفيه قول ثالث: وهو أنه إذا قَذَف النصرانيةَ تحت المسلم، جُلِد الحدَّ.
قال ابن المنذر(١): وجُلّ العلماء مجمِعون وقائلون بالقول الأوّل، ولم أُدرك
أحداً ولا لقِيته يخالف في ذلك، وإذا قذف النصرانيُّ المسلمَ الحرَّ، فعليه ما على
المسلم: ثمانون جلدة، لا أعلم في ذلك اختلافاً.
السابعة: والجمهور من العلماء على أنَّ العبدَ إذا قذف حُرًّا يُجلد أربعين؛ لأنه
حَدٍّ يتشطّر بالرقِّ كحدِّ الزنى.
وروي عن ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقَبِيصة بن ذؤيب: يجلد ثمانين.
وجلدَ أبو بكر بن محمد عبداً قذف حُرًّا ثمانين، وبه قال الأوزاعيّ(٢).
احتج الجمهور بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَتِهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ
مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥](٣).
وقال الآخرون: فَهِمنا هناك أنَّ حدَّ الزنى لله تعالى، وأنه ربما كان أخفّ فيمن
قلَّت نِعِمُ الله عليه، وأفحشَ فيمن عَظُمت نِعمُ الله عليه، وأما حدُّ القذف فحقٌّ
للآدميّ وجب للجناية على عِرْض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرقّ والحرية،
وربما قالوا: لو كان يختلف لذُكر كما ذكر في الزنى.
قال ابن المنذر(٤): والذي عليه علماء الأمصار القولُ الأوّل، وبه أقول.
الثامنة: وأجمع العلماء على أنَّ الحرَّ لا يُجلد للعبد إذا افترى عليه(٥)؛ لتباين
مرتبتهما، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قَذَف مملوكَه بالزنى؛ أُقيم عليه الحدُّ
(١) في الإشراف ٢/ ٦٢ - ٦٣ وما قبله منه.
(٢) الإشراف ٦٤/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٤/٣، والاستذكار ١١٩/٢٤.
(٣) الاستذكار ١١٩/٢٤.
(٤) في الإشراف ٢/ ٦٤ .
(٥) الإجماع لابن المنذر ص ١٣٣، والإشراف له ٦٤/٢.

١٢٧
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
يومَ القيامة، إلا أن يكون كما قال)) خرَّجه البخاريّ ومسلم(١). وفي بعض طرقه: ((مَنْ
قَذَف عبدَه بزنّى ثمَّ لم يتب(٢)، أقيم عليه يوم القيامة الحدُّ ثمانين)) ذكره الدّارَقُطْنيّ(٣).
قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة؛ لارتفاع المِلْك واستواء الشريف
والوضيع والحرّ والعبد، ولم يكن لأحدٍ فضلٌ إلا بالتقوى؛ ولما كان ذلك؛ تكافأ
الناسُ في الحدود والحرمة، واقتُصَّ من كلِّ واحد لصاحبه إلا أن يعفوَ المظلومُ عن
الظالم، وإنما لم يتكافؤوا في الدنيا؛ لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم
لهم، فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة، وتبطل فائدة التسخير؛ حكمة من
الحکیم العلیم، لا إله إلا هو.
التاسعة: قال مالك والشافعيّ: مَنْ قَذَف من يحسَبه عبداً فإذا هو حرٌّ، فعليه
الحدُّ. وقاله الحسن البصريّ، واختاره ابن المنذر(٤). قال مالك: ومَنْ قَذَف أمَّ الولد
حُدَّ. وروي عن ابن عمر، وهو قياس قول الشافعيّ. وقال الحسن البصريّ: لا حَدَّ
علیه(٥).
العاشرة: واختلف العلماء فيمن قال لرجل: يا مَنْ وطئ بين الفخذين. فقال ابن
القاسم: عليه الحدُّ؛ لأنه تعريض. وقال أشهب: لا حدَّ فيه؛ لأنه نسبةٌ إلى فعلٍ لا
يُعدُّ زنّى إجماعاً (٦).
الحادية عشرة: إذا رمى صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى، كان قذفاً عند
مالك.
(١) صحيح البخاري (٦٨٥٨)، وصحيح مسلم (١٦٦٠) واللفظ له، وهو في مسند أحمد (٩٥٦٧) عن أبي
هريرة ﴾.
(٢) في (م) و(ف): يثبت، والمثبت من باقي النسخ.
(٣) في سننه (٣٥٠٠) ورجال إسناده ثقات.
(٤) في الإشراف ٢/ ٦٥ .
(٥) المصدر السابق.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٢/٣.

