النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة الحج: الآيات ١٩ - ٢١
هلال بنُ بِساف وعطاء بن يَسار وغيرهما (١).
وقال عكرمة: المراد بالخصمين: الجنةُ والنار؛ اختصمتا، فقالت النار: خلقني
لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني لرحمته (٢).
قلت: وقد ورد بتخاصُم الجنة والنار حديثٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله {﴾.
((احتجَّت الجنةُ والنار، فقالت هذه: يَدْخُلُني الجبّارون والمتكبِّرون، وقالت هذه:
يدخلني الضعفاءُ والمساكين، فقال الله تعالى لهذه: أنتِ عذابي أعذِّبُ بكِ مَن أشاء،
وقال لهذه: أنتِ رحمتي أَرْحَم بكِ مَن أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤها)». خرّجه
البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح(٣).
وقال ابن عباس أيضاً: هم أهلُ الكتاب؛ قالوا للمؤمنين: نحن أَوْلَى بالله منكم،
وأقدمُ منكم كتاباً، ونبيّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله (٤)، آمنًا بمحمدٍ
وآمنًا بنبيِّكم وبما أُنزل إليه من كتاب(٥)، وأنتم تعرفون نبيَّنا وتركتموه وكفرتم به
حَسَداً. فكانت هذه خصومتَهم، وأُنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قولُ قتادة(٦).
والقول الأوّل أصحُ، رواه البخاريُّ عن حَجَّاج بن مِنْهالٍ، عن هُشَيْمٍ، عن أبي
هاشم، عن أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُباد، عن أبي ذر، ومسلمٌ عن عمرو بن زُرَارة،
عن هُشيم(٧). ورواه سليمان التيميُّ عن أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُباد، عن عليٍّ قال:
(١) أخرج قولهما الطبري ١٦/ ٤٩٠ - ٤٩١ .
(٢) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٩٣ .
(٣) صحيح البخاري (٤٨٥٠)، وصحيح مسلم (٢٨٤٦)، وسنن الترمذي (٢٥٦١)، وهو في مسند أحمد
(٧٧١٨).
(٤) بعدها في (د) و(ز) و(م): منكم، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما تفسير الطبري ١٦/ ٤٩١ ،
وتفسير البغوي ٣/ ٢٨٠ .
(٥) في تفسير الطبري وتفسير البغوي: وبما أنزل الله من كتاب.
(٦) ذكره البغوي ٣/ ٢٨٠ .
(٧) صحيح البخاري (٤٧٤٣) وصحيح مسلم (٣٠٣٣)، وسلف في بداية تفسير الآية.

٣٤٢
سورة الحج: الآيات ١٩ - ٢١
فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يومَ بدرٍ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ﴾ إلى قوله:
﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾(١).
وقرأ ابن كثير: ﴿هذانٌ خصمان﴾ بتشديد النون من ((هذان))(٢).
وتَأوَّلَ الفرَّاءِ(٣) الخصمَين على أنهما فريقان أهلُ دينَيْن، وزعم أنَّ الخصم
الواحدَ المسلمون، والآخَرَ اليهودُ والنصارى، اختصموا في دين ربِّهم؛ قال: فقال:
((اختصموا)) لأنهم جَمْعٌ، قال: ولو قال: ((اختصما)) لجاز. قال النحاس(٤): وهذا
تأويلُ مَن لا دُرْبةَ(٥) له بالحديث ولا بكُتُبٍ أهل التفسير؛ لأنَّ الحديث في هذه الآية
مشهورٌ، رواه سفيان الثَّوْريُّ وغيره عن أبي هاشم، عن أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُباد
قال: سمعتُ أبا ذَرِّ يُقسم قَسَماً: إنَّ هذه الآية نزلت في حمزةً وعليٍّ وعبيدة بنِ
الحارث بن عبد المطلب، وعتبةً وشيبةً ابني ربيعةً والوليد بن عتبة. وهكذا روى
أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس(٦).
وفيه قولٌ رابعٌ: أنهم المؤمنون كلُّهم، والكافرون كلُّهم من أيِّ ملةٍ كانوا؛ قاله
مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رَبَاح وعاصم بن أبي النَّجُود والكلبيّ(٧). وهذا القولُ
بالعموم يجمع المنزَلَ فيهم وغيرهم.
وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء؛ إذ قال به قومٌ وأنكره قوم(٨).
(١) صحيح البخاري (٣٩٦٥) و(٣٩٦٧)، وسلف في بداية تفسير الآية.
(٢) السبعة ص ٤٣٥، والتيسير ص٩٥ .
(٣) في معاني القرآن ٢١٩/٢ - ٢٢٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٩١/٣.
(٤) في إعراب القرآن ٣/ ٩١ .
(٥) في (د) و(م): دراية.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٣ ، وسلف تخريج خبر ابن عباس في بداية تفسير هذه الآية.
(٧) أخرج قولهم الطبري ١٦/ ٤٩٢ .
(٨) أخوجه الطبري ١٦/ ٤٩٢ بنحوه عن مجاهد.

٣٤٣
سورة الحج: الآيات ١٩ - ٢١
﴿قَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني من الفِرق الذين تقدَّم ذكرهم ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنْ ثَارٍ﴾
أي: خِيطَتْ وسُوِّيت، وشبِّهت النار بالثياب لأنها لباسٌ لهم كالثياب.
وقوله: ﴿قُطِعَتْ﴾ أي: تُقطَّع لهم في الآخرة ثيابٌ من نار؛ وذُكر بلَفْظِ الماضي
لأنَّ ما كان من أخبار الآخرة فالموعودُ منه كالواقع المحقَّق؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] أي: يقول الله تعالى. ويحتمل
أن يقال: قد أُعِدَّت الآنَ تلك الثيابُ لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار.
وقال سعيد بن جبير: ((من نار)): من نحاس، فتلك الثياب من نحاسٍ قد أذییت،
وهي السرابيلُ المذكورة في ((قِظْرٍ آنٍ))(١)، وليس في الآنية شيءٌ إذا حَمِيَ يكون أشدَّ
حرًّا منه(٢) .
وقيل: المعنى: أنَّ النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها
عليهم، فصارت من هذا الوجه ثياباً لأنها بالإحاطة كالثياب، مثلُ: ﴿وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ
بَاسًا﴾ [النبأ: ١٠].
﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ أي: الماء الحارُّ المُغَلَّى بنار جهنَّم. وروى
الترمذيّ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﴾ قال: ((إنَّ الحميم لَيُصَبُّ على رؤوسهم، فينفذ
الحميم حتى يَخْلُص إلى جوفه، فَيَسْلِتُ ما في جوفه حتى يَمْرُق من قدميه، وهو
الصَّهْر، ثم يعاد كما كان)). قال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب(٣).
﴿يُصْهَرُ﴾: يذاب ﴿بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ﴾ والصَّهر: إذابةُ الشَّخْم. والصُّهارة: ما
(١) يعني قوله تعالى: ﴿مَرَّاِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] والقراءة أعلاه في القراءات الشاذة ص ٧٠ ،
والمحتسب ٣٦٦/١، وسلفت ١٢/ ١٧٢ .
(٢) أخرجه الطبري ٤٦٤/١٦ دون قوله: فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في
قطر آن. وأورده دون هذه العبارة أيضاً البغوي ٣/ ٢٨٠ .
(٣) سنن الترمذي (٢٥٨٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٨٦٤)، والطبري ٤٩٥/١٦، وفيهما: فينفذ
الجمجمة، بدل: فينفذ الحميم.

