النص المفهرس

صفحات 1-20

كَارِ الْقُرآنِ
الخَامِعُ لأَ
٧
وَاَلُبَيِّنُ لَمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَبِيِ الْقُرْقَانِ
تَأليفُ
أَبِي عَبْدِاللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِالقُرُِّ
( ت ٦٧١ هـ )
تَحقِيْق
الدكتور عبد الّه بن عبدالمحسن التركي
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الْجُزْء
محمّد رضوا بعرفيوسي محمّد بركات
الجُرُءُ الخَامِسُ عَشْرُ
مؤسسة الرسالة

一
-3
13

أَحْكَامِ القُرآنِ
وَاَلمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآَيِ الْقُرْقَانِ

جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
مؤسسة الرسالة وطى المصطبة - شارع حبيب أبي شهلا- بناية المسكن، بيروت-لبنان
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalah
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box:117460
Email:Resalah@Cyberia.net.Ib
PUBLISHERS

سورة المؤمنون
مكيّة كلُّها في قول الجميع(١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَمِ
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوِ فَعِلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَفِظُونٌ ﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ )
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ
فَمَنٍ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
(١) الَّذِينَ يَرِثُونَ
أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُنَ
وَالَّذِيْنَ هُمُ عَلَى صَلَوَتِهِمْ ثُجَافِقُونَ (
الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ
فيه تسع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمنُونَ﴾ روى البيهقيُّ من حديث أنس عن
النبيّ # أنه قال: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ جنةَ عَدْن، وغَرَسَ أشجارَها بيده، قال لها: تكلَّمي،
فقالت: قد أفلح المؤمنون))(٢).
وروى النَّسائيُّ عن عبد الله بن السائب قال: حضرتُ رسولَ الله # يومَ الفتح،
فصلَّى في قُبُل الكعبة، فخلَعَ نعلَيْهِ، فوضعَهُما عن يساره، فافتتحَ سورة المؤمنين،
فلمَّا جاء ذِكْرُ موسى - أو عيسى عليهما السلام - أخذته سَعْلةٌ، فركع. خرَّجه مسلم
(١) تفسير أبي الليث ٤٠٧/٢، والوسيط ٢٨٣/٣، وزاد المسير ٤٥٨/٥ .
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٦٩١)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣٩٢/٢ ، وابن عدي في الكامل
١٨٣٧/٥. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: بل ضعيف.
اهـ. قلنا: وقد رُوي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم من قولهم، كما في تفسير
عبد الرزاق ٢/ ٤٣، وتفسير ابن كثير ٢٣٧/٣ .

٦
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
بمعناه(١).
وفي الترمذيِّ عن عمرَ بنِ الخطاب﴾ قال: كان النبيُّ # إذا أُنزِل عليه الوحيُّ،
سُمِع عند وجهه كدَوِيِّ النَّحْل؛ وأُنزِل عليه يوماً، فمكثنا ساعةً، فسُرِّيَ عنه(٢)،
فاستقبل القبلة، ورفع(٣) يديه، وقال: ((اللَّهُمّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا [وأكْرِمْنا ولا تُهنَّا،
وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا]، وأرضِنا وارْضَ عنَّا)). ثم قال: ((أُنزِل
عَلَيَّ عَشْرُ آيات، مَنْ أَقَامَهُنَّ دخلَ الجنةَ))، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم
عَشْر آيات (٤). صحَّحه ابنُ العربي(٥).
قال النحاس(٦): معنى: ((مَن أقامهنَّ)): مَن(٧) أقام عليهنَّ، ولم يخالف ما فيهنَّ؛
كما تقول: فلانٌ يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرضُ الوضوء والحجِّ، فدخل
معهنّ.
(١) صحيح مسلم (٤٥٥)، وسنن النسائي الصغرى ١٧٦/٢، وهو في مسند أحمد (١٥٣٩٤)، وعلقه
البخاري إثر حديث (٧٧٤).
(٢) في (ظ): ثم سري عنه.
(٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): فرفع، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في سنن الترمذي.
(٤) سنن الترمذي (٣١٧٣) وما بين حاصرتين منه. وهو من طريق عبد الرزاق، عن يونس بن سُليم، عن
الزُّهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر ﴾. ثم أخرجه الترمذي بإثره
وزاد في الإسناد يونس بن يزيد بعد يونس بن سليم، وقال: هذا أصح.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦٠٣٨)، وأحمد (٢٢٣)، والنسائي في الكبرى (١٤٤٣)، والحاكم
٢/ ٣٩٢، قال النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحداً رواه غير يونس بن سليم، ويونس بن سليم لا
نعرفه، والله أعلم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: سئل عبد الرزاق
عن شيخه ذا - يعني يونس بن سليم - فقال: أظنه لا شيء.
وأورده ابن أبي حاتم في العلل ٣/ ٧٥ - ٧٦ وقال: ويونس بن سليم لا أعرفه، ولا يعرف هذا الحديث
من حديث الزهري.
(٥) في أحكام القرآن ١٢٩٥/٣، قال: وهو صحيح وإن كان قد تكلم فيه أبو عيسى وقطعه!
(٦) في إعراب القرآن ٣/ ١١١ .
(٧) في (ظ): أي، بدل: من.

