النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الحج: الآية ٢٧
خليلُ الله جبل أبي قُبيس وصاح: يا أيها الناس، إنَّ الله قد أمركم بحجّ هذا البيتِ
لِيُثِيبَكم به الجنةَ ويُجيركم من عذاب النار، فحُجُوا، فأجابه مَن كان في أصلاب
الرجال وأرحام النساء: لَبَّيْكَ اللَّهُمَ لَبَّيْك. فَمَن أجاب يومئذٍ حجَّ على قَدْرِ الإجابة،
إنْ أجاب مرَّةً فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين، وجرت التلبيةُ على ذلك؛ قاله ابن
عباس وابن جبير(١).
ورُوي عن أبي الظُّفيل قال: قال لي ابنُ عباس: أتدري ما كان أصلُ التلبية؟
قلت: لا! قال: لمَّا أُمِر إبراهيم عليه السلام أن يؤذِّن في الناس بالحجّ، خَفَضَت
الجبال رؤوسها ورُفعت له القرى، فنادى في الناس بالحجّ، فأجابه كلُّ شيءٍ: لَبَّيْكَ
اللَّهُمْ لَبَيْك(٢).
وقيل: إنَّ الخطاب لإبراهيمَ عليه السلام تمَّ عند قوله: ((السجود))، ثم خاطب
الله عزَّ وجلَّ محمداً عليه الصلاة والسلام فقال: ((وأذِّن في الناس بالحجّ))، أي:
أَعْلِمْهم أنَّ عليهم الحجّ.
وقول ثالث: إنَّ الخطاب من قوله: ((أن لا تشرك)) مخاطبةٌ للنبيِّ . وهذا قولُ
أهل النظر؛ لأنَّ القرآن أُنزل على النبيِّ ﴾، فكلُّ ما فيه من المخاطبة فهي له، إلَّ أنْ
يَدلَّ دليلٌ قاطعٌ على غير ذلك، وهاهنا دليلٌ آخَرُ يدلُّ على أنَّ المخاطبة للنبيِّ ﴾،
وهو: ((أنْ لا تُشْرِكْ)) بالتاء، وهذا مخاطَبٌ لمشاهِدٍ، وإبراهيم عليه السلام غائبٌ،
فالمعنى على هذا: وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكانَ البيت، فجعلنا لك الدلائلَ على توحيد
الله تعالى، وعلى أنَّ إبراهيم كان يعبد الله وحده(٣).
(١) المحرر الوجيز ١١٧/٤، دون قوله: فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة - إلى قوله - فمرتين.
وهذه العبارة أخرجها الديلمي بسند واهٍ عن علي رَفَعه، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٤،
وأخرجها الأزرقي في أخبار مكة ٦٦/١ ضمن خبر مطوَّل عن ابن إسحاق. وينظر خبر ابن عباس
ومجاهد وغيرهما في تفسير الطبري ٥١٤/١٦ - ٥١٧ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٥، وهذه قطعة من خبر مطول أخرجه أحمد (٢٧٠٧).
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٥.

٣٦٢
سورة الحج: الآية ٢٧
وقرأ جمهور الناس: ((بالحجّ)) بفتح الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاقَ في كلِّ القرآن
بكسرها(١).
وقيل: إنَّ نداء إبراهيم من جملة ما أُمِر به من شرائع الدين. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ وَعَدَه إجابةَ الناس إلى
حجّ البيت ما بين راجلٍ وراكب، وإنَّما قال: ((يأتوك)) وإنْ كانوا يأتون الكعبة؛ لأنَّ
المناديَ إبراهيم، فَمَن أَتَى الكعبة حاجًّا فكأنه أَتَى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه
تشريفُ إبراهيم. ابن عطية: ((رجالاً)) جمعُ راجلٍ، مثل: تاجِرٍ وتِجَار (٢)، وصاحبٍ
وصِحاب. وقيل: الرجال جمع رَجْل، والرَّجْل جمع راجل؛ مثل: تِجَارٍ وتَجْرٍ
وتاجر، وصِحابٍ وصخپٍ وصاحب. وقد يقال في الجمع: رُجَّال، بالتشديد، مثل:
كافر وكفَّار(٣). وقرأ ابن أبي إسحاق وعكرمة: ((رُجَالاً)) بضمِّ الراء وتخفيف الجيم،
وهو قليلٌ في أبنية الجمع، ورويت عن مجاهد. وقرأ مجاهد: (رُجَالَى)) على وزن:
فُعَالَى، فهو مثلُ: كسالی(٤).
قال النحاس(٥): في جَمْع راجِلٍ خمسةُ أَوْجُهٍ: رُجَّال مثل رُكَّاب، وهو الذي
روي عن عكرمة، ورِجَال مثل قِيَام، ورَجْلة، ورَجْل، ورَجَّالة. والذي روي عن
مجاهد رجالاً غیر معروف، والأشبهُ به أن یکون غیرَ منگٍَّ، مثل ◌ُسالی وسُکاری،
ولو نُوِّن لكان على فُعالٍ، وفُعَالٌ في الجمع قليل. وقدَّم الرجال على الرُّكبان في الذكر
لزيادة تعبھم في المشي.
(١) معاني القرآن للنحاس ٣٩٧/٤، والمحرر الوجيز ٤/ ١١٧.
(٢) المحرر الوجيز ١١٧/٤ .
(٣) ينظر ما سلف ١٩٨/٤ - ١٩٩ .
(٤) المحرر الوجيز ١١٧/٤ - ١١٨، والقراءتان في المحتسب ٧٩/٢. والثانية في القراءات الشاذة
ص٩٥ عن ابن عباس وعطاء وابن جبير.
(٥) في معاني القرآن ٣٩٨/٤ .

٣٦٣
سورة الحج: الآية ٢٧
﴿وَعَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ﴾ لأنَّ معنى ((ضامر)) معنى ضوامر، قال الفرَّاء:
ويجوز: ((يأتي)) على اللفظ (١). والضامر: البعير المهزولُ الذي أتعبه السفر؛ يقال:
ضَمُرَ یَضْمُر ضُموراً، فوصفها الله تعالی بالمآل الذي انتهت علیه إلى مكة. وذكر سبب
الضُّمور فقال: ﴿يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ أي: أثَّر فيها طولُ السفر. ورَدَّ الضمير إلى
الإبل تكرمةً لها لقصدها الحجّ مع أربابها، كما قال: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]
في خيلِ الجهاد تكرمةً لها حين سَعَتْ في سبيل الله(٢).
الرابعة: قال بعضهم: إنَّما قال: ((رجالاً))؛ لأنَّ الغالب خروج الرجال إلى الحجّ
دون الإناث، فقوله: ((رجالاً)) من قولك: هذا رجلٌ. وهذا فيه بعدٌ؛ لقوله: ((وعلى
كلِّ ضامر)) يعني الرُّكْبانَ، فدخل فيه الرجالُ والنساء.
ولمَّا قال تعالى: ((رجالاً)) وبدأ بهم دلَّ ذلك على أنَّ حجَّ الراجل أفضلُ من حجّ
الراكب. قال ابن عباس: ما آسَى على شيءٍ فاتني إلَّا أنْ لا أكون حججتُ ماشياً،
فإِنِّي سمعت الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِحَالًا﴾. وقال ابن أبي نجيح: حَّ إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام ماشيَيْن. وقرأ أصحاب ابن مسعود: ((يأتون))، وهي قراءة
ابن أبي عَبْلَةَ والضخَّاك، والضميرُ للناس (٣).
الخامسة: لا خلافَ في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛
فذهب مالك والشافعيُّ في آخرين إلى أنَّ الركوب أفضل، اقتداءً بالنبيِّ #، ولكثرة
النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأُبَّهة (٤) الركوب. وذهب غيرهم إلى أنَّ المشيَ أفضلُ؛
لِما فيه من المشقّة على النفس(٥)، ولحديث أبي سعيد قال: حجَّ النبيُّ﴾ وأصحابُه
(١) إعراب القرآن للنحاس ٩٥/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٢٤/٢ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦٧/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ١١٨/٤، وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص٩٥ . وأخرج قولي ابن عباس
وابن أبي نجيح الطبري ٥١٨/١٦ .
(٤) في (م): بأهبة.
(٥) المفهم ٣٢٣/٣ .