٣٤٤
سورة الحج: الآيات ١٩ - ٢١
ذاب منه؛ يقال: صَهَرْت الشيء فانصهر، أي: أَذبتُه فذاب، فهو صهير. قال ابن
أحمر يصف فرخَ قَطاةٍ :
تَرْوي لَقّى أُلقيَ في صَفْصفٍ
تَصْهرُهُ الشمسُ فِما يَنْصَهِرْ(١)
أي: تُذیبه الشمس فیصبر على ذلك.
﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: وتُحرَق الجلود، أو تُشوَى الجلود؛ فإنَّ الجلود لا تذاب، ولكن
يُضَمُّ(٢) في كلِّ شيء ما يَليقُ به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريداً، إي والله ولبناً
قارِصاً(٣)؛ أي: وسقاني لبناً؛ قال الشاعر:
عَلَفُها تِبْناً وماءً بارداً(٤)
﴿وَلَمُ تَّقَيِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ أي: يُضربون بها ويُدفعون، الواحدة مِقْمَعة، ومِقْمَع
أيضاً كالمِحْجَن، يُضرب به على رأس الفيل. وقد قَمَعتُه: إذا ضربتَه بها. وقَمعته
وأَقْمعته بمعنّى، أي: قهرتُه وأَذْللتُه فانقمع. قال ابن السِّكِّيت: أقمعتُ الرجلَ عنّي
إقماعاً: إذا طَلَع عليك فردَدْتَه عنك(٥).
وقيل: المَقَامع: المَطارِقُ، وهي المَرازب أيضاً. وفي الحديث: ((بِيَدِ كلِّ مَلَكِ
من خَزَنةِ جهنّم مِرْزَبَةٌ لها شُعبتان، فيضربُ الضربةَ، فيهوي بها سبعين ألفاً))(٦). وقيل:
المقامع: سِياطٌ من نار. وسُمِّيت بذلك لأنها تَقْمَعُ المضروب، أي: تذلِّله.
(١) الصحاح (صهر)، والبيت في تهذيب اللغة ٣١٤/١٥، وأساس البلاغة (روي)، واللسان (روي)
و(صهر) و(لقا) وفيه: اللقى: الشيء الملقى لهوانه، وجمعه ألقاء. وتروي: تسوق إليه الماء، أي: تصير
كالراوية. اهـ. والصفصف: الذي لا نبات فيه، تاج العروس (صفف).
(٢) في (خ): يذم.
(٣) هو الحامض من ألبان الإبل خاصة، وقيل: القارص: اللبن الذي يَحْذي اللسان، فأطلق ولم يخصص
الإبل. اللسان (قرص).
(٤) وعجزه: حتى شَتَتْ همَّالةٌ عيناها، وسلف ٢٩١/١، و٣٤٩/٧.
(٥) الصحاح (قمع).
(٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٤٠ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة ١٧٣/٣ - ١٧٤ من طريق رجل من
بني تميم، عن أبي العوام من قوله مطولاً.

٣٤٥
سورة الحج: الآيتان ٢٢ - ٢٣
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَرٍ أُعِيدُواْ فِهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ
اَلْحَرِقِ
قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُواْ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿أُعِيدُواْ فِهَا﴾
بالضرب بالمَقامع؛ قال أبو ظَبيان: ذُكر لنا أنَّهم يحاولون الخروج من النار حين
تَجيشُ بهم وتفورُ، فتُلْقي مَن فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروجَ، فتعيدُهم
الخُزَّانُ إليها بالمَقامع(١).
وقيل: إذا اشتدَّ غمُّهم فيها فرُّوا، فَمَن خَلَص منهم إلى شَفِيرها أعادتهم الملائكة
فيها بالمَقامع، ويقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: المُخْرِق؛ مثلُ الأليمُ
والوَجِيعُ. وقيل: الحريقُ: الاسم من الاحتراق، تحرَّق الشيءُ بالنار واحترق،
والاسم: الحُرْقة والحريق(٢). والذَّوْق: مماسَّةٌ يحصل معها إدراكُ الطعم، وهو هنا
توسُعٌ، والمراد به إدراكُهم الألم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن
◌َحْتِهَا الْأَنْهَرُ بُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهٍَ وَلُؤْلُؤَا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا
حَرِيرُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
الْأَنْهَرُ﴾ لمَّا ذكر أحد الخصمين، وهو الكافر؛ ذكر حال الخصم الآخر، وهو
المؤمن. ﴿يُجَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ((مِن)) صِلةُ(٣). والأساور جمع
(١) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٩٨ .
(٢) الصحاح (حرق).
(٣) وهذا على مذهب مَن أجاز زيادة ((من)) في الإيجاب، ينظر أسرار العربية لأبي البركات الأنباري
ص٢٣٤، والدرّ المصون ٢٥٢/٨، وروح المعاني ١٣٥/١٧. وقيل: هي للتبعيض، أي: بعض
أساور. وقيل: لبيان الجنس، ذكرهما ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٥/٤، والسمين في الدر المصون
٢٥٢/٨.

