النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة المؤمنون: الآيات ٩٠ - ٩٤
الله(١). فقال الله تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَكِ﴾ ((مِن)) صِلة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ إِلَةٍ﴾
((مِن)) زائدة؛ والتقدير: ما اتّخذ الله ولداً كما زعمتم، ولا كان معه إله فيما خَلَق.
وفي الكلام حذف، والمعنى: لو كانت معه آلهةٌ(٢)، لانفرَدَ كلُّ إلهٍ بخلقه(٣) ﴿وَلَعَلَا
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍَّ﴾ أي: وَلَغَالبَ، وطلب القويُّ الضعيفَ(٤)، كالعادة بين الملوك،
وكان الضعيفُ المغلوبُ لا يستحِقُّ الإلهية. وهذا الذي يدلُّ على نفي الشريك يدلُّ
على نَفْي الولد أيضاً؛ لأن الولد يُنازع الأبَ في المُلْك منازعةً الشريك.
﴿سُبْحَنَ اللّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ تنزيهاً له عن الولد والشريك. ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَدَةِ
فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه وتقديس.
وقرأ نافعٍ وأبو بكر وحمزةُ والكسائيُّ: ((عالمٌ)) بالرفع على الاستئناف، أي: هو
عالمُ الغيب، الباقون: بالجرِّ؛ على الصِّفة لله(٥)، وَرَوى رُوَيس عن يعقوب: ((عالِمٍ))
إذا وَصَل خفضاً، و((عالمٌ)) إذا ابتَدَأْ رفعاً (٦).
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِ فِ الْقَوْمِ
قوله تعالى: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّ مَا يُوعَدُونَ
٩٤٦
الظَّالِمِينَ
علَّمه ما يدعو به، أي: قل ربِّ، أي: يا ربِّ، إنْ أَرَيْتَني ما يُوعدون من العذاب
﴿فَلَ تَّجْعَلْنِى فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في نزول العذاب بهم، بل أخرجني منهم(٧).
(١) مراخ لبيد ٢/ ٧٠.
(٢) من قوله: ﴿مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَرٍ﴾ إلى هذا الموضع جاء بدلاً منه في (ظ): ﴿مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِن وَكَرٍ﴾ كما
زعمتم ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَيْهٍ بِمَا خَلَقَ﴾.
(٣) قوله: وفي الكلام حذف ... إلى هذا الموضع، هو تفسير لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ﴾
وينظر المحرر الوجيز ١٥٤/٤ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤٨٢/٤ - ٤٨٣، وينظر تفسير البغوي ٣١٦/٣، والوسيط ٢٩٧/٣.
(٥) السبعة ص ٤٤٧، والتيسير ص١٦٠، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٢٠، والكشف عن وجوه
القراءات ١٣١/٢ .
(٦) النشر ٣٢٩/٢. والرواية المشهورة عن يعقوب (وهو من العشرة) الخفض في الحالين؛ وصلاً ووقفاً.
(٧) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ٤٢٠، وزاد المسير ٤٨٨/٥.

٨٢
سورة المؤمنون: الآيات ٩٣ - ٩٦
وقيل: النداء معترِض(١)، و((ما)) في ((إِمَّا)) زائدة(٢). وقيل: إنَّ أصل ((إمّا)): إِنْ
ما؛ فـ ((إن)) شرط، و((ما)) شرط، فَجمع بين الشرطين توكيداً(٣)، والجواب: ((فلا
تجعلني في القوم الظالمين))، أي: إذا أردتَ بهم عقوبةً، فأخرجني منهم(٤).
وكان عليه الصلاة والسلام يعلم أنَّ الله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا
نَزل بهم العذاب، ومع هذا أمره الربُّ بهذا الدعاء والسؤال ليَعْظُم أجرُه، وليكون في
كلِّ الأوقات ذاكراً لربِّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ
٩٥)
نَّه على أن خلافَ المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع
والسيف، ونجَّاه الله ومَن آمن به مِن ذلك.
قوله تعالى: ﴿آَدْفَعْ بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
٩٦
قوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾ أمر بالصَّفح ومكارم الأخلاق، فما
كان منها لهذه الأمة فيما بينهم(٥)؛ فهو مُحْكُم باقٍ في الأمة أبداً (٦)، وما كان (٧) فيها
من معنى موادعة الكفار وتركِ التعرُّض لهم والصَّفحِ عن أمورهم؛ فمنسوخٌ بالقتال.
﴿فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: مِن الشِّرك والتكذيب. وهذا يقتضي أنها آيةٌ
مُوادَعة(٨)، والله تعالى أعلم.
(١) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٨٤ .
(٢) المحرر الوجيز ١٥٥/٤ .
(٣) لم نقف على هذا الوجه في (إما)، وذكر الهروي في الأَزْهيَّة ص١٤٢ أن ((إما)) تكون جزاءً بمعنى ((إنْ))،
وتكون (ما)) زائدة للتو كيد.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٢١/٣.
(٥) قوله: الأمة فيما بينهم، من (م).
(٦) جاء في المحرر الوجيز ١٥٥/٤ - والكلام منه -: وما كان منها لهذا فهو حكم باق في الأمة أبداً.
(٧) لفظ: كان، من (م).
(٨) المحرر الوجيز ١٥٥/٤ .