٣٦٤
سورة الحج: الآية ٢٧
مشاةً من المدينة إلى مكة، وقال: ((اربطوا أوساطكم بأزُرِكم)) ومشَى خِلْطَ الهَرْولة.
خرَّجه ابن ماجه في ((سننه)»(١). ولا خلافَ في أنَّ الركوبَ في الوقوف بعرفة أفضلُ،
واختُلف في الطواف والسعي، والركوبُ(٢) عند مالك في المناسك كلِّها أفضل؛
للاقتداء بالنبيّ ﴾.
السادسة: استدلَّ بعضُ العلماء بسقوط ذِكر البحر من هذه الآية على أنَّ فرض
الحجّ بالبحر ساقط. قال مالك في ((المَوَّازِيَّة)): لا أسمع للبحر ذكراً. وهذا تَأَنُّسٌ، لا
أنه يلزم من سقوط ذِكْرِهِ سقوطُ الفَرْضِ فيه؛ وذلك أنَّ مكة ليست في ضِفَّةِ بحرٍ فيأتيَها
الناس في السفن، ولا بدَّ لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة(٣) إمَّا راجلاً وإمَّا
على ضامر، فإنما ذُكرت حالتا الوصول. وإسقاطُ فرضِ الحج بمجرَّدِ البحر (٤) ليس
بالكثير ولا بالقويّ، فأمَّا إذا اقترن به عدوٌّ وخوفٌ، أو هَوْل شديد، أو مرضٌ يَلْحَق
شخصاً، فمالكٌ والشافعيُّ وجمهورُ الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه
ليس بسبيلٍ يستطاع. قال ابن عطية: وذَكَر صاحب ((الاستظهار)) في هذا المعنى
كلاماً، ظاهرُهُ أنَّ الوجوبَ لا يسقط بشيءٍ من هذه الأعذار، وهذا ضعيف.
قلت: وأضعفُ من ضعيفٍ، وقد مضى في ((البقرة)) بيانه(٥).
والفَجُّ: الطريق الواسعة، والجمع فِجاج. وقد مضى في ((الأنبياء))(٦). والعميقُ
معناه: البعيد. وقراءة الجماعة: ((يأتِين)). وقرأ أصحاب عبد الله: ((يأتون))، وهذا
(١) برقم (٣١١٩)، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢/ ٨٤٣. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٥٣/٢: هذا
إسناد ضعيف. وفي شرح السندي لابن ماجه ٢/ ٢٧٠: وقال الدميري: وهو ضعيف منكر مردود
بالأحاديث الصحيحة التي تقدمت أن النبي # وأصحابه لم يكونوا مشاة من المدينة إلى مكة. وقوله:
خِلْط الهرولة (بالكسر) قال السندي: أي شيئاً مخلوطاً بالهرولة، بأن يمشي حيناً ويهرول حيناً أو معتدلاً.
(٢) من قوله: في الوقوف بعرفة، إلى هذا الموضع، سقط من (د) و(م)، والمثبت من باقي النسخ والمفهم
٣٢٣/٣، والكلام منه.
(٣) في (ظ): أن يصير إلى مكة، والمثبت من باقي النسخ والمحرر الوجيز ١١٨/٤، والكلام منه.
(٤) في (ظ): بمجرد إسقاط ذكر البحر، والمثبت من باقي النسخ والمحرر الوجيز.
(٥) لم نقف عليه في سورة البقرة، وينظر ٢٢١/٥ وما بعدها.
(٦) ص١٩٨ من هذا الجزء.

٣٦٥
سورة الحج: الآيات ٢٧ - ٢٩
للركبان، و((يأتِين)) للجمال؛ كأنه قال: وعلى إبلٍ ضامرةٍ يأتين ﴿مِن كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ﴾
أي: بعيد؛ ومنه: بئرٌ عميقة، أي: بعيدةُ القعر؛ ومنه:
وقاتِمِ الأغْماق خاوِي المُخْتَرِقْ(١)
السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت؛ هل یرفعُ یدیه عند رؤيته أم لا؟ فروی
أبو داود قال: سُئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال: ما كنتُ
أرى أحداً يفعل هذا إلَّا اليهود، وقد حَجَجْنا مع رسول الله﴾، فلم نكن نفعله(٢).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ# أنه قال: ((تُرفع الأيدي في سبعٍ
مَوَاطنَ: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصّفَا والْمَرْوة، والموقفين،
والجمرتين))(٣). وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوريُّ وابن المبارك وأحمدُ
وإسحاقُ، وضعَّفوا حديث جابر؛ لأنَّ مهاجراً المكيَّ راويه مجهولٌ. وكان ابن عمر
يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثلُه(٤).
قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى
مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ (٨َ ثُمَّ
لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْبَطَّوَّفُواْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ
فيه ثلاث وعشرون مسألة:
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٢٢/٣، والرجز لرؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه ص١٠٤ ، وبعده: مُشْتَّبِهِ
الأعلام لمَّاعِ الخَفَقْ.
(٢) سنن أبي داود (١٨٧٠)، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٢١٢/٥ وهو من طريق المهاجر المكي،
عن جابر به. والمهاجر المكي هو ابن عكرمة المخزومي، كما ذكر ابن القطان في بيان الوهم والإيهام
٢٨٦/٤، وقال: ولا يعرف حاله، وهناك رجل آخر يقال له مهاجر المكي، وهو ابن القبطية، وهو ثقة.
(٣) أخرجه الطبراني (١٢٠٧٢). وأخرجه أيضاً البزار (٥١٩) عن ابن عباس وابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة
٩٦/٤ عن ابن عباس موقوفاً. قال ابن القيم في المنار المنيف ص١٣٨: لا يصح رَفْعُه، والصحيح وَقْقُه
على ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما. وينظر السنن الكبرى للبيهقي ٧٢/٥ - ٧٣ ، ونصب الراية
٣٩٠/١ - ٣٩١.
(٤) معالم السنن ١٩١/٢ .