٣٤٦
سورة الحج: الآية ٢٣
أَسورة، وأسورة واحدها سِوار، وفيه ثلاثُ لغاتٍ: ضمُّ السين، وكَسْرُها، وإسوار(١).
قال المفسِّرون: لمَّا كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتِّيجان، جعل الله
ذلك لأهل الجنة، وليس أحدٌ من أهل الجنة إلَّا وفي يده ثلاثةُ أسورة: سِوارٌ من
ذهب، وسوارٌ من فضة، وسوارٌ من لؤلؤ؛ قال هنا وفي ((فاطر)): ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن
ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [فاطر: ٣٣]، وقال في سورة الإنسان: ﴿وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الآية: ٢١].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: سمعتُ خليلي # يقول: ((تَبْلِغُ الحِلْيَةُ
من المؤمن حيث يبلغ الوضوء))(٢).
وقيل: تُحَلَّى النساءُ بالذهب والرجالُ بالفضة. وفيه نظر، والقرآن يردُّه.
﴿وَلُؤْلُؤٌ﴾ قرأ نافع وابن القَعْقاع وشيبةُ وعاصمٌ هنا وفي سورة الملائكة: ((لؤلؤاً))
بالنصب(٣)، على معنى: ويُحَلَّون لؤلؤاً، واستدلُّوا بأنها مكتوبةٌ في جميع المصاحف
هنا بألف (٤). وكذلك قرأ يعقوبُ والجَحْدَرِيُّ وعيسى بنُ عمر بالنصب هنا، والخفضِ
في ((فاطر))(٥)؛ اتِّباعاً للمصحف، ولأنها كُتبت هاهنا بألفٍ وهناك بغير ألف(٦).
الباقون بالخفض في الموضعين. وكان أبو بكر لا يهمز ((اللؤلؤ)) في كلِّ القرآن(٧). وهو
(١) ينظر الصحاح (سور)، وتهذيب اللغة ٥١/١٣ .
(٢) صحيح مسلم (٢٥٠)، وسلف ٣٣٤/٧ .
(٣) السبعة ص٤٣٥، والتيسير ص١٥٦ عن عاصم ونافع، وأما ابن القعقاع - وهو يزيد أبو جعفر - فقد
قرأ: لُولؤاً؛ بإبدال الهمزة الأولى واواً ساكنة مدّيّة، وكذلك قرأها أبو بكر شعبة عن عاصم، كما
سيذكر المصنف. النشر ٣٢٦/٢.
(٤) تفسير الطبري ٤٩٩/١٦، والمقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار للداني ص ٤٠ .
(٥) النشر ٣٢٦/٢ عن يعقوب.
(٦) المقنع للداني ص ٤٠ ، وقد وقع في مصاحفنا بألف في الموضعين، فليحرر.
(٧) أي: لُولُؤاً؛ بإبدال الهمزة الأولى فقط واواً ساكنة مدّيّة. وكذلك أبدلها أبو عمرو في رواية السوسي،
:
غير أنه قرأ بالخفض. السبعة ص٤٣٥، والتيسير ص١٥٦، والكشف ١١٨/٢، وذكر ابن عطية في
المحرر الوجيز ١١٥/٤ عن أبي علي الفارسي قوله: هَمْزُهما وتخفيفُهما، ومَمْزُ إحداهما دون الأخری
جائز كلُّه. وينظر الحجة للفارسي ٢٦٧/٥ - ٢٦٨ .

٣٤٧
سورة الحج: الآية ٢٣
ما يُستخرج من البحر من جَوْفِ الصَّدَف.
قال القُشيرِيُّ: والمرادُ ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعدُ أن يكون في الجنة سوارٌ
من لؤلؤٍ مُضْمَتٍ(١).
قلت: وهو ظاهِرُ القرآن، بل نصُّه.
وقال ابن الأنباريّ(٢): مَن قرأ: ((ولؤلؤٍ)) بالخفض، وَقَفَ عليه، ولم يقف على
الذهب. وقال السِّجِسْتانيُّ: مَن نَصَبَ ((اللؤلؤ)) فالوقفُ الكافي: ((من ذهب))؛ لأن
المعنى: ويُحلَّوْن لؤلؤاً. قال ابن الأنباريِّ: وليس كما قال؛ لأنَّا إذا خَفَضْنا ((اللؤلؤ))
نَسَقْناه على لفظِ الأساور، وإذا نصبناه نَسَقْناه على تأويل الأساور، وكأنَّا قلنا:
يحلّون فيها أساور ولؤلؤاً، فهو في النَّصب بمنزلته في الخفض، فلا معنى لقَطْعِه من
الأوّل.
قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: وجميع ما يلبَسونه من فُرُشهم
ولباسهم وسُتورهم حريرٌ، وهو أعلى ممَّا في الدنيا بكثير .
وروى النَّسائيُّ عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((مَن لَبِسَ الحريرَ في الدنيا لم
يَلْبَسْه في الآخرة، ومَن شَرِبَ الخمر في الدنيا لم يَشْرَبْه في الآخرة، ومَن شرب في
آنيةِ الذَّهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة)). ثم قال رسول الله ﴾: ((لباسُ أهلِ
الجنةِ، وشرابُ أهلِ الجنة، وآنيةُ أهل الجنة))(٣).
فإن قيل: قد سوَّى النبيُّ# بين هذه الأشياء الثلاثة، وأنه يُخْرَمُها في الآخرة؛
فهل يحرمُها إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم! إذا لم يتب منها؛ حُرِمها في الآخرة، وإنْ
(١) الحلي المصمت: هو الذي لا يخالطه غيره. اللسان (صمت).
(٢) في إيضاح الوقف والابتداء ٧٨٣/٢ .
(٣) سنن النسائي الكبرى (٦٨٤٠). وقوله منه: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) أخرجه
أحمد (٢٥١) (١١٩٨٥) (١٦١١٨)، والبخاري (٥٨٣٤) (٥٨٣٢) (٥٨٣٣) عن عمر وأنس وعبد الله بن
الزبير﴾، وأخرجه مسلم (٢٠٦٩): (١١) و(٢٠٧٣) و(٢٠٧٤) عن عمر وأنس وأبي أمامة ﴾.