٧
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف: ((قد أُفْلِح المؤمنون)) بضم الألف على الفعل
المجهول(١)، أي: أُبْقُوا في الثواب والخير(٢). وقد مضى في أوَّل ((البقرة)) معنى
الفلاح لغةً ومعنّى(٣)، والحمد لله وحده.
الثانية: قوله تعالى: ﴿خَشِعُونَ﴾ روی المُعْتَمِر، عن خالد، عن محمد بن سيرين
قال: كان النبيُّ # ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية:
﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ﴾. فجعل رسولُ اللهِ ﴾ ينظرُ حيثُ يَسجدُ(٤). وفي رواية
هُشيم (٥): كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون، حتى أنزل الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ الَِّينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ فأقبلوا على صلاتهم، ونظروا أمامهم(٦).
وقد تقدَّم ما للعلماء في حكم المصلِّي إلى حيث ينظر في ((البقرة))(٧) عند قوله:
﴿فَوَلِ وَجْهَكَ شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الآية: ١٤٤].
وقد تقدَّم أيضاً معنى الخشوع لغةً ومعنّى في ((البقرة)) (٨) أيضاً عند قوله تعالى:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [الآية: ٤٥].
(١) القراءات الشاذة ص٩٧، وينظر المحرر الوجيز ١٣٦/٤.
(٢) في (ظ): والخيرات.
(٣) ٢٧٨/١ - ٢٧٩ .
(٤) أخرجه الطبري ٧/١٧، ومعتمر: هو ابن سليمان التَّيْمي، وخالد: هو ابن مهران الحذاء.
وأخرجه عبد الرزاق (٣٢٦١) (٣٢٦٢)، وأبو داود في المراسيل (٤٥)، والطبري ١٧/ ٧، والبيهقي
٢٨٣/٢ من طريق أيوب عن ابن سيرين، بنحوه. وقال البيهقي: هذا هو المحفوظ مرسل. وقال ابن
العربي في أحكام القرآن ١٢٩٥/٣ : هذا الحديث مقطوع مظنون.
(٥) في (ظ): إبراهيم، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٣٥/٢.
(٦) في (د) و(م): وجعلوا ينظرون أمامهم، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في الناسخ
والمنسوخ للنحاس، ورواية هُشيم أخرجها الطبري ٧/١٧ ، وابنُ أبي شيبة ٢/ ٢٤٠، من طريقه، عن
ابن عَوْن، عن ابن سيرين (واللفظ لابن أبي شيبة): كان رسول الله# مما ينظر إلى الشيء في الصلاة،
فيرفع بصره حتى نزلت آية؛ إن لم تكن هذه، فلا أدري ما هي: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ﴾ قال:
فوضع النبي # رأسه.
(٧) ٢ / ٤٤٤ .
(٨) ٧٠/٢.

٨
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
والخشوع محلُّه القلب، فإذا خَشَع خشعتِ الجوارحُ كلَّها لخشوعه؛ إذ هو
مَلِكُها، حسبما بيَنَّاه أوَّل ((البقرة)).
وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة (١)، وقام إليها، يَهاب الرحمنَ أن يَمُدَّ
بصره إلى شيء، وأن يُحدِّث نفسَه بشيء من الدنيا (٢).
وقال عطاء: هو ألَّا يعبثَ بشيءٍ من جسده في الصلاة (٣).
وأَبصرَ النبيُّ # رجلاً يعبثُ بلحيته في الصلاة، فقال: ((لو خَشَع قلبُ هذا،
لخشعت جوارحُه))(٤). وقال أبو ذَرٍّ: قال النبيُّ ﴾: ((إذا قامَ أحدُكم إلى الصلاة، فإن
الرَّحمة تُواجهه، فلا يُحرِّكنَّ الحصى)). رواه الترمذي(٥).
وقال الشاعر:
ألَّا في الصلاة الخيرُ(٦) والفضل أجمعُ لأنَّ بها الآرابَ(٧) لله تخضعُ
(١) في (ظ) و(د): إذا قام إلى الصلاة، وفي (ز): إذا أقام إلى الصلاة، والمثبت من (خ) و(م).
(٢) الكشاف ٢٥/٣ .
(٣) أورده البغوي في تفسيره ٣/ ٣٠٢ .
(٤) هو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) ٣١٧ من حديث أبي هريرة. وأورده العراقي كما في
الفتح السماوي ٨٥٤/٢، وطرح التثريب ٣٧٢/٢، والمغني عن حمل الأسفار ١٥١/١ (بهامش
الإحياء)، والسيوطي في الجامع الصغير ٣١٩/٥ (مع شرحه فيض القدير) ونسباه للحكيم الترمذي هكذا
مرفوعاً، وضعفاه، وقال العراقي كما في الفتح السماوي: فيه سليمان بن عمرو أبو داود النخعي أحد
من اتهم بوضع الحديث. اهـ وقال في المغني: سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن
المسيب، رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وفيه رجل لم يسم. اهـ
وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٢٨٩/٢، والزهد لابن المبارك (١١٨٩) من طريق معمر، وفي مصنف
عبد الرزاق (٣٣٠٩) من طريق الثوري، كلاهما عن رجل عن ابن المسيب.
وأخرجه عبد الرزاق أيضاً (٣٣٠٨) عن معمر، عن أبان، عن ابن المسيب، وأبان - هو ابن أبي عياش -
متروك.
(٥) في سننه برقم (٣٧٩)، ولفظه: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه)).
وقال: حديث حسن. اهـ. وهو في مسند أحمد (٢١٣٣٠).
(٦) في (د) و(ظ) و(ز): الحمد.
(٧) في (ظ): الأرباب، والمثبت من باقي النسخ، والآراب: جمع الإزب، وهو العضو، القاموس المحيط
(أرب).