٣٦٦
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿لِِّشْهَدُواْ﴾ أي: أذِّن بالحجّ يأتوك رجالاً وركباناً
ليشهدوا، أي: ليَخْضُروا. والشُّهود: الحُضور. ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي: المناسك،
كعرفات والمَشْعَر الحرام. وقيل: المغفرة. وقيل: التجارة. وقيل: هو عموم، أي:
ليحضروا منافعَ لهم، أي: ما يُرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة؛ قاله مجاهد
وعطاء، واختاره ابن العربي (١)؛ فإنه يجمع ذلك كلَّه من نسكٍ وتجارةٍ ومغفرةٍ ومنفعةٍ
دنيا وأخرى(٢). ولا خلافَ في أنَّ المرادَ بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُوا
فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] التـ
الثانية: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ الَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ﴾ قد مضى في ((البقرة)) الكلامُ في
الأيام المعلومات والمعدودات(٣). والمرادُ بذكر اسم الله ذِكْرُ التسمية عند الذبح
والنحر، مثل قولك: باسم الله والله أكبر، اللهمَّ منك ولك(٤). ومثل قولك عند
الذبح: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى) الآية [الأنعام: ١٦٢]. وكان الكفار يذبحون على أسماء
أصنامهم، فبيَّن الربُّ أنَّ الواجب الذبحُ على اسم الله، وقد مضى في ((الأنعام))(٥).
الثالثة: واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر؛ فقال مالك ﴾: بعد صلاة
الإمام وذَبْحِه، إلَّا أن يؤخّر تأخيراً يتعدَّى فيه، فيسقط الاقتداء به. وراعَى أبو حنيفةً
الفراغَ من الصلاة دون مراعاةٍ ذبح الإمام(٦). والشافعيُّ دخولَ وقتِ الصلاة ومقدارَ ما
تُوقَع فيه مع الخطبتين، فاعتبر الوقتَ دون الصلاة. هذه روايةُ المُزَنيِّ عنه، وهو قول
(١) في أحكام القرآن ١٢٦٨/٣ وما سيأتي منه، وأخرجه عن مجاهد عبد الرزاق في التفسير ٣٦/٢،
والطبري ١٦/ ٥٢١.
(٢) في أحكام القرآن: وآخرة.
(٣) ٣٢٠/٣ و٣٦٢.
(٤) في (ظ): وإليك.
(٥) ٩/ ١٢ وما بعدها.
(٦) وقع في النسخ: دون ذبح، بدل قوله: دون مراعاة ذبح الإمام، والمثبت من المفهم ٣٥٣/٥،
والكلام منه.

٣٦٧
سورة الحج: الآيتان ٢٨ -٢٩
الطبريّ. وذكر الربيع عن البُوَيْطيِّ قال: قال الشافعيُّ: ولا يَذبح أحدٌ حتى يذبح
الإمامُ إلَّا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلَّى وفرغ من الخطبة حلَّ الذَّبْح. وهذا كقول
مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الإمام فاذبح. وهو قولُ إبراهيم(١).
وأصحُّ هذه الأقوال قولُ مالك؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: صلَّى بنا
رسول الله # يومَ النحر بالمدينة، فتقدَّم رجالٌ فنحروا، وظنُّوا أنَّ النبيَّ # قد نحر،
فأمر النبيُّ # مَن كان نحر أن يعيد بنحرٍ آخَر، ولا ينحروا حتى ينحر النبيُّ﴾. خرَّجه
مسلم(٢)، والترمذيُّ وقال: وفي الباب عن جابرٍ وجُنْدَب وأنس وعُوَيْمر بن أشقر
وابن عمر وأبي زيد الأنصاريِّ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيح، والعمل على هذا عند
[أكثر] أهل العلم: ألَّا يضخَّى بالمصر حتى يصلِّيَ الإمام (٣).
وقد احتجَّ أبو حنيفة بحديث البَرَاء، وفيه: ((ومَن ذبح بعد الصلاة فقد تَمَّ نُسُكُه
وأصاب سنَّةَ المسلمين)). خرجه مسلم أيضاً. فعلَّق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح
[للإمام] (٤)، وحديثُ جابر يقيِّده. وكذلك حديثُ البراء أيضاً؛ قال: قال رسول الله ﴾.
(أولُ ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّيَ، ثم نرجع فننحر، فَمَن فَعَلَ ذلك فقد أصاب
سُنَّتنا)) الحديث(٥).
(١) التمهيد ١٨٧/٢٣ - ١٨٨.
(٢) في صحيحه (١٩٦٤)، وهو عند أحمد (١٤١٣٠).
(٣) الحديث الذي أشار إليه المصنف عند الترمذي هو برقم (١٥٠٨)، وهو من حديث البراء، وقال بإثره:
وفي الباب عن جابر ... الخ ولفظ حديث البراء عنده: خطبنا رسول الله# في يوم نحر فقال: ((لا
يذبحنَّ أحدكم حتى نصلي)) قال: فقام خالي فقال: يا رسول الله، هذا يومّ اللحمُ فيه مكروه، وإنِّي
عجَّلت نسكي لأطعم أهلي وأهل داري أو جيراني، قال: ((فأعِدْ ذبحاً آخر)) ... ، ولفظ الحديث، وكلام
الترمذي بعده لا يفيد مراد المصنف: في إيراده شاهداً على إيقاف الأمر على ذبح الإمام، وينظر عارضة
الأحوذي ٣٠٧/٦ . وحديث البراء هذا في الصحيحين، وسترد بعض رواياته.
(٤) المفهم ٣٥٣/٥، وما بين حاصرتين منه، وحديث البراء عند مسلم (١٩٦١): (٤)، وأخرجه أيضاً
البخاري (٥٥٤٦).
(٥) أخرجه أحمد (١٨٤٨١)، والبخاري (٩٥١)، ومسلم (١٩٦١): (٧).