٨٣
سورة المؤمنون: الآيتان ٩٧ - ٩٨
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ
قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ
١٠٠٪
٩٨
يَحْضُرُونِ
قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ الهَمَزاتُ: هي جمعُ هَمْزة، والهَمْزُ
في اللغة: النَّخْس والدَّفع(١)، يقال: هَمزَه وَلَمَزه ونَخَسه: دفعه.
قال الليث: الهَمْز كلامٌ مِن وراء القَفَا، واللَّمْزُ مواجهة. والشيطان يُوسوس
فِيَهْمِسُ في وَسواسه في صَدر ابن آدم(٢)، وهو قولُه: ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ
الشَّيَاطِينِ﴾، أي: نَزَغاتِ الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى(٣).
وفي الحديث: كان يتعوَّذ من هَمْز(٤) الشيطان ولَمْزِه وهَمْسه(٥).
قال أبو الهَيْثَم: إذا أَسرَّ الكلام وأخفاه، فذلك الهَمْس من الكلام. وسُمِّ الأسد
هَمُوساً(٦)؛ لأنه يمشي بخِفَّة؛ فلا يُسمع صوت وطئه. وقد تقدم في ((طه))(٧).
الثانية: أمر الله تعالى نبيَّه ﴾ والمؤمنين بالتعوُّذ من الشيطان في هَمَزاته، وهي
سَوْراتُ الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسَه، وكأنها هي التي كانت تصيب
المؤمنين مع الكفار فتقع المُحَادّة، فلذلك اتصلت بهذه الآية، فالنَّزَغات وسَوْراتُ
(١) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٨٤ .
(٢) تهذيب اللغة ٦/ ١٤٢ وفيه: بوسواسه، بدل: في وسواسه. والليث هو ابن المظفر، وقيل: ابن نصر،
صاحب الخليل بن أحمد الفراهيدي. إنباه الرواة ٣/ ٤٢ .
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤/ ٢١ .
(٤) في (د) و(ظ): همزات.
(٥) الأثر أورده الخليل في العين ١١/٤ والأزهري في تهذيب اللغة ٦/ ١٤٣، وابن الأثير في النهاية (لمز)
و(همس)، وقد أخرجه أحمد (٣٨٢٨) من حديث ابن مسعود ، بلفظ: كان يتعوذ من الشيطان، من
همزه ونفثه و نفخه.
(٦) تهذيب اللغة ٦/ ١٤٣، وأبو الهيثم: هو الرازي.
(٧) ١٣٩/١٤ .

٨٤
سورة المؤمنون: الآيتان ٩٧ - ٩٨
الغضب الواردةُ من الشيطان هي المتعوَّذُ منها في الآية(١)، وقد تقدم في آخر
((الأعراف)»(٢) بيانُه مستوفّى، وفي أوَّل الكتاب أيضاً (٣).
ورُوي عن عليٍّ بن حرب بن محمدٍ الطائيّ، حذَّثنا سفيان، عن أيوب، عن
محمد ابن حَبَّان: أن خالداً كان يؤرَّق من الليل؛ فذكر ذلك للنبيّ﴾، فأمره أن يتعوَّذ
بكلماتِ اللـه التَّامَّة، من غضب الله وعقابه، ومن شرِّ عباده، ومن حَمَزات الشياطين
وأنْ يَخْضُرونَ(٤).
وفي كتاب أبي داود(٥): قال عمرو(٦): وهَمْزُه المُوتَةُ. قال ابنُ ماجه: المُوتةُ:
يعني الجنون(٧). والتعوُّذُ أيضاً من الجنون وَكِيد(٨).
وفي قراءة أُبَيّ: ((رَبِّ عائذاً بك من هَمَزات الشياطين، وعائذاً بك ربِّ (٩) أن
(١) المحرر الوجيز ١٥٥/٤.
(٢) ٩/ ٤٢٢ وما بعدها.
(٣) ١٣٥/١ وما بعدها.
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٠٩/٢٤، وفي الاستذكار ٩٢/٢٧ وابن حجر في نتائج الأفكار
١١١/٣، بهذا الإسناد قال ابن حجر: هذا مرسل صحيح الإسناد. اهـ، يعني أن محمد ابن حبَّان (وهو
محمد بن يحيى ابن حبان) تابعي صغير، لم يدرك خالد بن الوليد.
وأخرجه أحمد (١٦٥٧٣) وابن أبي شيبة ٨/ ٦٠، وابن السني (٦٣٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات
(٤٠٦) وابن حجر في نتائج الأفكار ١١٢/٣ من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، أن الوليد
ابن الوليد شكا إلى رسول الله# الأرق فذكره. قال البيهقي: هذا مرسل. قال ابن حجر: هذا مرسل
صحيح الإسناد ... ولم يخرج السند بذلك من الانقطاع فإن محمد بن يحيى من صغار التابعين، وجل
روايته عن التابعين، والوليد بن الوليد مات في حياة النبي #.
(٥) برقم (٧٦٤) وسلف ١٣٦/١ .
(٦) في (خ) و(ظ) و(م): عمر، والمثبت من (د) و(ز)، وعمرو هذا: هو ابن مرة أحد رجال الإسناد.
(٧) لم نقف عليه في مطبوع سنن ابن ماجه، وسلف هذا الكلام ١٣٦/١ .
(٨) المحرر الوجيز ١٥٥/٤.
(٩) لفظة: رب، من (د) والمحرر الوجيز ١٥٥/٤ والكلام منه.

٨٥
سورة المؤمنون: الآيات ٩٧ - ١٠٠
يَحْضُرونٍ))، أي: يكونوا معي في أموري، فإنهم إذا حضروا الإنسانَ كانوا مُعَدِّين
للهَمْز، وإذا لم یکن حضورٌ، فلا مَمْز.
وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر قال: سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول: ((إنَّ الشيطانَ
يحضر أحدَكم عند كلِّ شيءٍ من شأنه، حتى يحضرَه عند طعامه، فإذا سقطت من
أحدكم اللُّقمةُ، فلْيُمِط ما كان بها من أذَّى، ثم ليأكلْها، ولا يَدَعْها للشيطان، فإذا فرغ
فَلْيَلْعَق أصابعَه، فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البَرَكة))(١).
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ (٤٦ لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا
فِيمَا تَرَكْثُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآيِهِم بَرَّزَغُ إِلَى بَّرِ يُبْعَثُونَ
﴾
قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا جَآءُ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبٍّ أَرْجِعُونٍ﴾ عاد الكلام إلى ذِكْر
المشركين، أي: ﴿قَالُواْ أَوِذَا مِثْنَا﴾ إلى قوله ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَِّينَ﴾ [الآية: ٨٢-٨٣]،
ثم احتجَّ عليهم وذكَّرهم قدرته على كلِّ شيء [في الآية: ٨٤-٨٩]، ثم قال: هم مُصِرُّون
على ذلك ﴿حَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ اٌلْمَوْتُ﴾ تيقّن ضلالتَه، وعايَنَ الملائكة التي تَقْبِض
روحه - كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّنَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] -
﴿قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونٍ﴾ تمنَّى الرجعة كي يعملَ صالحاً فيما ترك(٢).
وقد يكون القول في النفس، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللهُ
بِمَا نَقُولُ﴾ (٣) [المجادلة: ٨].
فأمَّا قولُه: ((ارْجِعُونٍ)) وهو يخاطِبُ(٤) ربَّه عزَّ وجلَّ، ولم يقل: ((ارجعني))،
فقيل(٥): جاء على تعظيم الذِّكْر للمخاطَب. وقيل: استغاثوا بالله عزَّ وجلَّ أوَّلاً، فقال
(١) صحيح مسلم (٢٠٣٣): (١٣٥)، وأخرج أحمد (١٤٥٥٢) مختصراً.
(٢) ينظر تفسير الطبري ١٧/ ١٠٧ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢١/٣ - ١٢٢.
(٤) في (م): مخاطب.
(٥) قوله: فقيل، ليست في (د) و(م).

