النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
سورة الأنبياء: الآيتان ١٠٥ - ١٠٦
الشعبيُّ: ((الزَّبور)): زبور داود، و((الذكر)): توراةُ موسى عليه السلام(١).
مجاهد وابن زيد: ((الزَّبور)): كتب الأنبياء عليهم السلام، و((الذِّكر)): أمّ الكتاب
الذي عند الله في السماء(٢).
وقال ابن عباس: ((الزَّبور)): الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه،
و ((الذِّكر)»: التوراة المنزلة على موسى(٣).
وقرأ حمزة: ((في الزُّبُورِ)) بضم الزاي جمع زِبْرٍ (٤).
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ أحسنُ ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة -
كما قال سعيد بن جبير - لأنَّ الأرض في الدنيا قد ورثها الصالحون وغيرهم(٥). وهو
قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما(٦)؛ قال مجاهد وأبو العالية: ودليلُ هذا التأويل
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَوَثَنَ اْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدَّسة(٧). وعنه أيضاً: أنَّها أرض الأمم الكافرة
تَرِثُها أمةُ محمدٍ ﴿ بالفتوح(٨).
وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ
الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وأكثرُ
المفسرين على أنَّ المراد بالعباد الصالحين أمةٌ محمدٍ ﴾.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٥٥/١٠، والطبري ٤٣٣/١٦.
(٢) النكت والعيون ٤٧٥/٣ عن مجاهد، وأخرج قولهما الطبري ٤٣٢/١٦، وذكره الواحدي في الوسيط
٢٥٤/٢، وابن الجوزي ٣٩٧/٥ .
(٣) أخرجه الطبري ٤٣٣/١٦ مختصراً.
(٤) السبعة ص٤٣١، والتيسير ص٩٨، قال الرازي ٢٢٩/٢٢: ومعنى القراءتين واحد.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٣.
(٦) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما الطبري ٤٣٥/١٦ - ٤٣٦.
(٧) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٧٥/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٩٧/٥ عن الكلبي.
(٨) أورده الطبري ١٦/ ٤٣٧.
٣٠٢
سورة الأنبياء: الآيات ١٠٥ - ١٠٩
وقرأ حمزة: ﴿عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ بتسكين الياءِ(١).
﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. وقيل:
إنَّ في القرآن ﴿لَغَّا لِّقَوْمٍ عَيِدِينَ﴾ قال أبو هريرة وسفيان الثوريُّ: هم أهلُ
الصلوات الخمس(٢). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((عابدين)): مطيعين(٣).
والعابد: المتذلِّل الخاضع. قال القشيريُّ: ولا يَبْعُد أن يدخل فيه كلُّ عاقل؛ لأنه من
حيث الفطرةُ متذلِّلٌ للخالق، وهو بحيث لو تأمَّل القرآن واستعمله لأ وصله ذلك إلى
الجنة.
وقال ابن عباس أيضاً: هم أمةُ محمدٍ ﴾، الذين يصلُّون الصلواتِ الخمسَ،
ويصومون شهرَ رمضان(٤). وهذا هو القول الأوّل بعينه.
(٨) قُلْ إِنَّمَا يُوحَىَّ إِلَى أَنَّمَا
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ مَاذَنْتُكُمْ عَى
٥٠٨
سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا نُوعَدُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال: كان محمدٌ ﴾ رحمةً لجميع الناس، فَمَن آمن به وصدَّق به سَعِد، ومَن لم يؤمن
به سلِم ممَّا لَحِقَ الأممَ من الخَسْفِ والغرق(٥). وقال ابن زيد: أراد بالعالَمين
(١) السبعة ص ٤٣٢، والتيسير ص١٥٦ .
(٢) أخرجه عن أبي هريرة سعيد بن منصور وابن المنذر كما في الدر المنثور ٣٤١/٤ ، وذكره عن سفيان
النحاس في إعراب القرآن ٨٣/٣ .
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٧٥ دون نسبة، وأخرج الطبري ٤٣٩/١٦ عن ابن عباس قوله:
«عابدین)): عالِمین.
(٤) أخرجه بنحوه البيهقي في الشعب (٢٩١٢). وأخرجه بلفظ المصنف الطبري ٤٣٨/١٦ عن كعب
الأحبار.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨٣/٣، وأخرجه الطبري ٤٤٠/١٦، والطبراني في الكبير (١٢٣٥٨)، وأبو
الشيخ في تاريخ المحدثين بأصبهان (٥٧٢).
٣٠٣
سورة الأنبياء: الآيات ١٠٧ - ١١٢
المؤمنين خاصة(١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىّ إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ فلا يجوز الإشراك
به. ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون لتوحيد الله تعالى، أي: فأسلموا، كقوله
تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا.
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ أي: إن أعرضوا عن الإسلام ﴿فَقُلْ ءَذَنُكُمْ عَى
سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتُكم على بيانٍ أنَّا وإيَّكم حربٌ لا صُلْحَ بيننا، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا
تَّخَافََ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَنَئِذٍ إِلَيْهِمْ عَلَ سَوَلَءْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: أَعْلِمْهم أنك نقضتَ
العهد نقضاً استويت به(٢) أنت وهم، فليس لفريقٍ عهدٌ ملتزَمٌ في حقِّ الفريق الآخر.
وقال الزَّجَّاج: المعنى: أعلمتُكُم بما يوحى إليَّ على استواءٍ في العلم به، ولم
أُظهِر لأحدٍ شيئاً كتمتُه عن غيره(٣).
﴿وَإِنْ أَدْرِى﴾ ((إن)) نافيةٌ بمعنى ((ما))، أي: وما أدري. ﴿أَقَرِبُ أَمْ بَعِيدٌ مَا
تُعَدُونَ﴾ يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحدٌ، لا نبيِّ مرسَلٌ، ولا مَلَكٌ مقرَّب؛ قاله
ابن عباس. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكنِّي لا أدري متى يؤذَن لي في محاربتكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (9) وَإِنْ
أَدْرِى لَعَلَُّ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ (١) قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِاَلْمَيُّ وَرَبْنَا الَّعْنَنُ
اٌلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: من
الشّرك، وهو المُجازِي عليه. ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ﴾ أي: لعلَّ الإمهال ﴿فِتْنَةٌ لَّكُ﴾
أي: اختبارٌ ليرى كيف صنيعكم، وهو أعلم. ﴿وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾ قيل: إلى انقضاء المدَّة.
(١) أخرجه الطبري ٤٤٠/١٦ - ٤٤١.