٣٦٨
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
وقال أبو عمر بن عبد البرِّ: لا أعلم خلافاً بين العلماء أنَّ مَن ذبح قبل الصلاة
وكان من أهل المصر أنه غير مُضَحِّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن ذَبَح قبل
الصلاةِ فتلك شاءُ لحم)»(١).
الرابعة: وأمَّا أهلُ البوادي ومَن لا إمامَ له، فمشهورُ مذهبٍ مالكٍ: يتحرَّى وقتَ
ذبحِ الإمام، أو أقربِ الأئمة إليه. وقال ربيعةُ وعطاءٌ فيمَن لا إمامَ له: إنْ ذَبَح قبل
طلوع الشمس لم يجزه، ويجزيه إنْ ذَبَح بعده. وقال أهلُ الرأي: يجزيهم من بعد
الفجر. وهو قولُ ابن المبارك؛ ذكره عنه الترمذيُّ. وتمسّكوا بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ
اسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾، فأضاف النَّحر إلى
اليوم. وهل اليومُ من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟(٢) قولان. ولا خلافَ أنه لا
يجزي ذبحُ الأضحيَّة قبل طلوع الفجر من يوم النحر.
الخامسة: واختلفوا كم أيامُ النحر؟ فقال مالك: ثلاثة، يومُ النَّخْر ويومان بعده.
وبه قال أبو حنيفة والثوريُّ وأحمد بن حنبل، ورويَ ذلك عن أبي هريرة وأنس بن
مالك من غير اختلافٍ عنهما. وقال الشافعيُّ: أربعة، يومُ النحر وثلاثةٌ بعده. وبه قال
الأوزاعيُّ، ورُوي ذلك عن عليٍّ ﴾، وابنِ عباس وابنٍ عمر ﴾، ورُويَ عنهم أيضاً
مثلُ قولِ مالكِ وأحمد. وقيل: هو يومُ النحر خاصةً، وهو العاشرُ من ذي الحجة،
ورُوي عن ابن سِيرين. وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أنَّهما قالا: النحرُ في
الأمصار يومٌ واحدٌ، وفي منّى ثلاثةُ أيام. وعن الحسن البصريِّ في ذلك ثلاثُ
رواياتٍ: إحداها كما قال مالك، والثانية كما قال الشافعيُّ. والثالثة: إلى آخِرٍ يوم من
ذي الحجة، فإذا أهلَّ هلالُ المحرَّم فلا أَضْحَى (٣).
(١) التمهيد ١٨٢/٢٣، وهذه قطعة من حديث البراء المتقدم، وأخرجه بهذا اللفظ البخاري (٩٥٥)،
ومسلم (١٩٦١): (٤).
(٢) المفهم ٥/ ٣٥٣، وقول ابن المبارك في سنن الترمذي إثر الحديث (١٥٠٨).
(٣) الاستذكار ٢٠٠/١٥ - ٢٠٢.

٣٦٩
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
قلت: وهو قولُ سليمانَ بنِ يسار وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، ورويا حديثاً
مرسَلاً مرفوعاً خرّجه الدَّارَقُظنيُّ: الضحايا إلى هلالِ المحرَّم. ولم يصح(١)، ودليلُنا
قوله تعالى: ﴿فِىّ أَتَّامٍ مَعْلُومَةٍ﴾ الآية، وهذا جمعُ قِلَّة، لكن المتيقّن منه الثلاثة،
وما بعد الثلاثةِ غيرُ متيقَّنٍ، فلا يُعمل به(٢).
قال أبو عمر بن عبد البرّ(٣): أجمع العلماء على أنَّ يومَ النحر يومُ الأضْحَى،
وأجمعوا أنْ لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذه إلَّا قولان:
أحدهما: قولُ مالكِ والكوفيين، والآخر: قولُ الشافعيِّ والشاميين؛ وهذان القولان
مَرْوِيَّان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأنَّ ما خالفهما لا أصلَ له
في السنَّة ولا في قول الصحابة، وما خَرَج عن هذين فمتروكٌ لهما.
وقد رُوي عن قتادةَ قولٌ سادس، وهو أنَّ الأضحى يومُ النحر وستةُ أيامٍ بعده(٤)،
وهذا أيضاً خارجٌ عن قول الصحابة، فلا معنى له.
السادسة: واختلفوا في ليالي النَّحْرِ؛ هل تدخلُ مع الأيام فيجوز فيها الذبح، أوْ
لا؟ فرويَ عن مالكِ في المشهور: أنَّها لا تدخل، فلا يجوز الذبح بالليل. وعليه
جمهورُ أصحابه(٥) وأصحاب الرأي(٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اَللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ﴾
(١) سنن الدارقطني (٤٧٤٢) وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (٣٧٧) كلاهما عن أبي سلمة وسليمان بن
يسار أنه بلغهما أنَّ رسول اللـه # قال: ((الضحايا إلى آخر الشهر لمن أراد أن يستأني ذلك)) لفظ
الدارقطني. ووقع في النسخ عدا (ظ): ذي الحجة، بدل: المحرم، والمثبت من (ظ)، وهو موافق
لرواية الحديث في مراسيل أبي داود (٣٧٧).
(٢) المفهم ٣٥٤/٥ .
(٣) في الاستذكار ٢٠٥/١٥ .
(٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٩٦/٢٣، والاستذكار ٢٠٣/١٥.
(٥) إكمال المعلم ٦/ ٤٠٢، والمفهم ٣٥٤/٥ .
(٦) كذا نقل المصنف عن ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٨/٤، والذي في تحفة الفقهاء لعلاء الدين
السمر قندي ٨٣/٣، وبدائع الصنائع ٣١٢/٦، وحاشية ابن عابدين ٣١٦/٦ عن الأحناف جواز الذبح
بالليل مع الكراهة. وهذه الكراهة تنزيهية كما في حاشية ابن عابدين ٦/ ٣٢٠ . وسيذكر المصنف القول
بالجواز عن أبي حنيفة فيما يأتي نقلاً عن إكمال المعلم والمفهم.

٣٧٠
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
فَذَكرَ الأيامَ، وذِكرُ الأيامِ دليلٌ على أنَّ الذبح في الليل لا يجوز.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور: الليالي داخلٌ في الأيام
ويجزي الذبحُ فيها. وروي عن مالكٍ وأشهبَ نحوُه، ولأشهبَ تفريقٌ بين الهَذي
والضحِيَّة، فأجاز الهَذْيَ ليلاً، ولم يُجِز الضحيَّةَ ليلاً(١).
السابعة: قولُه تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على ذَّبْحِ ما رَزَقَهم. ﴿مِّنْ بَهِيمَةِ
اْأَنْعَرِّ﴾ والأنعامُ هنا: الإبلُ والبقر والغنم. وبهيمةُ الأنعام هي الأنعام، فهو
كقولك: صلاةُ الأولى، ومسجدُ الجامع.
الثامنة: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ أمرٌ معناه الندب عند الجمهور. ويستحبُّ للرجل أن
يأكل من هَذْيه وأضْحِيَّته وأن يتصدَّق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقةَ بالكلِّ وأكلَ
الكلّ(٢). وشذَّتْ طائفةٌ فأوجبت الأكلَ والإطعام بظاهر الأمر(٣)، ولقوله عليه الصلاة
والسلام: ((فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا))(٤). قال الكِيًا(٥): قولُه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا
وَأَطْعِمُواْ﴾ يدلُّ على أنه لا يجوز بيعُ جميعِه، ولا التَّصَدُّقُ بجميعه.
التاسعة: دماءُ الكفارات لا يأكل منها أصحابها. ومشهورُ مذهب مالك ﴾ أنه لا
يأكل من ثلاث: جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفِذْية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك
إذا بلغ مَحِلَّه، واجباً كان أو تطوَّعاً. ووافقه على ذلك جماعةٌ من السلف وفقهاءِ
الأمصار (٦).
العاشرة: فإنْ أَكَل مما مُنع منه؛ فهل يَغْرَمُ قَدْرَ ما أَكَلَ، أو يغرمُ هَذياً كاملاً؟
(١) إكمال المعلم ٦/ ٤٠٢، والمفهم ٣٥٤/٥.
(٢) المحرر الوجيز ١١٩/٤ .
(٣) في (د) و(م): بظاهر الآية، والمثبت من باقي النسخ والمفهم ٥/ ٣٨٠ ، والكلام منه.
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٤٩)، ومسلم (١٩٧١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٥) في أحكام القرآن ٢٨١/٣ .
(٦) المفهم ٤٢٦/٣ .