٨٦
سورة المؤمنون: الآيتان ٩٩ - ١٠٠
قائلهم: ربِّ، ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون، أي: ارجعون(١) إلى
الدنيا؛ قاله ابن جُريج(٢). وقيل: إن معنى ((ارجعون)) على جهة التكرير، أي: ارجعني
ارجعني(٣). وهكذا قال المازنيُّ(٤) في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِ جَهَنَّ﴾ [ق: ٢٤]، قال:
معناه: ألْقِ ألْقِ. قال الضخَّاك: المراد به أَهلُ الشرك(٥).
قلت: ليس سؤالُ الرجعة مختصًّا بالكافر، فقد يسألُها المؤمنُ، كما في آخر
سورة المنافقين على ما يأتي(٦).
ودَّت الآيةُ على أنَّ أحداً لا يموتُ حتى يعرفَ اضطراراً، أهو من أولياء الله، أم
من أعداء الله(٧)، ولولا ذلك لَمَا سأل الرجعةَ، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت
وذواقه.
﴿لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا﴾ قال ابن عباس: يريد ((أشهد أن لا إله إلا الله))(٨). ﴿فِيمَا
تَرَكْثُ﴾ أي: فيما ضيَّعتُ وتركتُ العمل به من الطاعات(٩). وقيل: ((فيما تركت)) من
مالي(١٠) فأتصدَّق. و((لعلَّ)) تتضمن تردُّداً، وهذا الذي يسأل الرجعة قد استيقن
العذابَ، وهو يوطّن نفسَه على العمل الصالح (١١) قطعاً من غير تردُّد، فالتردُّد يرجع
(١) قوله: أي ارجعون، ليست في (د) و(م).
(٢) أورده عن ابن جريج الطبري ١٠٨/١٧، وذكره دون نسبة - مع القول الذي قبله - البغوي في تفسيره
٣١٧/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٥/٤ - ١٥٦، والرازي في تفسيره ١٢٠/٢٣.
(٣) في (م): ارجعني ارجعني ارجعني.
(٤) في (د) و(م): المزني، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس
١٢٢/٣، ومشكل إعراب القرآن ٥٠٥/٢ والكلام منهما.
(٥) أخرجه الطبري ١٠٨/١٧ .
(٦) عند تفسير الآية العاشرة منها.
(٧) مجمع البيان ١٨/ ١٧٦ .
(٨) الوسيط للواحدي ٢٩٨/٣ .
(٩) تفسير البغوي ٣١٧/٣، وزاد المسير ٤٩/٥ - ونسبه لمقاتل - وتفسير الرازي ١٢٠/٢٣.
(١٠) في (م): المال، وينظر هذا القول في تفسير الرازي ١٢٠/٢٣.
(١١) لفظ: الصالح. من (م).

٨٧
سورة المؤمنون: الآيتان ٩٩ - ١٠٠
إِمَّا إلى ردِّه إلى الدنيا، وإِمَّا إلى التوفيق، أي: أعمل صالحاً إن وفقتني، إذ ليس على
قطعٍ من وجود القدرة والتوفيق لو رُدّ إلى الدنيا.
﴾ هذه كلمةُ رَدِّ(١)، أي: ليس الأمر على ما يظنُّه؛ من أنه يُجاب إلى
الرجوع إلى الدنيا، بل هو كلام يَطيح في أدراج الريح(٢). وقيل: لو أُجيب إلى ما
يطلب لَمَا وَفَّى بما يقول، كما قال: ﴿وَلَوَّ رُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾(٣) [الأنعام: ٢٨].
وقيل: ﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاْ﴾ ترجع إلى الله تعالى، أي (٤): لا خُلْفَ في خبره،
وقد أخبر أنه لن يؤخّر نفساً إذا جاء أجلُها، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن. وقيل:
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ عند الموت، ولكن لا تنفع(٥).
﴿وَمِن وَرَآيِهِم بَّزَةُ﴾ أي: ومن أمامهم وبين أيديهم(٦). وقيل: مِن خلفهم.
(بَرْزَخٌ)) أي: حاجزٌ بين الموت والبعث؛ قاله الضحاك ومجاهد وابن زيد(٧). وعن
مجاهد أيضاً: أنَّ البرزخ هو الحاجز بين الميت(٨) والرجوع إلى الدنيا. وعن
الضَّاك: هو ما بين الدنيا والآخرة(٩). ابن عباس: حجاب. السُّدِّي: أَجَل. قتادة:
بقيّةُ الدنيا(١٠). وقيل: الإمهالُ إلى يوم القيامة؛ حكاه ابن عيسى. الكلبي: هو الأَجَل
ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة(١١). وهذه الأقوال متقاربة.
(١) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: ردّ.
(٢) تفسير الطبري ١٠٨/١٧، وتفسير أبي الليث ٤٢١/٢، والوسيط ٢٩٨/٣، وزاد المسير ٤٩٠/٥ .
(٣) المحرر الوجيز ١٥٦/٤.
(٤) قوله: أي، ليست في (د)، وفي (ظ): لأنه.
(٥) تفسير الرازي ٢٣/ ١٢٠.
(٦) الوسيط ٢٩٨/٣، وزاد المسير ٤٩٠/٥ .
(٧) أخرج قول مجاهد وابن زيد الطبري ١٧/ ١١٠ .
(٨) في (م) وتفسير مجاهد ٤٣٤/٢: الموت، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما أخرجه الطبري
عنه ١٧ /١١٠ .
(٩) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٨٥، والنكت والعيون ٤/ ٦٧ .
(١٠) أخرج قول قتادة عبد الرزاق في تفسيره ٤٨/٢، والطبري ١٧/ ١١٠.
(١١) أورد قول ابن عيسى والكلبي الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٦٧ .

