النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة المؤمنون: الآيات ٦٣ - ٦٥
قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةِ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَلُ مِّنِ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ
حَّةٍ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ ﴿ لَا تَجْهَرُواْ الْيَوْمِّ إِنَّكُ مِنَّا لَا
نُصَرُونَ
قوله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِ غَرَةِ مِّنْ هَذَا﴾ قال مجاهد: أي: في غِطاء وغَفْلة
وعَماية عن القرآن. ويقال: غَمَره الماء: إذا غطّاه، ونهرٌ غَمْرٌ يُغِطِّي مَن دَخَله(١).
ورجلٌ غَمْرٍ يَغْمُره آراء الناس. وقيل: ((غُمْرة))؛ لأنها تُغطّي الوجه، ومنه: دَخَل في
غُمار الناس وخُمارهم، أي: فيما يغِيه من الجمع(٢).
وقيل: ﴿بَلّ قُلُوبُهُمْ فِ غَمْرَةٍ﴾ أي: في حَيْرة وعَمّى، أي: ممَّا وَصَف من أعمال
البِرِّ في الآيات المتقدِّمة؛ قاله قتادة. أو: مِن الكتاب الذي يَنْطِقِ بالحقّ(٣).
﴿وَْ أَعْمَئِلُ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ قال قتادة ومجاهد: أي: لهم خطايا لابُدَّ
أن يعملوها من دون الحقّ(٤). وقال الحسن وابن زيد: المعنى: ولهم أعمال رديَّةٌ(٥)
لم يعملوها من دون ما هم عليه؛ لابُدَّ أن يعملوها دون أعمال المؤمنين، فيدخلون
بها النار، لِمَا سبق لهم من الشِّقوة (٦). ويَحتمِل ثالثاً: أنه ظُلْم الخَلْق مع الكفر
بالخالق؛ ذكره الماوردي(٧). والمعنى متقارب.
﴿حََّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِلْعَذَابِ﴾ يعني: بالسيف يوم بدر، قاله ابن عباس(٨). وقال
(١) تفسير مجاهد ٤٣٢/٢، وأخرجه عنه الطبري ١٧/ ٧٤ .
(٢) الصحاح (غمر)، وفيه: رجل غَمْر: لم يجرب الأمور. وينظر تهذيب اللغة ١٢٨/٨، وما بعدها.
(٣) أورد هذا القول النحاس في إعراب القرآن ١١٨/٣.
(٤) قول قتادة في النكت والعيون ٦٠/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٢/ ٤٣٣، وأخرج قولهما الطبري
٧٥/١٧ - ٧٦ .
(٥) في (م): رديئة.
(٦) أخرجه عنهما الطبري ١٧ / ٧٦ بنحوه.
(٧) في النكت والعيون ٤/ ٦٠ .
(٨) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٩٠).

٦٢
سورة المؤمنون: الآيات ٦٣ - ٦٥
الضخَّاك: يعني: بالجوع حين قال النبيُّ﴾: ((اللَّهُمَّ اشدد وطأتك على مُضَرَ، اللَّهُمَّ
اجعلها عليهم سنينَ كسِنِي يوسف))(١). فابتلاهم الله بالقَخط والجوع، حتى أكلوا
العظام والميتة والكلاب والجِيَق، وهلك الأموال والأولاد(٢).
﴿إِذَا هُمْ يَمْثَرُونَ﴾ أي: يَضِجُون ويستغيثون، وأصلُ الجُؤَار رفعُ الصوت
بالتضرُّع(٣)، كما يفعل الثور. وقال الأعشى يصِف بقرة:
فطافت ثلاثاً بين يوم وليلةٍ وكان النكير أن تُضِيف(٤) وتجارا
قال الجوهري(٥): الجُؤَار مثلُ الخُوار؛ يقال: جار الثورُ يَجْأَر، أي: صاح،
وقرأ بعضهم: ((عِجْلاً جسَداً لَهُ جُؤَار)) [الأعراف: ١٤٨]، حكاه الأخفش(٦)، وجَأَر
الرجلُ إلى الله عزَّ وجلَّ: تضرَّع بالدعاء.
قتادة: يَصْرُخون بالتوبة فلا تُقبل منهم (٧). قال:
يُراوح من صلواتِ المَلِيك فطَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُوارا(٨)
وقال ابن جُريج: ﴿حََّ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِهِم بِالْعَذَابِ﴾ هم الذي قُتِلوا ببدر ﴿إِذَا هُمْ
يَمْتَرُونَ﴾ هم الذين بمكة (٩)، فجمع بين القولَين المتقدِّمَين، وهو حسَن.
﴿لَا تَّْهَرُواْ أَلَّمَّ إِنَّكُ مِّنَّا﴾ أي: من عذابنا ﴿لَا تُصَرُونَ﴾: لا تُمنعون ولا
(١) سلف ٣٠٤/٤.
(٢) تفسير البغوي ٣١٢/٣.
(٣) تفسير البغوي ٣١٢/٣ .
(٤) في النسخ الخطية: وتطيف، والمثبت من (م) والمصادر، وقد سلف ٣٣٨/١٢ .
(٥) في الصحاح (جار).
(٦) معاني القرآن له ٢/ ٥٣٢، والقراءة أوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٤٦ ونسبها لأبي
السمال.
(٧) نسبه الماوردي في النكت والعيون ٦١/٤ للحسن.
(٨) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٠٣ .
(٩) أخرجه الطبري ٧٨/١٧ .