١٢٨
سورة النور: الآيتان ٤-٥
وقال أبو حنيفة والشافعيّ وأبو ثور: ليس بقذفٍ؛ لأنه ليس بزنّى، إذ لا حدَّ
عليها، ويعزّر. قال ابن العربيّ(١): والمسألة محتملة مشكلة، لكن مالك طلب(٢)
حمايةَ عِرْض المقذوف، وغيرُه راعى حمايةَ ظهر القاذف؛ وحمايةُ عرض المقذوف
أولى؛ لأنَّ القاذف كَشَف ستره بطرف لسانه؛ فلزمه الحدُّ.
قال ابن المنذر(٣): وقال أحمد في الجارية بنت تسع: يُجلد قاذفها، وكذلك
الصبيُّ إذا بلغ عشراً، ضُرب قاذفه. قال إسحاق: إذا قذف غلاماً يَطأُ مثلُه، فعليه
الحدُّ، والجارية إذا جاوزت تسعاً مثل ذلك. قال ابن المنذر: لا يُحدّ من قَذَف من لم
يبلغ، لأنَّ ذلك كذب، ويعزّر على الأذى.
قال أبو عبيد(٤): في حديث عليّ ﴾ أنَّ امرأةً جاءته، فذكرت أنَّ زوجها يأتي
جاريتها، فقال: إن كنتِ صادقةً رجمناه، وإن كنت كاذبةً جلدناك. فقالت: رُدّوني إلى
أهلي غَيْرَى نَغِرَةً(٥).
قال أبو عبيد(٦): في هذا الحديث من الفقه أنَّ على الرجل إذا واقع جارية امرأته
الحدَّ.
وفيه أيضاً: أنَّه(٧) إذا قَذَفه بذلك قاذفٌ، كان على قاذفه الحدُّ؛ ألا تسمع قولَه:
((وإن كنتٍ كاذبةً جلدناك». ووجه هذا كلِّه إذا لم يكن الفاعل جاهلاً بما يأتي وبما
يقول، فإن كان جاهلاً وادّعى شُبهة، دُرِئ عنه الحدُّ في ذلك كلِّه.
(١) في أحكام القرآن ٣/ ١٣٢٢، وما قبله منه، وينظر الإشراف ٧٣/٢ .
(٢) في أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٢/٣: غلّب.
(٣) في الإشراف ٢/ ٧٤ .
(٤) في غريب الحديث ٤٤٦/٣ - ٤٤٨.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/١٠ دون قوله ((فقالت: ردوني إلى أهلي غيرى نغرة)) وسيرد معنى هذه العبارة قريباً.
(٦) في غريب الحديث ٤٤٧/٣.
(٧) لفظة ((أنه)) من (ظ).

١٢٩
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
وفيه أيضاً: أنَّ رجلاً لو قذف رجلاً بحضرة حاكم، وليس المقذوف بحاضر، أنَّه
لا شيء على القاذف حتى يجيء: فيطلب حذَّه؛ لأنَّه لا يدري لعله يُصدِّقه، ألا ترى
أنَّ عليًّا لم يعرض لها.
وفيه: أنَّ الحاكم إذا قُذف عنده رجلٌ، ثم جاء المقذوف يطلب حقَّه، أَخذَه
الحاكم بالحدِّ بسماعه؛ ألا تراه يقول: وإن كنتِ كاذبةً جلدناكِ؛ وهذا لأنه من حقوق
الناس.
قلت: اختُلف: هل هو من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين؟ وسيأتي(١).
قال أبو عبيد(٢): قال الأصمعي: سألني شُعبة عن قوله: ((غَيْرَى نَغِرة)) فقلت له:
هو مأخوذ من نَغَرِ القِدْرِ، وهو غليانُها وفَوْرُها؛ يقال منه: نَغِرت تَنْغَر، ونَغَرت تَنْغِر:
إذا غلت. فمعناه: أنَّها أرادت أنَّ جوفَها يَغْلي من الغيظ والغَيْرة؛ لمّا لم تجد عنده ما
تُريد. قال: ويقال منه: رأيت فلاناً يتنغّر على فلانٌ، أي: يغلي جوفُه عليه غيظاً.
الثانية عشرة: من قذف زوجةً من أزواج النبيّ ﴾، حُدّ حدَّين. قاله مسروق. قال
ابن العربيّ(٣): والصحيح أنه حدّ واحد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾
الآية، ولا يقتضي شرفُهنَّ زيادةً في حَدٍّ من قَذَفهن؛ لأنَّ شَرفَ المنزلة لا يُؤثّر في
الحدود [بزيادة]، ولا نَقْصها يُؤثِّر في الحدِّ بتنقيص. والله أعلم. وسيأتي الكلام فيمن
قَذَف عائشةَ رضي الله عنها، هل يقتل أم لا؟ (٤)
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّمَ﴾.
الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق: هو الزنى(٥)؛ رحمةً بعباده،
(١) في المسألة السابعة عشرة.
(٢) في غريب الحديث ٣/ ٤٤٧ .