٨٨
سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠١
وكلُّ حاجزٍ بين شيئين فهو بَرْزَخ، قال الجوهري(١): البرزخُ: الحاجزُ بين
الشيئين. والبرزخ: ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد
دخل في البرزخ.
وقال رجل بحضرة الشَّعْبيّ: رحم الله فلاناً؛ فقد صار من أهل الآخرة، فقال:
لم يَصِر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من
الآخرة(٢).
وأُضِيف ((يوم)) إلى ((يُبْعثون)) لأنه ظرفُ زمان، والمراد بالإضافة المصدر(٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ المرادُ بهذا النفخ النفخةُ الثانية (٤) ﴿فَلَآ أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما
يفتخرون بها في الدنيا، ولا يتساءلون فيها كما يتساءلون في الدنيا: مِن أيِّ قبيلة
أنت، ولا مِن أيِّ نسب، ولا يتعارفون لهَوْل ما أذهلهم(٥).
وعن ابن عباس: أن ذلك في النفخة الأولى، حين يَصْعَق مَن في السماوات ومَن
في الأرض إلَّا مَن شاء الله، فلا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون، ثم نُفِخ فيه أُخرى
فإذا هم قيامٌ ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون(٦).
وسأل رجلٌ ابنَ عباس عن هذه الآية وقولِه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَ بَعْضٍ يَتَسَاءَ لُونَ﴾
(١) في الصحاح (برزخ).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٣، وأخرج قول الشعبي هناد في الزهد (٣١٥) بنحوه.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٢/٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٢/٤، وتفسير أبي الليث ٤٢١/٢، والوسيط ٢٩٨/٣، وزاد المسير ٤٩٠/٥ .
(٥) الوسيط ٢٩٨/٣ .
(٦) سلف ٢٠/٥ مطولاً، وهذا الكلام مقتبس من هذه الآية، والآية (٦٨) من سورة الزمر، والآية (٢٧)
من سورة الصافات.

٨٩
سورة المؤمنون: الآية ١٠١
[الصافات: ٢٧]، فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى؛ لأنه لا يبقى على الأرض
حيٍّ، فلا أنسابَ ولا تساؤل، وأمَّا قوله: ﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فإنهم إذا
دخلوا الجنة تساءلوا(١).
وقال ابن مسعود: إنما عَنَى في هذه الآية النفخةَ الثانية(٢).
وقال أبو عمر زاذان: دخلت على ابن مسعود، فوجدتُ أصحاب الخير واليُمْنة
قد سبقوني إليه، فناديت بأعلى صوتي: يا عبدَ الله بنَ مسعود، مِن أجل أني رجلٌ
أعجميٍّ أذنيتَ هؤلاء وأقصيتني؟! فقال: اذْنُهُ. فدنوتُ، حتى ما كان بيني وبينه
جليسٌ، فسمعته يقول: يُؤْخَذ بيد العبد أو الأَمَة يوم القيامة، فيُنْصَبُ على رؤوس
الأوَّلين والآخِرِين، ثم يُنادي منادٍ : هذا فلانُ بنُ فلان، مَن كان له حقٌّ فليأتِ إلى
حقٌّه، فتفرحُ المرأة أن يدور لها الحقُّ على أبيها، أو على زوجها، أو على أخيها(٣)،
أو على ابنها. ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلَّ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. فيقول
الربُّ سبحانه وتعالى: آتِ هؤلاء حقوقھم، فیقول: يا ربِّ قد فنیتِ الدنيا فمن أین
أُوْتيهم؟ فيقول الربُّ للملائكة: خُذُوا من حسناته فأعطُوا كلَّ إنسان بقَدْر طَلِبَتِهِ. فإن
كان وليًّا لله، فَضَلَت(٤) من حسناته مثقالُ حبَّة مِن خَرْدل، فيضاعفُها(٥) الله تعالى
حتى يُدْخِلَه بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً
يُضَنِعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنّهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وإن كان شقيًّا، قالت الملائكة:
ربِّ، فنِيتْ حسناتُه وبقي طالبون، فيقول الله تعالى: خُذُوا من أعمالهم فأضيفوها
إلى سيئاته، وصُّوا له صَكًَّا إلى جَهَنَّمَ (٦).
(١) أخرجه الطبري ١١١/١٧، والحاكم ٣٩٤/٢ - ٣٩٥ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ١١٧ .
(٣) في (ز) و(ظ): وأختها.
(٤) في (ظ): وفضل.
(٥) في (خ): يضاعفها، وفي (ظ): ضاعفها، والمثبت من (د) و(ز) و(م).
(٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١٦)، والطبري مقطعاً ١١٢/١٧، ١١٣، وأبو نعيم في حلية
الأولياء ٢٠١/٤ - ٢٠٢ . وجاء في الزهد: من أجل أني رجل أعمى، بدل: من أجل أني رجل أعجمي.

٩٠
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٢ - ١٠٥
(١) وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُ
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٥٠٣٠١
فَأُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
تقدم الكلام فيهما(١).
قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ ﴿ أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَ
١١٠٥
عَلَيْكُمْ تَكُم بِهَا تُكَذِبُونَ
قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ ويقال: ((تَنْفَح))، وهو (٢) بمعناه، ومنه: ﴿وَلَپن
مَسَتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]، إلَّا أنَّ (تَلْفَح)) أبلغُ بأساً (٣)؛ يقال:
لَفَحَتْه النارُ والسَّمُومُ بحرِّها: أحرقَتْه، ولَفَحْتُه بالسيف لَفْحةً: إذا ضربتَه به ضربة (٤)
خفيفة.
﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ قال ابن عباس: عابسون(٥). وقال أهل اللغة: الكُلُوح تَكَثُّرٌ
في عُبوس(٦). والكالح: الذي قد تشمَّرت شفتاه وبَدَت أسنانه(٧)، قال الأعشى:
وله المُقْدَمُ لا مِثْلَ لهُ ساعةَ الشِّدْقِ عن النَّابِ كَلَحْ(٨)
وقد كُلَح الرجل كُلوحاً وكُلَاحاً، وما أقبح كَلْحَتَه: يُرادُ به الفَمُ وما حواليه،
ودهرٌ كالحٌ، أي: شديد(٩).
(١) ١٥٨/٩ وما بعدها.
(٢) لفظة: وهو، من (ظ).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٣/٤.
(٤) لفظة: ضربة، من (م) والصحاح (لفح) والكلام منه.
(٥) أخرجه البخاري إثر حديث (٤٧٤٤) تعليقاً، ووصله الطبري ١١٥/١٧ - ١١٦، وابن أبي حاتم كما
في تغليق التعليق ٢٦٣/٤ .
(٦) الصحاح (كلح).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٣/٤.
(٨) ديوان الأعشى ص٢٩١، وفيه: في الحرب إذا، بدل: لا مثل له. وهو بمثل رواية المصنف عند
الطبري ١٧/ ١١٥ .
(٩) الصحاح (كلح).

