النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة الحج: الآية ٥ الحادية عشرة: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ يريد: كمالَ قدرتنا بتصريفنا أطوارَ خَلْقِكم ﴿وَنُقِرُّ فِ آلْأَرْحَامِ﴾ قرئ بنصب (نُقِرّ)) و((نخرج))، رواه أبو حاتم، عن أبي زيد، عن المفضَّل، عن عاصم. قال أبو حاتم: النصبُ على العطف. وقال الزجَّاج: ((نقرّ)) بالرفع لا غير؛ لأنه ليس المعنى: فعلنا ذلك لنقرَّ في الأرحام ما نشاء، وإنَّما خَلَقهم عزَّ وجلَّ ليدلَّهم على الرُّشْدِ والصَّلاح(١). وقيل: المعنى: لنبيِّن(٢) أمرَ البعث، فهو اعتراضٌ بين الكلامين. وقرأت هذه الفرقة بالرفع: ((ونقرُ))، المعنى: ونحن نقرُّ. وهي قراءة الجمهور. وقرئ: ((ويقر)) و((يخرجكم)) بالياء، والرفعُ على هذا سائغ. وقرأ ابن وَثّاب: ((ما نِشاء)) بكسر النون. والأجلُ المسمَّى يختلف بحسَبٍ جَنِينٍ جنين، فَثَمَّ مَن يسقط، وثَمَّ مَن يَكْمُلُ أمرُه ويخرج حَيًّا(٣). وقال: ((ما نشاء))، ولم يقل: مَن نشاء؛ لأنه يرجع إلى الحمل؛ أي: نقرُّ في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة، وهي جماد، فكنَى عنها بلفظ ((ما)). الثانية عشرة: قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِئُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: أطفالاً، فهو اسمُ جنسٍ. وأيضاً فإنَّ العرب قد تسمِّي الجمع باسم الواحد؛ قال الشاعر: يَلْحَيْنَني في حبِّها ويَلُمْنَني إنَّ العواذلَ ليس لي بأميرٍ(٤) ولم يقل: أمراء. وقال المبرِّد: هو اسمٌ يُستعمل مصدراً؛ كالرضا والعَذْل، فيقع (١) إعراب القرآن للنحاس ٨٧/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن له ٤١٢/٣، وقراءة المفضل عن عاصم ذكرها أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٨/٤ ثم قال: وحكى أبو عمرو الداني أن رواية المفضل هذه هي بالياء في ((يقرّ) وفي ((يخرجكم)). وسيذكر المصنف القراءة بالياء دون نسبة، وينظر القراءات الشاذة ص٩٤ ، وجامع البيان للداني ٢٩٥/٢ . (٢) بعدها في (م): لهم، والمثبت من النسخ الخطية والمحرر الوجيز ١٠٨/٤، والكلام منه. (٣) المحرر الوجيز ١٠٨/٤. (٤) مجاز القرآن ٤٤/٢ - ٤٥، وهو في تفسير الطبري ٥٣٤/١٦، واللسان (ظهر) برواية: إن العواذل لَسْنَ لي بأميرٍ يا عاذلاتي لا تزدن مودَّتي ٣٢٢ سورة الحج: الآية ٥ على الواحد والجمع؛ قال الله تعالى: ﴿أَوِ اُلْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ اَلِسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. وقاله الطبري(١). وهو نصبٌ على التمييز، كقوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنَّهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤](٢). وقيل: المعنى: ثم نخرج كلَّ واحدٍ منكم طفلاً(٣). والطفلُ يطلَق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ. وولَدُ كُلِّ وَخْشِيَّةٍ أيضاً طفلٌ. ويقال: جارِيةٌ ◌ِفْلٌ، وجاريتان ◌ِطِفْل، وجَوارٍ ◌ِطِفْلٌ، وغلامٌ طِفْلٌ، وغلمانٌ طِفْل. ويقال أيضاً: طِفْلٌ وِفْلة، وطِفْلان وطِفْلتان وأطفال، ولا يقال: طِفْلات(٤). وَأَظْفَلت المرأة: صارت ذاتَ طِفْلٍ. والمُظْفِل(٥): الظبيةُ معها ◌ِفْلُها، وهي قريبةُ عهدٍ بالنَّتاج. وكذلك الناقة، [والجمع] مَطَافِلُ ومَطَافيل. والطَّفْلُ؛ بالفتح في الطاء: الناعم؛ يقال: جاريةٌ طَفْلة، أي: ناعمة، وبَنانٌ طَفْل. وقد طَفَّل الليل: إذا أَقبل ظلامُه. والطّفَل بالتحريك: بعد العصر إذا طَفَلت الشمس للغروب. والطَّفَل أيضاً: مطر؛ قال : لِوَهْدٍ جادهُ طَفَلُ الثُّرَيّا(٦) ﴿ِثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ﴾ قيل: إنَّ((ثم)) زائدةٌ، كالواو في قوله: ﴿حَقََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأنَّ ((ثم)) من حروف النَّسَق، كالواو. و((أشُدَّكم)): كمال (١) في (د) و(ز) و(م): وقال الطبري، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو في تفسيره ٤٦٥/١٦. (٢) المقتضب للمبرد ١٧٣/٢-١٧٤، وقال فيه: هو كقولك: زيد أحسن الناس ثوباً ... وإنه ليحسن ثوباً، ويكثُر أمةٌ وعبداً. (٣) معاني القرآن للزجاج ٤١٢/٣ . (٤) كذا قال المصنف رحمه الله، وفي تهذيب اللغة ٣٤٨/١٣ واللسان (طفل): وطفلات في القياس. (٥) في النسخ: والمطفلة، والمثبت من الصحاح (طفل)، وما بعده وما سيأتي بين حاصرتين منه، وهو موافق لما في مجمل اللغة ٥٨٣/٢، واللسان (طفل)، والقاموس (طفل). (٦) الصحاح (طفل)، ومجمل اللغة ٢/ ٥٨٣، وأساس البلاغة (طفل)، واللسان (طفل)، ولم يذكروا الشطر الآخر، وقوله: وَهْد، جمع وَهْدَة، وهو المكان المطمئن، أي: المنخفض من الأرض. ٣٢٣ سورة الحج: الآية ٥ عقولكم ونهاية قُواكم. وقد مضى في ((الأنعام)) بيانُه(١). ﴿وَمِنْكُ مَّنْ يُرَّةُ إِلَ أَزْقَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسِّه وأُدْوَنِه، وهو الهَرَمُ والخَرَف حتى لا يعقِل؛ ولهذا قال: ﴿لِكَّيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، كما قال في سورة يس: ﴿وَمَنْ تُّعَمِّرْهُ نُنَكِسْهُ فِ الْخَلْقِ﴾ [الآية: ٦٨]. وكان النبيُّ # يدعو فيقول: («اللهُمّ إنِّي أعوذُ بك من البُخْلِ، وأعوذُ بك من الجُبْن، وأعوذُ بك من أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر))(٢). أخرجه النَّسائيُّ عن سعد، وقال: كان يعلّمهنَّ بَنِيهِ كما يعلِّم المُكْتِبُ الغلمان(٣). وقد مضى في ((النحل)) هذا المعنى(٤). قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ذَكَر دلالةً أخرى(٥) على البعث، فقال في الأوّل: ﴿فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ فخاطب جَمْعاً. وقال في الثاني: ﴿وَتَرَكَ الْأَرْضَ﴾ فخاطب واحداً، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكنَّ المعنى متَّصلٌ من حيث الاحتجاجُ علی مُنْکِري البعث. ﴿هَامِدَةٌ﴾: يابسةً لا تُنبت شيئاً؛ قاله ابن جُريج(٦). وقيل: دراسةً. والهُمودُ: الدروس، قال الأعشى: قالت قُتيلَةُ ما لجسمك شاحِباً وأرى ثيابَك بالياتِ هُمَّدًا(٧) (١) ١١١/٩ - ١١٢. (٢) أخرجه أحمد (١٥٨٥)، والبخاري (٢٨٢٢) و(٦٣٦٥) من حديث سعد بن أبي وقاص﴾. وسلف ٣٧٥/١٢. (٣) المجتبى ٢٦٦/٨، وقائل هذا الكلام مصعب بن سعد وعمرو بن ميمون الأودي، ومن طريقهما أخرجه النسائي عن سعد. وذكر هذا الكلام أيضاً عن عمرو بن ميمون البخاري في الرواية (٢٨٢٢) وفيه: المعلِّم، بدل: المكتب. (٤) ١٢ / ٣٧٤ . (٥) في (م): أقوى. (٦) النكت والعيون ٨/٤، وأخرجه بنحوه الطبري ٤٦٦/١٦ . (٧) ديوان الأعشى ميمون بن قيس ص٢٧٧ ، وفيه سايئاً، بدل: شاحباً، وهو براوية المصنف في النكت والعيون ٨/٤ . ٣٢٤ سورة الحج: الآية ٥ الهَرَوِيُّ: ((هامدة))، أي: جافَّةً ذاتَ تراب. وقال شَمِر(١): يقال: هَمَد شجر الأرض: إذا بَلِيّ وذهب. وهَمَدَتْ أصواتهم: إذا سَكَنَتْ. وهُمودُ الأرض ألَّ يكون فيها حياةٌ ولا نَبْتٌ ولا عودٌ، ولم يُصِبْها مطر. وفي الحديث: ((حتى كاد يَهْمُد من الجوع)»(٢) أي: يهلك. يقال: هَمّد الثوبُ يَهْمُد: إذا بَلِيَ. وهَمَدت النار تَهْمُد. قوله تعالى: ﴿فَإِذَّا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ﴾ أي: تحرَّكت. والاهتزاز: شدَّة الحركة؛ يقال: هَزَزْتُ الشيءَ فاهتزَّ، أي: حركتُه فتحرَّك. وهَزَّ الحادِي الإبلَ هزيزاً فاهتزَّتْ هي: إذا تحرَّكت في سيرها لحُدائه(٣). واهتزَّ الكوكب في انقضاضه، و کو کبٌ هازّ. فالأرضُ تهتزُّ بالنبات؛ لأنَّ النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعضٍ إزالةً خفيفة(٤)، فسمَّاه اهتزازاً مَجازاً. وقيل: اهتزَّ نباتها، فحذف المضاف؛ قاله المبرِّد(٥). واهتزازُه: شدّة حركته، كما قال الشاعر: تَثَنَّى إذا قامت وتهتزُّ إن مَشَتْ كما اهتزَّ غصنُ البان في ورقٍ خُضْرٍ (٦) والاهتزازُ في النبات أَظْهَرُ منه في الأرض. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. وقيل: انتفخت، والمعنى واحد، وأصلُه الزيادة. (١) هو ابن حمدويه، وكلامه في تهذيب اللغة ٢٢٨/٦. (٢) ذكره الخطابي في غريب الحديث ٢٩١/٢، والزمخشري في الفائق ٢٠/٢ و٣٧٩ ، وابن الجوزي في غريب الحديث ٢/ ٥٠٠ ، وابن الأثير في النهاية (همد)، وهو من حديث عامر بن ربيعة ﴾ في وصف مصعب بن عمير ﴾﴾. (٣) في النسخ عدا (ظ): بحدائه، والمثبت من (ظ) والصحاح (هزز) والكلام منه. (٤) في (خ) و(م): خفية، وفي (د): حقيقة. (٥) ذكره عنه الواحدي في الوسيط ٢٦٠/٣. (٦) النكت والعيون ٩/٤. ٣٢٥ سورة الحج: الآيات ٥ - ٧ رَبَا الشيء يَرْبُو رُبُوًّا، أي: زاد، ومنه الرِّبا والرَّبوة. وقرأ يزيد بن القَعْقاع وخالد بن إلياس: ((وَرَبَأَتْ))، أي: ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شيءٍ مُشْرِف، فهو رابىٌّ، ورَبِيئة على المبالغة(١)، قال امرؤ القيس: بَعَثْنَا رَبِيئاً قبل ذلك مُحْمَلاً(٢) كذئب الغَضَا يمشي الضَّرَاءَ ويتَّقي (٣) ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾ أي: أَخرجت ﴿مِن كُلِّ زَوْج﴾ أي: لَون ﴿بَهِيچ﴾ أي: حسن؛ عن قتادة(٤). أي: يُبهج مَن يراه. والبهجة: الحُسْن؛ يقال: رجلٌ ذو بهجة. وقد بَهُج - بالضمِّ - بَهاجةٌ وبَهْجة، فهو بَهيج(٥). وأَبْهجني: أعجبني بحسنه. ولمَّا وصف الأرض بالإنبات دلَّ على أنَّ قوله: ﴿اَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ يرجع إلى الأرض لا إلى النبات. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحُّ وَأَنَّهُ يُحِيِ الْمَوْقَ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ مَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيَهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ اَلْقُبُورِ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ لَمَْقُّ﴾ لمَّا ذكر افتقار الموجوداتِ إلیه وتسخيرها على وَفْقِ اقتداره واختياره في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿بَهِيج﴾، قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الُّْ وَنَّهُ يُحِيِ الْمَوْنَ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (١) معاني القرآن للنحاس ٣٨١/٤، وقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع - وهو من العشرة - في النشر ٣٢٥/٢. وخالد بن إلياس - ويقال: إياس - هو أبو الهيثم العدوي المدني، من رجال التهذيب. (٢) في النسخ الخطية: قبل ذلك مخمصاً، وفي (م): قبل ذاك مخملاً. والمثبت من الديوان على ما يأتي. (٣) ديوان امرئ القيس ص ١٧٢، وقال