(٣) في أحكام القرآن ٣/ ١٥٢١ وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٤) ص١٧٦ -١٧٧ من هذا الجزء.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢١/٣.

١٣٠
سورة النور: الآيتان ٤ -٥
وستراً لهم. وقد تقدّم في سورة النساء(١).
الرابعة عشرة: مِن شرطِ أداءِ الشهود الشهادةَ عند مالك رحمه الله: أن يكونَ
ذلك في مجلسٍ واحدٍ فإن افترقت لم تكن شهادةً. وقال عبد الملك: تقبل شهادتُهم
مجتمعين ومفترقين. فرأى مالك: أنَّ اجتماعَهم تعبُّد، وبه قال ابن الحسن. ورأى عبد
الملك أن المقصودَ أداءُ الشهادة واجتماعها، وقد حصل(٢)، وهو قول عثمان البَتِّيّ
وأبي ثَوْر، واختاره ابن المنذر(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَةَ﴾ وقوله: ﴿فَإِذْ
لَمْ يَأْتُواْ بِلُّهَدَآءِ﴾ ولم يذكر مفترقین ولا مجتمعين.
الخامسة عشرة: فإن تمَّت الشهادةُ، إلا أنهم لم يُعَدَّلوا؛ فكان الحسنُ البصريُّ
والشَّعْبيُّ يَريَان أنْ لا حدَّ على الشهود ولا على المشهود. وبه قال أحمد، والنّعمان،
ومحمد بن الحسن. وقال مالك: إذا شهد عليه أربعةٌ بالزنى؛ فإن كان أحدهم
مسخوطاً(٤) أو عبداً، يُجلدون جميعاً. وقال سفيان الثوريّ وأحمد وإسحاق في أربعة
عميان يشهدون على امرأةٍ بالزنى: يضربون(٥).
السادسة عشرة: فإن رجع أحدُ الشهود وقد رُجم المشهود عليه في الزنى، فقالت
طائفة: يَغْرَمُ ربعَ الدِّية، ولا شيء على الآخرين. وكذلك قال قتادة، وحماد،
وعكرمة، وأبو هاشم، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ: إن قال:
عَمَدتُ ليُقتلَ، فالأولياء بالخيار إن شاؤوا قَتَلوا، وإن شاؤوا عَفَوا وأخذوا ربعَ الدِّية،
وعليه الحدُّ. وقال الحسن البصريّ: يُقتل، وعلى الآخرين ثلاثةُ أرباع الدِّية. وقال ابن
سِيرين: إذا قال: أَخطأتُ وأردتُ غيرَه، فعليه الدِّية كاملةً، وإن قال: تعمّدتُ، قُتل
(١) ٦ /١٣٨ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٣/٣، والإشراف ٥١/٢ .
(٣) في الإشراف ٢/ ٥١ وما قبله وما بعده منه.
(٤) في (د) و(ز): مسقوطاً، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الإشراف، وجاء بعدها في (خ)
و(ظ) و(ف): عليه.
(٥) الإشراف ٢/ ٥٣ .

١٣١
سورة النور: الآيتان ٤ -٥
به. وبه قال ابن شُبْرُمَةٍ (١).
السابعة عشرة: واختلف العلماء في حدِّ القذف: هل هو من حقوق الله، أو
من حقوق الأدميّين، أو فيه شائبة منهما؟ الأول: قول أبي حنيفة. والثاني: قول
مالك والشافعيّ. والثالث: قاله بعض المتأخرين. وفائدة الخلاف: أنَّه إنْ كان حقًّا
لله تعالى وبلَغَ الإمامَ، أقامه وإن لم يَطلب ذلك المقذوفُ، ونفعت القاذفَ التوبةُ فيما
بينه وبين الله تعالى، ويتشطّر فيه الحدُّ بالرقِّ كالزنى. وإن كان حقًّا للآدمي، فلا يقيمه
الإمامُ إلا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذفَ التوبةُ حتى يحلِّله
المقذوفُ(٢).
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ قرأ الجمهور على إضافة الأربعة إلى
الشهداء. وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وأبو زُرعة بن عمرو بن جرير: ((بأربعةٍ)
بالتنوين ((شُهَدَاءَ))(٣).
وفيه أربعة أوجه: يكون في موضع جرِّ على النعت لأربعة، أو بدلاً، ويجوز أن
يكون حالاً من نكرة أو تمييزاً، وفي الحال والتمييز نظر؛ إذ الحال من نكرة، والتمييز
مجموع، وسيبويه (٤) يرى أنَّ تنوين العدد وتركَ إضافته إنما يجوز في الشعر. وقد
حسّن أبو الفتح عثمان ابن جِنّي(٥) هذه القراءةَ وحبب(٦) على قراءة الجمهور.