٦٣
سورة المؤمنون: الآيات ٦٣ - ٦٧
يَنفعكم جَزَعُكم (١). وقال الحسن: لا تُنصَرون بقَبول التوبة(٢).
وقيل: معنى هذا النهي الإخبارُ، أي: إنكم إن تضرَّعتم لم ينفعكم.
قوله تعالى: ﴿َقَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنكِصُونَ
٦٦١
مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْ عَلَى أَعْقَِكُمْ تَنْكِّصُونَ﴾ الآيات يريد
بها القرآن(٣). (تُتْلَى عَلَيْكُمْ)) أي: تُقرَأ. قال الضحاك: قبل أن تُعذَّبوا بالقتل(٤)،
و (تَنْكِصُونَ)): تَرجِعون وراءكم(٥). مجاهد: تستأخِرون(٦)، وأصله أن تُرجع
الْقَهْقَرَى(٧). قال الشاعر :
زعموا أنهمْ على سُبُل الحقِّ وأنَّا (٨) نُكُصٌ على الأعقابِ
وهو هنا استعارة للإعراض والإدبار(٩) عن الحقّ.
وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﴾: ((على أدباركم)) بدل: ((على أعقابكم))، ((تنكُصون))
بضم الكاف(١٠).
(١) تفسير البغوي ٣١٢/٣ .
(٢) النكت والعيون ٤/ ٦٠ .
(٣) المحرر الوجيز ١٤٩/٤ .
(٤) أورده النحاس في معاني القرآن ٤/ ٤٧٤ .
(٥) المحرر الوجيز ١٤٩/٤ .
(٦) تفسير مجاهد ٤٣٣/٢، وأخرجه عنه الطبري ١٧ /٨٠ .
(٧) تفسير غريب القرآن ص٢٩٨، وتفسير البغوي ٣١٣/٣.
(٨) في (م): على سبل النجاة ... وإنما، وفي (خ): على سبل الحق وإنما ... ، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ)،
وهو الموافق لما في النكت والعيون ٤/ ٦١ والكلام منه.
(٩) لفظ: والإدبار، ليس في (م)، وفي (خ) و(د) و(ز): عن الإدبار، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما
في المحرر الوجيز ١٤٩/٤، والكلام منه.
(١٠) المحرر الوجيز ١٤٩/٤، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٩ لابن مسعود

٦٤
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
و((مُسْتَكْبِرِينَ)» حال.
والضمير في ((به)) قال الجمهور: هو عائدٌ على الحَرَم، أو المسجد الحرام(١)، أو
البلد الذي هو مكة، وإن لم يتقدَّم له ذِكْر لشهرته في الأمر(٢)، أي: يقولون: نحن
أهل الحرم فلا نَخاف(٣).
وقيل: المعنى: أنهم يعتقدون في نفوسهم أنَّ لهم بالمسجد والحَرَم أعظمَ
الحقوق على الناس والمنازل [عند الله]، فيستكبرون لذلك، وليس الاستكبارُ من
الحقّ. وقالت فرقة: الضمير عائدٌ على القرآن من حيث ذُكِرتِ الآيات، والمعنى:
يُحدِث لكم سماعُ آياتي كِبْراً وطُغياناً، فلا تؤمنوا به. قال ابن عطية(٤): وهذا قول
جید.
النحاس(٥): والقول الأوَّل أَوْلى، والمعنى: أنهم يفتخرون بالحرم، ويقولون:
نحن أهل حرم الله تعالی.
قوله تعالى: ﴿سَمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فيه أربعُ مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿سِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ((سامِراً)) نصب على الحال، ومعناه:
سُمَّاراً، وهو الجماعة يتحدَّثون بالليل، مأخوذٌ من السَّمَر، وهو ظِلُّ القمر، ومنه
سُمْرة اللون. وكانوا يتحدَّثون حول الكعبة في سَمَر القمر، فسُمِّي التحدُّثُ به (٦).
قال الثوري: يقال لِظِلِّ القمر: السَّمَر - ومنه السُّمْرة في اللَّون - ويقال له:
الفَخْت، ومنه قيل: فاخِتة(٧).
(١) لفظ: الحرام، من (ظ).
(٢) المحرر الوجيز ١٤٩/٤.
(٣) الوسيط ٢٩٤/٣، وتفسير البغوي ٣١٣/٣.
(٤) في المحرر الوجيز ١٤٩/٤ - ١٥٠، والكلام قبله وما بين حاصرتين منه.
(٥) في معاني القرآن ٤/ ٤٧٤ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ١٨/٤ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٧٥/٤. والفاختة: واحدة الفواخت، وهي ضرب من الحمام المُطوَّق. قال
ابن بري: ذكر الجواليقي أن الفاختة مشتقة من الفَخْت الذي هو ظل القمر. اللسان (فخت).

٦٥
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
وقرأ أبو رجاء: ((سُمَّاراً))، وهو جمع سامر(١)، كما قال:
ألستَ ترى السُّمَّارَ والنَّاسَ أحوالي(٢)
وفي حديث قَيْلة: إذ(٣) جاء زوجها (٤) من السامر(٥). يعني: من القوم الذين
يَسْمُرُون بالليل(٦)؛ فهو اسمٌ مفردٌ بمعنى الجمع(٧)، كالحاضر، وهم القوم النازلون
على الماء، والباقِرِ جمع البَقَّر، والجامِل جمع الإبل(٨)، ذكورتها وإناثِها؛ ومنه قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِئُكُمْ طِفْلًا﴾، أي: أطفالاً. يقال: قوم سَمْر وسُمَّر وسامِر، ومعناه
سهر الليل؛ مأخوذ من السَّمَر، وهو ما يقع على الأشجار من ضوء القمر(٩).
قال الجوهري: السامر أيضاً السُّمَّار، وهم القوم الذين يَسْمُرون؛ كما يقال
للحاجِّ: حُجَّاج(١٠)، وقول الشاعر:
وسامرٍ طال فيه اللَّهْوُ والسَّمَرُ
كأنه سَمَّى المكان الذي يُجتمَع فيه للسَّمر بذلك.
(١) القراءات الشاذة ص٩٨.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٧٧/٤، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٣١، وصدره:
فقالت سباك الله إنك فاضحي
(٣) في النسخ: إذا، والمثبت من المصادر الآتية.
(٤) في (ظ): زوجي، وفي (خ) و(ز): زوجنا.
(٥) هو قطعة من حديث طويل أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣١٧/١ - ٣٢٠، والطبراني في
الكبير ٧/٢٥-١٠ وقيلة: هي بنت مخرمة العنبرية، صحابية هاجرت إلى النبي #. الإصابة ٩٨/١٣،
والتقريب.
(٦) النهاية لابن الأثير (سمر).
(٧) المحرر الوجيز ١٥٠/٤، والنهاية (سمر).
(٨) ينظر معاني القرآن للنحاس ٤٧٥/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٧/٣، والنهاية لابن الأثير
٤٠٠/٢، والذي في المعاني: باقر لجماعة البقر، وجامل لجماعة الجمال.
(٩) المحرر الوجيز ٤ / ١٥٠ .
(١٠) في الصحاح (سمر): كما يقال: للحجاج: الحاجّ.