٩
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
وآخِرُ ما يبقى إذا(١) الدِّينُ يُرفعُ
وأوّلُ فرضٍ من شريعة ديننا
وكان كعبدٍ بابَ مولاه يَقْرَعُ
فمن قام للتكبير لاقته رحمةٌ
نَجِيًّا فيَا طُوباه لو کان یخشعُ
وصار لربِّ العرش حين صَلاته
وروى أبو عِمْران الجَوْنيُّ قال: قيل لعائشة: ما كان خُلُق رسولِ اللهِ ﴾؟ قالت:
أتقرؤون سورةَ المؤمنين؟ قيل: نعم. قالت: اقرؤوا، فقرئ عليها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿يُحَافِظُونَ﴾(٢).
وروى النَّسائيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله # يلحظُ في
صلاته يميناً وشِمالاً، ولا يَلوي عُنُقُه خلف ظهره(٣).
وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: ثم أصلِّي قريباً منه - يعني من النبيِّ # -
وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي، نظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه، أعرض عني ...
الحديث(٤)؛ ولم يأمره بإعادة.
الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة، أو من فضائلها
ومكَمِّلاتها؟ على قولين: والصحيح الأوّل. ومحلُّه القلب.
(١) في (ظ): إذ.
(٢) النكت والعيون ٤٥/٤، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٠٨)، والنسائي في السنن
الكبرى (١١٢٨٧)، والحاكم ٣٩٢/٢ من طريق أبي عمران الجَوْني، عن يزيد بن بابنوس قال: قلت
لعائشة ... ويزيد بن بابنوس؛ قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول. اهـ. يعني حيث يُتابع، لكنه تفرد
به، ولم يتابع عليه.
(٣) سنن النسائي ٩/٣، وأخرجه - أيضاً - أحمد (٢٤٨٥)، وأبو داود - كما في تحفة الأشراف ١١٧/٥ -
والترمذي (٥٨٧)، والدارقطني (١٨٦٤)، والحاكم ٢٣٦/١ - ٢٣٧، والبيهقي ١٣/٢ . وقال
الترمذي: هذا حديث غريب. اهـ. وصحح إسناده الحاكم. وقال الدارقطني: تفرد به الفضل بن موسى
عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلاً، وأرسله غيره. وكذا قال البيهقي، وصحح أبو داود المرسل
منه. قال ابن حجر في التقريب: الفضل بن موسى ثقة ثبت وربما أغرب.
وقوله: يلحظ: من اللحظ، وهو النظر بشقِّ العين الذي يلي الصُّدْغ. النهاية (لحظ).
(٤) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، وهو عند أحمد (١٥٧٨٩) وسلف ٤١٢/١٠ وما بعدها.

١٠
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
وهو أوّل علم يُرفع من الناس؛ قاله عُبادة بنُ الصامت، رواه الترمذيُّ من حديث
جُبير بنِ نُفير عن أبي الدَّرداء، وقال: هذا حديث حسن غريب(١). وقد خرَّجه النَّسائي
من حديث جُبير بن نفير أيضاً، عن عوف بن مالك الأشجعيّ من طريق صحيحة(٢).
قال أبو عيسى(٣): ومعاوية بنُ صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحداً تكلّم فيه
غيرَ يحيى بن سعيدِ القَطّان.
قلت: معاوية بن صالح أبو عمرو - ويقال: أبو عمر (٤) - الحضرميُّ الحمصيُّ
قاضي الأندلس، سُئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحدیث، يُكتب حديثه ولا
يحتجُّ به. واختلَف فيه قولُ يحيى بن معين، ووثَّقه عبد الرحمن بنُ مهدي وأحمد بنُ
حنبل وأبو زُرْعة الرازي(٥). واحتجَّ به مسلم في ((صحيحه)).
وتقدَّم في ((البقرة)) معنى اللغو والزكاة(٦)، فلا معنى للإعادة.
وقال الضَّخَّاك: إن اللغو هنا الشِّرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلَّها. فهذا قول
جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك، وقولُ مَن قال: هو الغناء؛ كما روى مالك
ابنُ أنس عن محمد بن المُنْكَدِر (٧)، على ما يأتي في ((لُقْمان)) بيانُه(٨).
(١) سنن الترمذي برقم (٢٦٥٣)، وهو من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن
أبيه، به.
(٢) السنن الكبرى للنسائي (٥٨٧٨)، وأخرجه أحمد (٢٣٩٩٠)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٣٣٧)
و(٣٣٨) و (٣٣٩).
(٣) هو الترمذي ، وقوله هذا بإثر الحديث السالف.
(٤) كذا قال، والمعروف له كنيتان: أبو عمرو، وأبو عبد الرحمن، ولعله: أبو عمر، تحريف أبي عمرو.
ينظر تهذيب الكمال.
(٥) في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣٨٢/٨ - ٣٨٣.
(٦) ٢٣/٢ - ٢٤، ١٧/٤.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٠٩/٣ - ١١٠، وأخرج قول الحسن عبد الرزاق في تفسيره ٤٣/٢،
والطبري ١٧/ ١١ .
(٨) عند تفسير الآية السادسة منها.