٩١
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٤ - ١٠٨
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿وَهُمْ فِهَا كَالِحُونَ﴾: يريد كالذي كَلَح وتقلَّصت شفتاه،
وسال صدیده.
وقال ابن مسعود: ألم ترَ إلى الرأس المُشَيَّط بالنار، وقد بدت أسنانه وقَلَصت
شفتاه(١)؟
وفي الترمذيِّ عن أبي سعيد الخُذْريِّ، عن النبيِّ # قال: ((﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾،
قال: تشويه النار، فتَقْلِصُ شَفَتُه العليا، حتى تَبْلُغ وَسَطَ رأسه، وتسترخي شَفَتُه
السُّفْلى حتى تضرب سُرَّته)). قال: هذا حديث حسن صحيح غريب(٢).
رَّآ
١٠٦
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّيْنَ
أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (١٧) قَالَ أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
١٠٨
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قراءةُ أهل المدينة وأبي عمرو
وعاصمٍ: ((شِقْوَتُنا))(٣)، وقرأ الكوفيون إلَّ عاصماً: ((شَقاوتنا))، وهذه القراءةُ مرويةٌ
عن ابن مسعود والحسن(٤). ويقال: شقاءً وشَقاً، بالمد والقصر.
وأحسنُ ما قيل في معناه: غلبت علينا لذَّاتُنا وأهواؤنا، فسَمَّى اللَّذاتِ والأهواءَ
شِقوةً؛ لأنهما يُؤدِّيان إليها، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْبَتَى
كُلِلْمَا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، لأن ذلك يؤدِّيهم إلى النار(٥). وقيل:
ما سبق في علمك، وكُتِب علينا في أمِّ الكتاب من الشَّقاوة (٦). وقيل: حُسْنُ الّن
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤٨/٢ - ٤٩، وهناد في الزهد (٣٠٤)، والطبري ١١٦/١٧. والمشيَّط
هو من قولهم: شيَّط اللحمَ أو الشَّعَر أو الصوفَ: إذا أحرق بعضه. النهاية (شيط).
(٢) سنن الترمذي (٢٥٨٧) و(٣١٧٦) من طريق أبي السَّمح، عن أبي الهيثم، وأخرجه بهذا السند أيضاً
أحمد (١١٨٣٦). وأبو السَّمح هو درّاج بن سمعان، وهو صدوق، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف
كما قال ابن حجر في التقريب.
(٣) السبعة ص٤٤٨، والتيسير ص١٦٠، والنشر ٣٢٩/٢، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر أيضاً.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣، والمحرر الوجيز ٤/ ١٥٧.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣.
(٦) ينظر تفسير الطبري ١٧/ ١١٧ .

٩٢
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٦ - ١٠٨
بالنفس وسوءُ الَّن بالخَلْقِ(١).
﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَآَلِينَ﴾ أي: كنا في فِعْلنا ضالِين عن الهدى. وليس هذا اعتذاراً
منهم، إنما هو إقرار، ويدلُّ على ذلك قولُهم: ﴿رَبََّ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَا
ظَلِمُونَ﴾(٢). طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى
الكفر (٣) ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا بالعَوْد إليه. فيُجابون بعد ألف سنة: ﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا
تُكَلِمُونٍ﴾ أي: ابعُدُوا في جهنم، كما يقال للكلب: اخْسَأ، أي: ابعُدْ(٤). خسأتُ
الكلبَ خَسْأَ: طردتُه. وخَسَأ الكلبُ بنفسه خُسُوءاً(٥)، يتعدَّى ولا يتعدَّى، وانخسأ
الكلب أيضاً(٦).
وذكر ابن المبارك (٧) قال: حدَّثنا سعيد بنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة يذكره عن أبي
أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: إنَّ أهلَ جهنمَ يَدْعون مالكاً، فلا
يُجيبهم أربعين عاماً، ثم يردُّ عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت - واللهِ ـ دعوتُهم على
مالك وربِّ مالك، قال: ثم يدعُون ربَّهم فيقولون: ﴿رَبََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْمَا ضَآلِينَ. رَبَّاً أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾، قال: فيسكت عنهم قَدْر الدنيا
(١) النكت والعيون ٦٨/٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣.
(٣) زاد المسير ٥/ ٤٩٢ .
(٤) ينظر تفسير البغوي ٣١٨/٣.
(٥) لفظ: خُسُوءاً، ليس في (ز) و(د)، ولا في الصحاح (خسأ) والكلام منه.
(٦) تفسير الطبري ١٧/ ١٢٢ .
(٧) في الزهد (٣١٩) (زوائد)، وقد سقط في المطبوع بعضه لسقط في المخطوط كما أشار إلى ذلك
محققه.
وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٥٠٩/٨ (١٤٠٤٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٤٨٠)، وقال: هذا
موقوف، وظاهره أن الله تعالى يجيبهم بقوله: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، وظاهر الكتاب أيضاً يدل على
أن الله تعالی یجیبهم بذلك وإن کان یحتمل غير ذلك.