(٢) قوله: به، من (ظ)، ووقع في (د) و(م): أي: استويت.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤٠٨/٣، ولفظه فيه: أعلمتكم بما يوحى إلي لتستووا في الإيمان به.
٣٠٤
سورة الأنبياء: الآيات ١١٠ - ١١٢
ورويَ أنَّ النبيَّ # رأى بني أمية في منامه يَلُون الناس، فخرج الحَكَمُ من عنده
فأخبر بني أمية بذلك، فقالوا له: ارجع فسَلْه متى يكون ذلك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ
أَدْرِىّ أَقَرِبُ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّمُ فِتْنَةٌ لَّكُمُ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ﴾ يقول
النبيِّه عليه الصلاة والسلام: قل لهم ذلك(١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾(٢) ختم السورة بأنْ أَمر النبيَّ { # بتفويض
الأمر إليه، وتوقّع الفَرَج مِن عنده، أي: احكُم بيني وبين هؤلاء المكذِّبين وانصرني
عليهم. روى سعيد عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوَّيِنَا
بَلْحَقِّ﴾ فأمر النبيُّ # أن يقول: ﴿رَبِّ لَمْكُ بِذَلِّ﴾ فكان إذا لقيَ العدوَّ يقول وهو
يعلم أنه على الحقِّ وعدوّه على الباطل: ﴿رَبِّ اعْكُ بِالْمَيُّ﴾ أي: اقضٍ به(٣).
وقال أبو عبيدة: الصفةُ هاهنا أقيمت مقامَ الموصوف، والتقدير: ربِّ احكم
بحكمك الحقّ (٤).
و(ربِّ)) في موضع نصب؛ لأنه نداءٌ مضاف .
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن: ((قُلْ رَبُّ احْكُمْ بالحقِّ)) بضم الباءِ(٥)؛
قال النحاس(٦): وهذا لحنّ عند النحويين؛ لا يجوز عندهم: رجلٌ أَقْبِلْ، حتى
تقول: يا رجلُ أقبلْ، أو ما أشبهه.
وقرأ الضخَّاك وطلحةُ ويعقوب: ((قال ربِّي أَحْكَمُ بالحقِّ)) بقطع الألف مفتوحةً
(١) لم نقف عليه، والضعف فيه ظاهر.
(٢) قرأ حفص عن عاصم: ((قال)) بالألف، والباقون: ((قل)) بغير ألف. السبعة ص٤٣١ - ٤٣٢ والتيسير
ص١٥٦ .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٤٢/٤ .
(٤) ذكر هذا القول الطبري ٤٤٥/١٦ دون نسبة.
(٥) النشر ٣٢٥/٢ عن أبي جعفر، وهو من العشرة.
(٦) في إعراب القرآن ٨٤/٣ .
٣٠٥
سورة الأنبياء: الآيات ١١٠ - ١١٢
الكاف، والميمُ مضمومة(١). أي: قال محمدٌ: ربِّي أحكّمُ بالحقِّ من كلِّ حاكم.
وقرأ الجحدريُّ: ((قُلْ ربِّي أَحْكّمَ))(٢) على معنى: أَحْكَمَ الأمورَ بالحقّ.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: تصفونه من الكفر والتكذيب. وقرأ
المفضَّل والسُّلَميُّ: ((علَى ما يَصِفون)) بالياء على الخبر(٣). الباقون بالتاء على
الخطاب.
(١) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٧١/٢. والقراءة المتواترة عن يعقوب - وهو من العشرة -: ربِّ
احْكُمْ، كقراءة الجماعة.
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٣ .
(٣) رواية لابن ذكوان عن ابن عامر؛ كما في السبعة ص٤٣٢، ورواية المفضل عن عاصم، كما في النشر
٣٢٥/٢.
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَمِ
تفسير سورة الحج
وهي مكِّيةٌ، سوى ثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الآية: ١٩] إلى تمام
ثلاثٍ آيات؛ قاله ابن عباس ومجاهد(١). وعن ابن عباس أيضاً أنهنَّ أربعُ آيات، إلى
قوله: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الآية: ٢٢]. وقال الضحاك وابن عباس أيضاً: هي مدنية(٢).
وقال قتادة(٣): [مدنية] إلَّا أربعَ آيات: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ﴾
إلى: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الآيات: ٥٢-٥٥]، فھنَّ مکِیات.
وعَدَّ النّقَّاش ما نزل بالمدينة عَشْرَ آيات. وقال الجمهور: السورةُ مختلِطَة؛ منها
مكِّيٍّ ومنها مَدَنيّ. وهذا هو الأصحُّ؛ لأنَّ الآيات تقتضي ذلك(٤)؛ لأنَّ((يا أيها
الناس)) مكيّ، و((يا أيها الذين آمنوا)) مَدَنيّ(٥).
الغَزْنَويُّ: وهي من أعاجيب السُّوَر، نزلت ليلاً ونهاراً، سَفَراً وحَضَراً، مكيًّا
ومدنيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسخاً ومنسوخاً، مُحْكَماً ومتشابهاً؛ مختلف العدد.
قلت: وجاء في فضلها ما رواه الترمذيُّ وأبو داود والدارَقُطْنيُّ عن عقبة بن عامر
(١) المحرر الوجيز ١٠٥/٤، وأخرجه عن ابن عباس مطولاً النحاس في الناسخ والمنسوح ٥٠٩/٢ .
(٢) ذكر الخبرين ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٥/٤، ولم يذكر ابنَ عباس في الخبر الثاني، وقد
أخرجه عن ابن عباس ابن مردويه کما في الدر المنثور ٣٤٢/٤ .
(٣) في النسخ: قاله قتادة، والمثبت من المحرر الوجيز ١٠٥/٤، والكلام منه. وأخرجه ابن المنذر عنه
كما في الدر المنثور ٣٤٢/٤، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٥/٤ عن ابن عباس.
(٤) المحرر الوجيز ١٠٥/٤ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٤٠٩/٣ . وذكر المصنف ٥/٦ أن القول في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾: مكي حيث
وقع؛ ليس بصحيح. وينظر ٣٢٩/١.