٣٤٨
سورة الحج: الآية ٢٣
دخل الجنة؛ لاستعجاله ما حرَّم الله علیه في الدنيا.
لا يقال: إنما يُخْرَم ذلك في الوقت الذي يعذَّب في النار، أو بطول مُقامِه في
الموقف، فأمَّا إذا دخل الجنةَ فلا؛ لأنَّ حِرْمانَ شيءٍ من لذَّات الجنة لمن كان في
الجنة نوعُ عقوبةٍ ومؤاخذةٍ، والجنةُ ليست بدارٍ عقوبة، ولا مؤاخذةً فيها بوجه.
فإنَّا نقول: ما ذكرتموه محتملٌ، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويردُّه من
ظاهر الحديث الذي ذكرناه، وما رواه الأئمةُ من حديث ابن عمر عن النبيِّ #: ((مَن
شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها، حُرِمها في الآخرة))(١). والأصلُ التمسُّكُ
بالظاهر حتى يَرِدَ نصٍّ يدفعه، بل قد ورد نصٌّ على صحة ما ذكرناه، وهو ما رواه
أبو داود الطََّالسيُّ في ((مسنده)): حدَّثنا هشام، عن قتادةَ، عن داود السرَّاج، عن
أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((مَن لبس الحريرَ في الدنيا لم يَلْبَسْه
في الآخرة، وإن دَخَلَ الجنة لَبِسَه أهلُ الجنة ولم يَلْبَسْه هو))(٢). وهذا نصٍّ صريح
وإسنادٌ صحيح(٣). فإن كان: ((وإن دخل الجنة لبسه أهلُ الجنة ولم يلبسه هو)) من قول
النبيِّ فهو الغايةُ في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذُكِر [أنه موقوف] (٤)
فهو أعلمُ بالمقال وأَقْعَدُ بالحال، ومثلُه لا يقال بالرأي، والله أعلم.
وكذلك: ((مَن شرب الخمر ولم يَتُبْ)) و((مَن استعمل آنيةَ الذَّهبِ والفضَّة)) وكما لا
(١) أخرجه أحمد (٤٦٩٠)، والبخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣).
(٢) مسند الطيالسي (٢٢١٧)، وأخرجه أيضاً النسائي في الكبرى (٩٥٣٨)، وابن حبان (٥٤٣٧). وهو عند
أحمد (١١١٧٩) دون قوله: ((وإن دخل الجنة ... ))، وذكر الحافظ في الفتح ٢٨٩/١٠ أن قوله: ((وإن
دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو)) يحتمل أن يكون مُدْرَجاً.
(٣) في (خ) و(م): وإسناده صحيح. والحديث بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف في إسناده داود السراج،
وهو لم يرو عنه إلا قتادة، كما ذكر الذهبي في الميزان ٢٢/٢ . وقال ابن المديني: مجهول لا أعرفه،
وذكره ابن حبان في الثقات. التهذيب ١/ ٥٧٣ . أما أول الحديث فصحيح كما سلف.
(٤) أخرجه موقوفاً النسائي في الكبرى (٩٥٣٦) دون قوله: وإن دخل الجنة ... ، وأخرجه بتمامه موقوفاً
الخطيب البغدادي في الفصل للوصل ١/ ٥٧٣ .

٣٤٩
سورة الحج: الآيات ٢٣ - ٢٥
يشتهي منزلةَ مَن هو أَرْفَعُ منه، وليس ذلك بعقوبةٍ، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا
حريرَها، ولا يكون ذلك عقوبةً. وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتاب ((التذكرة))(١)، والحمد
لله، وذكرنا فيها أنَّ شجر الجنة وثمارَها يَتفتَّق عن ثياب الجنة(٢)، وقد ذكرناه في
سورة الكهف(٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ
قوله تعالى: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أُرشِدوا إلى ذلك. قال ابن
عباس: يريد: لا إله إلا الله والحمد لله(٤). وقيل: القرآن. ثم قيل: هذا في الدنيا،
هُدُوا إلى الشهادة وقراءة القرآن. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ اٌلْحَمِيدِ﴾ أي: إلى صراط الله.
وصراطُ الله: دِينُه، وهو الإسلام.
وقيل: هُدُوا في الآخرة إلى الطيِّب من القول، وهو: الحمدُ لله؛ لأنهم يقولون
غداً: ﴿لْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا أَلْعَزَّنِّ﴾
[فاطر: ٣٤]، فليس في الجنة لَغْوٌ ولا كَذِبٌ، فما يقولونه فهو طيِّبُ القول. وقد هُدُوا
في الجنة إلى صراط الله؛ إذ ليس في الجنة شيءٌ من مخالفة أمر الله.
وقيل: الطيِّبُ من القول: ما يأتيهم من الله من البِشارات الحسنة. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى
صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى طريق الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى
جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾
فيه سبع مسائل:
(١) ص٤٤٨ - ٤٤٩، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) التذكرة ص٤٥٤ .
(٣) ٢٦٧/١٣، وينظر أيضاً ما ورد ١٢ / ٦٧.
(٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٦٤/٣ - ٢٦٥ .

٣٥٠
سورة الحج: الآية ٢٥
الأولى: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ أعاد الكلام إلى مشركي
العرب حين صَدُّوا رسول اللـه ﴿ عن المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبِيَة، وذلك أنه لم
يُعلم لهم صَدِّ قبل ذلك الجمع، إلَّا أنْ يريدَ صدَّهم لأفرادٍ من الناس، فقد وقع ذلك
في صَدْرِ المَبْعَث. والصَّدُّ: المنع. أي: وهم يصدُّون، وبهذا حَسُنَ عَظْفُ المستقبل
على الماضي.
وقيل: الواوُ زائدة، و((يصدون)) خبرُ ((إنَّ). وهذا مُفْسِدٌ للمعنى المقصود، وإنَّما
الخبرُ محذوفٌ مقدَّرٌ عند قوله: ﴿وَآلْبَارِ﴾، تقديره: خسروا، أو(١) هلكوا.
وجاء ((ويصدُّون)) مستقبلاً؛ إذ هو فعلٌ يُديمُونه، كما جاء قولُه تعالى: ﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. فكأنه قال: إنَّ الذين كفروا من شأنهم
الصدُّ. ولو قال: إنَّ الذين كفروا وصدُّوا، لجاز.
قال النخاس(٢): وفي كتابي عن أبي إسحاق(٣) قال: وجائز أن يكون - وهو
الوجهُ - الخبر: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال أبو جعفر: وهذا غلط! ولستُ أعرف ما
الوجهُ فيه؛ لأنه جاء بخبرٍ ((إنَّ) جَزْماً، وأيضاً فإنه جوابُ الشرط، ولو كان خبرَ ((إنَّ»
لبقي الشرطُ بلا جواب، ولا سيما والفعلُ الذي في الشرط مستقبلٌ، فلابُدَّ له من
جواب.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قيل: إنه المسجدُ نفسه، وهو ظاهرُ
القرآن؛ لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرمُ كلُّه؛ لأنَّ المشركين صدُّوا رسولَ الله ◌ِ﴾
وأصحابَه عنه عامَ الحديبية، فنزل خارجاً عنه؛ قال الله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
(١) في (خ) و(د) و(ز) و(م): إذ، وفي (ظ): إذا، والمثبت من المحرر الوجيز ١١٥/٤، والكلام من
بداية هذه المسألة منه.
(٢) في إعراب القرآن ٩٣/٣ .
(٣) هو الزجاج، وكلامه في معاني القرآن له ٣/ ٤٢٠.