٩٣
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٦ - ١٠٨
مرتين، قال: ثم يَردُّ عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. قال: فواللهِ ما نَبَس القومُ
بعدها بكلمة، وما هو إلا الزَّفِيرُ والشَّهيق في نار جهنم. فشبّه أصواتَهم بصوت(١)
الحمير، أوَّلُها زفيرٌ وآخرُها شهيق. خرجه الترمذيُّ مرفوعاً بمعناه من حديث أبي
الدَّرداء(٢).
وقال قتادة: صوت الكفار في النار كصوت الحمار، أوَّله زفيرٌ وآخرُه شهيق(٣).
وقال ابن عباس: يصير لهم نُباح كتُباح الكلاب (٤).
وقال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني - أو ذُكِر لي - أنَّ أهل النار استغاثوا
بالخَزَنةِ. الخبر بطوله؛ ذكره ابن المبارك(٥)، وقد ذكرناه بكماله في ((التَّذكرة))(٦)،
وفي آخره: ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: ﴿أَلَمَّ تَكُنْ مَايَتِى تُثْلَ عَلَيْكُمْ فَكُم
بِهَا تُكَذِبُونَ﴾ قال: فلمَّا سمعوا صوته، قالوا: الآن يرحمنا ربُّنا، فقالوا عند ذلك:
﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، أي: الكتابُ الذي كُتِب علينا ﴿وَكُنَّا قَوْمًا صَالِّينَ. رَبَّ
أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾ فقال عند ذلك: ﴿أَخَْثُواْ فِيَهَا وَلاَ تُكَلِّمُونٍ﴾. فانقطع
عند ذلك الدعاءُ والرجاء، وأقبل بعضُهم على بعض، ينبَحُ بعضُهم في وجوه بعض،
وأُطبقت عليهم.
(١) في (ظ): بأصوات.
(٢) برقم (٢٥٨٦) وقال: إنما نعرف هذا الحديث عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب،
عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قولَه، وليس بمرفوع.
وأخرجه ـ موقوفاً - ابن أبي شيبة ١٥٥/١٣ - ١٥٦، والطبري ١٢٣/١٧ - ١٢٤، والبيهقي في البعث
والنشور (٦٠٠).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤٩/٢، والطبري ١٢٤/١٧ - ١٢٥.
(٤) أورده أبو الليث في تفسيره ٢/ ٤٢٢ بنحوه.
(٥) الزهد بزوائد نعيم بن حماد ص٩١ - ٩٢ وسقط بعضه أيضاً وقد أشار المحقق هناك إلى سقط في
المخطوط، وقد سلف ١٦٢/١٢ - ١٦٣، ونسبه ثمة للبيهقي أيضاً.
(٦) ص ٤١٧ - ٤١٩ .

٩٤
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٩ - ١١١
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا
فَأَّخَذْتُمُ سِخْرِيًّا خَّةَ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَّكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ )
﴿ إِنَِّ جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآبِزُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيِقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا﴾ الآية.
قال مجاهد: هم بلالٌ وخَبَّاب وصُهَيب، وفلانٌ وفلانٌ من ضعفاء المسلمين،
كان أبو جهل وأصحابُه يهزؤون بهم(١).
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا﴾ بالضم قراءةُ نافع وحمزةً والكسائي هاهنا وفي ((ص))
[الآية: ٦٣]. وكَسَرَ الباقون(٢).
قال النحاس: وفرَّق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التھزُّؤ،
والمضمومةً من جهة السُّخْرة، ولا يَعرف هذا التفريقَ الخليلُ ولا سيبويه ولا الكسائيُّ
ولا الفراء. قال الكسائي: هما لغتان بمعنّى واحد، كما يقال: عُصِيٍّ وعِصِيٍّ(٣)،
ولُجِّيٍّ ولِجِّيَّ(٤).
وحكى الثعلبيُّ عن الكسائيّ والفرَّاء(٥) الفرقَ الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر
بمعنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ بالقول، والضَّمَّ بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل(٦).
وقال المبرِّد: إنما يُؤخذ التفريقُ بين المعاني عن العرب، وأمَّا التأويل فلا يكون.
والكسرُ في سِخْريٍّ في المعنيين جميعاً؛ لأن الضمة تُستثقَل في مثل هذا(٧).
(١) إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/٣ - ١٢٤.
(٢) السبعة ص٤٤٨، والتيسير ص ١٦٠.
(٣) إعراب القرآن ١٢٣/٣.
(٤) في (د) و(ز): ويجي وتجي، وفي (خ) و(ظ): وبِختي وبُختي، والمثبت من (م).
(٥) في معاني القرآن له ٢٤٣/٢ .
(٦) قول الكسائي والفراء في تفسير البغوي ٣١٩/٣، والكشاف ٤٤/٣، وتفسير الرازي ١٢٥/٢٣.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٣.

٩٥
سورة المؤمنون: الآيات ١٠٩ - ١١٤
﴿حََّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى﴾ أي: حتى اشتغلتم بالاستهزاء بهم عن ذكري ﴿وَكُنْتُم مِّنْهُمْ
تَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً بهم. وأضاف الإنْساء إلى المؤمنين؛ لأنهم كانوا سبباً لاشتغالهم
عن ذكره(١)، وتعدَّى شُؤْمُ استهزائهم بالمؤمنين إلى استيلاء الكفر على قلوبهم.
﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَا﴾ على أذاكم (٢)، وصبروا على طاعتي ﴿أَنَّهُمْ هُمُ
اُلْفَآَبِزُونَ﴾ قرأ حمزة والكسائيُّ بكسر الهمزة، على ابتداء المدح من الله تعالى لهم،
وفَتَح الباقون، أي: لأنهم هم الفائزون. ويجوز نصبُه بوقوع الجزاء عليه، تقديره: إني
جزيتهم اليوم الفوزَ بالجنة(٣).
قلت: ويُنْظَر إلى معنى هذا قولُه تعالى في آخر المُطَفِّفِين: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [الآية: ٣٤] إلى آخر السورة، على ما يأتي بيانُه هناك إن شاء
الله تعالى.
ويُستفاد من هذا: التحذيرُ من السُّخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين،
والاحتقارِ لهم، والإزراءِ(٤) عليهم، والاشتغالِ بهم فيما لا يعني، وأنَّ ذلك مُبْعِدٌ من
الله عزَّ وجلَّ.
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمَا أَوْ بَّضَ
قوله تعالى: ﴿قَلَ كَمْ لَبِقْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ◌َ
فَكَلَ إِن لَّبِقْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِينَ ﴾
قوله تعالى: ﴿قَلَ كَمْ لَبِقْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ قيل: يعني في القبور. وقيل: هو
سؤالٌ لهم عن مدَّة حياتهم في الدنيا(٥). وهذا السؤالُ للمشركين في عَرَصات القيامة،
(١) الوسيط ٣/ ٣٠٠، والمحرر الوجيز ١٥٨/٤.
(٢) الوسيط ٣/ ٣٠٠، وتفسير البغوي ٣١٩/٣.
(٣) قراءة حمزة والكسائي في السبعة ص٤٤٨ - ٤٤٩، والتيسير ص ١٦٠، وينظر معاني القرآن للفراء
٢٤٣/٢، وتفسير الطبري ١٢٨/١٧ - ١٢٩، وتفسير أبي الليث ٤٢٢/٢، والحجة ٣٠٦/٥،
وتفسير البغوي ٣١٩/٣، وزاد المسير ٤٩٥/٥ .
(٤) الإزراء: التهاون بالشيء، يقال: زرى عليه فعله: عابه. الصحاح (زري).
(٥) النكت والعيون ٦٩/٤، وينظر الوسيط ٣٠٠/٣، وتفسير البغوي ٣١٩/٣.