٣٠٧
سورة الحج: الآية ١
قال: قلت: يا رسول الله، فُضِّلت سورة الحجّ بأنَّ فيها سجدتين؟ قال: ((نعم، ومَن
لم يَسْجُدْهما فلا يقرأُهما)». لفظُ الترمذيّ. وقال: هذا حديث(١) ليس إسناده بالقويّ،
واختلف أهل العلم في هذا؛ فروي عن عمر بن الخطاب - - وابنٍ عمر أنهما
قالا: فُضِّلت سورةُ الحج بأنَّ فيها سجدتين. وبه يقول ابن المبارك والشافعيُّ وأحمد
وإسحاق. ورأى بعضهم أنَّ فيها سجدةً واحدة، وهو قولُ سفيان الثَّوْري(٢). وروى
الدارَقُظْنيّ عن عبد الله بن ثعلبةً قال: رأيت عمر بن الخطاب سَجَدَ في الحج
سجدتين، قلت: في الصبح؟ قال: في الصبح (٣).
بِسْمِ اللّهِ الرَّغَيِ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَِّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴾﴾
روى الترمذِيّ(٤) عن عِمْران بنِ حُصين أنَّ النبيَّ# لمَّا نزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىُْ عَظِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
قال: أنزلت عليه هذه الآيةُ وهو في سفر، فقال: ((أتَدرون أيُّ يومٍ ذلك))؟ فقالوا: الله
ورسولُه أعلم، قال: ((ذلك يوم يقول الله لآدمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النار، قال: يا ربِّ، وما
بَعْثُ النار؟ قال: تِسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة)). فأنشأ
(١) بعدها في النسخ: حسن، والمثبت من سنن الترمذي، والتحفة ٣٢٢/٧ .
(٢) سنن الترمذي (٥٧٨)، والحديث عند أبي داود (١٤٠٢)، والدارقطني (١٥٢١)، وأخرجه أيضاً أحمد
(١٧٣٦٤).
وأخرجه دون قوله: ((فمن لم يسجدهما ... )) أبو داود في المراسيل (٧٨) من طريق خالد بن معدان عن
النبي﴾. وابنُ أبي شيبة ١١/٢ عن عمر ﴾ موقوفاً.
(٣) سنن الدارقطني (١٥٢٣)، وأخرجه بنحوه الحاكم ٢/ ٣٩٠، ووقع في (د) و(ز) و(ظ): الصحيح،
بدل: الصبح، في الموضعين، والمثبت من باقي النسخ والمصادر. والسائل لعبد الله بن ثعلبة هو سعد
ابن إبراهیم الراوي عنه.
(٤) في سننه (٣١٦٨).
٣٠٨
سورة الحج: الآية ١
المسلمون يبكون، فقال رسول الله﴾: ((قارِبُوا وسَدِّدوا، فإنه لم تكن نُبُوَّةٌ قطُ إلَّا
كان بين يديها جاهليةٌ)). قال: ((فيؤخذ العددُ من الجاهلية، فإن تَمَّت، وإلَّا كَمُلت من
المنافقين، وما مَثَلُكم والأُمَم إلَّا كَمَثل الرَّقْمة (١) في ذراع الدابة، أو كالشامَة في
جَنْب البعير)). ثم قال: ((إنِّي لَّأَرجو أن تكونوا ربعَ أهل الجنة)). فكبّروا، ثم قال:
(إنِّي لأرجو أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة)). فكبَّروا، ثم قال: ((إنِّي لأرجو أن تكونوا
نصفَ أهل الجنة)). فكبَّروا. قال: لا أدري قال: الثلثين أم لا. قال: هذا حديث
حسن صحيح، قد روي من غيرِ وجهٍ عن الحسن عن عمران بن حُصين. وفيه: فیئِس
القوم حتى ما أبْدَوْا بضاحكةٍ، فلما رأى رسول اللـه ﴾ [الذي بأصحابه] قال: «اعملوا
وأبشروا، فَوَالَّذي نفسي بيده إنَّكم لمَعَ خلِيقتين ما كانتا مع شيءٍ إلَّا كَثَرَتاه(٢):
يأجوج ومأجوج، ومَن مات من بني آدم وبني إبليس)) قال: فُسُرِّيَ عن القوم بعضُ
الذي يجدون، فقال: ((اعملوا وأبشروا، فَوَالَّذي نفسُ محمدٍ بيده، ما أنتم في الناس
إِلَّا كالشَّامَةِ في جَنْبِ البعير، أو كالرَّقْمة في ذراع الدابة)). قال: هذا حديثٌ حسن
صحیح(٣).
وفي ((صحيح)) مسلم(٤)، عن أبي سعيد الخُذْرِيّ قال: قال رسول الله﴾: ((يقول
الله تعالى: يا آدم، فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْدَيك، والخيرُ في يديك)) قال: ((يقول: أخْرِج
بَعْثَ النار، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تِسِعَ مئةٍ وتسعةً وتسعين))(٥) قال:
((فذاك حين يَشيبُ الصغيرُ، وتَضَع كلُّ ذاتٍ حَمْلٍ حَمْلَها، وترى الناس سُكارَی وما
هم بسكارى ولكنَّ عذابَ الله شديد)) قال: فاشتدَّ ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله،
(١) الرقمة: هي الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل، وهما رقمتان في ذراعيها. النهاية (رقم).
(٢) قال السندي - كما في حاشية المسند (١٩٩٠١) -: كَثَرَتاه، بالتخفيف، أي: غلبتاه بالكثرة. وقوله:
بضاحكة، هي واحدة الضواحك، وهي أربعة، وسميت ضواحك؛ لأنها تظهر عند الضحك.
(٣) سنن الترمذي (٣١٦٩) وما سلف بين حاصرتين منه، وهو بهذه الرواية عند أحمد (١٩٩٠١).
(٤) برقم (٢٢٢)، وهو عند أحمد (١١٢٨٤)، والبخاري (٣٣٤٨).
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): وتسعون.
٣٠٩
سورة الحج: الآية ١
أيُّنَا ذلك الرجل؟ فقال: ((أبشِروا، فإنَّ من يأجوج ومأجوجَ ألفاً ومنكم رجل)). وذكر
الحديث بنَحْوِ ما تقدَّم في حديث عمران بن حصين.
وذكر أبو جعفر النحاس قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن نافع، قال: حدَّثنا
سلمة، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﴾
قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى: ﴿وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت على النبي ﴿ وهو في مَسِيرٍ له، فرفع بها صوته حتى
ثابَ إليه أصحابه، فقال: «أتدرون أيُّ يوم هذا؟ هذا يومَ يقول الله عزَّ وجلَّ لآدم: يا
آدمُ، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ أهل النار: من كلِّ ألفٍ تِسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ
إلى الجنة)). فكَبُر ذلك على المسلمين، فقال النبيُّ ﴾: ((سَدِّدُوا وقارِبوا وأَبْشِروا،
فوالَّذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلَّا كالشَّامَة في جَنْبِ البعير، أو كالرَّقْمة في ذراع
الحمار، وإنَّ معكم خليفتين ما كانتا مع شيءٍ إلَّا كَثَرتاه: يأجوج ومأجوج، ومَن
هَلَكَ من كَفَرةِ الجنِّ والإنس)»(١).