١١
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
ومعنى ((فاعلون)) أي: مؤدُّون، وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب، قال
أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت(١):
المُظْعِمون الطعامَ في السَّنة الأزمة والفاعلون للزَّكَواتِ
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ﴾ قال ابن العربي(٢): مِن
غريب القرآن أنَّ هذه الآياتِ العَشْرَ عامّةٌ في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن
التي هي محتملة لهم، فإنها عامَّة فيهم، إلا قوله ﴿وَلَِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ﴾،
فإنما خاطب بها الرجال خاصَّةً دون الزوجات، بدليل قوله: ﴿إِلَّا عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ [ولا إباحة بين النساء وبين مِلْك اليمين في الفرج]، وإنما عُرف حفظ
المرأة فرجَها من أدلة أُخَر، كآيات الإحصان عموماً وخصوصاً، وغير ذلك من
الأدلّة.
قلت: وعلى هذا التأويل في الآية، فلا يحلُّ لا مرأة أن يطأَها مَن تملكه إجماعاً
من العلماء؛ لأنها غيرُ داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد مِلْكها له، جاز له أن
يتزوَّجها، كما يجوز لغيره عند الجمهور. ورُوي عن عبيد بن عبد الله بن عُتبة،
والشَّعْبيِّ، والنَّخَعيِّ: أنها لو أعتقته حين مَلَكته، كانا على نكاحهما. قال أبو عمر (٣):
ولا يقول هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن بملكها(٤) عندهم يبطل النكاح بينهما،
وليس ذلك بطلاق، وإنما هو فسخ النكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد مِلْكها له، لم يراجعها
إلا بنكاح جديد، ولو كانت في عِدَّة منه.
الخامسة: قال محمد بنُ عبد الحكم: سمعت حَرْملةَ بنَ عبد العزيز قال: سألتُ
مالكاً عن الرجل يَجْلِد عُمَيرةَ، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ﴾ إلى
(١) ديوانه ص ٣٠ .
(٢) في أحكام القرآن ١٢٩٨/٣ وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في الاستذكار ٣١٧/١٦ وما قبله منه.
(٤) في (م) و(د): تملكها.

١٢
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
قوله: ﴿اٌلْعَادُونَ﴾. وهذا لأنهم يَكْنُون عن الذَّكَرِ بِعُمَيْرة؛ وفيه يقول الشاعر:
فاجْلِدْ عُمَيرةَ لا داءٌ ولا حَرَجُ(١)
إذا حَلَلتَ بوادٍ لا أنيس به
ويسمِّيه أهل العراق: الاستمناء، وهو استفعال من المَنيّ(٢).
وأحمد بن حنبل على ورعه يجوِّزه(٣)، ويحتجُّ بأنه إخراج فَضْلة من البدن، فجاز
عند الحاجة؛ أصله الفَضْد(٤) والحجامة.
وعامة العلماء على تحريمه.
وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها
بين الناس، حتى صارت مسألة(٥)، ويا ليتها لم تُقَل، ولو قام الدليل على جوازها؛
لكان ذو المروءة يُغْرِض عنها لدناءتها. فإن قيل: إنها خير من نكاح الأَمَة، قلنا:
نكاح الأمة - ولو كانت كافرةً على مذهب بعض العلماء - خير من هذا، وإن كان قد
قال به قائل أيضاً، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل، عارٌ بالرجل الدنيء، فكيف
بالرجل الكبير؟!(٦).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَىَ أَزْوَجِهِمْ﴾ قال الفَرّاء: أي: [إلا] من أزواجهم
اللاتي أحل الله لهم لا يُجاوَزْنَ(٧). ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ في موضع خفض معطوفة
(١) كتاب الحيوان للجاحظ ١٧٩/٥ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٩٨/٣، وما بعده منه.
(٣) كذا نقل المصنف عن أحكام القرآن لابن العربي ١٢٩٨/٣ منسوباً للإمام أحمد، والمنقول عن أحمد
قولان، أصحهما أن الاستمناء حرام، والآخر مكروه عند الضرورة، ينظر القواعد لابن رجب ٢٤٦ ،
وفتاوى ابن تيمية ٢٢٩/٣٤ و٢٣١، وكشاف القناع ١٢٤/٦، والإنصاف ٤٦٦/٢٦ .
(٤) في (خ) و(ظ): فجاز عند الحاجة كالفصد.
(٥) في (م): قيلة. وكذا في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٩٩/٣ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٩٨/٣ - ١٢٩٩.
(٧) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): يجاوزون، والمثبت من (خ). وجاء في معاني القرآن للفراء ٢٣١/٢: اللاتي
أحل الله لهم من الأربع لا تجاوز.