٦٦
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
وقيل: وحَّد سامراً، وهو بمعنى السُّمَّار؛ لأنه وُضِع مَوضِع الوقت، كقول
الشاعر :
مِن دونهم إن جئتَهم سَمَراً عَزْفُ القِيَانِ ومَجْلِسٌ غَمْرُ(١)
فقالٍ: سَمَراً؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلاً وجدتَهم وهم يَسْمُرون(٢).
وابنا سَمِير: الليل والنهار؛ لأنه يُسْمَر فيهما، يقال: لا أفعلُه ما سَمَر ابنا
سَمِير (٣)، [أي: ] أبداً. ويقال: السَّمير: الدَّهر، وابناه: الليلُ والنهار. ولا أفعلُه
السَّمَرَ والقمرَ؛ أي: ما دام الناس يَسْمُرون في ليلة قمراء. ولا أفعلُهُ سَمِيرَ الليالي.
قال الشَّنْفَرَى:
هنالك لا أرجو حياةً تَسُرُّني
سَمِيرَ الليالي مُبْسَلاً بالجَرَائِرِ (٤)
والسَّمَارُ - بالفتح - اللَّبنُ الرقيق(٥). وكانت العرب تجلس للسَّمَر تتحدَّث، وهذا
الذي (٦) أَوجبَ معرِفتَها بالنجوم؛ لأنها تجلس في الصحراء، فترى الطّوالع من
الغوارب. وكانت قريشٌ تَسْمُر حول الكعبة مجالسَ السمر (٧) في أباطيلها وكفرها(٨)،
(١) مجاز القرآن ٢/ ٦٠ وغريب الحديث للحربي ١٠٦٩/٣، وتفسير الطبري ١٧/ ٨٢ ونسبه في مجاز
القرآن لابن أحمر، وهو عمرو بن أحمر الباهلي والمعنى - كما في غريب الحديث -: هم أهل مجلس
غَمْرٍ يغمرون بالمعروف غيرهم لأنهم كرام.
(٢) تفسير الطبري ١٧/ ٨٢ ، وما قبله منه.
(٣) الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص٣٨١ ، وجمهرة الأمثال ٢/ ٢٨٢ .
(٤) الشعر والشعراء ١/ ٨٠، والأغاني ١٨٢/٢١، والطرائف الأدبية ص٣٦ منسوباً للشنفرى، وفيه:
سجيس، بدل: سمير، يقال أيضاً: لا أفعله سجيس الليالي، أي: أبداً.
وقال الجرجاني: ويقال: لتأبط شرًّا. اهـ وهو في ديوانه ص٢٤٣ . وقوله: مُبْسلاً، أي: مُسْلَماً. لسان
العرب (بسل).
(٥) الصحاح (سمر)، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٦) لفظ: الذي، من (ظ).
(٧) لفظ: السمر. من (ظ).
(٨) المحرر الوجيز ٤ / ١٥٠ .

٦٧
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
فعابهم الله بذلك(١).
و(تهجرون)) قُرِئ بضم التاء وكسر الجيم، مِن أَهْجر: إذا نَطَق بالفُحش، وينصب
التاء وضم الجيم (٢)، مِن هَجَر المريضُ: إذا هَذَى. ومعناه: يتكلَّمون بهَوَسٍ وسَيِّىءٍ
من القول في النبيِّ وفي القرآن. عن ابن عباس وغيره(٣).
الثانية: روى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: إنما كُرِهِ السَّمَر حين نزلت هذه
الآية: ﴿مُسْتَكْبِنَ بِهِ سَِرًا تَهْجُرُونَ﴾، يعني أن الله تعالى ذمَّ أقواماً يَسْمُرون في غير
طاعة الله تعالى، إِمَّا في هَذَيان، وإمَّا في إذاية(٤).
وكان الأعمش يقول: إذا رأيتَ الشیخَ ولم یکتب الحديث، فاضْفعه، فإنه من
شيوخ القمر. يعني يجتمعون في ليالي القمر، فيتحدَّثون بأيام الخلفاء والأمراء، ولا
يُحسِن أحدهم يتوضَّأ للصلاة(٥).
الثالثة: روى مسلمٌ عن أبي بَرْزَةَ قال: كان النبيُّ ﴾ يؤخِّر العِشاء إلى ثُلُث الليل،
ويكره النومَ قبلها والحديثَ بعدها(٦).
قال العلماء: أما الكراهية للنوم قبلها، فلئلا يُعَرِّضها للفوات عن كل وقتها أو
أفضلٍ وقتها؛ ولهذا قال عمر: فَمَن نام فلا نامت عينه؛ ثلاثاً(٧).
(١) في (د): فعاتبهم الله بذلك، وفي (ز) و(ظ): فعاتبهم الله على ذلك، والمثبت من (خ) و(م).
(٢) قرأ نافع بضم التاء وكسر الجيم، والباقون بنصب التاء وضم الجيم. السبعة ص٤٤٦، والتيسير
ص١٥٩ .
(٣) تفسير غريب القرآن ص٢٩٩، والوسيط ٢٩٤/٣، والبغوي ٣١٣/٣، وأحكام القرآن لابن العربي
١٣٠٧/٣ ، والمحرر الوجيز ٤/ ١٥٠ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٧/٣ - ١٣٠٨، وأخرجه الطبري ٨٤/١٧ - ٨٥ بنحوه مختصراً.
(٥) أخرجه الرامهر مزي في المحدث الفاصل (٢٠٤)، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث
(١٤٢).
(٦) صحيح مسلم (٦٤٧): (٢٣٧)، وأخرجه - أيضاً - أحمد (١٩٨٠٠)، والبخاري (٥٩٩) وفيه: وكان
يستحب أن يؤخّر العشاء.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٨/٣، وقول عمر أخرجه مالك في الموطأ ٦/١، وعبد الرزاق
(٢١٤٢)، وابن المنذر في الأوسط (١٠٤١).