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ المرادُ بهذا النداء المكلَّفون، أي: اخشَوْه
في أوامره أن تتركوها، ونَواهِيه أن تُقدِموا عليها. والاتِّقاء: الاحتراسُ من المكروه،
وقد تقدَّم في أوّل البقرة القولُ فيه مستوفّى(٢)، فلا معنى لإعادته. والمعنى: احترِسوا
بطاعته عن(٣) عقوبته.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ﴾ الزلزلةُ: شدَّة الحركة، ومنه:
﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]. وأصلُ الكلمة من زَلَّ عن الموضع، أي: زال
عنه وتحرَّك. وزلزل الله قَدَمه، أي: حرَّكها. وهذه اللفظةُ تُستعمل في تهويل الشيء.
(١) هو عند عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٣١، وأخرجه من طريقه أبو يعلى (٣١٢٢)، وابن حبان (٧٣٥٤)،
وأخرجه الطبري ٤٥٢/١٦ - ٤٥٣ من طريق معمر به.
(٢) ٢٤٨/١ وما بعدها.
(٣) في (ظ): من.
٣١٠
سورة الحج: الآيتان ١ - ٢
وقيل: هي الزلزلةُ المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل
يوم القيامة؛ هذا قول الجمهور. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر
رمضان، ومِن بعدها طلوعُ الشمس من مغربها؛ فالله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَوَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَحُ كُلُّ
ذَاتٍ حَمْلٍ خَّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ
شَدِيدٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ الهاءُ في ((تَرَوْنَهَا)) عائدةٌ عند الجمهور على الزلزلة،
ويقوِّي هذا قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ
حَمْلٍ خَملَهَا﴾. والرضاعُ والحملُ إنَّما هو في الدنيا (١).
وقالت فرقة: الزلزلةُ في يوم القيامة، واحتجُّوا بحديث عمران بن حُصين الذي
ذكرناه، وفيه: ((أتدرون أيُّ يوم ذلك ... )) الحديث. وهو الذي يقتضيه سياقُ مُسْلم في
حديث أبي سعيد الخُدْريّ.
قوله: ﴿تَذْهَلُ﴾ أي: تشتغل؛ قاله قُطْرُب، وأنشد:
ضَرْباً يُزيل الهامَ عن مَقِيلهِ ويُذهِلُ الخَليلَ عن خَليلهِ(٢)
وقيل: تنسَى. وقيل: تلهو. وقيل: تَسْلو (٣)، والمعنى متقارب.
﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال المبرِّد: (ما)) بمعنى المصدر، أي: تَذْهُل عن الإرضاع.
قال: وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الزلزلةَ في الدنيا؛ إذ ليس بعد البعث حَمْلٌ وإرضاع، إلَّا
(١) المحرر الوجيز ٤ /١٠٦.
(٢) النكت والعيون ٦/٤، والرجز نسبه ابن إسحاق لعبد الله بن رواحة، كما في سيرة ابن هشام ٣٧١/٢،
إلا أن ابن هشام نسبه لعمار بن ياسر. ونسبه لعبد الله أيضاً ابن سلام في طبقات فحول الشعراء ٢٢٤/١.
وقد اقتبس هذا الرجز الحجاج في خطبته بعد دير الجماجم، وهي في البيان والتبيين ١٣٩/٢، والعقد
الفريد ١١٦/٤. وفيهما: بضرب، بدل: ضرباً، وكذلك وقع في (خ) و(د): بضرب.
(٣) النكت والعيون ٦/٤، الأول عن اليزيدي، والثاني عن الكلبي، والثالث عن الأخفش.
٣١١
سورة الحج: الآية ٢
أن يقال: مَنْ ماتت حاملاً تُبعث حاملاً فتضع حَمْلَها للهَوْل، ومَن ماتت مُرضعةً بُعثت
کذلك.
ويقال: هذا كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
وقيل: تكون مع النفخة الأولى. وقيل: تكون مع قيام الساعة، حين(١) يتحرَّك
الناس من قبورهم في النفخة الثانية.
ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارةً عن أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى:
﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: ٢١]، وكما قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ
اهزمهم وزلزلهم»(٢).
وفائدةُ ذِكْرِ هَوْل ذلك اليوم التحريضُ على التأهُّب له والاستعدادِ بالعمل الصالح.
وتسميةُ الزلزلة بـ ((شيء)) إمَّا لأنَّها حاصلةٌ متيقَّنٌ وقوعُها، فيُسْتَسْهل لذلك أن تسمَّى
شيئاً وهي معدومة؛ إذ اليقينُ يشبِهِ الموجودات. وإمَّا على المآل، أي: هي إذا وقعت
شيءٌ عظيم. وكأنه لم يطلق الاسمَ الآن، بل المعنى: أنها إذا كانت فهي إذاً شيء
عظيم (٣)، ولذلك تَذْهَلُ المراضعُ ويَسْكَرُ الناسُ، كما قال: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾
أي: من هَوْلها ومما يُدركهم من الخوف والفزع. ﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ من الخمر.
وقال أهل المعاني: وترى الناس كأنَّهم سُكارى. يدلُّ عليه قراءةُ أبي زُرْعة هَرِم
ابن عمرو بن جرير بن عبد اللـه (٤): ((وتُرَى الناسَ)) بضمِّ التاء؛ أي: تظنُّ ويخيَّل إليك.
(١) في (د) و(م): حتى.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩١٠٧)، والبخاري (٢٩٣٣)، ومسلم (١٧٤٢) عن عبد الله ابن أبي
أوفى في دعائه # على الأحزاب.
(٣) المحرر الوجيز ١٠٥/٤ .
(٤) البجلي الكوفي، وقيل اسمه عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: جرير، وذكر ابن حبان في الثقات أبا
زرعة بن عمرو بن جرير فيمن اسمه هرم، ثم قال: ويقال: اسمه كنيته. روى عن جده وأبي هريرة
ومعاوية وغيرهم. التهذيب ٥٢٤/٤ . وقراءته في القراءات الشاذة ص ٩٤، وتفسير الطبري ١٦/ ٤٥٧،
والمحرر الوجيز ١٠٦/٤ .