(١) الإشراف ٥٣/٢ - ٥٤ . وفيه رواية أخرى عن الحسن: يقتل الذي أكذب نفسه، وعلى الآخرين الدية.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٢٤/٣، وينظر الإشراف ٧٩/٢، وأحكام القرآن للكيا ٢٩٩/٤، وزاد
المسير ١١/٦.
(٣) المحرر الوجيز ١٦٤/٤، وقراءة عبد الله وأبي زرعة في القراءات الشاذة ص ١٠٠، والمحتسب
١٠١/٢.
(٤) في الكتاب ٢٠٨/١، ونقله عنه المصنف بواسطة المحرر الوجيز ١٦٤/٤ .
(٥) في المحتسب ١٠١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ٤/ ١٦٤ .
(٦) كذا في (م) والمثبت منه، ولم تجود هذه الكلمة في النسخ الخطية، وسقطت من (ظ)، ووقع في
المحرر الوجيز. ورجحها، بدل: حبب.

١٣٢
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
قال النحاس(١): ويجوز أن يكون ((شهداء)) في موضع نصب، بمعنى: ثم لم
يُحضروا أربعةَ شهداءَ.
التاسعة عشرة: حكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة، يرَوْن ذلك كالمِرْوَد
في المُكْحُلة(٢)، على ما تقدّم في ((النساء))(٣) في نص الحديث. وأن تكون في موطنٍ
واحد، على قول مالك(٤)، وإن اضطرب واحد منهم جُلد الثلاثةُ، كما فعل عمر ﴾
في أمر المغيرة بن شُعبة؛ وذلك أنه شَهد عليه بالزِّنى أبو بكرة نُفيع بن الحارث،
وأخوه نافع - وقال الزهراوي: عبد الله - بن الحارث، وزياد أخوهما لأمٍّ وهو
مستلحق معاوية، وشِبْل بن مَعْبد البَجَلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة وتوقّف زياد ولم
يؤدِّها، جَلَد عمرُ الثلاثةَ المذكورين(٥).
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿فَلَجْلِدُوهُمْ﴾ الجَلْد: الضرب، والمجالدة:
المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير الجَلْد لغير ذلك من سيفٍ أو غيره، ومنه
قول قيس بن الخَطِیم :
أجالدُهم يومَ الحديقةِ حاسراً كأنَّ يدي بالسَّيف مِخراقُ لاعبٍ (٦)
(١) في إعراب القرآن ١٢٨/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٤ .
(٣) ١٣٨/٦.
(٤) سلف في المسألة الرابعة عشرة.
(٥) المحرر الوجيز ١٦٤/٤، وعلق البخاري الخبر مختصراً قبل الحديث (٢٦٤٨)، وأخرجه الشافعي في
الأم ٤١/٧، وعبد الرزاق (١٣٥٦٤) (١٣٥٦٥) (١٣٥٦٦)، وابن أبي شيبة ٩٢/١٠ ، والطحاوي في
شرح المعاني ١٥٣/٤، والطبراني في الكبير (٧٢٢٧)، والحاكم ٤٤٨/٣، والبيهقي ٢٣٥/٨ قال ابن
كثير في إرشاد الفقيه ٣٦٨/٢: وهو مشهور من طرق جيدة، وهو كالمستفيض بين العلماء وأهل السير
والتواريخ.
(٦) البيت في ديوان قيس ص ٢٠٧ ، والكلام في المحرر الوجيز ١٦٤/٤. والحديقة: قرية من أعراض
المدينة من طريق مكة، كانت بها وقعة بين الأوس والخزرج قبل الإسلام. معجم البلدان ٢/ ٢٣٢،
والمخراق: ما يلعب به الصبيان من الخِرَق المفتولة. تهذيب اللغة ٢٤/٧ .

١٣٣
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
﴿ثَنِينَ﴾ نصب على المصدر ﴿َدَةً﴾ تمييز. ﴿وَلَ نَقْبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًّا﴾ هذا
يقتضي مدةً أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله
=(١)
عزَّ وجلَّ(١).
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ في موضع نصب على
الاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع خفضٍ على البدل، والمعنى: ولا تقبلوا لهم
شهادة أبداً، إلا الذين تابوا(٢) وأصلحوا من بعد القذف ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جَلْدَهُ، وردّ شهادتِه أبداً، وفسقَه،
فالاستثناء غير عاملٍ في جَلده بإجماعِ؛ إلا ما رُوي عن الشَّعْبيّ على ما يأتي، وعاملٌ
في فسقه بإجماع(٣).
واختلف الناس في عمله في ردّ الشهادة؛ فقال شُريح القاضي، وإبراهيم
النَّخَعِيّ، والحسن البصريّ، وسفيان الثَّوْريّ، وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء في ردّ
شهادته، وإنَّما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تُقبل البتةَ ولو تاب
وأكذبَ نفسَه، ولا بحال من الأحوال. وقال الجمهور: الاستثناء عامل في ردّ
الشهادة، فإذا تاب القاذف، قُبلت شهادتُه(٤)، وإنما كان ردُّها لعلة الفسق، فإذا زال
بالتوبة، قُبلت شهادتُه مطلقاً قبل الحدِّ وبعده، وهو قول عامة الفقهاء.