١٣
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
على ((أزواجهم)) و((ما)) مصدرية(٨).
وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستمناء، ونكاح المُتْعة؛ لأن المتمثّع
بها لا تجري مَجرى الزوجات، لا تَرِث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج
من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج (٢) بانقضاء المدّة التي عُقدت عليها
وصارت كالمستأجَرَة(٣). ابن العربي(٤): إن قلنا: إن نكاح المتعة جائز، فهي زوجة
إلى أجلٍ، ينطلق عليها اسم الزوجية(٥)، وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمةُ من
تحريم نكاح المتعة، لَمَا كانت زوجةً، فلم تدخل في الآية.
قلت: وفائدة هذا الخلاف: هل يجب الحدُّ، ولا يُلحق الولد كالزنى الصريح،
أو يُدفع الحدُّ للشبهة ويُلحق الولد؟ قولان لأصحابنا (٦).
وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة، ثم
حرَّمها رسولُ اللهِ ﴾ زَمَنَ خَيْبَر، ثم حلَّلها في غَزاة الفتح، ثم حرمها بعدُ؛ قاله ابن
خُوِيْزِ مَنْدَاد من أصحابنا وغيرُه، وإليه أشار ابن العربي(٧). وقد مضى في ((النساء))(٨)
القولُ فيها مستوفّی.
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فسمَّى مَن نَكَح
ما لا يَحِلُّ عادِياً، وأوجب عليه الحدَّ بعدوانه (٩)، واللائطُ عادٍ، قرآناً ولغة، بدليل
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣١/٢، ونقله المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١١٠/٣، ومعاني
القرآن له أيضاً ٤٤٣/٤ - ٤٤٤، وما بين حاصرتين من هذه المصادر.
(٢) في (ظ): يخرج منه.
(٣) ينظر الاستذكار ٢٩٦/١٦ - ٢٩٧، والتمهيد ١١٦/١٠. وسلف الكلام في هذا ٢١٩/٦.
(٤) في أحكام القرآن ١٢٩٩/٣ .
(٥) في (ظ): الزوجة، وكذا هي في أحكام القرآن لابن العربي.
(٦) المفهم ٤/ ٩٣ .
(٧) في أحكام القرآن ٣٨٩/١، والقبس ٧١٣/٢ - ٧١٤ .
(٨) ٢١٨/٦ - ٢١٩.
(٩) في (م): لعدوانه.

١٤
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
قوله تعالى: ﴿بَلِّ أَنْتُمْ قَوْمُ عَدُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] - كما تقدم في ((الأعراف))(١) .
فوجب أن يقام الحدُّ عليهم، وهذا ظاهر لا غبارَ(٢) عليه(٣).
قلت: فيه نظر، ما لم يكن جاهلاً أو متأوّلاً، وإن كان الإجماع منعقِداً على أن
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِقُونٌّ إِلَّا عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ
غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ خُصَّ به الرجال دون النساء؛ فقد روى مَعْمَر عن قتادة قال: تسرَّرَت
امرأةٌ غلامَها؛ فذُكر ذلك لعمر، فسألها: ما حملكِ على ذلك؟ فقالت: كنتُ أُراه
يحلّ لي بِمِلْك يمين، كما يحلُّ للرجل المرأة بمِلك اليمين. فاستشار عمرُ في رَجْمها
أصحابَ رسول الله ﴾، فقالوا: تأوّلَتْ كتابَ الله عزَّ وجلَّ على غير تأويله، لا رجمَ
عليها. فقال عمر: لا جَرَم واللهِ لا أُحِلُّكِ لحرِّ بعده أبداً. عاقبها بذلك ودراً الحدَّ
عنها، وأمر العبدَ ألّا يَقْرَبها(٤).
وعن أبي بكر بن عبد الله، أنه سمع أباه يقول: أنا حضرتُ عمر بن عبد العزيز،
جاءته امرأةٌ بغلام لها وَضيء، فقالت: إني اسْتَسْررتُه، فمنعني بنو عمي عن ذلك،
وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فانْهَ عني بني عمي؛ فقال عمر:
أَتزوَّجتِ قبله؟ قالت: نعم؛ قال: أَمَا والله، لولا منزلتُكِ من الجهالة، لرجمتُكِ
بالحجارة، ولكنِ اذهبوا به، فبيعوه إلى مَن يَخرج به إلى غير بلدها(٥).
و((وَرَاءَ)) بمعنى: سِوى، وهو مفعول بـ ((ابتغَى))، أي: مَن طلب سِوى الأزواج
والولائد المملوكة له(٦). وقال الزجاج: أي: فمن ابتغى ما بعد ذلك (٧). فمفعول
(١) ٢٧٩/٩ .
(٢) في (د) و(ز): لا عناد عليهم.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٩٩/٣ .
(٤) الاستذكار ٣١٨/١٦، وأخرجه عبد الرزق (١٢٨١٨).
(٥) في الاستذكار ٣١٨/١٦، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٨٢١) وفيهما، وفي الدر المنثور ٥/٥ : بغلام لها
رومي، بدل: بغلام لها وضيء.
(٦) تفسير البغوي ٣٠٣/٣.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٧ .