٣١٢
سورة الحج: الآيات ٢-٥
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((سَكْرَى)) بغير ألف(١). الباقون: ((سُكارى))، وهما لغتان لجمع
سكران، مثلُ: گَسْلی وگُسَالی.
والزلزلة: التحريك العنيف. والذُّهول: الغَفْلَة عن الشيء بِطَرَيَان(٢) ما يشغَل عنه
من همٍّ أو وجعٍ أو غيره. قال ابن زيد: المعنى: تَتْرِكُ ولدها للكَرْبِ الذي نزل بها(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ
قَّرِيدٍ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قيل: المراد النضر بنُ
الحارث؛ قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ غيرُ قادر على إحياءِ مَن قد بَلِيَ وعاد تراباً(٤).
﴿وَتَّبِعُ﴾ أي: في قوله ذلك ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ﴾: متمرِّد ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ
نَوَلَّهُ﴾ قال قتادة ومجاهد: أي: مَن تَوَلَّى الشيطان(٥) ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُ وَيَدِيهِ إِلَى عَذَابٍ
السَّعِيرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ
ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَتِ ثُمَّ مِن ◌ُضْغَةٍ أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُفِرُّ
فِيِ آلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِيحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ
وَمِنكُمْ مَن يُوَلَّا وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ
عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَاِدَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْعَ بَهِيج (@)
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿ُسَنَّىَ﴾
(١) وكذلك: ((وما هم بسَكْرى)). السبعة ص٤٣٤، والتيسير ص١٥٦.
(٢) كذا في النسخ، والمحرر الوجيز ١٠٦/٤، والكلام منه.
(٣) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٥٧.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٢٧٤، وأخرجه الطبري ٤٥٩/١٦ عن ابن جريج. وذكره الماوردي في النكت
والعيون ٦/٤ عن ابن عباس.
(٥) أخرج قولهما الطبري ٤٥٩/١٦ - ٤٦٠، وخبر قتادة أيضاً أخرجه عبد الرزاق ٣٢/٢.
٣١٣
سورة الحج: الآية ٥
فيه اثنتا عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ﴾ هذا احتجاجٌ على العالم
بالبداءة الأولى. وقوله: ((إِنْ كُنْتُمْ فِي ريبٍ)) [شرطٌ] متضَمَّنُه التوقيف. وقرأ الحسن بن
أبي الحسن: ((البَعَث)) بفتح العين، وهي لغةٌ في ((البَعْث)) عند البصريين. وهي عند
الكوفيين تخفيفُ ((بَعَث))(١).
والمعنى: يا أيها الناس، إن كنتم في شكٍّ من الإعادة ﴿فَإِنَّا خَقْتَكُ﴾ أي:
خلقنا أباكم الذي هو أصلُ البشر، يعني آدمَ عليه السلام ﴿مِن تُّابٍ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ خلقنا
ذرِّيته ﴿مِن تُطْفَةٍ﴾: وهو المنيُّ؛ سُمِّيَ نطفةً لقلَّته، وهو القليلُ من الماء، وقد يقع
على الكثير منه، ومنه الحديث: ((حتى يسير الراكبُ بين النُّطفتين لا يخشى جَوْراً)).
أراد بحر المشرق وبحر المغرب(٢). والنَّظْف: القَطْر. نَطَف يَنْطِفُ وينطُف. وليلةٌ
نَطوفة: دائمة القَطْر(٣).
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَتٍْ﴾: وهو الدَّم الجامد. والعَلَق: الدَّم العَبِيط، أي: الطّرِيّ. وقيل:
الشديدُ الحُمْرة.
﴿ثُرَّ مِن مُضْغَةِ﴾: وهي لَحمةٌ قليلةٌ قَدْرُ ما يُمضغ، ومنه الحديث: ((أَلَّا وإنَّ في
الجسد مُضْغةً))(٤). وهذه الأطوارُ أربعةُ أشهر. قال ابن عباس: وفي العشر بعدَ الأشهرِ
(١) المحرر الوجيز ١٠٧/٤، وما سلف بين حاصرتين منه، وذكر القراءة عن الحسن أيضاً الزمخشري في
الكشاف ٥/٣. قال الزجاج في معاني القرآن ٤١١/٣: ذكر جميع الكوفيين أن كلَّ ما كان ثانيه حرفاً
من حروف الحلق، وكان مسكّناً مفتوحَ الأول، جاز فيه فتح المسكَّن، نحو: شَعْر وشَعَر، ونَهْر ونَهَر.
(٢) تهذيب اللغة ٣٦٦/١٣، وفيه: لا يخشى إلا جوراً، وهي رواية، ومعناها: لا يخاف في طريقه غير
الضلال والجورٍ عن الطريق، وعلى الرواية الأخرى - يعني بحذف ((إلا)) - يكون الجور بمعنى الظلم.
النهاية (جور) و(نطف)، وذكره أيضاً الزمخشري في الفائق ٣/ ٤٤٢، ولفظه: ((لا يزال الإسلام يزيد
وأهله، وينقص الشرك وأهله، حتى يسير الراكب ... ).
(٣) أي: تمطر حتى الصباح. تهذيب اللغة ٣٦٥/١٣ .
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﴾.
٣١٤
سورة الحج: الآية ٥
الأربعة يُنْفخ فيه الروح (١). فذلك عِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها، أربعةُ أشهر وعشر.
الثانية: روى يحيى بن زكريًّا بن أبي زائدة: حدَّثنا داودُ، عن عامر، عن علقمةً،
عن ابن مسعود - وعن ابن عمر - أنَّ النطفة إذا استقرَّت في الرَّحم؛ أخذها مَلَكٌ بكفّه
فقال: يا ربِّ، ذكرٌ أم أنثى، شقيٍّ أم سعيد، ما الأجلُ والأَثَر، بأيِّ أرضٍ تموت؟
فيقال له: انطلِقْ إلى أمِّ الكتاب، فإنَّك تجدُ فيها قصةَ هذه النطفة، فينطلقُ فيجدُ قصَّتها
في أمِّ الكتاب، فتُخلَقُ، فتأكل رزقَها وتطأُ أثرها، فإذا جاء أجلها؛ قُبضت فدُفنت في
المكان الذي قُدِّر لها، ثم قرأ عامر: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا
خَفْشَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ (٢).
وفي الصحيح عن أنس بن مالك(٣) - ورفع الحديث - قال: ((إنَّ الله قد وَگّل
بالرَّحِمِ مَلَكاً، فيقول: أيْ ربِّ نطفةٌ. أيْ رَبِّ عَلَقة. أيْ رَبِّ مُضْغَة. فإذا أراد الله أن
يقضيَ خَلْقاً قال، قال المَلَك: أَيْ رَبِّ! ذَكَرٌ أو أنثى؟ شقيٍّ أو سعيد؟ فما الرزقُ؟ فما
الأجل؟ فیکتب كذلك في بطن أمِّه».