٦٨
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
وممن كرِه النوم قبلها عمرُ وابنُه عبدُ الله وابنُ عباس وغيرُهم، وهو مذهب
مالك. ورأَخَّص فيه بعضُهم، منهم عليٍّ وأبو موسى وغيرُهم، وهو مذهب الكوفيين.
وشرطَ بعضهم أن يجعل معه مَن يُوقِظُه للصلاة. ورُوِي عن ابن عمر مثلُه، وإليه ذهب
الطّحاوي(١).
وأمَّا كراهيةُ الحديث بعدَها، فلأن الصلاة قد كفَّرت خطاياه، فينامُ على سلامة،
وقد خَتَم الكُتَّابُ صحيفته بالعبادة، فإنْ هو سَمَر وتحدَّث فيملؤها بالهَوَس، ويجعلُ
خاتمتَها اللغوَ والباطل، وليس هذا مِن فعل المؤمنين(٢). وأيضاً فإنَّ السَّمَر في
الحديث مَظِنة غلبة النوم آخِرَ الليل، فينام عن قيام آخِرِ الليل، وربَّما ينام عن صلاة
الصبح(٣).
وقد قيل: إنما يُكره السَّمَر بعدَها لِمَا روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﴾:
((إياكم والسَّمَرَ بعد هَذْأة الرِّجل، فإنَّ أحدكم لا يَدري ما يَبُثُّ الله تعالى مِن خَلْقه،
أَغلِقوا الأبواب، وأَوْكُوا السُّقاء، وخَمِّروا الإناء، وأَطْفِئوا المصابيح)) (٤).
ورُوِي عن عمرَ أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العِشاء، ويقول: أَسَمَراً
أوَّلَ الليل ونوماً آخِره؟! أَريحوا كُتَّابكم(٥). حتى إنه رُوِي عن ابن عَمْرو (٦) أنه قال:
مَن قَرَض بيتَ شِعر بعد العِشاء، لم تُقبَل له صلاةٌ حتى يُصبح(٧). وأسنده شدَّاد بنُ
(١) في مختصر اختلاف العلماء ٣١٨/١، ونقله المصنف بواسطة أبي العباس القرطبي في المفهم ٢٧١/٢ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٨/٣.
(٣) المفهم ٢/ ٢٧١ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٨/٣، والحديث أخرجه الحميدي في مسنده (١٣١٠)، والبخاري في
الأدب المفرد (١٢٣٠)، والحاكم مختصراً ٢٨٤/٤ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وأخرجه أحمد (١٤٢٨٣)، وأبو داود (٥١٠٣)، وابن حبان (٥٥١٧) من حديث جابر أيضاً، بلفظ:
أقلوا الخروجَ إذا هدأت الرّجل فإن الله يبث في ليله من خلقه ما شاء ...
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٣٠٨، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٧٩/٢ .
(٦) في النسخ: ابن عمر، والتصويب من مصادر التخريج الآتية.
(٧) أورده ابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٢٦٣ عن عبد الله بن عمرو موقوفاً وأخرجه الطبراني في مسند
الشاميين (١٢٣٨) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً قال أبو حاتم كما في العلل لابنه: هذا خطأ،
الناس يروون هذا الحديث لا يرفعونه يقولون: عن عبد الله بن عمرو فقط ..

٦٩
سورة المؤمنون: الآيتان ٦٦ - ٦٧
أَوْس إلى النبيِّ ﴾(١).
وقد قيل: إن الحكمة في كراهية الحديث بعدها إنما هو لمَّا أنَّ الله تعالى جعل
الليل سَكّناً - أي: يُسكّن فيه - فإذا تحدَّث الإنسان فيه، فقد جعله كالنهار(٢) الذي هو
متصرَّف المعاش؛ فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أَجرى عليها وجوده،
فقال ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧].
الرابعة: هذه الكراهة إنما تختصُّ بما لا يكون من قَبِيل القُرَب والأذكار وتعليمِ
العلم، ومُسامرةٍ أهل العلم وتعليم المصالح(٣)، وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبيِّ ﴾
وعن السَّلف ما يدلُّ على جواز ذلك، بل على نَذْبيَّته. وقد قال البخاريُّ: بابُ السَّمَر
في الفقه والخير بعد العِشاء، وذكر أن قُرَّة بنَ خالد قال: انتَظَرْنا الحسن، ورَاثَ (٤)
علينا، حتى جاء قريباً(٥) من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيرانُنا هؤلاء. ثم قال:
[قال] أنس: انتَظَرْنا رسولَ الله ﴾ ذاتَ ليلةٍ، حتى كان شطرُ الليل، فجاء فصلَّى، ثم
خطبنا فقال: ((إن الناس قد صَلَّوا [ثم رقدوا]، وإنكم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم
(١) أحكام القرآن ١٣٠٨/٣، وأخرجه أحمد (١٧١٣٤)، والبزار (٢٠٩٤ - كشف)، والعقيلي في
الضعفاء، والطبراني في الكبير (٧١٣٣)، والبيهقي في الشعب (٥٠٨٩)، وابن الجوزي في
الموضوعات (٥٠٦) من طريق قزعة بن سويد، عن عاصم بن مخلد، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن
شداد بن أوس مرفوعاً.
قال العقيلي: عاصم بن مخلد عن أبي الأشعث لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به. وقال ابن الجوزي: هذا
حديث موضوع. وعاصم في عداد المجهولين. قال أحمد بن حنبل: قزعة بن سويد مضطرب الحديث،
وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، فلما كثر ذلك في رواتبه سقط الاحتجاج بأخباره. اهـ
وينظر القول المسدد في الذب عن مسند أحمد ص٧٥ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): في النهار، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المفهم ٢٧١/٢ والكلام
منه.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): ومسامرة الأهل بالعلم وبتعليم المصالح، والمثبت من (ظ)، وهو موافق لما
في المفهم ٢٧١/٢ ، والكلام منه، غير أن في المفهم: تعلُّم، بدل: تعليم.
(٤) أي: أبطأ. ينظر النهاية (ريث).
(٥) في صحيح البخاري: حتى قربنا.

٧٠
سورة المؤمنون: الآيات ٦٦ - ٦٨
الصلاةَ)). قال الحسن: فإن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير(١).
وقال: بابُ السَّمَر مع الضيف والأهل، وذكر حديثَ عبد الرحمن بن أبي بكر(٢)
أنَّ أصحابَ الصُّفَّة كانوا [أناساً] فقراء .. الحديث(٣). أخرجه مسلمٌ أيضاً(٤).
وقد جاء في حراسة التُّغُور وحفظِ العساكر بالليل من الثَّواب الجزيل والأجر
العظيم ما هو مشهور في الأخبار، وقد مضى من ذلك جملةٌ في آخِرِ ((آل عمران)»(٥)
والحمدُ لله وحده.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَذَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَنْر ◌َهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ﴾ يعني القرآن(٦)؛ وهو كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْوَانَ﴾ [النساء: ٨٢]، وسُمِّيَ القرآن قولاً لأنهم خُوطِبوا به.
﴿أَمْ جَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ الْأَوَِّينَ﴾ فأنكروه وأعرضوا عنه. وقيل: ((أم)) بمعنى
بل، أي: بل جاءهم ما لا عَهْدَ لآبائهم به، فلذلك أنکروه وتركوا النَّدبُّر له، قاله ابن
عباس (٧). وقيل: المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيءٌ لم يأتِ آباءهم
الأوَّلين، فتركوا الأجر(٨).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٨/٣ - ١٣٠٩، وصحيح البخاري (٦٠٠) وما سلف بين حاصرتين
منهما، وأخرج حديث أنس ﴾ أحمد (١٣٠٦٩)، ومسلم (٦٤٠): (٢٢٢) دون قول قرة بن خالد.
(٢) في النسخ: أبي بكر بن عبد الرحمن، والتصويب من أحكام القرآن وصحيح البخاري.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٠٨/٣ - ١٣٠٩، وصحيح البخاري (٦٠٢) وما بين حاصرتين منهما،
وموضع الشاهد في تمامه، وهو أن أبا بكر تعشّى عند النبي ﴾ ثم لبث حيث صُلِّيت العشاء، ثم رجع فلبث
حتى تعشى النبي # فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله تعالى.
(٤) صحيح مسلم (٢٠٥٧): (١٧٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧١٢).
(٥) ٤٨٨/٥ .
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٧٧ .
(٧) أخرجه الطبري ١٧ / ٨٧ بنحوه.
(٨) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: الأعز، وينظر الكشاف ٣٦/٣ .