شارحه: الربيء والربيئة: الذي يربأ للقوم، أي: ينظر الصيد من مكان مرتفع. ومُحمّلاً يعني: يُحمل نفسه، أي: يسترها ويخفيها. والغضا: شجر، وأخبثُ الذئاب ما كان منشؤه ومأواه الغضا. اهـ ويمشي الضَّرَاء، أي: مستخفياً فيما يواري من الشجر. الصحاح (ضرا). (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢/٢، والطبري ١٦/ ٤٦٧ . (٥) الصحاح (بهج). ٣٢٦ سورة الحج: الآيات ٦ - ١٠ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ مَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ فنبَّه سبحانه وتعالى بهذا على أنَّ كلَّ ما سواه، وإنْ كان موجوداً حقًّا، فإنَّه لا حقيقةً له من نفسه؛ لأنه مسخَّرٌ مصرَّف، والحقُّ الحقيقيُّ: هو الموجودُ المطلَقُ الغنيُّ المطلَق. وأنَّ وجودَ كلِّ ذي وجودٍ عن وجوبٍ وجوده؛ ولهذا قال في آخر السورة: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الآية: ٦٢](١) والحقُّ: الموجودُ الثابت الذي لا يتغيّر ولا يزول، وهو الله تعالى. وقيل: ذو الحقِّ على عباده. وقيل: ((الحقّ)) بمعنى: في أفعاله. وقال الزجَّاج: ((ذلك)) في موضعِ رفعٍ، [المعنى: الأمر ذلك] أي: الأمرُ ما وُصف لكم وبيِّن. ﴿ِأَنَّ اللَّهَ هُوَ لَلَْقُّ﴾ أي: لَأنَّ الله هو الحقّ. قال: ويجوز أن يكون ((ذلك)) نصباً؛ أي: فَعَلَ الله ذلك بأنه هو الحق(٢). ﴿وَنَّهُ يُحِي الْمَّوْقَ﴾ أي: بأنه ﴿وَأَنَُّ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وبأنه قادرٌ على ما أراد. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْحَقُّ﴾ من حيث اللفظُ، وليس عطفاً في المعنى؛ إذ لا يقال: فَعَل الله ما ذُكر بأنَّ الساعةَ آتيةٌ، بل لابدَّ من إضمارٍ فعلٍ يتضمَّنه، أي: وليعلموا أنَّ الساعةَ آتيةٌ ﴿لَا رَيْبَ فَِا﴾ أي: لا شكَّ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبَّعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ يريد للثواب والعقاب. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ الهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدِّى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ اْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اٌلَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدَى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ﴾ أي: نَّيِّرٍ بِيِّنِ الحُجَّة. نزلت في النَّضْر بن الحارث(٣). وقيل: في أبي جهل بن هشام؛ قاله (١) ذكر المصنف هذا الكلام أيضاً في كتاب الأسنى ص١٤٨ نقلاً عن ابن الحصار. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤١٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٩/٤ عن الكلبي. ٣٢٧ سورة الحج: الآيات ٨ - ١٠ ابن عباس(١). والمُعْظَم على أنَّها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى(٢)، فهما في فريقٍ واحد، والتكرير للمبالغة في الذمّ، كما تقول للرجل تذمُّه وتوبِّخه: أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفَه في كلِّ آيةٍ بزيادة، فكأنه قال: إنَّ النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم، ويتَّبع كلَّ شيطانٍ مَريد، والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علمٍ ومن غير هُدًى وكتابٍ منير؛ ليُضِلَّ عن سبيل الله، وهو كقولك: زيدٌ يشتمني وزيدٌ يضربني، وهو تكرارٌ مفيدٌ؛ قاله القشيريّ. وقد قيل: نزلت فيه بضعَ عَشْرَة آيةً. فالمرادُ بالآية الأولى: إنكارُه البعثَ، وبالثانية: إنكارُه النبوّةَ وأنَّ القرآن منزلٌ من جهة الله. وقد قيل: كان من قول النضر ابن الحارث: إنَّ الملائكة بناتُ اللـه(٣)، وهذا جِدالٌ في الله تعالى. (مَنْ)) في موضع رفعٍ بالابتداء، والخبرُ في قوله: ((ومِنَ الناسِ)) . ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ نصب على الحال، ويتأوَّل على معنيين: أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: هو النضر بن الحارث، لَوَى عنقه مَرَحاً وتعُماً. والمعنى الآخر - وهو قولُ الفرَّاء - أنَّ التقدير: ومِن الناس مَن يجادلُ في الله بغير علم ثانيَ عِظْفِه، أي: مُعْرِضاً عن الذِّكر؛ ذكره النحاس(٤). وقال مجاهد وقتادة: لاوِياً عنقَه كفراً. ابن عباس: مُعْرِضاً عمَّا يُدْعَى إليه کفراً(٥). والمعنى واحد. (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٦/٣ . (٢) يعني الآية (٣) من هذه السورة، وينظر ما سلف ص٣١٢ من هذا الجزء. (٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٤٠٥/٥ عن مقاتل. (٤) في إعراب القرآن ٨٨/٣، وقول الفراء في معاني القرآن ٢١٦/٢، وفيه: ثانياً عطفَه، بدل: ثاني عطفه. (٥) أخرج هذه الأخبار بنحوها الطبري ١٦/ ٤٦٩ - ٤٧٠ . ٣٢٨ سورة الحج: الآيات ٨ - ١٠ وروى الأوزاعيُّ، عن مَخْلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن ابن عباس في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: هو صاحبُ البدعة. المبرِّد: العِظْفُ: ما انثنى من العنق(١). وقال المفضَّل: والعِظْفُ: الجانب، ومنه قولُهم: فلانٌ ينظر في أعطافه، أي: في جوانبه(٢). وعِظْفًا الرجل: [جانباه] من لَدُنْ رأسه إلى وَرِكَيْهِ، وكذلك عِطْفًا كلِّ شيءٍ جانباه. ويقال: ثَنَى فلانٌ عنِّي عِظْفَه: إذا أَعرض عنك(٣). فالمعنى: أي: هو مُعْرِضٌ عن الحقِّ في جِدَاله، ومُوَلِّ عن النظر في كلامه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَّ مُسْتَكْبِرًا كَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿لَوَّوْ رُؤُوسَهُ﴾ [المنافقون: ٥]، وقولِه: ﴿أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِيٌ﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقوله: ﴿ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، يَتَمْلَّى﴾ [القيامة: ٣٣]. ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾ أي: عن طاعة الله تعالى. وقرئ: ((لِيَضِل)) بفتح الياء(٤)؛ واللامُ لامُ العاقبة، أي: يجادلُ فيَضِلُّ، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا﴾ [القصص: ٨] أي: فكان لهم كذلك. ونظيرُه: ﴿إِذَا فَرِقٌ مِّنْكُرْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُواْ﴾. [النحل: ٥٤]. ﴿لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ﴾ أي: هوانٌ وذُلُّ بما يجري له من الذِّكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، كما قال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآية [القلم: ١٠]، وقولِه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وقيل: الخزيُ هاهنا: القتل؛ فإنَّ النبيَّ # قتل النضر بن الحارث يومَ بدرٍ صَبْراً، (١) معاني القرآن للنحاس ٣٨٢/٤، ولم نقف على خبر ابن عباس. (٢) النكت والعيون ٩/٤. (٣) الصحاح (عطف)، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. السبعة ص٢٦٧، والتيسير ص١٣٤. ٣٢٩ سورة الحج: الآيات ٨ - ١١ كما تقدَّم في آخر الأنفال(١). ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: نار جهنم. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ذلك العذابُ بما قدَّمتْ يداك من المعاصي والكفر. وعبَّر باليد عن الجملة؛ لأنَّ اليد التي تفعلُ وتبطِشُ للجملة. و((ذلك)) بمعنى هذا، كما تقدَّم في أوّل ((البقرة))(٢). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ الْمَأَنَّ ◌ِهِ وَإِنْ أَصَابَتَهُ فِئْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (مَن)) في موضعِ رفعٍ بالابتداء. والتمامُ: ﴿أَنْقَلَبَ عَى وَجْهِهِ.) على قراءة الجمهور (خَسِر))(٣). وهذه الآيةُ خبرٌ عن المنافقين. قال ابن عباس: يريد شيبة بن ربيعة؛ كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله ﴾، فلمَّا أُوحِي إليه ارتدَّ شيبة بنُ ربيعة(٤). وقال أبو سعيد الخُذْرِيُّ: أسلم رجلٌ من اليهود، فذهب بصره وماله [وولده] فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيَّ ﴾ فقال: أقِلْني! فقال: ((إنَّ الإسلام لا يُقال)) فقال: إنِّي لم أُصِبْ في ديني هذا خيراً؛ ذهب بصري ومالي وولدي! فقال: ((يا يهوديّ إنَّ الإسلام يَسْبِكُ الرجال كما تَسْبِكُ النارُ خَبَث الحديد والفضة والذهب)). فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾(٥). (١) ٢٣/١٠ و٨٩ - ٩٠ . (٢) ١/ ٢٤٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٣. (٤) لم نقف عليه. (٥) أسباب النزول للواحدي ص٣١٧ وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص١١٢ ، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣٦٨/٣ من حديث جابر، ولم يذكر فيه نزول الآية، وفي إسناده عنبسة ابن سعيد، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف: وعنبسة ضعيف جدًّا. ٣٣٠ سورة الحج: الآية ١١ وروى إسرائيل عن أبي حَصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ((ومن الناس من يعبد الله على حَرْف)) قال: كان الرجل يَقْدَم المدينة، فإن وَلَدَتْ امرأته غلاماً ونُتِجت خيلُه قال: هذا دِينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تُنْتَج خيلُه قال: هذا دین سُوءٍ(١). وقال المفسرون: نزلت في أعرابٍ كانوا يَقْدَمون على النبيِّ # فيُسلِمون، فإن نالوا رخاءً أقاموا، وإن نالتهم شدَّةٌ ارتدُّوا(٢). وقيل: نزلت في النضر بن الحارث. وقال ابن زيد وغيره: نزلت في المنافقين (٣). ومعنى ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على شكِّ؛ قاله مجاهد وغيره(٤). وحقيقتُه: أنه على ضعفٍ في عبادته، كضعفِ القائم على حرفٍ مضطربٍ فيه. وحرفُ كلِّ شيءٍ: طَرَفُه وشَغِيرُه وحدُّه، ومنه حرفُ الجبل، وهو أعلاه المحدّد. وقيل: ((على حرف)) أي: على وجهٍ واحد، وهو أن يعبدَه على السرَّاء دون الضرَّاء، ولو عبدوا الله على الشكر في السَّراء، والصبرِ على الضراء، لَمَا عبدوا الله على حرف. وقيل: ((على حرف)): على شرط، وذلك أنَّ شيبة بن ربيعةً قال للنبيِّ # قبل أن يظهر أمره: ادعُ لي ربَّك أن يرزقني مالاً وإيلاً وخيلاً وولداً حتى أُومِنَ بك وأعدِلَ إلى دينك، فدعا له، فرزقه الله عزَّ وجلَّ ما تمنَّى، ثم أراد الله عزَّ وجلَّ فتنته واختباره وهو أعلم به، فأخذ منه ما كان رَزَقه بعد أن أسلم، فارتدَّ عن الإسلام، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ يريد: على شرط. (١) أخرجه البخاري (٤٧٤٢). (٢) ينظر هذا القول وما ورد فيه من أخبار في تفسير الطبري ١٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤. (٣) أخرجه عن ابن زيد الطبري ١٦/ ٤٧٥ . (٤) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٧٣ و٤٧٤ عن مجاهد وقتادة. ٣٣١ سورة الحج: الآيات ١١ - ١٣ وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه(١). وبالجملة؛ فهذا الذي يعبد الله على حَرْفٍ ليس داخلاً بكلِّيَّته، وبيَّن هذا بقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيُّ﴾: صحةُ جسمِ ورَخاءُ معيشةٍ، رضيَ وأقام على دينه. ﴿وَإِنْ أَصَابَتُهُ فِئْنَهُ﴾ أي: خلافُ ذلك مما يُختبر به ﴿أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتدَّ، فرجع إلى وجهه الذي کان عليه من الكفر. ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ قرأ مجاهد وحميد بن قيس الأعرج (٢) والزُّهرِيُّ وابن أبي إسحاق، وروي عن يعقوب: ((خاسِرَ الدنيا)) - بألفٍ(٣) - نصباً على الحال، وعليه فلا يوقَّف على: ((وجهه)). وخسْرانُه الدنيا بأنْ لا حظّ له في غنيمةٍ ولا ثناء، والآخرةَ بأن لا ثوابَ له فيها. قوله تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ قوله تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يرجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي لا ينفع ولا يضر. ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ قال الفرَّاء(٤): الطويل. قوله تعالى: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِفْسَ الْعَشِيرُ ٣ قوله تعالى: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرُبُ مِن نَّفْعِةٍ﴾ أي: هذا الذي انقلب على وجهه يعبد(٥) مَن ضرُّه أدنى من نَفْعِه، أي: في الآخرة؛ لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه (١) ذكره البغوي ٣/ ٢٧٧ . (٢) في النسخ: والأعرج، بالواو، والصواب ما أثبتناه. ينظر معاني القرآن للفراء ٢١٧/٢ ، وتفسير الطبري ١٦/ ٤٧٥، والمحرر الوجيز ٤ / ١٠. (٣) القراءات الشاذة ص٩٤، والمحتسب ٧٥/٢ عن مجاهد وحميد بن قيس، وتفسير البغوي ٢٧٧/٣ عن يعقوب، والقراءة المشهورة عنه - وهو من العشرة - كقراءة الجماعة. (٤) في معاني القرآن ٢١٨/٢ . (٥) في (م): يدعو. ٣٣٢ سورة الحج: الآية ١٣ نفعاً أصلاً، ولكنه قال: ((ضرُّه أقربُ من نفعه)) ترفيعاً للكلام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقيل: يعبدونهم تَوَهُّمَ أنهم يشفعون لهم غداً، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَمَلُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. وقال الفرَّاء والكسائيُّ والزجَّاج: معنى الكلام القسمُ والتأخير، أي: يدعو واللهِ مَن لَضَرُّهُ(١) أقربُ من نفعه. فاللامُ مقدَّمةٌ في غير موضعها. و((مَن)) في موضع نصبٍ بـ(يدعو))، واللامُ جوابُ القَسَم. و((ضَرُّه)) مبتدأ. و((أقْرَبُ)) خبره(٢). وضعَف النحاس(٣) تأخيرَ اللام وقال: وليس لِلَّام من التصرُّف ما يوجب أن يكون فيها تقديمٌ ولا تأخير. قلت: حقُّ اللام التقديم، وقد تؤخَّر؛ قال الشاعر: ينلِ العَلَاءَ ويُكرِم الأخوالا خالي لأنتَ ومَن جَرِيرٌ خالُه أي: لخالي أنت، وقد تقدم(٤). النحاس: وحكى لنا عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذفٌ، والمعنى: يدعو لمَن ضرُّه أقرب من نَفْعِه إلهاً؛ قال النخَّاس: وأحسِبُ هذا القولَ غلطاً على محمد بن يزيد؛ لأنه لا معنى له، لأنَّ ما بعد اللام مبتدأٌ، فلا يجوز نصبُ إله، وما أحسِب مذهبَ محمد بن يزيد إلَّا قولَ الأخفش، وهو أحسنُ ما قيل في الآية عندي، والله أعلم؛ قال: ((يدعو)) بمعنى يقول، و(مَن)) مبتدأ وخبرُه محذوف، (١) في (د) و(م): لمن ضره، وهو خطأ. (٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢١٧/٢، وللزجاج ٤١٥/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٨٩/٣، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٤٨٧/٢. (٣) في إعراب القرآن ٨٩/٣ . (٤) ص٩٤ من هذا الجزء. ٣٣٣ سورة الحج: الآية ١٣ والمعنى: يقول: لمَن ضرُّه أقرب من نفعه إلهُه(١). قلت: وذكر هذا القول القُشَيْريُّ - رحمه الله - عن الزجَّاج(٢)، والمهدوِيُّ عن الأخفش، وكمَّل إعرابه فقال: ((يدعو)) بمعنى يقول، و(مَن)) مبتدأ، و((ضرُّه)) مبتدأٌ ثانٍ، و((أقربُ)) خبرُه، والجملةُ صلةُ ((مَن))، وخبرُ ((مَن) محذوفٌ، والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهُه، ومِثْلُه قول عنترة: يدعون عَنْتَرَ والرِّماحُ كأنها أشْطانُ بئْرٍ فِي لَبان الأدْهَم (٣) قال القشيريُّ: والكافر الذي يقول: الصنم معبودي، لا يقول: ضَرُّه أقربُ من نفعه، ولكن المعنى: يقول الكافر: لمَن ضرّه أقربُ من نَفْعِه - في قول المسلمين - معبودي وإلهي. وهو كقوله تعالى: ﴿يَتَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]؛ أي: یا أيها الساحرُ عند أولئك الذي يدعونك ساحراً. وقال الزجَّاج: يجوز أن يكون ((يدعو)) في موضع الحال، وفيه هاءٌ محذوفة، أي: ذلك هو الضلالُ البعيد يدعوه، أي: في حال دعائه إياه، ففي ((يدعو)) هاءٌ مضمَرٌ، ويوقف على هذا على ((يدعو))، وقولُه: ((لَمَن ضَرُّه أقربُ من نفعِه)) كلامٌ مستأنَفٌ مرفوع بالابتداء، وخبرُه: (لَبِئْسَ الْمَولَى))(٤)، وهذا لأنَّ اللام لليمين والتوكيدِ، فجعلها أوّلَ الكلام. قال الزجاج(٥): ويجوز أن يكون ((ذلك)) بمعنى الذي، ويكون في محلِّ النصب (١) إعراب القرآن للنحاس ٨٩/٣، وقول الأخفش سعيد بن مسعدة في معاني القرآن له ٦٣٥/٢ - ٦٣٦. (٢) في معاني القرآن له ٤١٦/٣ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤١٦/٣، والبيت من معلقة عنترة، وهو في ديوانه ص٢٩ . قوله: يدعون عنتر، قال النحاس في شرح المعلقات ٤٣/٢: الأجود فيه فتح الراء، والأشطان جمع شَطَن: وهو حبل البثر، واللبان: الصدر. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤١٥/٣ - ٤١٦، وذكر هذا القول أيضاً الفراء في معاني القرآن ٢/ ٤١٧ . (٥) في معاني القرآن ٤١٦/٣ . ٣٣٤ سورة الحج: الآية ١٣ بوقوع ((يدعو)) عليه، أي: الذي هو الضلالُ البعيد يدعو، كما قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ١٧] أي: ما الذي(١)، ثم قولُه: «لمَن ضرُّه)» كلامٌ مبتدأ، و (لبئس المولى)) خبرُ المبتدأ، وتقديرُ الآية على هذا: يدعو الذي هو الضلال البعيد، قدَّم المفعولَ وهو الذي، كما تقول: زيداً يَضْرِبُ، واستحسنه أبو عليٍّ(٢). وزعم الزجَّاجُ أنَّ النَّخويين أغفلوا هذا القول، وأنشد: عَدَسْ ما لعبَّادٍ عليك إمارةٌ نَجَوْتٍ وهذا تَحْمِلِين طَلِيقُ(٣) أي: والذي. وقال الزجَّاج أيضاً والفَرَّاء: يجوز أن يكون ((يدعو)) مكررةً على ما قَبْلَها، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، ولا تُعدِّيه إذ قد عدَّتَه أوَّلاً، أي: يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضرُّه يدعو، مثل: ضربتُ زيداً ضربت (٤). [وقيل: معناه: يدعو لَمَن ضرُّه أقرب من نفعه يدعو] ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاءً بالأولى(٥). قال الفرَّاء: ويجوز: ((لِمَنْ ضَرُّه)) بكسر اللام، أي: يدعو إلى مَن ضَرُّه أقربُ مِن نَفْعِه، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها (٦). وقال الفرَّاء أيضاً والقَفَّال: اللامُ صلة، أي: يدعو مَن ضرُّه أقربُ من نفعه، أي: (١) كذا في النسخ، وفي معاني القرآن للزجاج: ما التي. (٢) ذكر كلامه مطولاً الطبرسي في مجمع البيان ١٧/ ٨٣ - ٨٥ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٤١٧/٣، والبيت ليزيد بن مفرغ الحميري، وهو في ديوانه ص١١٥ ، وسلف ١٤٩/٢ . (٤) معاني القرآن للفراء ٢١٨/٢ بنحوه، وذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٧/ ٨٤ عن أبي علي. ولم نقف عليه في معاني القرآن للزجاج. (٥) تفسير البغوي ٢٧٧/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٦) معاني القرآن للفراء ٢/ ٢١٧، وإعراب القرآن للنحاس ٨٩/٣. ولا يقرأ بهذا الوجه كما ذكر الفراء. ٣٣٥ سورة الحج: الآيات ١٣ - ١٥ يعبده. وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود(١). ﴿لَتْسَ الْمَوْلَى﴾ أي: في التناصُر(٢) ﴿وَلَفْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي: المُعاشِر والصاحب والخليل. مجاهد: يعني الوثن(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ١٤ تَحْنِهَا الْأَنْهَرُّ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَخِْهَا الْأَنْهَرُّ﴾ لمَّا ذكر حالَ المشركين وحالَ المنافقين والشياطين؛ ذَكَر حال المؤمنين في الآخرة أيضاً . ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدٌ﴾ أي: يُئِيب مَن يشاء ويعذِّب مَن يشاء، فللمؤمنين الجنةُ بحكم وَعْدِهِ الصِّدْقِ وبفضله، وللكافرين النارُ بما سبق من عدله، لا أنَّ فِعْلَ الربِّ معلَّلٌ بفعلِ العبيد. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لَيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيُ ١٥ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ﴾ قال أبو جعفر النحاس: مِن أَحْسَن ما قيل فيها: إنَّ المعنى: مَن كان يظنُّ أنْ لن ينصر الله محمداً ﴾(٤)، وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أُوتَيَه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ﴾ أي: فليطلُبْ حيلةً يصل بها إلى السماء (ثُمَّ لُيُقْطَعْ﴾ أي: ثم ليقطع النصر إن تهيَّ له ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحيلتُه ما يَغيُه من نصر النبيِّ ﴾. والفائدةُ في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيدُ والحيلة بأن يفعل مثلَ هذا لم يَصِلْ إلى قطع النصر (٥). (١) معاني القرآن للفراء ٢١٧/٢، والقراءة عند ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٤ دون نسبة. (٢) في (ظ): أي الناصر. (٣) أخرجه الطبري ١٦ / ٤٧٧ . (٤) بعدها في (ظ): في الدنيا. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٠. ٣٣٦ سورة الحج: الآية ١٥ وكذا قال ابن عباس: إنَّ الكناية في ((ينصره الله)) ترجع إلى محمدٍ ﴾(١). وهو وإن لم يَجْرِ ذِكْرُه فجميعُ الكلام دالٌّ عليه؛ لأنَّ الإيمان هو الإيمانُ بالله وبمحمدٍ ﴾(٢)، والانقلابُ عن الدِّين انقلابٌ عن الدِّين الذي أتى به محمدٌ ﴾، أي: مَن كان يظنُّ ممن يعادي محمداً ﴾ ومَن يعبد الله على حَرْف أنَّا لا ننصر محمداً، فلْيفعَلْ كذا وكذا. وعن ابن عباس أيضاً: أنَّ الهاء تعود على ((مَن))، والمعنى: مَن كان يظنُّ أنَّ الله لا يرزقه فليختنقْ، فليقتل نفسه(٣)؛ إذ لا خيرَ في حياةٍ تخلو من عَوْن الله. والنصرُ على هذا القول الرزقُ؛ تقول العرب: مَن ينصرني نصره الله، أي: مَن أعطاني أعطاه الله. ومِن ذلك قولُ العرب: أرضٌ منصورة، أي: ممطورة؛ قال الفَفْعسيّ(٤): وإنَّك لا تعطي امْرَأَ فوقَ حقّه ولا تملك الشِّقَّ (٥) الذي الغيثُ ناصِرُه وكذا روى ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ﴾ أي: لن يرزقه(٦). وهو قولُ أبي عبيدة(٧). وقيل: إنَّ الهاء تعود على الدِّين، والمعنى: مَن كان يظنُّ أنْ لن ينصر الله دينه. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل، والسببُ: ما يُتوصَّل به إلى الشيء. ﴿إِلَى السَّمَآءِ﴾: إلى سقف البيت. ابن زيد: هي السماء المعروفة(٨). وقرأ الكوفيون: ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعْ﴾ بإسكان اللام(٩). قال النحاس(١٠): وهذا بعيدٌ في (١) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٨٠ . (٢) في (ظ): لأن الإيمان بالله إيمان بمحمد ﴾. (٣) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٨١ - ٤٨٢، والسماء على هذا القول هي سقف البيت، كما جاء في خبر ابن عباس. (٤) اضطرب الاسم في النسخ، والمثبت من تفسير الطبري ١٦/ ٤٨٠، والبيت دون نسبة في مجاز القرآن ٤٧/٢، والمحرر الوجيز ١١١/٤ . (٥) في النسخ الخطية: الشيء، والمثبت من (م) والمصادر. (٦) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٨٢ . (٧) في مجاز القرآن ٤٦/٢ - ٤٧ . (٨) أخرجه الطبري مطولاً ١٦/ ٤٧٩ . (٩) قرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام، والباقون بإسكانها. السبعة ص٤٣٤، والتيسير ص١٥٦ . (١٠) في إعراب القرآن ٣/ ٩٠ . ٣٣٧ سورة الحج: الآيات ١٥ - ١٧ العربية؛ لأن ((ثم)) ليست مثلَ الواو والفاء؛ لأنها يُوقف عليها وتنفرد. وفي قراءة عبد الله: ((فليقطعه ثم لينظر هل يُذهبنَّ كيدُه ما يغيظ))(١). قيل: ((ما)) بمعنى الذي، أي: هل يُذهبنَّ كيدُه الذي يغيظُه، فحذف الهاء ليكون أخفّ. وقيل: بمعنى المصدر، أي: هل يذهبنَّ كيدُه غيظَه. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ مَيَتٍ بَيِنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْنَهُ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ يعني القرآن. ﴿وَأَنَّ اللَّهُ﴾ أي: وكذلك أنَّ الله ﴿يَدِى مَن يُرِيدُ﴾، علَّق وجودَ الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادِيَ سواه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَلَّذِينَ أَشْرَكُوْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِیدُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بالله وبمحمدٍ ﴾ ﴿وَلَّذِينَ هَادُواْ﴾: اليهود، وهم المنتسبون إلى ملَّةِ موسى عليه السلام. ﴿وَالضَّنِْينَ﴾: هم قومٌ يعبدون النجوم. ﴿وَالنَّصَرَى﴾: هم المنتسبون إلى ملَّة عيسى. ﴿وَالْمَجُوسَ﴾: هم عَبَدَةُ النيران القائلون إنَّ للعالَم أصلين: نوراً وظلمةً. قال قتادة: الأديانُ خمسة، أربعةٌ للشيطان، وواحدٌ للرحمن(٢). وقيل: المجوس في الأصل: النّجوس؛ لتدَيُّنهم باستعمال النجاسات، والميم والنونُ يتعاقبان، كالغيم والغين، والأيْم والأين. وقد مضى في ((البقرة)) هذا كلُّه مستوفَى(٣). ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾: هم العربُ عَبَدةُ الأوثان. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يقضي ويحكم، فللكافرين النار، (١) لم نقف على هذه القراءة عن ابن مسعود ، وذكر الفراء في معاني القرآن ٢١٨/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١١١/٤ أن قراءة ابن مسعود هي: ((ثم ليقطعه)). (٢) أخرجه مطولاً عبد الرزاق في التفسير ٣٩/٢، والطبري ٤٨٥/١٦، ونسبه السيوطي في الدر المنثور لعبد بن حميد وابن أبي حاتم، إلا أن لفظه عندهم: والأديان ستة، خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. (٣) ينظر ١٥٨/٢ وما بعدها، وينظر أيضاً في الكلام عن المجوس ٤٨٠/٨، و١٦٤/١٠. ٣٣٨ سورة الحج: الآيتان ١٧ - ١٨ وللمؤمنين الجنة. وقيل: هذا الفصلُ بأنْ يعرِّفهم المحقَّ من المُبْطِل بمعرفةٍ ضرورية، واليومَ يتميّز المحقُّ عن المبطل بالنظر والاستدلال. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: من أعمال خَلْقِهِ وحركاتهم وأقوالهم، فلا يَعْزُب عنه شيءٌ منها؛ سبحانه. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ خبرُ ((إنَّ)) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾، كما تقول: إنَّ زيداً إنَّ الخيرَ عنده. وقال الفرَّاء(١): ولا يجوز في الكلام: إنَّ زيداً إنَّ أخاه منطلقٌ، وزعم أنه إنما جاز في الآية؛ لأنَّ في الكلام معنى المجازاة، أي: مَن آمن ومَن تهوَّد أو تنصَّر أو صبأ، يفصلُ(٢) بَيْنِهِم وحسابُهم على الله عزَّ وجلَّ. وردَّ أبو إسحاقَ(٣) على الفرَّاء هذا القولَ، واستقبح قولَه: لا يجوز: إنَّ زيداً إنَّ أخاه منطلقٌ؛ قال: لأنه لا فرقٌ بين زيد وبين الذين، و((إنَّ» تدخل على كلِّ مبتدأ، فتقول: إنَّ زيداً هو منطلقٌ، ثم تأتي بإنَّ فتقول: إنَّ زيداً إنه منطلقٌ؛ وقال الشاعر: إنَّ الخليفةَ إنَّ الله سَرْبَلَهُ سِربالَ عِزِّ به تُرْجَى