١٥
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
الابتغاء محذوف، و((وَرَاءَ)) ظرف، و((ذَلِكَ)) يُشار به إلى كلِّ مذكور، مؤنَّئاً كان أو
مذكَّراً.
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: المجاوزون الحدَّ؛ مِن عدا، أي: جاوَزَ الحدَّ،
وجازه.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ ◌ِأَمَنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
يُحَافِظُونَ﴾ قرأ الجمهور: ((لأماناتهم)) بالجمع، وابنُ كثير بالإفراد(١).
والأمانةُ والعهد يجمع كلَّ ما يحملُه الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً،
وهذا يَعمُّ معاشرةَ الناس والمواعيدَ وغيرَ ذلك. ورعايةُ(٢) ذلك: حفظُه والقيامُ به،
والأمانة أعمُّ من العهد، وكلُّ عهد فهو أمانة فيما تقدَّم فيه قول أو فعل أو معتقَد.
التاسعة: قرأ الجمهور: ((صَلَوَاتِهِمْ))، وحمزةُ والكسائيُّ: ((صلاتِهم)) بالإفراد(٣)،
وهذا الإفراد اسم جنس، فهو في معنى الجمع(٤)، والمحافظةُ على الصلاة: إقامتُها
والمبادرةُ إليها أوائلَ أوقاتها، وإتمامُ ركوعها وسجودها. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥)
مستوفّی.
ثم قال: ﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الْوَرِقُونَ﴾ أي: مَن عمِلَ بما ذُكر في هذه الآيات فهم
الوارثون، أي: يرثون منازل أهل النار من الجنة (٦). وفي الخبر عن أبي هريرة ﴾،
عن النبيِّ ﴾: ((إنَّ الله تعالى جعلَ لكلِّ إنسان مسكناً في الجنة، ومسكناً في النار،
فأمَّا المؤمنون فيأخذون منازلَهم، ويرثون منازلَ الكفار، ويَحصُّل(٧) الكفار في منازلهم
(١) السبعة ص ٤٤٤، والتيسير ص١٥٨ .
(٢) في النسخ: وغاية. والمثبت من المحرر الوجيز ١٣٧/٤، والكلام منه.
(٣) السبعة ص٤٤٤، والتيسير ص١٥٨ .
(٤) في (د) و(م): الجميع، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١٣٧/٤
والكلام منه.
(٥) ٢٥٣/١ وما بعدها.
(٦) الوسيط ٢٨٥/٣.
(٧) في (م) و(د): ويجعل. والمثبت من بقية النسخ، والمحرر الوجيز لابن عطية ١٣٧/٤، والكلام منه.

١٦
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١١
في النار))(١). خرَّجه ابنُ ماجه(٢) بمعناه عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﴾:
((ما منكم من أحدٍ إلا له(٣) منزلان، منزلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النار، فإذا مات،
فدخل النار، وَرِث أهلُ الجنة منزِلَه، فذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ﴾. إسناده
صحیح.
ويحتمل أن يُسمَّى الحصول على الجنة وراثةً من حيث حَصَّلوها(٤) دون غيرهم،
فهو اسمٌ مستعار على الوجهين(٥).
والفِرْدوس: رَبْوَةُ الجنة وأوسطُها وأفضلُها. خرَّجه الترمذيُّ من حديث الرُّبَيِّع بنتٍ
النَّضر أمِّ حارثة، وقال: حديث حسن صحيح(٦).
وفي حديث مسلم(٧): ((فإذا سألتم الله، فسَلُوه الفردوسَ، فإنه أوسطُ الجنة،
وأعلى الجنة، ومنه تَفَجَّر أنهارُ الجنة)). قال أبو حاتم محمد بن حِبَّان: قوله:﴿: ((فإنه
أوسط الجنة)) يريد أن الفردوسَ في وَسَط الجِنان في العرض. ((وهو أعلى الجنة)) يريد
في الارتفاع(٨).
(١) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٤، والطبري ١٥/١٧، والحاكم ٣٩٣/٢، والبيهقي في
البعث (٢٦٨). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) في سننه (٤٣٤١)، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٤٢ .
(٣) في (م): إلا وله.
(٤) في (ظ): ((حصولها لهم))، وفي بقية النسخ: ((حصولها)) والمثبت من المحرر الوجيز.
(٥) المحرر الوجيز ٤/ ١٣٧ .
(٦) سنن الترمذي (٣١٧٤). لكن قوله: ((الفردوس: ربوة الجنة وأوسطُها وأفضلُها)) مُدْرَج من قول قتادة
آخر الحديث، وليس من كلامه ®، فقد جاء مصرحاً به عند البيهقي في السنن ١٦٧/٩، وفيه: قال
رسول الله # لأمّ حارثة: ((إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)). قال قتادة: الفردوس ربوة
الجنة ... الخ. وسلف قول قتادة هذا آخر سورة الكهف عند تفسير قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفروس نزلاً﴾. ويُشار إلى أن حديث أمِّ حارثة عند أحمد
(١٣٢٠٠)، والبخاري (٢٨٠٩). يعني دون قول قتادة.
(٧) لم يخرجه مسلم، وقد عزاه المزي في تحفة الأشراف ٢٧٨/١٠ للبخاري فقط، وهو عند البخاري برقم
(٢٧٩٠) وأحمد (٨٤١٩) من حديث أبي هريرة ﴾، ونسبه المصنف آخر الكهف للبخاري.
(٨) صحيح ابن حبان إثر حديث (٤٦١١).