٧١
سورة المؤمنون: الآيات ٦٩ - ٧١
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ
هذا تستعمله العرب على معنى التوقيف والتقبيح، فيقولون: الخيرُ أحبُّ إليك أم
الشَّر؟ أي: قد أُخبِرتَ الشَّرَّ(١) فتجنَّبه، وقد عرفوا رسولهم وأنه من أهل الصِّدق
والأمانة، ففي اتِّباعه النجاةُ والخير لولا العَنَت. قال سفيان: بلى، قد عرفوه ولكنَّهم
حسدوه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ﴾ أي: أم يحتجُّون في ترك الإيمان به بأنه
مجنون؟! فليس هو هكذا؛ لزوال أَمارات الجنون عنه ﴿بَلّ جَآءُهُم بِالْحَقِ﴾ يعني:
القرآنَ والتوحيد الحقَّ والدِّينَ الحق ﴿وَأَكْثَرُهُ﴾ أي: كلُّهم ﴿لِلْحَقِّ كَزِمُونَ﴾ حسداً
وبَغْياً وتقليداً(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِرَّهُ
بَلْ أَنََّهُم بِذِكْرِهِم فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ ((الحقُّ)) هنا: هو الله سبحانه وتعالى؛ قاله
الأكثرون، منهم مجاهدٌ وابن جُريج وأبو صالح وغيرُهم. وتقديره في العربية: ولو
اتَّبِع صاحبُ الحق؛ قاله النحاس(٣).
وقد قيل: هو مجاز، أي: لو وافق الحقُّ أهواءهم. فجعل موافقته اتِّباعاً مجازاً،
أي: لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصُون الله عزَّ وجلَّ، ثم لا يُعاقبون ولا يُجازَون
على ذلك، إمَّا عجزاً، وإمَّا جهلاً؛ لفسدت السماواتُ والأرضُ. وقيل: المعنى: ولو
(١) إعراب القرآن للنحاس ١١٨/٣ وفيه: قد اخترت الشر، بدل: قد أخبرت الشر.
(٢) ينظر تفسير الطبري ٨٨/١٧.
(٣) في إعراب القرآن ١١٩/٣، وأورد قول مجاهد ابن الجوزي في زاد المسير ٤٨٤/٥، وأخرج قول
ابن جريج وأبي صالح الطبري ٨٩/١٧ .

٧٢
سورة المؤمنون: الآية ٧١
كان الحقُّ ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى؛ لتنافست(١) الآلهة، وأراد بعضهم
ما لا يريده بعض، فاضطرب التدبير وفسدتِ السماواتُ والأرض، وإذا فسدتا فسد
مَن فیھما.
وقيل: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: بما يهواه الناس ويَشْتهونه، لَبَطل نظام
العالَم؛ لأنَّ شهواتِ الناس تختلف وتتضادُّ، وسبيلُ الحقِّ أن يكون متبوعاً، وسبيلُ
الناس الانقيادُ للحق(٢).
وقيل: ((الحق)): القرآن؛ أي: لو نزل القرآن بما يُحبُّون، لفسدتِ السماوات
والأرض [ومن فيهن](٣).
﴿وَمَنْ فِهِنَّ﴾ إشارةٌ إلى مَن يعقل مِن ملائكة السماوات، وإنسِ الأرض وجِنِّها.
الماوردي(٤): وقال الكلبي: يعني: وما بينهما مِن خَلْق، وهي قراءةُ ابنِ مسعود:
((لفسدت السماواتُ والأرضُ وما بينهما))(٥). فيكون على تأويل الكلبيِّ وقراءةِ ابن
مسعود محمولاً على فساد من يعقلُ(٦) وما لا يعقل من حيوان وجماد. و[على] ظاهرٍ
التنزيل في قراءة الجمهور يكونُ محمولاً على فساد مَا يعقل(٧) من الحيوان (٨)؛ لأن
ما لا يعقل تابعٌ لِمَا يَعقِل في الصَّلاح والفساد، فعلى هذا؛ ما يكون من الفساد يعود
على مَن في السماوات من الملائكة بأن جُعلت أرباباً وهي مربوبة، وعُبِدت وهي
(١) في (م) و(خ) و(د) و(ز): لتنافت، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس
١١٩/٣ والكلام منه.
(٢) تفسير أبي الليث ٤١٨/٢، والنكت والعيون ٦٢/٤، وتفسير الرازي ١١٢/٢٣ ونسبه للقفال.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٧٨/٤، وزاد المسير ٤٨٤/٥ وما بين حاصرتين منهما.
(٤) في النكت والعيون ٤/ ٦٢ وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه دون قوله: وچِنها.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٩ .
(٦) قوله: من يعقل، ليس في النكت والعيون.
(٧) في (ظ): من يعقل.
(٨) جاء في التكت والعيون : ... ما يعقل ولا يعقل من الحيوان.