وفي الصحيح أيضاً عن حُذيفة بن أَسِيد الغِفاريِّ(٤) قال: سمعتُ رسول الله ﴾
يقول: ((إذا مَرَّ بالنطفة ثِنْتانٍ وأربعون ليلةً بعث الله إليها مَلَكاً، فصوَّرها، وخَلَق
سمعها وبصرها، وجِلْدَها ولحمها وعظامها، ثم يقول: أيْ ربِّ أَذَكَر أم أنثى ... )).
وذكر الحديث.
(١) قطعة من خبر ابن عباس، أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٦٠)، وفي إسناده محمد بن حميد
الرازي وهو ضعيف، كما ذكر الحافظ في التقريب. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ١/ ١٦٢ :
في إسناده نظر.
(٢) الكلام في المفهم ٦/ ٦٥١، وأحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٦٠، وأخرج الحديث عن ابن مسعود
بهذا الإسناد الواحدي في الوسيط ٢٥٩/٣، وأخرجه الطبري ٤٦١/١٦، وابن أبي حاتم كما في
تفسير ابن كثير عند هذه الآية من طريق داود بن أبي هند به. وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول
ص٧١ . وعلقمة هو ابن قيس، وعامر هو الشعبي. أما خبر ابن عمر فأخرجه البزار (٢١٤٩ - كشف)،
وأبو يعلى (٥٧٧٥) مرفوعاً إلى النبي # بنحو خبر ابن مسعود.
(٣) صحيح البخاري (٣١٨)، وصحيح مسلم (٢٦٤٦) واللفظ له، وهو عند أحمد (١٢١٥٧).
(٤) صحيح مسلم (٢٦٤٥)، وهو عند أحمد (١٦١٤٢).
٣١٥
سورة الحج: الآية ٥
وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود(١) قال: حدَّثنا رسول اللـه # وهو الصادق
المصدوق: ((إنَّ أحدكم يُجمعُ خَلْقُه في بطن أمِّه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك عَلَقةً
مثلَ ذلك، ثم يكون [في ذلك] مُضغةً مثلَ ذلك، ثم يُرسَل المَلَك فينفخُ فيه الروحَ،
ويُؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٍّ أو سعيد ... )) الحديث.
فهذا الحديثُ مفسِّرٌ للأحاديث الأُوَل؛ فإنَّ فيه: ((يُجمع خَلْقُ أحدِكم في بطن أمِّه
أربعين يوماً نطفةً، ثم أربعين يوماً علقةً، ثم أربعين يوماً مضغةً، ثم يُبعث الملك،
فينفخ فيه الروح)) فهذه أربعةُ أشهرٍ، وفي العشر يَنْفُخُ الملك الروح، وهذه عِدَّة
المتوفَّى [عنها زوجها] كما قال ابن عباس (٢).
وقولُه: ((إنَّ أحدَكم يُجمع خلقه في بطن أمِّه)) قد فسَّره ابن مسعود؛ سئل
الأعمش: ما يُجمع في بطن أمِّه؟ فقال: حدَّثنا خَيْئمة، قال: قال عبد الله: إذا وقعت
النطفةُ في الرَّحِم فأراد الله أن يخلق منها بشراً، طارت في بشرة المرأة تحت كلّ ظفرٍ
وشعرٍ، ثم تمكث أربعين يوماً، ثم تصير دماً في الرَّحِم، فذلك جَمْعُها، وهذا وقتُ
كونها علقةٌ(٣).
الثالثة: نسبةُ الخَلْقِ والتَّصوير للمَلَك نسبةٌ مَجازيَّةٌ لا حقيقية، وإنَّما صَدَر عنه
فِعْل ما في المضغة - كأنَّ عنه (٤) التصوير والتشكيل - بقدرة الله وخَلْقِه واختراعه؛ أَلَا
تراه سبحانه قد أضاف إليه الخَلقةَ الحقيقية، وقَطَع عنها نسبَ جميع الخليقة فقال:
﴿وَلَقَدْ خَلَقَْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتٍْ مِنْ
(١) صحيح البخاري (٣٢٠٨)، وصحيح مسلم (٢٦٤٣)، واللفظ له وما سيأتي بين حاصرتين منه، وهو عند
أحمد (٣٦٢٤).
(٢) سلف في المسألة الأولى.
(٣) أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٦٨٢/١، وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير عند تفسير الآية (١٤)
من سورة المؤمنون، وذكره القاضي عياض في إكمال المعلم ١٢٦/٨ ، وأبو العباس في المفهم
٦ /٦٥٠.
(٤) في (ظ) و(م): كان عند، والمثبت من باقي النسخ والمفهم ٦ / ٦٥٦، والكلام منه.
٣١٦
سورة الحج: الآية ٥
طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِى قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]. وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ
رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَقَكُمْ
فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. ثم قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾
[غافر: ٦٤]. وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ
عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]. إلى غير ذلك من الآيات، [هذا] مع ما دلَّت عليه قاطعاتُ البراهين
أنْ لا خالقَ لشيءٍ من المخلوقات إلا ربُّ العالمين(١).
وهكذا القولُ في قوله: ((ثم يُرسَل الملك فينفخُ فيه الروحَ)) أي أنَّ النفخ سببُ
خَلْقِ الله فيها الروحَ والحياة. وكذلك القولُ في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث
الله تعالى لا بغيره. فتأمَّلْ هذا الأصلَ وتمسَّكْ به، فبِهِ النجاةُ من مذاهب أهل الضلال
[من أهل] الطبائع وغيرهم (٢).
الرابعة: لم يختلف العلماء أنَّ نفخ الروح فيه يكون بعد مئة وعشرين يوماً، وذلك
تمامُ أربعة أشهرٍ ودخوله في الخامس؛ كما بينَّاه بالأحاديث. وعليه يعوَّل فيما يُحتاج
إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حَمْلٍ
المطلَّقات؛ وذلك لتيقُّنِه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمةُ في عِدَّة
المرأة من الوفاة بأربعة أشهرٍ وعَشْرٍ، وهذا الدخول في الخامس يحقّق براءةَ الرَّحِم
ببلوغ هذه المدَّة إذا لم يَظْهَرْ حَمْل(٣).