٣٥١
سورة الحج: الآية ٢٥
[الإسراء: ١]. وهذا صحيحٌ، لكنه قَصَدَ هنا بالذِّكر المهمَّ المقصودَ من ذلك(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ﴾ أي: للصَّلاة والطّواف والعبادة،
وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦].
﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارٍ﴾ العاكفُ: المقيم المُلازِمُ. والبادي: أهلُ البادية ومَن
يَقْدَم عليهم. يقول: سواءٌ في تعظيم حُرمته وقضاءِ النُّسك فيه الحاضرُ والذي يأتيه من
البلاد، فليس أهلُ مكةَ أحقَّ من النازِعِ(٢) إليه.
وقيل: إنَّ المساواة إنَّما هي في دُوره ومنازله، ليس المقيم فيها أَوْلَى من الطارئ
عليها. وهذا على أنَّ المسجدَ الحرامَ الحَرَمُ كلُّه؛ وهذا قولُ مجاهدٍ ومالكٍ؛ رواه عنه
(٣)
ابن القاسم(٣).
ورُويَ عن عمر وابن عباس وجماعةٍ: إلى أنَّ القادم له النزولُ حيث وُجِد، وعلى
ربِّ المنزل أن يؤوِيَه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوريُّ وغيره. وكذلك كان الأمر
في الصدر الأوّل، [قال ابن سابط: ] كانت دُورُهم بغير أبوابٍ حتى كَثُرت السرقة،
فاتَّخذ رجلٌ باباً، فأَنكر عليه عمر وقال: أَتغلقُ باباً في وجه حاجٌّ بيتِ الله؟ فقال:
إنَّما أردتُ حِفْظَ متاعِهم من السرقة. فتركه فاتَّخذ الناس الأبواب(٤).
ورويّ عن عمر بن الخطاب * أيضاً: أنه كان يأمر في الموسم بقَلْع أبواب دُور
مكة، حتى يدخلها الذي يَقْدَم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيطُ تُضرب في
الدُّور(٥).
(١) المحرر الوجيز ١١٥/٤.
(٢) في (م): النازح.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٣، وأخرجه عن مجاهد ابن أبي شيبة ٧٩/٤، والطبري ١٦/ ٥٠٣ .
(٤) المحرر الوجيز ١١٦/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وخبر ابن سابط أخرجه الطبري ٥٠١/١٦ ،
وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (٩٢١٠) عن عطاء، وفيه أن أول مَن بوَّب داره هو سهيل بن عمرو.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦٣/٣، وأخرج الخبر بنحوه عبد الرزاق (٩٢١١).

٣٥٢
سورة الحج: الآية ٢٥
ورويّ عن مالك أنَّ الدور ليست كالمسجد، ولأهلها الامتناعُ بها (١) والاستبداد؛
وهذا هو العملُ اليوم. وقال بهذا جمهورٌ من الأمة.
وهذا الخلاف يُبْنَى على أصلين: أحدهما: أنَّ دُورَ مكةَ؛ هل هي مِلكٌ لأربابها
أم للناس؟(٢).
وللخلاف سبيان: أحدهما: هل فَتْحُ مكة كان عَنْوَةً فتكونَ مغنومةً، لكن النبيّ ﴾
لم يقسمها وأقرَّها لأهلها ولمن جاء بعدهم، كما فعل عمره بأرضِ السَّواد، وعفا
لهم عن الخَراج كما عفا عن سَبِيهِم واسترقاقهم إحساناً إليهم دون سائر الكفار، فتبقى
على ذلك لا تُباع ولا تُكرَى، ومَن سَبَقَ إلى موضعٍ كان أولى به. وبهذا قال مالكٌ وأبو
حنيفةَ والأوزاعيُّ.
أو كان فتحُها صُلْحاً - وإليه ذهب الشافعيُّ - فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم
يتصرفون كيف شاؤوا. ورويَ عن عمر أنه اشترى دار صَفْوان بنِ أميةَ بأربعة آلافٍ
وجعلها سجناً(٣)، وهو أوّلُ مَن حَبَس في السجن في الإسلام، على ما تقدَّم بيانُه في
آية المحاربين من سورة المائدة(٤). وقد رويَ أنَّ النبيَّ # حَبَس في تُهمة(٥). وكان
طاوسٌ يكره السجن بمكةً ويقول: لا ينبغي لبيتِ عذابٍ أن يكون في بيت رحمة (٦).
قلت: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدلُّ ظواهرُ الأخبار الثابتة: بأنَّها فُتحت
(١) في النسخ: منها، والمثبت من المحرر الوجيز ١١٦/٤، والكلام منه.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦٣/٣، وقال بعده: الثاني ينبني عليه هذا الأصل، وهو أن مكة هل
افتتحت عنوة أو صلحاً؟.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٦/٧، والفاكهي في أخبار مكة (٢٠٧٦). وعلقه البخاري قبل الحديث
(٢٤٢٣) دون ذكر الثّمن.
(٤) ٤٣٩/٧ .
(٥) سلف ٢٦٥/٨ من حديث معاوية بن حيدة ﴾.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ١١٥.

٣٥٣
سورة الحج: الآية ٢٥
عَنوة. قال أبو عبيد (١): ولا نعلم مكةَ يشبهها شيءٌ من البلاد. وروى الدّار قُطْنيُّ(٢) عن
علقمة بن نَضْلة قال: توفِّيّ رسول اللـه ﴾ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تُدْعَى
رِباعُ مكة إلَّ السوائب؛ مَن احتاج سَكّن، ومَن استغنى أَسْكن. وزاد في رواية:
وعثمان (٣)
ورَوَى أيضاً عن علقمة بن نَضْلة الكنانيّ قال: كانت تُدعَى بيوتُ مكةَ على عهد
رسول الله # وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب، لا تباع؛ مَن احتاج سَكّن،
ومَن استغنى أَسْكَن(٤).
ورَوَى أيضاً عن عبد الله بن عمرو عن النبيِّ﴾ قال: ((إنَّ الله تعالى حرَّم مكةَ،
فحرامٌ بيعُ رِبَاعِها وأكلُ ثمنها)). وقال: ((مَن أكلَ من أجرٍ بيوت مكة شيئاً فإنما يأكلُ
ناراً)). قال الدار قطنيُّ: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعاً ووَهَم فيه، ووهَم أيضاً في قوله:
عبيد الله بن أبي يزيد، وإنما هو ابنُ أبي زياد القدَّاح، والصحيحُ أنه موقوف(٥).
وأسند الدار قطنيُّ أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله﴾: ((مكةُ
مُناخٌ، لا تُباعُ رِباعُها، ولا تؤاجَر بيوتها))(٦).
(١) في الأموال ص٨٢، وسلف قوله ٩/١٠.
(٢) في سننه (٣٠١٩)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣١٠٧). قال الحافظ في الفتح ٣/ ٤٥٠: في إسناده
انقطاع وإرسال.
(٣) سنن الدارقطني (٣٠٢٠).
(٤) سنن الدار قطني (٣٠٢١).
(٥) سنن الدارقطني (٣٠١٥)، والحديث عنده من طريق محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن عبيد الله
ابن أبي يزيد، عن ابن نجيح، عن ابن عمرو، عن النبي . قال ابن القطان في بيان الوهم ٥١٩/٣ :
وقد رواه القاسم بن الحكم عن أبي حنيفة على الصواب، فقال فيه: ابن أبي زياد، فلعل الوهم من
صاحبه محمد بن الحسن. اهـ قلنا: وهو في كتاب الآثار لمحمد بن الحسن (٣٧١) و(٣٧٢)، وفيه: ابن
أبي زياد، على الصواب أيضاً. والموقوف أخرجه الدارقطني (٣٠١٦) و(٣٠١٧).
(٦) سنن الدار قطني (٣٠١٩). وفي إسناده إسماعيل بن إبراهيم، قال الدار قطني بإثر الحديث: إسماعيل بن
إبراهيم بن مهاجر ضعيف، ولم يروه غيره.