٧٣
سورة المؤمنون: الآيتان ٧١ - ٧٢
مُستعبَدة. وفسادُ الإنس يكون على وجهين: أحدُهما: باتِّباع الهوى، وذلك مُهْلِك.
الثاني: بعبادة غير الله، وذلك كفر. [وأمَّا فسادُ الجن، فيكون بأن يُطاعوا فيطغوا]
وأمَّا فسادُ ما عدا ذلك فيكون على وجه التَّبَع؛ لأنهم مدبَّرون بذوي العقول، فعاد
فساد المدبِّرين عليهم.
قوله تعالى: ﴿بَّ أَنَْهُم بِذِكْرِهِم﴾ أي: بما فيه شرفُهم وعِزُّهم، قاله السُّدِّيُّ
وسفيان(١). وقال قتادة: أي: بما لهم فيه ذِكْرُ ثوابهم وعقابهم. ابن عباس: أي: ببيان
الحقِّ، وذِكْرِ ما لهم به حاجةٌ من أمر الدين(٢). ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْثَلُهُمْ خَرْهً فَخَرَجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
٧٢
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَتَلُهُمْ خَرْحًا﴾ أي: أجراً على ما جئتَهم به. قاله الحسن(٣)
وغيرُه. ﴿فَخَرَجُ رَبِّكَ خَّرٌ﴾.
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بنُ وَثَّاب: ((خراجاً) بألف، الباقون بغير
ألف، وكلُّهم قد قرؤوا: ((فخراج)) بالألف، إلَّا ابنَ عامر وأبا حَيْوة، فإنهما قرأا بغير
الألف(٤). والمعنى: أم تسألُهم رزقاً؟ فرزقُ ربك خير(٥).
﴿وَهُوَ خَيْرُ الزّزِينَ﴾ أي: ليس يَقْدِر أحد أن يَرْزُق مثل رزقه، ولا يُنعِم مثلَ
إِنعامه(٦). وقيل: أي: ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له والدعاءِ إليه خيرٌ من
(١) أورد قولهما الماوردي في النكت والعيون ٦٣/٤، والقول دون نسبة في معاني القرآن للزجاج ١٩/٤،
وتفسير أبي الليث ٤١٨/٢، والوسيط ٢٩٥/٣، والمحرر الوجيز ١٥١/٤، وزاد المسير ٤٨٤/٥ ،
وتفسير الرازي ١١٢/٢٣.
(٢) أخرجه الطبري ٨٩/١٧ مختصراً وبنحوه.
(٣) أخرجه الطبري ١٧ / ٩٠ .
(٤) السبعة ص ٤٤٧، والتيسير ص١٤٦ و ١٥٩.
(٥) النكت والعيون ٤/ ٦٣ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٣.

٧٤
سورة المؤمنون: الآيات ٧٢ - ٧٤
عَرَض الدنيا، وقد عَرَضوا عليك أموالهم حتى تكون كأغنى(١) رجل من قريش، فلم
تُجِبهم إلى ذلك. قال معناه الحسن(٢).
والخَرْج والخَراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. قاله الأخفش. وقال أبو
حاتم: الخَرْج: الجُعْل، والخراج العطاء. المبرِّد: الخَرْج المصدر، والخَراج
الاسم(٣). وقال النضر بنُ شُميل: سألت أبا عمرو بنَ العلاء عن الفرق بين الخَرْج
والخَراج، فقال: الخَراج ما لَزِمَك، والخَرْج ما تبرَّعت به(٤). وعنه: أن الخَرْج من
الرِّقاب، والخَراج من الأرض(٥). ذكر الأوَّل الثعلبيُّ والثاني الماوردي(٦).
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾
(٧٤)
بِلْأَخِرَةِ عَنِ الصِّرَطِ لَكِبُونَ (
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى دين قويم. والصِّراط في
اللغة: الطريقُ، فسُمِّيَ الدِّينُ طريقاً؛ لأنه يؤدِّي إلى الجنة، فهو طريقٌ إليها.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ أي: بالبعثِ ﴿عَنِ الْصِّرَطِ لَكِبُونَ﴾ قيل: هو
مِثْل الأوَّل. وقيل: إنهم عن طريق الجنة لعادلون (٧)، حتى يصيروا إلى النار(٨). نَكَب
(١) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: كأعين.
(٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ٦٣/٤، وينظر الوسيط ٢٩٥/٣ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٣. وعنه نقل المصنف كلام أبي حاتم والأخفش. وينظر نزهة القلوب
ص٢٢٠ .
(٤) أورد قول أبي عمرو بن العلاء الرازيُّ في تفسيره ١١٢/٢٣، والزمخشري أيضاً ٣٨/٣ لكن دون أن
ینسبه.
(٥) في (ظ): ((وعنه أن الخراج من الرقاب، والخرج من الأرض)). وفي تهذيب اللغة ٤٨/٧، ومفردات
ألفاظ القرآن (خرج)، ولسان العرب (خرج). ما يفيد أنه قد يطلق أحدهما على الآخر.
(٦) في النكت والعيون ٤/ ٦٣ .
(٧) في (م): لناكبون.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ١١٩/٣ - ١٢٠.

٧٥
سورة المؤمنون: الآيات ٧٣ - ٧٦
عن الطريق يَنْكُب نُكوباً: إذا عدلَ عنه ومال إلى غيره، ومنه: نَكَبت الريح: إذا لم
تَسْتقم على مَجْرَى، وشَرُّ الرِّيحِ النَّكْبَاءِ(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَيْنَهُمْ وَكَتَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍ لَّلَجُوْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَعْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن نُّ﴾ أي: لو رددناهم إلى الدنيا ولم
نُدْخِلهم النارَ وامتحنَّاهم ﴿لََّجُّواْ فِ مُغْيَنِهِمْ﴾ قال السُّدِّيّ: في معصيتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾
قال الأعمش: يتردّدون(٢).
وقال ابن جُريج: ((ولو رحمناهم)) يعني: في الدنيا، ((وَكَشَفْنَا ما بِهِم منْ ضُرِّ»
أي: من قَخْط وجوع، ((لَلَجُوا)) أي: لَتَمَادَوْا ((فِي طُغْيَانِهِمْ)) وضلالتهم وتجاوزِهم
الحدَّ، ((يَعْمَهُونَ)): يتذبذبون ويَخْبِطُون(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْتَهُم بِالْعَذَابٍ﴾ قال الضخَّاك: بالجوع(٤). وقيل:
بالأمراض والحاجة والجوع. وقيل: بالقتل والجوع. ﴿فَمَا اُسْتَكَنُواْ لِرَيْهِمْ﴾ أي: ما
خضعوا(٥). ﴿وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما يخشعون لله عزَّ وجلَّ في الشدائد تُصيبهم.
قال ابن عباس: نزلت في قصة ثُمَامَة بنٍ أُثَال؛ لمَّا أَسَرته السَّريّة وأسلم، وخَلَّى
رسولُ اللـه# سبيلَه، حالَ بين مكة وبين المِيرةُ(٦)، وقال: والله لا يأتيكم من اليمامة
حَبَّةُ حِنْطة حتى يأذن فيها رسولُ الله﴾. وأخذ الله قريشاً بالقَخْط والجوع حتى أكلوا
(١) الصحاح (نكب).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٢٠ وفيه: الأخفش، بدل: الأعمش. وأخرج قول الأعمش الطبري ١٤/ ٩٢ .
(٣) تفسير الطبري ١٧/ ٩٢ ، ومجمع البيان ١٨/ ١٦٧.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٣.
(٥) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٩٩، ومعاني القرآن للنحاس ٤/ ٤٨٠ .
(٦) الميرة: هي الطعام ونحوه مما يجلب للبيع. النهاية (مير).