٣٧١
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
قولان في مذهبنا(١). وبالأول قال ابن الماجشون(٢)؛ قال ابن العربيّ: وهو الحقُّ، لا
شيءَ عليه غيره. وكذلك لو نَذَر هَذْياً للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ مَحِلَّه، لا يَغْرَم
إلَّا ما أكل - خلافاً للمدوَّنة - لأنَّ النحر قد وقع، والتعدِّي إنما هو على اللحم، فيغرم
قَدْرَ ما تعدَّى فيه(٣). وقوله (٤) تعالى: ﴿وَلْيُونُواْ نُذُورَهُمْ﴾ يدلُّ على وجوب إخراج
النذر وإن كان دَماً أو هَذْياً أو غيره، ويدلُّ ذلك على أنَّ النذر لا يجوز أن يأكل منه
وفاءً بالنذر(٥)، وكذلك جزاءُ الصيد وفِديةُ الأذى؛ لأنَّ المطلوب أن يأتيَ به كاملاً من
غير نقصٍ لحمٍ ولا غيرِه، فإن أكل من ذلك كان عليه هَذْيٌّ كامل. والله أعلم.
الحادية عشرة: هل يَغْرَم قيمةَ اللحم، أو يغرمُ طعاماً؟ ففي كتاب محمد عن عبد
الملك: أنه يغرم طعاماً. والأولُ أصح؛ لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهَدْي كلِّه عند
تعذُّره عبادة، وليس حكم التعدِّي حكمَ العبادة(٦).
الثانية عشرة: فإن عَطِب من هذا الهَدْي المضمونِ الذي هو جزاءُ الصيدِ وفِدیةٌ
الأَذَى ونذرُ المساكين شيءٌ قبلَ مَحِلُّه، أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء
ومَن أَحَبّ، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئاً. قال إسماعيل بن
إسحاق: لأن الهديّ المضمونَ إذا عَطِب قبل أن يبلغ مَحِلَّه كان عليه بدلُه، ولذلك
جاز أن يأكل منه صاحبه ويُطعم. فإذا عطِب الهدي التطوُُّ قبل أن يبلغ مَحِلَّه لم يَجُزْ
أن يأكل منه ولا يُطعِم؛ لأنه لمَّا لم يكن عليه بدلُه خِيفَ أن يفعل ذلك بالهَدْي وينحر
من غير أن يعطَب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل [في هدي التطوّع إذا
(١) المصدر السابق.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٤٥٢.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٨٠.
(٤) في النسخ عدا (ظ): قوله، والمثبت من (ظ).
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٢٨١ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ١٢٨٠.

٣٧٢
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
عطب في الطريق نَحره صاحبُه وخلَّى بينه وبين الناس](١).
وروى أبو داود عن ناجيةَ الأسلميِّ: أن رسول اللـه﴿ بعث معه بهَدْيٍ وقال: ((إنْ
عَطِبَ منها شيءٌ فانْحره، ثم اصبغ نعلَه في دمه، ثم خلِّ بينه وبين الناس)) (٢). وبهذا
الحديث قال مالك والشافعيُّ في أحد قولیه، وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر وأصحاب
الرأي ومن اتَّبعهم في الهدي التطوع: لا يأكل منها سائقُها شيئاً، ويخلِّي بينها وبين
الناس يأكلونها(٣).
وفي صحيح مسلم: ((ولا تأكل منها أنت ولا أحدٌ من أهل رفقتك))(٤). وبظاهِرِ
هذا النهي قال ابن عباس والشافعيُّ في قوله الآخر، واختاره ابن المنذر، فقالا: لا
يأكل منها [سائقها] ولا أحد من أهل رفقته(٥).
وقال أبو عمر(٦): قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ولا (٧) أحدٌ من أهل رفقتك)) لا
يوجد إلَّا في حديثِ ابنِ عباس. وليس ذلك في حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن
(١) التمهيد ٢٦٦/٢٢، وما بين حاصرتين منه.
(٢) سنن أبي داود (١٧٦٢)، وهو عند أحمد (١٨٩٤٣)، والترمذي (٩١٠)، وابن ماجه (٣١٠٦). قال
الترمذي: حديث ناجية حديث حسن صحيح. وقوله: ((ثم اصبغ نعله في دمه)) يعني به النعل الذي قلَّدها
به، والتقليد أن يعلّق في عنق البُدْن نعلٌ ليُعرف أنه مدي. التمهيد ٢٦٤/٢٢ .
(٣) المفهم ٤٢٦/٣، دون قوله عن الشافعي: في أحد قوليه.
(٤) قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو عند مسلم (١٣٢٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٦٩).
(٥) المفهم ٤٢٥/٣ - ٤٢٦، وما بين حاصرتين منه، وليس فيه: والشافعي في قوله الآخر. قال النووي
في المجموع ٢٨٣/٨ : وهل يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الأكل منه؟ فيه وجهان مشهوران
أصحهما: لا يجوز، وهو المنصوص للشافعي، وصححه الأصحاب للحديث. ثم ذكر في الرفقة
وجهين؛ أحدهما: أنهم الذين يخالطونه في الأكل وغيره دون القافلة. والثاني: جميع القافلة؛ قال:
وهو أصحهما، وهو الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث.
(٦) في التمهيد ٢٧٦/٢٢، وبنحوه في الاستذكار ٢٨٠/١٢ .
(٧) قبلها في (ز) و(م): ولا تأكل منها، وفي (خ): ولا يأكل منها أحد، وسقط هذا الموضع من (د)
و(ظ)، والمثبت من التمهيد والاستذكار.