٣٥٤
سورة الحج: الآية ٢٥
وروى أبو داودَ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ يا رسول الله: أَلَا أَبني
لك بمنّى بيتاً أو بناءً يُظِلَّك من الشمس؟ فقال: ((لا، إنما هو مُناخُ مَن سَبَقَ إليه))(١).
وتمسَّك الشافعيُّ ﴾ بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم﴾ [الحج: ٤٠]،
فأضافها إليهم، وقال عليه الصلاة والسلام يومَ الفتح: ((مَن أغلق بابه فهو آمنٌ، ومَن
دَخَلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن))(٢).
الرابعة: قرأ جمهور الناس: ﴿سواءٌ﴾ بالرفع، وهو على الابتداء، و(«العاكفُ)»
خبرُه. وقيل: الخبر ((سواءٌ)) وهو مقدَّم؛ أي: العاكفُ فيه والبادي سواءٌ؛ وهو قولُ
أبي علي، والمعنى: الذي جعلناه للناس قِبلةً أو متعبَّداً؛ العاكفُ فيه والبادي
سواءٌ(٣).
وقرأ حفص عن عاصم: ﴿سَوَآءُ﴾ بالنصب، وهي قراءةُ الأعمش. وذلك يحتمِلُ
أيضاً وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً ثانياً لجعل، ويرتفعُ ((العاكف)) به لأنه
مصدر، فأُعمِل عَمَلَ اسم الفاعل؛ لأنه في معنى مُسْتوٍ. والوجه الثاني: أن يكون
حالاً من الضمير في ((جعلناه))(٤).
وقرأت فرقة: ((سواءً)) بالنصب ((العاكفِ)) بالخفض عطفاً على الناس(٥)، التقدير:
(١) سنن أبي داود (٢٠١٩)، وهو عند أحمد (٢٥٥٤١)، والترمذي (٨٨١)، وابن ماجه (٣٠٠٦). ووقع في
مطبوع الترمذي: حسن صحيح، وفي التحفة ٤٣٤/١٢، ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٣٨/٢ :
حسن.
(٢) أخرجه أحمد (٧٩٢٢)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة﴾. قال ابن سيد الناس في عيون الأثر
٢/ ١٧٠: فكان هذا أماناً منه لكلِّ مَن لم يقاتل من أهل مكة، ولهذا قال جماعة من أهل العلم - منهم
الإمام الشافعي رحمه الله -: إن مكة مؤمنة وليست عنوة، والأمان كالصلح.
(٣) المحرر الوجيز ١١٦/٤، وقول أبي علي الفارسي في الحجة ٢٧٠/٥ - ٢٧١
(٤) المحرر الوجيز ١١٦/٤، وقراءة حفص عن عاصم في السبعة ص ٤٣٥، والتيسير ص١٥٧ .
(٥) وقع في النسخ: العاكف بالخفض والبادي عطفاً على الناس، بزيادة لفظ: ((والبادي))، والمثبت من
المحرر الوجيز ١١٥/٤ (والكلام منه): ويعني بالعطف هنا عطف البيان، كما ذكر السمين في الدر
المصون ٢٥٩/٨ وقال: وهذا الذي أراد ابن عطية بقوله: عطفاً على الناس.

٣٥٥
سورة الحج: الآية ٢٥
الذي جعلناه للناس العاكفِ والبادي.
وقراءةُ ابنِ کثیر في الوقف والوصل بالياء، ووقف أبو عمرو بغير ياء وَوَصَل
بالياء. وقرأ نافعٌ بغير ياءٍ في الوصل والوقف.(١) وأَجمعَ الناس على الاستواء في نفس
المسجد الحرام، واختلفوا في مكةً، وقد ذكرناه(٢).
الخامسة: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بُظُلْمٍ﴾ شرطٌ، وجوابُه: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيرٍ﴾. والإلحادُ في اللغة: الميل، إلَّا أنَّ الله تعالى بيَّن أنَّ الميل بالظلم هو المراد.
واختلف في الظلم؛ فروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَمَن يُرِّدٍ فِيهِ بِإِلْحَادٍ
يُظُلْرِ﴾ قال: الشِّرك. وقال عطاء: الشرك والقتل(٣).
وقيل: معناه: صَيْدُ حمامِهِ، وقطعُ شجرِهِ، ودخولُهُ غيرَ محرِم(٤).
وقال ابن عمر: كنا تتحدَّث أنَّ الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله، وبلى
والله، وكلَّا والله. ولذلك كان له فسطاطان؛ أحدُهما في الحِلِّ، والآخَرُ في الحَرَم؛
فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاطَ الحَرَم، وإذا أراد بعضَ شأنه دخل فسطاط الحِلّ،
صيانةً للحَرَم عن قولهم: كلَّ والله، وبلى والله، حين عّم الله الذنبَ فيه(٥).
وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان؛ أحدهما في الحِلِّ،
والآخَرُ في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهلَه عاتبهم في الحِلّ، وإذا أراد أن يصلّي
صلَّى في الحرم، فقيل له في ذلك، فقال: إن كنَّا لنتحدَّث(٦) أنَّ من الإلحاد في الحرم
(١) وذلك في رواية قالون عنه، وكذلك قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. وأما قراءة نافع في رواية
ورش عنه فهي بحذف الياء وقفاً وإثباتها وصلاً، كقراءة أبي عمرو. السبعة ص٤٣٦، والتيسير ص١٥٨ .
(٢) في المسألة الثانية.
(٣) ذكر القولين النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٩٤، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ١٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧ .
(٤) وهذا قول عطاء، كما ذكر البغوي ٢٨٣/٣ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦٤/٣، وينظر التعليق التالي.
(٦) في (خ) و(ز): لنحدث، وهو موافق لبعض مصادر التخريج.