٧٦
سورة المؤمنون: الآيتان ٧٦ - ٧٧
الميتة والكلاب والعِلْهِز، قيل: وما العِلْهِز؟(١) قال: كانوا يأخذون الصُّوف والوَبَر،
فيبُلُّونه بالدم، ثم يَشْوونه ويأكلونه، فقال له أبو سفيان: أَنْشُدُكَ اللهَ والرَّحِم، أليس
تزعم أنَّ الله بعثك رحمةً للعالمين؟ قال: ((بلى))، قال: فوالله ما أراكَ إلا قتلتَ الآباءَ
بالسيف، وقتلتَ الأبناءَ بالجوع؛ فنزل قوله: ﴿وَلَوْ رَمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍ لَّلَجُواْ
فِي مُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
W
قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال عكرمة: هو بابٌ من
أبواب جهنم، عليه من الخَزَنة أربعُ مئة ألفٍ، سودٌ وجوهُهم، كالِحةٌ أنيابُهم، قد
فُلِعت الرحمةُ من قلوبهم، إذا بلغوه فتحه الله عزَّ وجلَّ عليهم (٣).
وقال ابن عباس: هو قتلُهم بالسيف يوم بدر(٤).
مجاهد: هو القَحْط الذي أصابهم حتى أكلوا العِلْهِز من الجوع(٥)؛ على ما تقدَّم.
وقيل: فتح مكة (٦).
﴿إِذَا هُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: یائسون متحیِّرون، لا يدرون ما يصنعون، کالآیس من
(١) في (د) و(ز): والعهن، وقيل: وما العهن؟
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٨٩) والطبري ٩٣/١٧، والبيهقي في دلائل النبوة ٨١/٤، وأبو نعيم
في معرفة الصحابة (١٣٩٢)، دون قوله: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها
رسول الله #، فقد أخرجه أحمد (٩٨٣٤)، والبخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤): (٥٩) في حديث
طويل.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٢٠/٣، وأورده ابن رجب في التخويف من النار ص١٥٩ عن عكرمة وعزاه
لا بن أبي حاتم.
وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٥٥٢/٢، والدر المنثور ١٠٠/٤، من حديث سمرة بن
جندب مرفوعاً مطولاً.
(٤) النكت والعيون ٦٤/٤ وسلف ص ٦١ من هذا الجزء.
(٥) تفسير مجاهد ٤٣٣/٢ - ٤٣٤ بنحوه، وأخرجه الطبري ١٧ / ٩٥ بنحوه أيضاً.
(٦) نسبه أبو الليث في تفسيره ٤١٩/٢ وللسدي.

٧٧
سورة المؤمنون: الآيات ٧٧ - ٨٩
الفَرَج ومن كلِّ خِير. وقد تقدَّم في ((الأنعام))(١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيّ أَنْشَأَ لَكٌُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ عرَّفهم كثرةَ نِعَمه وكمالَ قدرته.
﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما تشكرون إلا شكراً قليلاً(٢). وقيل: أي: لا تشكرون
ألبتة(٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ ذَرَأَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: نشركم(٤) وبَثَّكم وخلقكم. ﴿وَإِلَّهِ
تُخْتَرُونَ﴾ أي: تُجْمعون للجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ، وَيُمِتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨) قَالُواْ أَِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوَا
لَبْعُوتُونَ (٨٧ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَّا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَاَ
قُل لِّمَنِ اَلْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (3)
تَذَكَّرُونَ ﴿٨ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨ سَيَقُولُونَ
لِلَّهَّ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٧) قُلْ مِنْ بِيَدِهِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَا
يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ()﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُحِ، وَيُمِيتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: جَعَلَهما
مختلفين، كقولك: لك الأجر والصَّلة، أي: إنك تُؤْجَر وتَصِل(٥)؛ قاله الفرّاء. وقيل:
(١) ٨ /٣٨١.
.(٢) المحرر الوجيز ٤ / ١٥٣.
(٣) زاد المسير ٤٨٩/٥.
(٤) في (م): أنشأكم.
(٥) في النسخ: وتوصل، والمثبت من معاني القرآن للفراء ٢/ ٢٤٠ والكلام منه.

٧٨
سورة المؤمنون: الآيات ٨٠ - ٨٩
اختلافُهما: نُقصانُ أحدِهما وزيادةُ الآخَر (١). وقيل: اختلافُهما في (٢) النُّور والظُلمة.
وقيل: تكرُّرُهما يوماً بعد ليلة، وليلةً بعد يوم. ويحتمل خامساً: اختلاف ما مضى
فيهما من سعادة وشَقاء وضلال وهُدى(٣).
﴿أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ﴾ كُنْهَ قدرتِهِ ورُبوبيَّته ووحدانيَّته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريكٌ من
خلقه، وأنه قادر على البعث.
ثم عيَّرهم بقولهم، وأخبر عنهم أنهم ﴿قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ. قَالُواْ أَهِذَا مِنْنَا
وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ﴾ هذا لا يكون ولا يُتّصوَّر ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا هَذَا
مِن قَبْلُ﴾ أي: مِن قَبْل مجيء محمدٍ ﴾، فلم نَرَ له حقيقة ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّ
أَسَِيُ اَلْأَوَِّينَ﴾ أي: أباطيلُهم وتُرَّهَاتُهم؛ وقد تقدَّم هذا كلُّه(٤).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، جواباً لهم عمَّا قالوه: ﴿لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ
فِيهَا﴾ يُخبِر بربوبيَّته ووحدانيَّته ومُلْكِه الذي لا يزول، وقدرتِه التي لا تحول؛
فـ﴿سَيَقُولُونَ لِلّهِ﴾ ولا بُدَّ لهم من ذلك. فـ ﴿قُلّ ◌َفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تتَّعِظون
وتعلمون أنَّ مَنْ قَدَر على خلق ذلك ابتداءً، فهو على إحياء الموتى بعد موتهم قادر(٥).
﴿قُلْ مَنْ رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلََّّ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾
يريدُ: أفلا تخافون حيث تَجعلون لي ما تكرهون، زعمتم أنَّ الملائكةَ بناتي، وكَرِهتم
لأنفسكم البنات؟
﴿قُلّ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ يريدُ السماواتِ وما فوقَها وما بينَهنّ،
والأرضينَ وما تحتَهنَّ وما بينَهنَّ، وما لا يعلمه أحدٌ إلا هو. وقال مجاهد: ((ملكوت
(١) تفسير أبي الليث ١٧٣/١، والنكت والعيون ٤/ ٦٤ .
(٢) لفظة: في، من (م) وتفسير البغوي ١٣٥/١، ونسب البغوي هذا القول لعطاء.
(٣) النكت والعيون ٤/ ٦٤ .
(٤) في تفسير الآية (٣٣) وما بعدها من هذه السورة.
(٥) الوسيط ٢٩٦/٣، وتفسير البغوي ٣١٥/٣، وزاد المسير ٤٨٧/٥.