١٧
سورة المؤمنون: الآيات ١ - ١٤
وهذا كلُّه يصحِّح قول أبي هريرة: إنَّ الفردوسَ جبلُ الجنة الذي يتفجّر(١) منه
أنهار الجنة.
واللفظة فيما قال مجاهد: رُومية عُرِّبت(٢). وقيل: هي فارسية عُرِّبت. وقيل:
حبشية(٣). وإن ثبت ذلك فهو وِفاقٌ بين اللغات. وقال الضحاك: هو عربيٍّ، وهو
الكَرْم(٤)، والعرب تقول للكروم: فراديس(٥).
﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ فأنّث على معنى الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (١٠) ثُمَّ جَعَلْنَهُ تُطْفَةٌ فِي
قَرَارٍ مَّكِينٍ (٣) ثُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َتْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْمًا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ الإنسان هنا: آدمُ عليه الصلاة
والسلام؛ قاله قتادة وغيره(٦)، لأنه استُلَّ من الطِّين(٧).
ويَجيء الضمير في قوله: ((ثم جعلناه)) عائداً على ابن آدم، وإن كان لم يُذكر
الشهرة الأمر، فإن المعنى لا يصلُح إلا له، نظير ذلك: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾
[ص: ٣٢].
(١) في النسخ عدا (ظ): التي تتفجر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ٤/ ٤٧
والكلام منه.
(٢) أخرجه الطبري ١٦/١٧، وينظر المعرب للجواليقي ص٢٨٨ .
(٣) تفسير الرازي ٢٣/ ٨٢ .
(٤) النكت والعيون ٤ /٤٧ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢٣١/٢، والمحرر الوجيز ١٣٧/٤.
(٦) لفظ: وغيره. ليس في (ظ) ولم نقف عليه في المصادر لغير قتادة.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٤٤/٢، والطبري في تفسيره ١٨/١٧، وينظر الدر المنثور ٦/٥.

١٨
سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤
وقيل: المراد بالسُّلالة: ابنُ آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسُّلالة على هذا:
صفوة الماء، يعني المَنيَّ(١).
والسُّلالة فُعالة (٢) من السَّلّ، وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال: سَلَلت
الشعر من العجين، والسيفَ من الغِمد، فانسلّ(٣)، ومنه قوله:
فسُلِّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُلٍ(٤)
فالنطفة سُلالة، والولد سَليل وسُلَالة؛ عَنَى به الماء يُسَلُّ من الظهر سَأَّا(٥). قال
الشاعر:
سُلالةَ فَرْجٍ كان غيرَ حِصِينٍ(٦)
فجاءتْ به عَضْبَ الأَدِيم غَضنْفَراً.
وقال آخر :
سَليلةُ أفراسٍ تجلَّلها بَغْلُ (٨)
وهل هِنْدُ(٧) إِلَّا مُهْرَةٌ عربيَّةٌ
وقوله ﴿مِّن ◌ِينٍ﴾ أي: إن الأصل آدمُ، وهو من طين(٩). قلت: أي: من طين
(١) بنحوه في المحرر الوجيز ١٣٧/٤ والكلام قبله منه، وأخرج قول ابن عباس وغيره الطبري ١٩/١٧.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٨/٤ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٤٦/٤، وتهذيب اللغة ٢٩٢/١٢ وما بعدها.
(٤) هو عجز بيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٣، وصدره: وإن كنتٍ قد ساءتك مني خليقة.
والمعنى: إن كان في خلقي ما لا ترضينه، فاقطعي أمري من أمرك.
(٥) ينظر الوسيط ٢٨٥/٣.
(٦) قائله حسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص ٤٨٢ .
(٧) في (م) والنكت والعيون ٤٧/٤: وما هند، والمثبت من النسخ.
(٨) نُسب البيت في أدب الكاتب ص ٤١ لهند بنت النعمان بن بشير، ونسب في الأغاني ١٦/ ٥٤ ،
والاقتضاب ص١١٧، ٣٠٦ لحميدة بنت النعمان بن بشير. وجاء في الأغاني: وما أنا، بدل: وهل هند.
وجاء في الاقتضاب: نّغْل - بالنون-، بدل: بغل. قال ابن السِّيد البطليوسي: وروى أبو علي: تجللها
بغل، وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف؛ لأن البغل لا يَتْسُل،
والصواب: نَغْل ـ بالنون - وهو الخسيس من الناس والدواب. وأصله: نَغِل - بكسر الغين - ثم تخفف
الكسرة، فيقال: نّغْل.
(٩) بنحوه في تفسير البغوي ٣/ ٣٠٤.