٣٥٦
سورة الحج: الآية ٢٥
أن يقول: كلَّا والله، وبلى والله(١).
والمعاصي تُضاعَفُ بمكةَ كما تُضاعَفُ الحسنات، فتكون المعصيةُ معصیتین؛
إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط حُرمة البلد الحرام، وهكذا الأشهرُ الحُرُم
سواء(٢). وقد تقدَّم.
وروى أبو داود عن يَعْلَى بن أميةً: أنَّ رسول اللـه :﴿ قال: ((احتكارُ الطعام في
الحَرم إلحادٌ فيه))(٣). وهو قولُ عمر بن الخطاب(٤). والعمومُ يأتي على هذا كلِّه.
السادسة: ذهب قومٌ من أهل التأويل - منهم الضحاكُ وابنُ زيدٍ - إلى أنَّ هذه
الآيةَ تَدلُّ على أنَّ الإنسان يعاقَبُ على ما ينوِيه من المعاصي بمكةَ وإنْ لم يعمله. وقد
رُويَ نحوُ ذلك عن ابن مسعود وابن عمر، قالوا: لو همَّ رجلٌ بقتلِ رجلٍ بهذا البيتِ
وهو بِعَدَنِ أَبْيَن؛ لَعَذَّبه الله(٥).
(١) كذا ذكر المصنف هذين الخبرين عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم،
والصواب أنه خبر واحد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقد قال الحافظ في تخريج أحاديث
الكشاف ص١١٢ : ما في نسخ الكشاف: ابن عمر، تصحيف، وإنما هو ابن عمرو. وكذلك أخرجه
عن ابن عمرو ابن أبي شيبة ٢٨٥/٤ (نشرة العمروي)، والأزرقي في تاريخ مكة ١٣١/٢، والطبري
١٤١/١٧ (طبعة الحلبي)، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣٥٢/٤ وعزاه لسعيد بن منصور وابن منيع
وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وذكره ابن كثير مختصراً عند تفسير
هذه الآية، جميعهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٢) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٦٥/٣.
(٣) سنن أبي داود (٢٠٢٠). وينظر التعليق التالي.
(٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ٢٥٥/٧ من طريق يعلى بن مُنْية عن عمر ﴾، ويعلى بن منية هو
يعلى بن أمية، ومنية أمه، كما ذكر الحافظ في التقريب، وقال: صحابي مشهور، مات سنة بضع
وأربعين. وأخرجه أيضاً عن عمر بإسناد آخر الفاكهي في أخبار مكة (١٧٧٧). قال المنذري في مختصر
السنن ٤٣٨/٢: يشبه أن يكون البخاري علل المسند بهذا.
(٥) أخرجه عن ابن مسعود الطبري ٥٠٨/١٦ ، وروي عنه مرفوعاً كما في مسند أحمد (٤٠٧١). وذكره ابن
كثير عند تفسير هذه الآية وقال: وَقْفُه أشبهُ من رَفْعِه. وقال الدارقطني في العلل ٢٦٩/٥: يرويه
السدي، وقد اختلف عنه، فرفعه شعبة عن السدي، ووقفه الثوري، والقول قول شعبة. اهـ وعدن =

٣٥٧
سورة الحج: الآية ٢٥
قلت: هذا صحيحٌ، وقد جاء هذا المعنى في سورة ((ن والقلم)) مبيّناً، على ما
يأتي بيانُه هناك إن شاء الله تعالى(١).
السابعة: الباءُ في ((بإِلحادٍ)) زائدةٌ كزيادتها في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
[المؤمنون: ٢٠]، وعليه حَمَلُوا قول الشاعر:
نَضربُ بالسيف ونرجو بالفَرَجْ(٣)
نحن بنو جَعْدةً أصحابُ(٢) الفَلَجْ
أراد: نرجو الفرج. وقال الأعشى:
ضَمِنَتْ برزقٍ عيالِنا أَرْماحُنا (٤)
أي: رِزْقَ. وقال آخر:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمي بما لاقَتْ لَبُونُ بني زيادٍ (٥)
أي: ما لاقت، والباء زائدة، وهو كثير. وقال الفراء (٦): سمعتُ أعرابيًّا، وسألتُه
عن شيء، فقال: أرجو بذاك، أي: أرجو ذاك. وقال الشاعر:
= أبين: مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى أَبْيْنَ، وهو رجل من حمير عدن بها، أي: أقام. ولم نقف
عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(١) عند تفسير الآيات (١٧ - ١٩) منها.
(٢) في (ظ): أبناء.
(٣) النكت والعيون ١٦/٤، والرجز للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٢١٦ برواية: نضرب بالبيض.
وذكره البغدادي في الخزانة ٩/ ٥٢٠ - ٥٢١ وقال: البيض السيوف، وقال ياقوت: الفَلج مدينة بأرض
اليمامة لبني جعدة وقشير. وينظر معجم البلدان ٤/ ٢٧١ .
(٤) وعجزه: ملءَ المراجل والصريحَ الأجردا، كما في مجاز القرآن ٤٩/٢، وتفسير الطبري ٥٠٥/١٦ ،
وفيه: بين، بدل: ملء. وذكر صدره ابن قتيبة في أدب الكاتب ص٥٢٢ ، وهو في ديوان الأعشى
ص٢٨١ براوية:
ضَمنَتْ لنا أعجازُمنَّ قدورنا
وینظر الاقتضاب ص٤٥٧ .
وضروعُهنَّ لنا الصريحَ الأجردا
(٥) البيت لقيس بن زهير، وسلف ١١/ ٤٤٣ .
(٦) فيْ معاني القرآن له ٢٢٣/٢ .