٣٧٣
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
ناجيةً. وهو عندنا أصحُّ من حديث ابن عباس، وعليه العملُ عند الفقهاء. ويدخل في
قوله عليه الصلاة والسلام: ((خلِّ بينها وبين الناس)) أهلُ رفقته وغيرُهم.
وقال الشافعيُّ وأبو ثور: ما كان من الهَذي أصلُه واجباً فلا يأكل منه، وما كان
تطوّعاً ونسكاً أَكَلَ منه وأَهدى واذَّخر وتصدَّق. والمتعةُ والقِران عنده نسكٌ. ونحوُه
مذهبُ الأوزاعيّ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يأكل من هَذي المتعة والتطوُّع، ولا
يأكل ممَّا سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام. وحُكي عن مالك: لا يأكل من دم
الفساد. وعلى قياسٍ هذا: لا يأكل من دم الجبر، كقول الشافعيِّ والأوزاعيّ(١).
تمسّك مالك بأنَّ جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ
مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال في فِذْية الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نٍُّ﴾
[البقرة: ١٩٦]. وقال ﴿ لكعب بن عُجْرةَ: ((أَظْعِمْ ستةَ مساكين مُدَّيْن لكلِّ مسكينٍ، أو
صُمْ ثلاثةَ أيامٍ، أو انْسُكْ شاه)(٢). ونَذْرُ المساكين مصرَّحٌ به، وأمَّا غيرُ ذلك من
الهدايا فهو باقٍ على أصلٍ قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُم مِّنْ شَعََبِ اللَّهِ﴾ إلى قوله:
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. وقد أكل النبيُّ ﴾ وعليٍّ ﴾ من الهدي الذي جاء به،
وشَرِبا من مَرَقِه، وكان عليه الصلاة والسلام قارِناً في أصح الأقوال والروايات، فكان
هَذْيُه على هذا واجباً، فما تعلَّق به أبو حنيفةَ غيرُ صحيح(٣). والله أعلم.
وإنَّما أَذِنَ الله سبحانه في الأكل من الهدايا لأجْلِ أنَّ العرب كانت لا ترى أنْ
تأكلَ من نُسكها، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه # بمخالفتهم؛ فلا جَرَم كذلك شَرَع
وبلَّغ، وكذلك فَعَلَ حين أَهدى وأَخْرَمَ ◌ِ(٤).
(١) المفهم ٤٢٦/٣، وقوله: دم الجَبْر (أو الجُبْران، كما وقع في ظ): هو ما يَجْبُرُ الخلل الواقع في
الحج.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٩/٣، وسلف حديث كعب بن عجرة ٢٩٠/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٩/٣، والحديث أخرجه مطولاً أحمد (١٤٤٤٠)، ومسلم (١٢١٨) من
حديث جابر ﴾.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٩/٣ .

٣٧٤
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الثالثة عشرة: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ قال بعض العلماء: قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾
ناسخٌ لِفِعْلِهم؛ لأنهم كانوا يحرِّمون لحومَ الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها
- كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾، وبقول النبيِّ ﴾:
((مَن ضخَّى فليأكل من أضحيَّته)) ولأنه عليه الصلاة والسلام أكل من أضحيَّته وهَدْيِهِ.
وقال الزُّهريُّ: من السُّنة أن تأكل أوّلاً من الكبِد(١).
الرابعة عشرة: ذهب أكثر العلماء إلى أنه يُستحبُّ أن يتصدَّق بالثلث، ويُطعِم
الثلث، ويأكل هو وأهلُه الثلث(٢). وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في
الضحايا قَسْمٌ معلومٌ موصوف. قال مالك في حديثه: وبلغني عن ابن مسعود [شيءٌ]،
وليس عليه العمل [عندنا]. رَوى الصحيح وأبو داود قال: ضخَّى رسول الله # بشاةٍ
ثم قال: ((يا ثَوْبانُ، أَصْلِحْ لحمَ هذه الشاة)) قال: فما زلت أُطعمه منها حتى قَدِمَ
المدينة. وهذا نصٍّ في الغَرَض(٣). واختلف قول الشافعيِّ؛ فمرةً قال: يأكل النصفَ
ويتصدَّق بالنصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَلْعِمُواْ الْبَآَيِسَ الْفَقِيرَ﴾، فذكر
شخصين. وقال مرةً: يأكل ثلثاً، ويُهدي ثلثاً، ويُطعم ثلُثاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُواْ مِنْهَا
وَأَلْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَزَّ﴾ فَذَكَر ثلاثة (٤).
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥١١/٢ - ٥١٢، وقوله #: ((من ضحى فليأكل من أضحيته)) أخرجه أحمد
(٩٠٧٨) من طريق عطاء عن أبي هريرة - - مرفوعاً، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، قال الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ جدًّا. وذكره ابن أبي حاتم في العلل ٤٢/٢ من
طريق عطاء عن النبي # مرسلاً، وقال: قال أبي: هذا الصحيح.
وأخرجه الطبراني (١٢٧١٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
٢٥/٤: وفيه عبد الله بن خراش، وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، وضعَّفه الجمهور.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥١٢/٢ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٨٢/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، ووقع فيه: في المسألة، بدل:
في الغرض. وحديث ثوبان عند مسلم (١٩٧٥)، وأبي داود (٢٨١٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٣٩١).
(٤) التنبيه للشيرازي ص ٨١، والمجموع للنووي ٣٢٩/٨، والأول هو قول الشافعي في القديم، والثاني
قوله في الجدید.

٣٧٥
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الخامسة عشرة: المسافرُ مُخاطَبٌ بالأضحيَّة كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ
الأصلُ عمومُ الخطاب بها، وهو قولُ كافَّةِ العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة
والنَّخَعيُّ، وروي عن عليٍّ؛ والحديث حجة عليهم. واستثنى مالكٌ من المسافرين
الحاجَّ بمنّى، فلم ير عليه أضحيةً، وبه قال النَّخَعيُّ. وروي ذلك عن الخليفتين أبي
بكر وعمر وجماعةٍ من السَّلَف ﴾؛ لأنَّ الحاجَّ إنما هو مخاطبٌ في الأصل بالهَدْي،
فإذا أراد أن يضخِّي جعله هدياً، والناسُ غيرُ الحاجِ إنما أُمروا بالأضحية ليتشبَّهوا
بأهل منّى، فيحصل لهم حِّ من أجرهم(١).
السادسة عشرة: اختلف العلماء في الإدِّخار على أربعة أقوال. رُوي عن عليٍّ
وابنٍ عمر رضي الله عنهما من وجهٍ صحيح أنه لا يُدَّخر من الضحايا بعد ثلاثٍ.
(٢)
وروياه عن النبىّ 3،
.
وسياتي
وقالت جماعة: ما رُوي من النهي عن الادِّخار منسوخٌ، فيدَّخر إلى أيِّ وقتٍ
أَحبَّ. وبه قال أبو سعيد الخُدْريُّ وبُريدُ الأَسْلميُّ(٣).
وقالت فرقةٌ: يجوز الأكلُ منها مطلقاً.
وقالت طائفة: إن كانت بالناس حاجةٌ إليها فلا يدَّخر؛ لأنَّ النهي إنَّما كان لعلةٍ،
وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما نهيتُكم من أجل الدَّاقَّة التي دَقَّت)). ولمَّا
ارتفعَتْ ارتفع المنعُ المتقدِّمُ لارتفاع مُوجِبه، لا لأنه منسوخ (٤). وتنشأ هنا مسألةٌ
أصوليةٌ، وهي:
(١) المفهم ٣٨١/٥ .
(٢) في المسألة الثامنة عشرة.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥١٤/٢ - ٥١٥ .
(٤) المفهم ٣٧٨/٥، والحديث أخرجه أحمد (٢٤٢٤٩)، ومسلم (١٩٧١) من حديث عائشة رضي الله
عنها، وسلفت قطعة منه في المسألة الثامنة. وقوله («الدائّة)): هم قوم قدموا المدينة في ذلك الوقت
مساكينُ أراد رسول الله # أن يحسن إليهم أهل المدينة ويتصدقوا عليهم. الاستذكار ١٥/ ١٧٠.