٩٦
سورة المؤمنون: الآيات ١١٢ - ١١٤
أو في النار(١).
﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ بفتح النون، على أنه جمع مسلَّم، ومن العرب مَن يخفضُها
ويُنوِّنها(٢).
﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْرٍ﴾ أنساهم شدَّةُ العذاب مدَّةَ مُكثهم في القبور (٣).
وقيل: لأن العذاب رُفِع عنهم بين النفختين، فنسُوا ما كانوا فيه من العذاب في
قبورهم. قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى
الثانية (٤)، وذلك أنه ليس من أحد قَتَّلَه نبيٌّ، أو قتل نبيًّا، أو مات بحضرة نبيِّ إلَّا
◌ُذِّب من ساعة يموت إلى النفخة الأولى، ثم يُمْسَك عنه العذابُ، فيكون كالنائم
حتى تُنفخ الثانية(٥). وقيل: استقصروا مدَّة لبثهم في الدنيا وفي القبور، ورأَوه يسيراً
بالنسبة إلى ما هم بصدده (٦).
﴿فَسْئَلِ الْعَآدِينَ﴾ أي: سَلِ الحُسَّاب الذين يعرفون ذلك، فإنا قد نسيناه. أو:
فاسألِ الملائكةَ الذين كانوا معنا في الدنيا. الأوَّل قولُ قتادة، والثاني قولُ مجاهد(٧).
وقرأ ابن كَثير وحمزةُ والكسائي: ﴿قُلْ كم لبثتم في الأرض﴾ على الأمر(٨)،
ویحتمل ثلاثةَ معانٍ:
أحدُها: قولوا: كم لبئتم، فأُخرِج الكلامُ مخرجَ الأمر للواحد، والمرادُ
(١) زاد المسير ٤٩٤/٥ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٢٤/٣.
(٣) النكت والعيون ٦٩/٤ .
(٤) الكشاف ٤٥/٣، وتفسير الرازي ١٢٦/٢٣ .
(٥) في النسخ عدا (ظ): كالماء حتى تنفخ الثانية.
(٦) تفسير البغوي ٣١٩/٣، والكشاف ٤٤/٣.
(٧) تفسير مجاهد ٤٣٥/٢، وأخرج قول قتادة عبد الرزاق في تفسيره ٤٩/٢، وأخرج قوليهما الطبري
١٣١/١٧ - ٠١٣٢
(٨) السبعة ص٤٤٩، والتيسير ص ١٦٠.

٩٧
سورة المؤمنون: الآيات ١١٢ - ١١٥
الجماعة، إذ كان المعنى مفهوماً(١).
الثاني: أن يكون أمراً للمَلَك(٢)، ليسألهم يوم البعث عن قَدْر مُكثهم في الدنيا.
أو أراد قل - أيها الكافر -: كم لبثتم، وهو الثالث(٣).
الباقون: ﴿قَالَ كَمْ﴾ على الخبر(٤)، أي: قال الله تعالى لهم، أو قالت
الملائكة لهم: كم لبثتم(٥).
وقرأ حمزة والكسائيُّ أيضاً: ﴿قُلْ إِن لبِئْتم إِلا قلِيلاً﴾ الباقون: ((قال)) على
الخبر(٦)، على ما ذُكِر من التأويل في الأوَّل، أي: ما لبثتم في الأرض إلَّا قليلاً،
وذلك أنَّ مُكثَهم في القبور - وإن طال - كان متناهياً. وقيل: هو قليلٌ بالنسبة إلى
مُكثهم في النار؛ لأنه لا نهاية له(٧).
﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ أي: مُهمَلين كما خُلِقت البهائم، لا
ثوابَ لها، ولا عقابَ عليها، مثلُ قوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدِّ﴾
[القيامة: ٣٦] يريد كالبهائم مُهمَلين(٨) لغير فائدة.
(١) تفسير الطبري ١٣٠/١٧، وتفسير البغوي ٣١٩/٣، وزاد المسير ٤٩٤/٥ .
(٢) الكشاف ٣/ ٤٤ .
(٣) الوسيط ٣/ ٣٠٠، وتفسير البغوي ٣١٩/٣، وزاد المسير ٤٩٤/٥.
(٤) السبعة ص ٤٤٩، والتيسير ص ١٦٠.
(٥) الكشاف ٤٤/٣، وتفسير الرازي ١٢٦/٢٣.
(٦) السبعة ص٤٤٩، والتيسير ١٦٠ .
(٧) الوسيط ٣/ ٣٠٠، وتفسير البغوي ٣١٩/٣، وزاد المسير ٤٩٥/٥ .
(٨) في النسخ عدا (ظ): مهملاً. والكلام في الوسيط ٣/ ٣٠٠ وقد نسبه الواحدي لابن عباس، وتفسير
البغوي ٣٢٠/٣ .