ثم اختلفوا في صورة توبته: فمذهب عمر بن الخطاب ﴾، والشّعبيّ، وغيره: أن
توبتَه لا تكون إلا بأن يُكذِّب نفسَه في ذلك القذف الذي حُدَّ فيه، وهكذا فعل عمر؛
فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: مَنْ أَكذبَ نفسَه، أَجَزْتُ شهادته فيما استقبل،
ومن لم يفعل لم أُجِز شهادتَه. فأَكذبَ شِبْل بن معبد ونافع بن الحارث بن كُلَدة
(١) المحرر الوجيز ١٦٤/٤ - ١٦٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٨/٣.
(٣) المحرر الوجيز ١٦٥/٤. وسيرد خبر الشعبي.
(٤) المحرر الوجيز ١٦٥/٤ .

١٣٤
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
أنفسَهما وتابا، وأبى أبو بكرةَ أن يفعلَ؛ فكان لا يقبل شهادته(١). وحكى هذا القولَ
النحاسُ(٢) عن أهل المدينة.
وقالت فرقة - منها مالك رحمه الله تعالى وغيره - : توبتُه أن يَصْلُح ويَحْسُن حاله
وإن لم يرجع عن قوله بتكذيبٍ، وحسبه النَّدمُ على قَذْفه والاستغفارُ منه، وتركُ العَود
إلی مثله، وهو قول ابن جرير(٣).
ويروى عن الشّعبيّ أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة؛ إذا تاب وظهرت
توبته: لم يُحدّ، وقُبلت شهادتُه، وزال عنه التفسيق؛ لأنَّه قد صار ممن يُرْضَى من
الشهداء، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢) الآية(٤).
الثانية والعشرون: اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى تسقط شهادة القاذف،
فقال ابن الماجِشُون: بنفس قذفه. وقال ابن القاسم وأشهبُ وسُخنون: لا تسقط حتى
يجلد، فإن مَنع من جَلده مانعُ عفوٍ أو غيره، لم تردّ شهادته. وقال الشيخ أبو الحسن
اللَّخْمِيُّ: شهادته في مدة الأجل موقوفة، ورجّح القول بأنَّ التوبةَ إنما تكون بالتكذيب
في القذف، وإلا فأيّ رجوع لعَدْل إن قَذْف وحُدَّ وبقي على عدالته(٥).
الثالثة والعشرون: واختلفوا أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أيِّ
شيء تجوز؟
فقال مالك رحمه الله تعالى: تجوز في كلِّ شيءٍ مطلقاً، وكذلك كلّ من حُدَّ في
شيء من الأشياء(٦)، رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن كنانة (٧).
(١) المحرر الوجيز ١٦٥/٤، وأخرج خبر عمر: الطبري في تفسيره ١٦٣/١٧ و١٦٤.
(٢) في معاني القرآن ٤/ ٥٠٢ .
(٣) في تفسيره ١٧/ ١٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٦٥/٤ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٠٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ١٦٥ .
(٦) المحرر الوجيز ١٦٥/٤ .
(٧) النوادر والزيادات ٣٣٧/٨، والكافي ٢/ ٨٩٧ .

١٣٥
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
وذكر الوَقَار(١) عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حُدّ فيه خاصة، وتقبل فيما
سوى ذلك، وهو قول مُطَرِّف وابن الماجِشُون، وروى العُتْبِيّ عن أَصْبَغ وسُحنون
مثله(٢)
قال سُخنون: من حُدَّ في شيءٍ من الأشياء، فلا تجوز شهادتُه في مثل ما حُدَّ فيه.
وقال مُطَرِّف وابن الماجشون: من حُدَّ في قذف أو زنّى، فلا تجوز شهادتُه في شيءٍ
من وجوه الزنى، ولا في قذفٍ ولا لِعانٍ، وإن كان عدلاً. وروياه عن مالك، واتفقوا
على ولد الزنى: أن شهادته لا تجوز في الزنى (٣).
الرابعة والعشرون: الاستثناء إذا تعقّب جُمَلاً معطوفةً، عاد إلى جميعها عند
مالك والشافعيّ وأصحابهما، وعند أبي حنيفة وجُلِّ أصحابه: يرجع الاستثناء إلى
أقرب مذكور، وهو الفسق، ولهذا لا تُقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق
خاصة لا إلى قبول الشهادة(٤)
.
وسبب الخلاف في هذا الأصل شيئان(٥):
أحدهما: هل هذه الجمل في حُكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها، أو لكلِّ
جملةٍ حُكُمُ نفسِها في الاستقلال، وحرفُ العطف محسِّنٌ لا مُشْرِك، وهو الصحيح
في عطف الجمل؛ لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض، على ما يعرف
من النحو.