٧٩
سورة المؤمنون: الآيات ٨٠ - ٨٩
كلِّ شيء»: خزائنُ كلِّ شيء. الضحَّاك: مُلْكُ كلِّ شيء. والملكوتُ من صفات
المبالغة كالجَبَرُوت والرَّهَبُوت(١)؛ وقد مضى في ((الأنعام))(٢).
﴿وَهُوَ ثُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: يَمنع ولا يُمنع منه (٣). وقيل: ((يُجير)): يُؤمِّن
مَن شاء. ((ولا يُجَار عَلَيْه))، أي: لا يُؤْمَّن مَن أخافه(٤). ثم قيل: هذا في الدنيا، أي:
مَن أراد الله إهلاكَه وخوفه؛ لم يمنعه منه مانع، ومَن أراد نَصْره وأَمْنَه؛ لم يدفعه مِن
نصره وأمنه دافع. وقيل: هذا في الآخرة، أي: لا يمنعه مِن مستحِقُّ الثواب مانعٌ،
ولا يدفعه عن مستوجب العذاب دافع(٥).
﴿فَأَقَّ تُسْحَرُونَ﴾ أي: كيف تُخدعون وتُصرَفون عن طاعته وتوحيده؟(٦). أو:
كيف يُخيَّل إليكم(٧) أن تُشرِكوا به ما (٨) لا يَضرُّ ولا ينفع؟! والسِّحر: هو التخييل.
وكلُّ هذا احتجاجٌ على العرب المُقِرِّين بالصانع.
وقرأ أبو عمرو: ((سيقولون الله)) في الموضعين الأخيرين، وهي قراءةُ أهل
العراق، والباقون: (الله))(٩).
ولا خلاف في الأوَّل أنه (الله))؛ لأنه جواب لـ ((قل لمن الأرض ومن فيها))، فلمَّا
تقدَّمت اللام في ((لمن)) رجعت في الجواب، ولا خلافَ أنه مكتوبٌ في جميع
المصاحف بغير ألف.
(١) النكت والعيون ٦٥/٤، وقول مجاهد في تفسيره ٤٣٤/٢، وأخرج عنه الطبري ١٠٠/١٧.
(٢) ٨/ ٤٣٥ - ٤٣٦ .
(٣) النكت والعيون ٦٥/٤ .
(٤) مراح لبيد ٧٠/٢، وتفسير البغوي ٣١٥/٣.
(٥) النكت والعيون ٤/ ٦٥.
(٦) مراح لبيد ٧٠/٢، وتفسير البغوي ٣١٦/٣.
(٧) في (ظ): لكم.
(٨) في النسخ الخطية: من، والمثبت من (م).
(٩) السبعة ص ٤٤٧، والتيسير ص ١٦٠.

٨٠
سورة المؤمنون: الآيات ٨٠ - ٩٢
وأمَّا مَن قرأ: ((سيقولون الله))؛ فلأن السؤال بغير لام، فجاء الجواب على لفظه،
وجاء في الأوَّل: (الله)؛ لمَّا كان السؤال باللام.
وأمَّا مَن قرأ: (له)) باللام في الأخيرين وليس في السؤال لامٌّ، فلأن معنى ﴿قُلّ
مَنْ رَبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: قل: لمن السماواتُ السبعُ ولمن(١)
العرش العظيم، فكان الجواب: (لله))؛ حين قَدَّرت اللام في السؤال. وعلَّةُ الثالثةِ
كعلة الثانية(٢). وقال الشاعر:
إذا قيل مَن ربُّ المزالفِ والقُرَى وربُّ الجيادِ الجُزْدِ قيل(٣) لخالد
أي: لمن المزالف، والمزالف: البراغيل، وهي البلاد التي بين الريف والبرّ،
الواحدة مَزْلَفة(٤).
ودلَّت هذه الآياتُ على جواز جِدال الكفار وإقامةِ الحجّة عليهم، وقد تقدَّم في
((البقرة))(٥). ونبّهتْ على أنَّ مَنِ ابتدأ بالخلق والاختراع والإيجاد والإبداع، هو
المستحِقُّ للألوهية والعبادة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنََّهُم بِآلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٥) مَا أَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَذٍ وَمَا.
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ
اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِ كُونَ (١
قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتْيَهُم بِآلْحَيِّ﴾ أي: بالقول الصّدق، لا ما تقوله الكفار من
إثبات الشريك(٦) ونَفْي البعث. ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾، في قولهم (٧) إنَّ الملائكة بناتُ
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(م): ورب. والمثبت من (ظ).
((٢) ينظر تفسير الطبري ٩٨/١٧ - ٩٩، ومعاني القرآن للنحاس ٤٨١/٤، والحجة ٣٠١/٥، والكشف
عن وجوه القراءات ١٣٠/٢ .
(٣) في (م): قلت، وأورد البيت النسفي في تفسيره ١٢٦/٣، والشوكاني في فتح القدير ٤٩٦/٣.
(٤) قوله: والمزالف البراغيل، إلخ .. ، ليس في (ز) و(د)، وجاء في (ظ): والمزاليف، بدل: والمزالف ..
(٥) ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٦) ينظر تفسير البغوي ٣١٦/٣.
(٧) قوله: في قولهم، من (ظ).