الخواتيمُ(٤) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ وَالشَّجُ وَالدَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِِّ وَكَثِيرُ حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾ هذه رؤيةٌ القلب، أي: ألم تَرَ بقلبك وعقلك. وتقدَّم معنى السجودِ في ((البقرة))(٥)، وسجود (١) في معاني القرآن ٢١٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٩٠. (٢) في معاني القرآن للفراء، وإعراب القرآن للنحاس: ففصل. (٣) هو الزجاج، والكلام في معاني القرآن له ٤١٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩٠ ، وعنه نقل المصنف. (٤) معاني القرآن للفراء ٢١٨/٢، وللزجاج ٤١٨/٣، وأمالي الزجاجي ص٦٢، والخزانة ٣٦٤/١٠، والبيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن حبيب ٢/ ٦٧٢ برواية: · سربال مُلْك به تُرْجى الخواتيم يكفي الخليفة أن الله سربله (٥) ٤٣٤/١ . ٣٣٩ سورة الحج: الآية ١٨ الجماد في ((النحل))(١). ﴿وَالشَّمْسُ﴾ معطوفةٌ على ((مَن))، وكذا ﴿وَالْقَمَرُ وَلتُّجُومُ وَلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. ثم قال: ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ وهذا مُشْكِلٌ من الإعراب، كيف لم ينصب ليعطفَ ما عَمِلَ فيه الفعلُ على ما عَمِلَ فيه الفعل، مثل: ﴿وَالَِّمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيًّا﴾. [الإنسان: ٣١]؟ فزعم الكسائيُّ والفرَّاء أنه لو نصب لكان حسناً، ولكن اختير الرفعُ لأنَّ المعنى: وكثيرٌ أبَى السجود، فيكون ابتداءً وخبراً، وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. ويجوز أن يكون معطوفاً، على أنْ يكون السجود: التذلَّلَ والانقياد لتدبير الله عزَّ وجلَّ من ضَعْفٍ وقوّةٍ وصحةٍ وسقمٍ وحسنٍ وقُبْح، وهذا يدخل فيه كلُّ شيء(٢). ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيراً حقَّ عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ((والذَّوابُّ))، ثم ابتدأ فقال: ((وكثيرٌ من الناس)) في الجنةِ ((وكثيرٌ حقَّ عليه العذاب))، وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: وكثيرٌ من الناس في الجنة وكثيرٌ حقَّ عليه العذاب؛ ذكره ابن الأنباري (٣). وقال أبو العالية: ما في السماوات نجمٌ ولا قمرٌ ولا شمسٌ إلَّا يقع ساجداً لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه(٤). قال القُشَيريُّ: وورد هذا في خبرٍ مسنَد في حقِّ الشمس، فهذا سجودٌ حقيقيٍّ، ومن ضرورته تركيبُ الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرَّجه مسلم(٥)، وسيأتي في سورة (يس)) (١) ٣٣٥/١٢. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٣، وقول الفراء في معاني القرآن ٢١٩/٢. (٣) في إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٧٨٢. (٤) أخرجه الطبري ١٦ / ٤٨٧ . (٥) في صحيحه (١٥٩) من حديث أبي ذر ه مطولاً، وأخرجه البخاري مختصراً (٤٨٠٢). ٣٤٠ سورة الحج: الآيات ١٨ -٢١ . [الآية: ٣٨]. وقد تقدَّم في ((البقرة)» عند قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾ معنى السجودِ لغةً ومعنّى. قوله تعالى: ﴿وَمَن ◌ُهِنِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِرٍ﴾ أي: مَن أهانه بالشَّقاء والكفرِ لا يَقْدِرُ أحدٌ على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس: إنَّ مَن تَهاوَنَ بعبادة الله صار إلى النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يريد أنَّ مصيرهم إلى النار، فلا اعتراضَ لأحدٍ عليه. وحكى الأخفش والكسائيُّ والفرَّاء: ((ومَنْ يُهِن اللهُ فما له من مُكْرَم)) أي: إكرام(١). قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِّهِمْ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّنِ ثَارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ » يُصْهَرُ بِهِ مَا فِ بُطُونِهِمْ وَلْجُودُ وَلَمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ خرَّج مسلم(٢) عن قيس بن عُبَادٍ قال: سمعت أبا ذَرِّ يُقسم قَسَماً: إنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ إنها نزلت في الذين بَرَزُوا يومَ بدرٍ: حمزةٌ وعليٍّ وعبيدةُ بن الحارث ﴾، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةً والوليدُ بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلمٌ رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآياتُ الثلاثُ على النبيِّ# بالمدينة في ثلاثةِ نفرٍ من المؤمنين وثلاثةِ نفرٍ كافرين؛ وسمَّاهم كما ذكر أبو ذرّ(٣). وقال عليّ بن أبي طالب﴾: إني لأوّلُ مَن يجثو للخصومة بين يدي الله يومَ القيامة. يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه؛ ذكره البخاري(٤). وإلى هذا القول ذهب (١) إعراب القرآن للنحاس ٩١/٣، وكلام الفراء في معاني القرآن له ٢١٩/٢، والقراءة بفتح الراء ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٩٤ وقال: ذكره أبو معاذ. وهي في المحرر الوجيز ١١٣/٤ عن ابن أبي عبلة. (٢) في صحيحه (٣٠٣٣)، وهو عند البخاري (٣٩٦٩) و(٤٧٤٣). (٣) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٠٩/٢ . (٤) في صحيحه (٣٩٦٥) و(٣٩٦٧).