٣٧٦
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
السابعة عشرة: وهي الفرقُ بين رَفْعِ الحُكْمِ بالنَّسْخِ، ورَفْعِه لارتفاع علَّتِهِ. اعلم
أنَّ المرفوع بالنسخ لا يُحكم به أبداً، والمرفوع لارتفاع علَّته يعود الحكم لعَوْدِ العلة؛
فلو قَدِمَ على أهل بلدةٍ ناسٌ محتاجون في زمانِ الأَضْحى؛ ولم يكن عند أهل ذلك
البلد سَعةٌ يسدُّون بها فاقتهم إلَّ الضحايا، لَتَعيَّن عليهم ألَّا يدَّخروها فوق ثلاثٍ، كما
فعل النبيُّ ﴾(١).
الثامنة عشرة: الأحاديثُ الواردةُ في هذا الباب بالمنع والإباحة صِحاحٌ ثابتة. وقد
جاء المنعُ والإباحةُ معاً، كما هو منصوصٌ في حديث عائشةَ وسَلَمةَ بنِ الأكْوَع وأبي
سعيد الخُذْريِّ، رواها الصحيح (٢).
ورَوَى الصحيح عن أبي عبيدٍ مَوْلَى ابنٍ أَزْهَرَ أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب،
قال: ثم صلَّيتُ العيد مع عليّ بن أبي طالب ، قال: فصلَّى لنا قبل الخطبة، ثم
خطب الناس فقال: إنَّ رسول اللـه :﴿ قد نهاكم أن تأكلوا لحومَ نُسُككم فوق ثلاثٍ
ليالٍ فلا تأكلوها(٣).
ورَوَى عن ابن عمر أنَّ رسول اللـه ﴿ نَهى أن تؤكل لحومُ الأضاحي بعد(٤) ثلاث.
قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحومَ الأضاحي فوق ثلاث(٥).
وروى أبو داود عن نُبيشةَ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّا كنا نهيناكم عن لحومها
فوق ثلاثٍ لكي تَسَعَكم، جاء الله بالسَّعة، فكُلوا وادَّخروا وائتجروا، ألا إنَّ هذه
(١) المفهم ٣٧٩/٥ .
(٢) حديث عائشة في صحيح البخاري (٥٤٢٣)، وصحيح مسلم (١٩٧١)، وهو عند أحمد (٢٤٢٤٩)
و(٢٤٩٦٢)، وسلف في المسألة الثامنة، والمسألة السادسة عشرة. وحديث سلمة في صحيح البخاري
(٥٥٦٩)، وصحيح مسلم (١٩٧٤). وحديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري (٣٩٩٧)، وصحيح
مسلم (١٩٧٣)، وهو عند أحمد (١١١٧٦) و(١١٨١١).
(٣) صحيح البخاري (٥٥٧٣)، وصحيح مسلم (١٩٦٩): (٢٥)، وهو عند أحمد (٥٨٧).
(٤) في (ظ) و(م): فوق.
(٥) صحيح مسلم (١٩٧٠): (٢٧).

٣٧٧
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الأيامَ أيامُ أكلٍ وشرب وذكرٍ لِله عزَّ وجلَّ))(١).
قال أبو جعفر النحاس: وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في هذا، حتى تتَّفق الأحاديثُ
ولا تتضادّ، ويكون قولُ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - وعثمانُ محصورٌ - لأنَّ
الناس كانوا في شدَّةٍ محتاجين، ففعل كما فعل رسول اللـه # حين قدمت الدافَّة.
والدليلُ على هذا ما حدَّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدَّثنا أحمد قال: حدَّثنا ليث
قال: حدَّثني الحارث بن يعقوب، عن يزيد بن أبي يزيد، عن امرأته؛ أنها سألت
عائشةَ رضي الله عنها عن لحوم الأضاحي فقالت: قَدِمَ علينا عليّ بنُ أبي طالب من
سفرٍ فقدَّمنا إليه منه، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله :﴿، فسأله، فقال: ((كُلْ من
ذي الحجة إلى ذي الحجة))(٢).
وقال الشافعيُّ: مَن قال بالنهي عن الادِّخار بعد ثلاثٍ لم يسمع الرخصةَ. ومَن
قال بالرخصةِ مطلقاً لم يسمع النهيَ عن الادِّخار. ومَن قال بالنهي والرخصة سمعهما
جميعاً، فعمِل بمقتضاهما. والله أعلم. وسيأتي في سورة الكوثر الاختلافُ في
وجوب الأضحيَّة وندبيَّتها، وأنها ناسخةٌ لكلِّ ذبح تقدَّم(٣)، إن شاء الله تعالى.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ ((الفقِير)) من صفة
البائس، وهو الذي ناله البؤسُ وشدَّةُ الفقر؛ يقال: بَئِس يَبْأس بأساً: إذا افْتَقَر، فهو
بائس. وقد يُستعمل فيمَن نزلت به نازلةُ دهرٍ وإن لم تكن فَقْراً (٤)؛ ومنه قوله عليه
(١) سنن أبي داود (٢٨١٣)، وهو عند أحمد (٢٠٧٢٣). قوله: وائتجروا - بهمزة قطع - قال ابن الأثير في
النهاية (أجر): أي: تصدَّقوا طالبين الأجر بذلك، ولا يجوز فيه ((اتَّجرو)) بالإدغام؛ لأن الهمزة لا تدغم
في التاء، وإنما هو من الأجر لا من التجارة.
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥١٦/٢، وهو عند أحمد (٢٥٢١٨) و(٢٦٤١٥).
(٣) لم يذكر المصنف في سورة الكوثر شيئاً عن الأضحية، وإنما أعاد الكلام فيها إلى سورة الحج، وسورة
الصافات، وقد تكلم عنها بشكل مفصل في الآية (١٠٧) من ((الصافات)). وسلف ذكر نسخ الأضحية
لکل ذبح تقدم ٢١٥/٦ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): وإن لم يكن فقيراً، والمثبت من (خ) و(ظ) والمحرر الوجيز ١١٩/٤، والكلام منه.