٩٨
سورة المؤمنون: الآيتان ١١٥ - ١١٦
قال الترمذيُّ الحكيمُ أبو عبد الله محمدُ بنُ علي: إنَّ الله تعالى خلق الخلقَ عبيداً
ليعبدوه، فيُثيبُهم على العبادة ويعاقبُهم على تركها، فإنْ عبدوه؛ فهم اليومَ له عبيدٌ
أحرارٌ كرامٌ من رقِّ الدنيا، ملوكٌ في دار السلام (١)، وإن رفضوا العبوديَّة(٢)، فهم
اليوم عبيدٌ أُبَّاق سُقَّاط لِئام، وغداً أعداءٌ في السجون بين أطباق النيران(٣).
و((عَبَثا)) نصب على الحال عند سيبويه وقُظْرُب. وقال أبو عبيدة: هو نصب على
المصدر، أو لأنه مفعول له (٤).
﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ فَتُجازَون بأعمالكم.
قرأ حمزة والكسائيُّ: ((تَرْجِعون))، بفتح التاء وكسر الجيم(٥)، من الرجوع.
قوله تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ اَلْمَلِكُ الْحَقُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ
قوله تعالى: ﴿فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقِّ﴾ أي: تنزَّه وتقدَّس الله الملِكُ الحقُّ، عن
الأولاد والشركاء والأنداد(٦)، وعن أن يخلق شيئاً عبثاً أو سَفَهاً؛ لأنه الحكيم.
﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ﴾ ليس في القرآن غيرُها. وقرأ ابن مُحَيْصِن
ورُويّ عن ابن كثير: ((الكريمُ)) بالرفع نعتاً لله(٧).
(١) في (د) و(م): الإسلام.
(٢) في (ظ): وإن رضوا عبودية دنياهم.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) ذكر هذه الأوجه البغوي في تفسيره ٣/ ٣٢٠، والزمخشري في الكشاف ٤٥/٣، والسمين في الدر
المصون ٣٧٤/٨ دون نسبة.
(٥) السبعة ص ٤٥٠، والتيسير ص ١٦٠.
(٦) ينظر الوسيط ٣/ ٣٠٠، والمحرر الوجيز ١٥٩/٤.
(٧) القراءات الشاذة ص٩٩ ، وقوله: نعتاً لله، أي: لـ «ربُّ)) كما جاء مصرحاً به في زاد المسير ٤٩٦/٥
وفي المحرر الوجيز ١٥٩/٤. وجوز أبو حيان في البحر ٦/ ٤٢٤ أن يكون نعتاً للعرش أيضاً، ولكنه
قطع عن إعرابه لأجل المدح، على خبر مبتدأ مضمر. وأما قراءة ابن كثير المتواترة عنه، فهي بالجر،
كقراءة الجماعة.

٩٩
سورة المؤمنون: الآيتان ١١٧ - ١١٨
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُمْ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبٍِِّّ
إِنَّهُ لَا يُفْلِعُ الْكَفِرُونَ (١٧) وَقُل رَبٍّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَاهَا مَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ أي: لا حُجَّةَ له عليه
﴿فَإِنَّمَا حِسَابُ عِنْدَ رَبِّ﴾ أي: هو يعاقبُهُ ويحاسبه ﴿إِنَُّ﴾ الهاء ضميرُ الأمر والشأن
﴿لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ - وقرأ الحسن وقتادة: ((لا يَفْلَح)) بالفتح(١) -: مَنْ كذَب وجحدَ
ما جئت به، وكفر نعمتي.
ثم أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام بالاستغفار لتَقْتديَ به الأمة. وقيل: أَمَره
بالاستغفار لأمته(٢).
وأسند الثعلبيُّ من حديث ابن لَهِيعةَ عن عبد الله بنٍ هُبيرة، عن حَنَش بن عبد الله
الصنعانيّ، عن عبد الله بن مسعود: أنه مرَّ بمصابٍ مُبتلى، فقرأ في أُذُنه: ﴿أَفَصِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ حتى ختم السورةَ، فَبَرأ، فقال رسول الله ﴾: ((ماذا قرأت في
أُذُنه)»؟ فأخبره، فقال: (والذي نفسي بيده، لو أنَّ رجلاً مُوقِناً قرأها على جبل
لزال»(٣).
تمَّ تفسير سورة المؤمنون، والحمد لله.
(١) القراءات الشاذة ص٩٩، ولم ترد عبارة: وقرأ الحسن ... الخ في (ظ)، وهو الأشبه بسياق التفسير.
(٢) تفسير أبي الليث ٤٢٣/٢، والوسيط ٣٠١/٣.
(٣) أخرجه بهذا الإسناد أبو يعلى الموصلي (٥٠٤٥)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٥١٣ (١٤٠٧٠)، والطبراني في
الدعاء (١٠٨١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧/١،
والخطيب في تاريخ بغداد ١٢/ ٣١٢ .
وأخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (٥٩٧٩)، والعقيلي في الضعفاء ٢/ ١٦٣ ، وابن الجوزي في
الموضوعات (٢٧٠) من طريق سلام بن رزين، عن الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود. قال الإمام
أحمد: هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين، منكر الإسناد.

سورة النور
مدنية بالإجماع(١)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَيَةِ
قوله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
مقصودُ هذه السورة ذكرُ أحكام العفاف والسّتر.
وكتب عمر إلى أهل الكوفة: علّموا نساءكم سورةَ النور(٢).
وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تُنزلوا النساءَ الغُرَف، ولا تعلموهنَّ الكتابةَ،
وعلموهنَّ سورةَ النُّور والغَزْل(٣).
﴿وَفَضْنَهَا﴾ قرئ بتخفيف الراء (٤)؛ أي: فرضنا عليكم وعلى مَنْ بعدَكم ما فيها
من الأحكام(٥). وبالتشديد أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة.
(١) زاد المسير ٣/٦، ومجمع البيان ٥/١٨، وأخرج النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٣٧/٢ عن ابن
عباس قال: سورة النور نزلت بالمدينة فهي مدنية.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٣٧).
(٣) لم نقف عليه من قول عائشة موقوفاً، وإنما أخرجه الحاكم ٣٩٦/٢ ، والبيهقي في شعب الإيمان
(٢٤٥٣) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، مرفوعاً.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: بل موضوع؛ وآفته عبد
الوهاب، قال أبو حاتم: كذاب. اهـ . وسلف بنحوه ٤٤/٥ .
(٤) وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. السبعة ص ٤٥٢، والتيسير ص١٦١.
(٥) ما ذكره المصنف على معنى التخفيف، ذكره الفراء ومكي والنحاس وغيرهم على معنى: التشديد، وأما
المعنى على التخفيف فقالوا: أوجبنا أحكامها بالفرض عليكم. ينظر: معاني القرآن للفراء ٢٤٤/٢
وإعراب القرآن للنحاس ١٢٧/٣، والكشف عن وجوه القراءات ١٣٣/٢ وتفسير الرازي ١٢٩/٢٣.