السبب الثاني: يُشبَّه الاستثناء بالشرط في عَوْده إلى الجُمل المتقدِّمة، فإنه يعود
إلى جميعها عند الفقهاء، أَوْ لا يُشبَّه به؛ لأنه من باب القياس في اللغة، وهو فاسد
(١) هو محمد أبو بكر بن أبي يحيى زكريا، كان حافظاً للمذهب، توفي سنة (٢٦٩ هـ) وقيل غير ذلك.
ترتيب المدارك ٣/ ٩١ .
(٢) الكافي ٨٩٧/٢، والنوادر والزيادات ٣٣٨/٨، وعقد الجواهر ١٤٧/٣.
(٣) المحرر الوجيز ١٦٥/٤. والنوادر والزيادات ٣٣٩/٨.
(٤) إحكام الفصول للباجي ٢٧٧، والمحصول لابن العربي ص ٨٤ - ٨٥، والمحصول للرازي ٤٣/٣ .
(٥) ينظر لهذين الشيئين: المحصول للرازي ٤٣/٣ وما بعدها.

١٣٦
سورة النور: الآيتان ٤ -٥
على ما يعرف في أصول الفقه. والأصل أنَّ كلَّ ذلك محتمِل ولا ترجيح، فتعيَّن ما
قاله القاضي من الوقف(١).
ويتأيّد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله عزَّ وجلَّ كِلَا الأمرين؛ فإن آية
المحاربة(٢) فيها عودُ الضمير إلى الجميع باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأً(٣) فيها ردُّ
الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، وآية القذف محتملة للوجهين؛ فتعيّن الوقف من غير
مَيْن (٤).
قال علماؤنا: وهذا نظر كُليٍّ أصوليٍّ، ويترجَّح قولُ مالك والشافعيّ رحمهما الله
من جهة نظر الفقه الجزئي، بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق [والنهي عن قبول
الشهادة](٥) جميعاً، إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له، وأَجمعت الأمة
على أنَّ التوبةَ تمحو الكفرَ، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى، والله أعلم.
قال أبو عبيد(٦): الاستثناء يرجع إلى الجُمَل السابقة، قال: وليس مَن نُسبَ إلى
الزنى بأعظم جُرْماً من مرتكب الزنى، ثم الزَّاني إذا تاب قُبلت شهادتُه؛ لأن «التائبَ
من الذَّنْب كمَنْ لا ذَنْبَ له))(٧)، وإذا قبل الله التوبةَ من العبد، كان العباد بالقبول
(١) ينظر إحكام الفصول ٢٧٧ للباجي .
(٢) في سورة المائدة الآية ٣٣: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيّاً وَلَهُمْ فِ
أَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ فَعْلَمُواْ أَنْنَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
(٣) في سورة النساء الآية ٩٢: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَصَئًا فَتَحْرِيُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلََّ أَنْ يَضَذَّقُواْ﴾.
(٤) المَيْن: الكذب. القاموس (مين).
(٥) في النسخ الخطية: والتوبة، بدل الكلام الواقع بين حاصرتين، والمثبت من فتح القدير ٩/٤، ومما
سيرد في المسألة الآتية.
(٦) في الناسخ والمنسوخ له ص١٥٣ - ١٥٤.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني في الكبير (١٠٢٨١) عن ابن مسعود من طريق أبي عبيدة قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٠ : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع
من أبيه.
وله شواهد عن ابن عباس، وأبي سعدة الأنصاري، وأبي عتبة الخولاني. ينظر سنن البيهقي ١٠/ ١٥٤ .

١٣٧
سورة النور: الآيتان ٤ - ٥
أولى؛ مع أنَّ مثل هذا الاستثناء موجودٌ في مواضع من القرآن؛ منها قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولا
شك أنَّ هذا الاستثناء إلى الجميع.
وقال الزجاج (١): وليس القاذف بأشدَّ جُرْماً من الكافر، فحقُّه إذا تاب وأَصلَحَ أن
تُقبل شهادته، قال: وقوله: ((أبَداً)) أي: ما دام قاذفاً، كما يقال: لا تُقبل شهادة
الكافر أبداً؛ فإنَّ معناه: ما دام كافراً.
وقال الشَّعْبي للمخالف في هذه المسألة: يقبلُ الله توبتَه، ولا تَقبلون شهادتَه!(٢).
ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين، فقوله:
﴿ وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَبِقُونَ﴾ تعليل لا جملة مستقلةٌ بنفسها، أي: لا تقبلوا شهادتَهم
لفسقهم، فإذا زال الفسقُ فلِمَ لا تُقبل شهادتهم؟. ثم توبةُ القاذف إكذابُه نفسَه، كما
قال عمرُ لقَذَفة المغيرة بحضرةِ الصحابة من غير نكيرٍ، مع إشاعة القضية وشهرتِها من
البصرة إلى الحجاز وغيرِ ذلك من الأقطار. ولو كان تأويل الآية ما تأوَّله الكوفيون،
لم يجز أن يذهب علمُ ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف
أبداً، ولم يسعهم السكوتُ عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب؛ فسقط قولُهم، والله
المستعان.
الخامسة والعشرون: قال القُشيريّ: ولا خلاف أنَّه إذا لم يُجلد القاذفُ، بأن
مات المقذوفُ قبل أن يطالِبَ القاذفَ بالحدِّ، أو لم يُرفع إلى السلطان، أو عفا
المقذوفُ، فالشهادة مقبولةٌ؛ لأنَّ عند الخصم في المسألة النهي عن قبول الشهادة
معطوفٌ على الجلد، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًّا﴾.
وعند هذا قال الشافعيّ(٣): هو قبل أن يُحَدَّ شرٌّ منه حين حُدَّ؛ لأنَّ الحدود كفاراتٌ،
(١) في معاني القرآن له ٣١/٤ .
(٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ ص١٥١، وعبد الرزاق (١٥٥٥٢).
(٣) في الأم ٧/ ٤١ - ٤٢ .

١٣٨
سورة النور: الآيات ٤ - ١٠
فکیف تُردُّ شهادتُه في أحسن حالیه دون أخسِّهما.
قلت: هكذا قال، ولا خلاف، وقد تقدَّم (١) عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف
تُردُّ شهادته، وهو قول الليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ: تردُّ شهادتُه وإن لم يحدّ(٢)؛
لأنَّه بالقذف يفسق؛ لأنه من الكبائر، فلا تُقبل شهادته حتى تصحّ براءتُه بإقرار
المقذوف له بالزنى، أو بقيام البينة عليه.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ يريد: إظهارَ التوبة. وقيل:
وأصلحوا العملَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث تابوا وقَبِلَ توبتَهم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ
شَهَدَاتِ بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْصَدِقِينَ ﴾ وَاَلْخَِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴿ وَيَدْرَؤَأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرَبَعَ شَهْدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِنَ
وَاْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوََّبُّ حَكِيمٌ ﴾﴾
فيه ثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ ((أنفسُهم))(٤) بالرفع على
البدل، ويجوز النصب على الاستثناء، وعلى خبر ((يكن)).
﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ﴾ بالرفع قراءةُ الكوفيين(٥) على الابتداء والخبر،
أي: فشهادةُ أحدهم التي تُزيل عنه حدَّ القذف أربعُ شهادات. وقرأ أهل المدينة
وأبو عمرو: ((أربعَ)) بالنصب(٦)؛ لأن معنى ((فشهادةُ)): أن يشهدَ، والتقدير: فعليهم
(١) ص١٣٤ من هذا الجزء.
(٢) قول الشافعي في الأم ٧/ ٤١ .
(٣) الوسيط ٣٠٥/٣.
(٤) زيادة من (م).
(٥) يعني هي قراءة عاصم في رواية حفص عنه، وحمزة، والكسائي. السبعة ص ٤٥٢، والتيسير ص١٦١ .
(٦) وقرأ بها أيضاً ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية شعبة عنه، كما في المصدرين السالفين.

١٣٩
سورة النور: الآيات ٦ - ١٠
أن يَشهد أحدُهم أربعَ شهادات، أو: فالأمرُ أن يشهدَ أحدُهم أربعَ شهادات(١)، ولا
خلافَ في الثاني أنه منصوبٌ بالشهادة.
﴿وَاَلْخَيِسَةُ﴾ رفع بالابتداء، والخبرُ ((أنَّ) وصلتُها، ومعنى المخفَّفة كمعنى
المُثقَّلة؛ لأن معناها: أنَّه(٢). وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحةُ وعاصم في رواية حفص
((والخامسةَ)) بالنصب(٣)، بمعنى: وتشهدُ الشهادةَ الخامسة. الباقون بالرفع على
الابتداء، والخبرُ في ((أنَّ لعنةَ الله عليه))، أي: والشهادةُ الخامسةُ قولُه: لعنةُ الله
علیه.
الثانية: في سبب نزولها، وهو ما رواه أبو داود عن ابن عباس أنَّ هلالَ بنَ أميةَ
قذفَ امرأتَه عند النبيِّ# بشَرِيك بن سَحْماء، فقال النبيُّ﴾: ((البَيّنةَ، أو حدٍّ في
ظهرك)). قال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينة! فجعل
النبيُّ # يقول: ((البينةَ، وإلَّ حَدٍّ في ظهرك)). فقال هلال: والذي بعثك بالحقِّ، إني
لصادق، ولَيُنْزِلنَّ الله في أمري ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ. فنزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَمْ يَكُن لَُّمْ شُهَدَلَهُ إِلََّ أَنفُسُهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾. الحديث بكماله (٤).