الخامسة: النطفةُ ليست بشيء يقيناً، ولا يتعلَّق بها حكم إذا ألقتها المرأة؛ إذ
لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صُلْبِ الرجل، فإذا طَرَحَتْه علقةً تحقَّقنا
أنَّ النطفة قد استقرَّت واجتمعت واستحالت إلى أوّل أحوال ما يُتحقَّق به أنه ولد.
وعلى هذا فيكون وضعُ العلقة فما فوقَها من المضغة وَضْعَ حملٍ تَبْرَأ به الرَّحم،
(١) المفهم ٦٥٦/٦، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) المفهم ٦/ ٦٥١، وما بين حاصرتين منه.
(٣) إكمال المعلم ١٢٣/٨ - ١٢٤، والمفهم ٦/ ٦٥١.
٣١٧
سورة الحج: الآية ٥
وتنقضي به العِدَّة، ويَثْبُت به لها حكمُ أمِّ الولد. وهذا مذهبُ مالك ﴾ وأصحابِهِ. وقال
الشافعيُّ﴾: لا اعتبارَ بإسقاط العَلَقة، وإنما الاعتبارُ بظهور الصورة والتخطيط، فإن
خَفِيَ التخطيطُ وكان لحماً، فقولان بالنقل والتخريج (١)، والمنصوصُ أنه تنقضي به
العدَّة، ولا تكونُ أمَّ ولد. قالوا: لأنَّ العدَّة تنقضي بالدَّم الجاري، فبغيرِه أَوْلی.
السادسة: قوله تعالى: ﴿اُلَفَقْ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال الفرَّاءِ(٢): ((مخلَّقة)): تامَّةُ
الخَلْقِ، ((وغيرِ مخلَّقة)): السَّقْط. وقال ابن الأعرابيّ: ((مخلَّقة)»: قد بدا خَلْقُها، ((وغير
مخلَّقة)»: لم تصوَّر بعد(٣).
ابن زيد: المخلَّقة التي خَلَقَ الله فيها الرأسَ واليدين والرجلين، وغير مخلَّقة:
التي لم يُخلق فيها شيء. قال ابن العربيّ(٤): إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإنَّ النطفة
والعلقة والمضغة مخلَّقةٌ؛ لأنَّ الكلَّ خَلْقُ الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي
هو منتهى الخلقةِ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ﴾ [المؤمنون: ١٤] فذلك ما
قال ابن زید.
قلت: التخليقُ من الخَلْقِ، وفيه معنى الكَثْرة، فما تتابع عليه الأطوارُ فقد خُلق
خلقاً بعد خَلْقٍ، وإذا كان نطفةً فهو مخلوق؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا
ءآخر﴾ والله أعلم.
وقد قيل: إنَّ قوله: ((مخلَّقةٍ وغيرِ مخلَّقةٍ)) يرجع إلى الولد بعينه(٥) لا إلى السَّقْط،
(١) المفهم ٦/ ٦٥٢ . والتخريج: هو نقلُ حكمٍ مسألة إلى ما يشبهها، والتسويةُ بينهما فيه. الإنصاف
للمرداوي ٩/١ . وقال ابن بدران في المدخل ص٦٠ : اعلم أن بين التخريج والنقل فرقاً من حيث إن
الأول أعم من الثاني؛ لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام أو الشرع أو العقل؛ لأن حاصل
معناه بناء فرعٍ على أصلٍ بجامعٍ مشترك ... وأمَّا النقل فهو أن ينقل النصَّ عن الإمام، ثم يخرِّج عليه
فروعاً، فيجعلَ كلام الإمام أصلاً وما يخرجه فرعاً، وذلك الأصل مختصٌّ بنصوص الإمام.
(٢) في معاني القرآن ٢١٥/٢ .
(٣) ياقوتة الصراط لغلام ثعلب ص٣٦٧ - ٣٦٨.
(٤) في أحكام القرآن ١٢٦١/٣، وما قبله منه.
(٥) في (ع) و(ظ): نفسه.
٣١٨
سورة الحج: الآية ٥
أي: منهم مَن يُتُمُّ الربُّ سبحانه مضغته، فيخلق له الأعضاء أَجْمعَ، ومنهم مَن يكون
خَدِيجاً ناقصاً غير تام(١).
وقيل: المخلَّقةُ أنْ تلدَ المرأة لتمام الوقت. ابن عباس: المخلَّقةُ ما كان حيًّا،
وغيرُ المخلقة السَّقْط(٢)؛ قال:
أفي غير المخلَّقة البكاءُ فأين الحزمُ ويحك والحياءُ(٣)
السابعة: أجمع العلماء على أنَّ الأَمَة تكون أمَّ ولدٍ بما تُسْقِطُه من ولدٍ تامِّ الخَلْق.
وعند مالكِ والأوزاعيِّ وغيرِهما: بالمضغة، كانت مخلَّقةً أو غيرَ مخلقة. قال مالك:
إذا عُلم أنها مضغةُ [الولد] (٤). وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة: إن كان قد تبيَّن له شيءٌ من
خَلْقِ بني آدم؛ أصبعٌ أو عينٌ أو غيرُ ذلك؛ فهي أمُّ ولد(٥).
وأجمعوا على أنَّ المولود إذا استهلَّ صارخاً يُصلَّى عليه (٦)؛ فإن لم يَستَهِلَّ
صارخاً لم يُصَلَّ عليه عند مالكٍ وأبي حنيفة والشافعيِّ وغيرهم. وروي عن ابن عمر:
أنه يصلَّى عليه، وقاله ابن المسيِّب وابنُ سِيرين وغيرهما(٧).
وروي عن المغيرة بن شعبة أنه كان يأمر بالصلاة على السَّقْط، ويقول: سمُّوهم
واغسلوهم وكفّنوهم وحنِّطوهم؛ فإنَّ الله أكرمَ بالإسلام كبيرَكم وصغيركم، ويتلو
هذه الآية: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ إلى: ﴿وَغَيْرٍ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ قال ابن العربيّ(٨):
(١) في (م): تمام.
(٢) ذكره بنحوه الواحدي في الوسيط ٢٥٩/٣ .
(٣) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤/ ٧.
(٤) المحرر الوجيز ١٠٨/٤، وما بين حاصرتين منه.
(٥) الإشراف لابن المنذر ٣٠٩/٤ ، ووقع في (خ) و(م): فهي له أم ولد.
(٦) الإجماع لابن المنذر ص٣٠.
(٧) الاستذكار ٢٥٩/٨ - ٢٦٠، وقول ابن عمر وابن سيرين وابن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة
٣١٧/٣ - ٣١٨.