١٩
سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤
خالص، فأمَّا ولده، فهو من طين ومنيٍّ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام(١).
وقال الكلبيُّ: السلالة: الطين؛ إذا عصرتَه انسلَّ من بين أصابعك، فالذي يخرج
هو السُّلالة(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿نُطْفَةٌ﴾ قد مضى القول في النُّطْفة والعَلَقة والمُضْغة وما في
ذلك من الأحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا مَاخَرْ﴾ اختلف الناس في الخَلْقِ الآخَر؛
فقال ابن عباس والشَّغْبيُّ وأبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه(٣)، بعد
أن كان جماداً. وعن ابن عباس: خروجُه إلى الدنيا (٤). وقال قتادة عن فِرقة: نباتُ
شعره. الضحاك: خروج الأسنان ونباتُ الشّعر. مجاهد: کمال شبابه؛ ورُوي عن ابن
عمر(٥). والصحيح أنه عامّ في هذا وفي غيره من النُّطق والإدراك وحُسْن المحاولة
وتحصيلِ المعقولات إلى أن يموت(٦).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ يروى أن عمر بن الخطاب ﴾
لَمَّا سمع صَدْرَ الآية إلى قوله: ﴿خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ قال: فتبارك الله أحسن الخالقين؛
فقال رسول الله ﴾: ((هكذا أنزلت))(٧).
(١) ٣١٨/٨.
(٢) أورده أبو الليث في تفسيره ٤٠٩/٢ والماوردي في النكت والعيون ٤٨/٤ .
(٣) المحرر الوجيز ١٣٨/٤ والوسيط ٢٨٦/٣، وأخرجه الطبري ٢٢/١٧ - ٢٣.
(٤) المحرر الوجيز ١٣٨/٤.
(٥) أخرج قول قتادة والضحاك ومجاهد الطبري ٢٤/١٧، وأورده - عن ابن عمر - ابن الجوزي في زاد
المسير ٤٦٣/٥ .
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٣٨/٤ .
(٧) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٢٤٤)، وفي الأوسط (٥٦٥٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
مطولاً، دون قوله: هكذا أنزلت. وأورده الهيثمي في «المجمع» ٦٨/٩، وقال: فيه أبو عبيدة بن فضيل
ابن عياض، وهو لين، وبقية رجاله ثقات.

٣٠
سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤
وفي ((مسند الطَّيالِسيِّ)): ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتٍ مِّن طِينٍ﴾ الآية؛
فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
اْخَلِقِينَ﴾ (١).
ويُروى أنَّ قائل ذلك معاذُ بنُ جَبَل(٢). ويُروى أن قائل ذلك عبدُ الله بنُ أبي
سَرْح، وبهذا السبب ارتدَّ وقال: آتي(٣) بمثل ما يأتي محمد، وفيه نزلت: ﴿وَمَّنْ أَظْلَمُ
مِمَنِ أَقْتَ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلٌ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾
[الأنعام: ٩٣] على ما تقدم بيانه في ((الأنعام))(٤).
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾: أتقن الصانعين،
يقال لمن صنع شيئاً: خَلَقه؛ ومنه قول الشاعر:
ولَأنت تَفْري ما خلقتَ وبعـ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْري(٥)
وذهب بعض الناس إلى نَفْي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يُضاف الخَلْقِ إلى
(١) مسند الطيالسي ص٩ - ١٠ ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير ٤٦٩/٥ - وابن
أبي داود في المصاحف (٣٠٥) والواحدي في أسباب النزول ٣٢٣ عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد
ابن جدعان، عن أنس﴾، قال عمر: وافقت ربي في أربع ... وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن
زيد بن جدعان، ولتفرده بذكر الموافقة في قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الَْلِقِينَ﴾ فالحديث مشهور من
رواية حميد، عن أنس، عن عمر، كما في ((صحيح البخاري)) (٤٤٨٣)، و ((مسند أحمد» (١٦٠)
(٢٥٠)، وليس فيه ذكر الموافقة في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾. وأخرجه مسلم (٢٣٩٩) من
طريق ابن عمر، عن عمر أيضاً، وليس فيه ذكر هذه الموافقة.
(٢) المحرر الوجيز ١٣٨/٤، وأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٦٥٤)، وابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن
كثير ٤٦٩/٥ - من حديث زيد بن ثابت﴾. وقال الهيثمي في («المجمع» ٧٢/٧ : فيه جابر الجعفي،
وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ وقال ابن كثير في تفسيره ٤٦٩/٥: في إسناده
جابر بن يزيد الجعفي، ضعيف جداً، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مکیة، وزيد
ابن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضاً، فالله أعلم.
(٣) في (ظ): إني آتي، وفي المحرر الوجيز ١٣٨/٤: أنا آتي.
(٤) ٨/ ٤٥٩ .
(٥) البيت لزهير بن أبي سلمى، يمدح به هَرٍم بن سنان، وهو في ديوانه ص٩٤ . وأورده البغدادي في خزانة
الأدب ٣٢٣/٦، والفري: القطع. لسان العرب (فري).