وقيل: لمَّا نزلت الآية المتقدِّمةُ في الذين يرمون المحصنات، وتناولَ ظاهرُها
الأزواجَ وغيرَهم، قال سعد بن معاذ(٥): يا رسول الله، إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً؛
أُمهلُه حتى آتيَ بأربعة! والله لأضربتَّه بالسَّيف غيرَ مُصْفِح عنه. فقال رسول الله ﴾:
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٩/٣، وقراءة التخفيف في الموضعين هي قراءة نافع، فقد قرأ: ((أنْ لعنةُ
الله)، و((أنْ غَضِبَ اللهُ».
(٣) ذِكْر عاصم هنا وهم، ولم يذكره النحاس في إعراب القرآن ١٢٩/٣، وعنه نقل المصنف، وقد قرأ
عاصم وحده من العشرة في رواية حفص: والخامسةً، بالنصب، في الموضع الثاني. وأما في الموضع
الأول فالعشرة قرؤوا بالرفع. وقرأ أبو عبد الرحمن - وهو السُّلّمي - وطلحة بالنصب في الموضعين.
ينظر السبعة ص ٤٥٣، والتيسير ص١٦١، والمحرر الوجيز ١٦٦/٤.
(٤) سنن أبي داود (٢٢٥٤)، وأخرجه البخاري أيضاً (٤٧٤٧)، وسلفت قطعة منه ص١٠٨ من هذا الجزء.
(٥) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٥/٤، وهو وهم، وصوابه: سعد بن عبادة كما
في المصادر.

١٤٠
سورة النور: الآيات ٦ - ١٠
((أتعجبون من غَيْرة سعدٍ؟! لأنا أَغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ مني))(١). وفي ألفاظ سعد رواياتٌ
مختلفة، هذا نحو معناها.
ثم جاء من بعد ذلك هلالُ بنُ أميةَ الواقفي، فرمى زوجته بشَرِيك بن سَخْماء
البَلَوي على ما ذكرنا، وعزمَ النبيُّ # على ضربه حدَّ القذف، فنزلت هذه الآيةُ عند
ذلك، فجمعهما رسول اللـه # في المسجد وتلاعنا، فتلكَّأتِ المرأة عند الخامسة لمَّا
وُعِظت وقيل: إنها مُوجِبة، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فالْتَعَنَت، وفرَّق
رسول الله ﴿ بينهما، ووَلَدت غلاماً كأنه جَمَلٌ أوْرَق - على النَّعت المكروه - ثم كان
الغلام بعد ذلك أميراً بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أباً (٢).
وجاء أيضاً عُوَيْمِرٌ العجلانيُّ، فرمی امرأته ولا عن(٣). والمشهورُ أن نازلة هلالٍ
كانت قبلُ، وأنها سبب الآية(٤). وقيل: نازلةُ عويمرٍ بن أشقر(٥) كانت قبلُ، وهو
حديث صحيحٌ مشهورٌ خرَّجه الأئمة.
(١) أخرجه أحمد (١٨١٦٨)، والبخاري (٦٨٤٦)، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﴾. دون
قوله: لما نزلت الآية المتقدمة ... وقوله: غير مصفح: قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٢١/٩ : قال
عياض: هو بكسر الفاء وسكون الصاد المهملة. قال: ورويناه أيضاً بفتح الفاء. فمن فتح جعله وصفاً
للسيف وحالاً منه، ومن كسر جعله وصفاً للضارب وحالاً منه. اهـ. وزعم ابن التين أنه وقع في سائر
الأمهات بتشديد الفاء، وهو من صفح السيف، أي: عرضه.
(٢) المحرر الوجيز ١٦٥/٤ - ١٦٦، وخبر الملاعنة بين هلال وزوجته هو من حديث ابن عباس السالف.
وقوله: أورق، أي : أسمر.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٨٣٠)، والبخاري (٤٧٤٥)، ومسلم (١٤٩٢): (١) من حديث سهل بن سعد
الساعدي ﴾.
(٤) المحرر الوجيز ١٦٦/٤ .
(٥) كذا قال المصنف: عويمر بن أشقر، وهي رواية القعنبي عن مالك كما ذكر الحافظ ابن حجر في فتح
الباري ٩/ ٤٤٧، وقال: وكذا أخرجه أبو داود وأبو عوانة من طريق عياض بن عبد الله الفهري عن
الزهري، ووقع في الاستيعاب: عويمر بن أبيض، وعند الخطيب في ((المبهمات)): عويمر بن الحارث،
وهذا هو المعتمد، فإن الطبري نسبه في ((تهذيب الآثار)) فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجدّ بن
عجلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر، أو أبيض.