(٨) في أحكام القرآن ١٢٦١/٣، وما قبله منه. وخبر المغيرة أخرجه عبد الرزاق (٦٦٠٢) وأبو داود =
٣١٩
سورة الحج: الآية ٥
لعلَّ المغيرة بن شعبة أراد بالسَّقْطِ ما تبيَّن خَلْقُه، فهو الذي يسمَّى، وما لم يَتَبَيَّن خَلْقُه
فلا وجودَ له.
وقال بعض السَّلَف: یصلَّی علیه متی نُفخ فیہ الروحُ وتمتْ له أربعةُ أشهر. وروى
أبو داود(١) عن أبي هريرة﴾، عن النبيِّ﴾ قال: ((إذا استهَلَّ المولود وَرِث)).
الاستهلال: رفعُ الصوت، فكلُّ مولودٍ كان ذلك منه، أو حركةُ أو عطاسٌ أو تنفُّسٌ،
فإنه يورَّث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب سفيان الثوريُّ والأوزاعيُّ
والشافعيُّ. قال الخطابيُّ(٢): وأحسبُه قولَ أصحاب الرأي. وقال مالك: لا ميراثَ له
وإن تحرَّك أو عَطَس ما لم يستهِلَّ. وروي عن محمد بن سيرين والشَّغْبيِّ والزهريِّ
وقتادة.
الثامنة: قال مالك : ما طرحته المرأة - من مضغةٍ أو علقةٍ أو ما يُعلم أنه ولدٌ ـ
إذا ضُرب بطنُها ففيه الغُرّة. وقال الشافعيُّ: لا شيء فيه حتى يتبيَّن من خَلْقِه شيءٌ. قال
مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهِلَّ صارخاً ففيه الغُرَّة، وسواءٌ تحرَّك أو عطس؛ فيه
الغُرَّةُ أبداً، حتى يستهِلَّ، فإذا استهلَّ(٣) صارخاً ففيه الديةُ كاملةً. وقال الشافعيُّ ﴾
وسائرُ فقهاءِ الأمصار: إذا عُلمت حياتُه بحركةٍ أو بعطاسٍ أو باستهلال، أو بغير ذلك
مما تُسْتَيقَنُ به حياتُه، ففيه الديةُ [كاملةً](٤).
التاسعة: ذكر القاضي إسماعيلُ أنَّ عِدَّة المرأة تنقضي بالسَّقْطِ الموضوع، واحتجَّ
عليه بأنه حَمْلٌ، وقال: قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ آلْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
= (٣١٨٠) مختصراً بلفظ: السقط يصلَّى عليه، ويدعى لأبويه بالعافية والرحمة. وأخرجه مرفوعاً بنحوه
أحمد (١٨١٦٢)، والترمذي (١٠٣١) وصححه. قال الحافظ في التلخيص الحبير ١١٤/٢: ورجح
الدارقطني في العمل الموقوفَ. وينظر علل الدار قطني ٧/ ١٣٤.
(١) في سننه (٢٩٢٠).
(٢) في معالم السنن ١٠٥/٤، وما قبله منه.
(٣) قوله: فإذا استهل من (ظ).
(٤) التمهيد ٦/ ٤٨٣، وما بين حاصرتين منه، وسلف الكلام في هذه المسألة ٢١/٧ - ٢٣ .
٣٢٠
سورة الحج: الآية ٥
[الطلاق: ٤]. قال القاضي إسماعيل: والدليلُ على ذلك أنه يرث أباه، فدلَّ على وجوده
خَلْقاً وكونه ولداً وحملاً. قال ابن العربي(١): [وكذلك قال: لا تكون به أمَّ ولد]، ولا
يرتبط به شيءٌ من هذه الأحكام إلَّا أن يكون مخلَّقاً.
قلت: ما ذكرناه من الاشتقاق، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ أحدكم يُجمعُ
خَلْقُه في بطنِ أمِّه))، يدلُّ على صحة ما قلناه، وبأنَّ (٢) مُسْقطةَ العلقةِ والمضغة يَصْدُقُ
على المرأة إذا ألقته أنها(٣) كانت حاملاً وضعتْ ما استقرَّ في رَحِمها، فيشملُها قوله
تعالى: ﴿وَأُوَتُ الْأَعْمَالِ أَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولأنَّها وضعت مَبْدأَ الولد عن نطفةٍ
متجسِّداً کالمخطط، وهذا بیِّن.
العاشرة: روى ابن ماجه: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا خالد بن مَخْلَد،
حدَّثنا يزيد بن عبد الملك النَّوفليُّ، عن يزيد بن رُومان، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﴾: (لَسَقْطٌ أقدِّمه بين يديَّ أَحَبُّ إليَّ من فارسٍ أُخلِّفه خلفي)) (٤). وأخرجه
الحاكم في معرفة علوم الحديث له، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي
هريرة فقال: ((أحبُّ إلي من ألفٍ فارسٍ أخلِّفه ورائي))(٥).
(١) في أحكام القرآن ١٢٦١/٣ - ١٢٦٢، وما قبله وما سيرد بين حاصريتن منه.
(٢) في (م): ولأن.
(٣) في (ظ): إذا ألقتها يصدق عليها أنها، بدل: يصدق على المرأة إذا ألقته أنها، والمثبت من باقي النسخ
والمفهم ٦/ ٦٥٢ - ٦٥٣، والكلام منه.
(٤) سنن ابن ماجه (١٦٠٧) وفيه: أخلّفُه خلفي. وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١٠٣/٣، والعقيلي في
الضعفاء ٤/ ٣٨٥، وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٧١٥ - ١٧١٦، وابن الجوزي في العلل ٩٠٦/٢ من
طريق يزيد من عبد الملك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به. قال ابن الجوزي:
هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﴿، والحَمْل فيه على يزيد النوفلي؛ قال أحمد: عنده مناكير، وقال
النسائي: متروك الحديث، وقال العقيلي: لا يتابع على هذا الحديث إلا من جهة لا تصح.
(٥) معرفة علوم الحديث ص١٨٦ من طريق خالد بن يزيد العمري، عن أبي مودود عبد العزيز بن أبي
سليمان، عن سهيل بن أبي صالح به. قال البخاري في التاريخ الكبير ١٨٤/٣: خالد بن يزيد العمري
مكي ذاهب الحديث. وقال ابن حبان في المجروحين ٢٨٥/١: لا يُشتغل بذكره لأنه يروي
الموضوعات عن الأثبات.