٣٫٥٨
سورة الحج: الآيتان ٢٥ - ٢٦
وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ(١)
بوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ الشَّئَ صَدْرُه.
أي: المَرخ: وهو قول الأخفش؛ والمعنى عنده: ومَن يُرِدْ فيه إلحاداً بظلم(٢).
وقال الكوفيون: دخلت الباء لأنَّ المعنى: بأن يلحد، والباء مع ((أن)) تدخلُ
وتُحذف(٣). ويجوز أن يكون التقدير: ومَن يُرِد الناس فيه بإلحاد.
وهذا الإلحادُ والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فَلِعِظَمِ حُرمةٍ
المكان توعَّد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومَن نوى سيئةً ولم يعملها لم يحاسَب
عليها إلَّا في مكة (٤). هذا قولُ ابن مسعود وجماعةٍ من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرناه
آنفاً.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ بِ شَيْئًا
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِّآئِفِينَ وَالْقَآيِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: واذكر إذ بوَّأنا
لإبراهيم؛ يقال: بوَّأته منزلاً وبؤَّأْتُ له، كما يقال: مكَّنتكَ ومكنتُ لك، فاللامُ في
قوله: ((لإبراهيم)) صلةٌ للتأكيد، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، وهذا قولُ الفراء(٥).
وقيل: ((بوَّأنا لإبراهيم مكان البيت)) أي: أَرَيْناه أَصْلَه لِيَبْنِيَه، وكان قد دَرَس
(١) مجاز القرآن ٤٩/٢، وأدب الكاتب ص٥٢١، وتفسير الطبري ٥٠٥/١٦، وجمهرة اللغة ٤٥/١ ،
و٤١٤/٤، ونسبه أبو الفرج في الأغاني ١٤٩/٢٢، والبغدادي في الخزانة ٢٧٦/٥ ليعلى الأحول
الأزدي، وهو عندهما برواية: ينبت السِّدْر. ونسبه ابن منظور في اللسان (شبه) لرجل من عبد القيس.
والشَّتُّ: ضرب من الشجر، والشَّبَهان: ضرب من النَّبْت. قاله ابن دريد. وقال البغدادي: المَرخ: شجر
سريع الوزي.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٦٣٦/٢.
(٣) الكلام في معاني القرآن للفراء ٢٢٢/٢ بنحوه مطولاً.
(٤) المحرر الوجيز ١١٦/٤.
(٥) في معاني القرآن ٢٢٣/٢ .

٣٥٩
سورة الحج: الآية ٢٦
بالظُوفان وغيره، فلمَّا جاءت مدَّةُ إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنائه، فجاء إلى
موضعه، وجعل يطلب أثراً، فبعث الله ريحاً، فكشفت عن أساس آدم عليه السلام،
فرتَب قواعده عليه(١)، حَسْبَما تقدَّم بيانُه في ((البقرة))(٢).
وقيل: ((بوَّأنا)) نازلةٌ منزلةَ فِعْلٍ يتعدَّى باللام؛ كنحو: جعلنا، أي: جعلنا
لإبراهيم مكانَ البيت مُبَوََّ (٣). وقال الشاعر:
بوَّاتُه بيديّ لَحْداً (٤)
كم من أخٍ لي ماجدٍ
الثانية: ﴿أَنْ لَّا تُشْرِكْ﴾ هي مخاطبةٌ لإبراهيمَ عليه السلام في قول الجمهور.
وقرأ عكرمة: ((أنْ لا يُشْرِكَ)) بالياء، على نقلِ معنى القولِ الذي قيل له. قال أبو حاتم:
ولا بدَّ من نصبٍ الكاف على هذه القراءة، بمعنى: لأنْ لا يشركَ(٥).
وقيل: إنَّ ((أنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة. وقيل: مُفَسِّرة. وقيل: زائدة؛ مثل: ﴿فَلَمَّا أَن
جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦].
وفي الآية طعنٌ على مَن أَشْرَكَ من قُطَّانِ البيت؛ أي: هذا كان الشرطُ على أبيكم
فَمَن بَعْدَه، وأنتم لم (٦) تَفُوا، بل أشركتم. وقالت فرقة: الخطابُ من قوله: ((أن لا
تشرك)) لمحمدٍ ﴾؛ وأُمِر بتطهير البيت والأذانِ بالحجّ. والجمهورُ على أنَّ ذلك
لإبراهيم، وهو الأصحّ.
وتطهيرُ البيت عامٌ في الكفر والبِدَع وجميع الأنجاس والدماء(٧). وقيل: عنى به
(١) المحرر الوجيز ٤/ ١١٧.
(٢) ٣٨٦/٢ وما بعدها.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٤، والمحرر الوجيز ٤/ ١١٧.
(٤) قائله عمرو بن معدي كرِب، كما في الكامل للمبرد ١٣٧٧/٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي
١٧٩/١، والخزانة ٢١٩/١١.
(٥) المحرر الوجيز ١١٧/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ٩٥ عن عكرمة وأبي نهيك.
(٦) في النسخ: فلم، والمثبت من المحرر الوجيز ١١٧/٤، والكلام منه.
(٧) المحرر الوجيز ١١٧/٤ .

٣٦٠
سورة الحج: الآيتان ٢٦ - ٢٧
التطهير عن الأوثان، كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَلِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]؛
وذلك أنَّ جُرْهُماً والعمالقةً كانت لهم أصنامٌ في محلِّ البيت وحولَه قبل أن يبنيَه
إبراهيم عليه السلام. وقيل: المعنى: نزِّه بيتي عن أن يُعبد فيه صنم، وهذا أمرٌ بإظهار
التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه
كفايةٌ في ((براءة))(١).
والقائمون: هم المصلُّون. وذَكَر تعالى من أركان الصلاة أَعْظَمَها، وهو القيامُ
والركوع والسجود.
قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ
مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالحَجْ﴾ قرأ جمهور الناس: ﴿وَأَذِّنِ﴾
بتشديد الذال. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابنُ مُحَيْصِن: ((وآذِنْ)) بتخفيف الذَّال ومدٌ
الألف. ابن عطية: وتصحَّف هذا علَى ابنٍ جِنِّي، فإنه حكى عنهما: ((وأَذِنَ)) على أنه
فعلٌ ماضٍ، وأَغْرَبَ على ذلك بأنْ جعله عطفاً على: ((بوَّأنا))(٢). والأذانُ: الإعلام،
وقد تقدَّم في ((براءة))(٣).
الثانية: لمَّا فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له: أذِّنْ في الناس
بالحجّ، قال: يا ربِّ! وما يبلغ صوتي؟ قال: أَذِّنْ، وعليَّ الإبلاغُ، فصعِد إبراهيم
(١) ١٥٤/١٠ .
(٢) المحرر الوجيز ١١٧/٤ وما قبله منه. وتعقبه السمين في الدر المصون ٢٦٤/٨ فقال: ولم يتصحف
فعله، بل حكى تلك القراءة أبو الفضل الرازي في اللوامح له عنهما، وذكرها أيضاً ابن خالويه، ولكنه
لم يطلع عليها، فنسب مَن اطّلع إلى التصحيف. قلنا: قراءة ((أذن) بالقصر وتخفيف الذَّال هي في
المحتسب ٧٨/٢، والقراءات الشاذة ص ٩٥ .
(٣) ١٠٤/١٠ .