٣٧٨
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
الصلاة والسلام: ((لكنِ البائسُ سعد بنُ خَوْلة)) (١). ويقال: رجل بَئيسٌ، أي: شدید.
وقد بَؤُسَ يَبْؤس بأساً: إذا اشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيِ﴾
[الأعراف: ١٦٥] أي: شدید.
وكلَّما كان التصدُّقُ بلحم الأضحيَّة أكثرَ؛ كان الأجر أَوْفرَ. وفي القَدْر الذي يجوز
أكلُه خلافٌ قد ذكرناه(٢)؛ فقيل: النصف؛ لقوله: ﴿فَكُلُواْ﴾ ﴿وَأَطْعِمُواْ﴾. وقيل:
الثلثان؛ لقوله: ((فَكُلُوا وادَّخِروا وائتجروا))(٣) أي: اطلبوا الأجر بالإطعام.
واختلف في الأكل والإطعام؛ فقيل: واجبان. وقيل: مُسْتحبَّان. وقيل بالفرق بين
الأكل والإطعام؛ فالأكلُ مستحبُّ والإطعامُ واجبٌ، وهو قولُ الشافعيّ(٤).
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ﴾ أي: ثم ليقضوا بعد نحر
الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج، كالحَلْقِ ورَمْي الجمار وإزالةِ شَعَثٍ
ونحوِه. قال ابن عرفة: أي: ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهريّ(٥): التَّفَتُ: الأخذُ
من الشارب، وقصُّ الأظفار، ونَتْفُ الإبطِ، وحَلْقُ العانة، وهذا عند الخروج من
الإحرام.
وقال النَّضْر بن شُميل: التَّفَثُ في كلام العرب: إذهابُ الشَّعَث(٦).
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٥٢٤)، والبخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨) عن سعد بن أبي
وقاص ، وقد رثى رسول الله # لسعد بن خولة أن مات بمكة كما جاء في تتمة الحديث، وينظر ما
سلف ١٢٨/٤ .
(٢) في المسألة الرابعة عشرة.
(٣) سلف في المسألة السابقة من حديث نبيشة ﴾.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٧٩/٣ .
(٥) في تهذيب اللغة ٢٦٦/١٤، وقد ذكره الأزهري عن الزجاج، وهو في معاني القرآن للزجاج ٤٢٤/٣ .
(٦) الشعث: أن يغبرَّ الشعر وينتتف لبعد عهده بالتعهُّد من المشط والدهن. الفائق ٢٨/٣ . وقال الأزهري:
لم يفسر أحد من اللغويين التفث كما فسره ابن شميل؛ جعل التفث التشعُّثَ وجعل قضاءه إذهاب
الشعث بالحلق والتقليم وما أشبهه.

٣٧٩
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
وسمعتُ الأزهريَّ يقول: التفتُ في كلام العرب لا يُعرف إلَّا من قولِ ابن عباسٍ
وأهلِ التفسير (١).
وقال الحسن: هو إزالةُ قَشَفِ الإحرام. وقيل: التَّفَثُ مناسكُ الحجِّ كلُّها؛ رواه
ابن عمر وابن عباس. قال ابن العربيّ(٢): لو صحَّ عنهما لكان حجةً؛ لشرف الصُّحبة
والإحاطةِ باللغة، قال: وهذه اللفظةُ غريبةٌ [عَرَبيةٌ] لم يجد أهل العربية(٣) فيها شعراً
ولا أحاطوا بها خبراً، لكنِّي تَتَبَّعْتُ التَّفَثَ لغةً فرأيتُ أبا عبيدةَ مَعْمر بنَ المُثَنَّى قال:
إنه قصُّ الأظفار، وأخذُ الشارب، وكلُّ ما يَحْرُم على المحرِمِ إلَّا النكاح. قال(٤):
ولم يَجئ فيه بشعرٍ(٥) يُحتجُّ به. وقال صاحب العين: التفثُ: هو الرميُّ، والحَلْقُ،
والتقصيرُ، والذبحُ، وقصُّ الأظفار والشارب، ونتفُ الإِبط. وذكر الزجَّاج والفرَّاء (٦)
نحوه، ولا أراه أخذوه إلَّا من قول العلماء. وقال قُظْرُب: تفثَ الرجلُ: إذا کَثُر
وَسَخُه. قال أميّة بن أبي الصَّلْت:
حَفُّوا رؤوسَهمُ لم يحلِقوا تَفَئاً ولم يَسُلُّوا لهم قَمْلاً وصِئبانا
وما أشار إليه قُظْرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك(٧)، وهو الصحيحُ في
(١) تهذيب اللغة ٢٦٦/١٤، وقد نقله الأزهري عن الزجاج. ولعل القائل: سمعت الأزهري، هو أبو عبيد
الهروي صاحب الغريبين.
(٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٢٧٠ - ١٢٧١، وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه، وقول ابن عباس وابن
عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٨٤/٤ - ٨٥، والطبري ٥٢٦/١٦ وقوله: القشف، أي: قذر الجلد، ورثاثة
الهيئة. القاموس (قشف).
(٣) في أحكام القرآن: أهل المعرفة.
(٤) هو ابن العربي، وكلام أبي عبيدة بنحوه في مجاز القرآن ٢/ ٥٠ .
(٥) في النسخ عدا (خ): شعر، والمثبت من (خ) وأحكام القرآن لابن العربي.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٤٢٤/٣، وللفراء ٢٢٤/٢ .
(٧) وقول ابن وهب عن مالك كما ذكره ابن العربي: التفت: حلق الشعر، ولبس الثياب، وما أتبع ذلك
مما يحل به المحرم.

٣٨٠
سورة الحج: الآيتان ٢٨ - ٢٩
التَّفَث. وهذه صورةُ قضاء(١) التفثِ لغةً، وأمَّا حقيقتُه الشرعيةُ، فإذا نحر الحاجُ أو
المُعْتَمِرِ هَذْيَه، وحلق رأسه، وأزال وسخه، وتطهّر وتنقَّى ولبس، فقد أزال تَفَته ووفّی
نَذْرَه، والنذرُ ما لزم الإنسان والتزمه.
قلت: ما حكاه عن قُطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماورديُّ، وذكر
بيتاً آخَر فقال:
قَضَوْا تَفَئاً ونَحْباً ثم ساروا إلى نَجْدٍ وما انتظروا علِيّا(٢)
وقال الثعلبيُّ: وأصلُ التَّفَث في اللغة: الوسخ؛ تقول العرب للرجل تستقذرُه: ما
أَتفئك! أي: ما أَوْسخك وأقذرك! قال أميةُ بن أبي الصلت:
شاحين(٣) آباطهم لم يقذفوا تَفَثاً وينزعوا عنهم قَمْلاً وصِئبانا(٤)
الماورديّ(٥): قيل لبعض الصلحاء: ما المعْنيُّ في شَعَث المُخْرِم؟ قال: ليشهدَ
الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك، فيعلم صِدْقَكَ في بَذْلها لطاعته.
الحادية والعشرون: ﴿وَلَيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾ أمرٌ (٦) بوفاء النذر مطلقاً، إلَّا ما كان
معصيةً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا وفاءً لنذرٍ في معصية الله))(٧)، وقولِه: ((مَن
نذر أن يطيع الله فليُطِعْه، ومَن نذر أن يَعْصِيَه فلا يَعْصِه))(٨).
(١) في (خ): إلغاء، وفي (م): إلقاء، ولم تجود في (د)، وليست في (ز) و(ظ)، والمثبت من أحكام
القرآن لابن العربي.
(٢) النكت والعيون ٢٠/٤ .
(٣) في (د) و(ز) و(ظ): ساحين، وفي (ظ) و(م): ساخين، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) ذكره الجاحظ في الحيوان ٣٧٦/٥ برواية:
ولم يسلُّوا لهم قملاً وصئبانا
شاحين آباطهم لم ينزعوا تفئاً
وكذا ذكره الزمخشري في الفائق ٢٨/٣، إلا أنه قال: لم يقربوا تفئاً، وهما روايتان كما ذكر الجاحظ.
(٥) في النكت والعيون ٢٠/٤ .
(٦) في (٥) و(م): أُمروا.
(٧) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩٨٦٣)، ومسلم (١٦٤١) عن عمران بن حصين طـ
(٨) أخرجه أحمد (٢٤٠٧٥)، والبخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.
:.