النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الأنبياء: الآيات ٨٩ - ٩١
يدعو بظهر كفَّيْهِ وباطِنِهما(١).
و((رَغَباً وَرَهَباً)) منصوبان على المصدر، أي: يرغبون رَغَباً ويرهبون رَهَباً. أو على
المفعول من أجله، أي: للرَّغَبِ والرَّهَب. أو على الحال.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: ((وَيَدْعُونَا)) بنون واحدة(٢).
وقرأ الأعمش بضم الراء وإسكان الغين والهاء(٣)، مثل: السُّقْم والبُخْل، والعُدْم
والضُّر لغتان.
وابن وثاب والأعمش أيضاً: ((رَغْباً وَرَهْباً)) بالفتح في الراء والتخفيفِ في الغين
والهاء، وهما لغتان مثل: نَهَر ونَهْر وصَخَر وصَخْر. ورويت هذه القراءة عن أبي
عمرو(٤). ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ أي: متواضعين خاضعين.
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا
﴾
٩١
وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ لِّلْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَّتِىَ أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا﴾ أي: واذكر مريمَ التي أحصنت فرجها.
وإنَّما ذَكَرها - وليست من الأنبياء - لتتميم(٥) ذِكْرٍ عيسى عليه السلام؛ ولهذا قال:
﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ ولم يقل آيتين؛ لأنَّ معنى الكلام: وجعلنا شأنهما
وأمرهما وقصتَهما آيَةً للعالمين.
وقال الزجَّاج(٦): إنَّ الآية فيهما واحدة؛ لأنها ولدته من غير فحل. وعلى مذهب
(١) أخرجه أبو داود (١٤٨٧)، وابن عدي في الكامل ١٦٩٠/٥ . قال المنذري في مختصر سنن أبي داود
١٤٤/٢: في إسناده عمر بن نبهان، ولا يحتج بحديثه.
(٢) ذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ٣٨٥ عن ابن مسعود وابن محيصن، وذكرها أبو حيان في البحر
٣٣٦/٦ دون نسبة، وذكر عن طلحة أنه قرأ بنون مشددة؛ أدغم نون الرفع في ((نا)) ضمير النصب.
(٣) تفسير الطبري ٣٩٠/١٦ .
(٤) القراءات الشاذة ص٩٢ ، والقراءة المتواترة عن أبي عمرو كقراءة الجماعة.
(٥) في (د): ليتمم، وفي (م): ليتم.
(٦) في معاني القرآن ٤٠٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٧٨/٣ .

٢٨٢
سورة الأنبياء: الآية ٩١
سيبويه التقديرُ: وجعلناها آيةً للعالمين وجعلنا ابنها آيةً للعالمين، ثم حذف. وعلى
مذهب محمد بن يزيد: وجعلناها آية للعالمين وابنَها، مثل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوُ﴾ [التوبة: ٦٢](١).
وقيل: إنَّ من آياتها أنها أولُ امرأة قُبلت في النذر في التعبُّد(٢). ومنها: أنَّ
الله عزَّ وجلَّ غَذَاها برزقٍ مِن عندِه لم يُجْرِهِ على يد عبدٍ من عبيده. وقيل: إنها لم تَلْقَم
ثدياً قط (٣).
((وَأَحْصَنَتْ)) معناه: عَفَّتْ فامتنعت من الفاحشة. وقيل: إنَّ المراد بالفرج فرجُ
القميص، أي: لم تعلُّق بثوبها ريبةً، أي: إنَّها طاهرةُ الأثواب. وفُروجُ القميص
أربعةٌ: الكمَّان والأعلى والأسفل. قال السُّهَيليُّ(٤): فلا يذهبنَّ وهمُك إلى غير هذا،
فإنه من لطيف الكناية؛ لأنَّ القرآن أَنْزه معنًى، وأوْزَنُ(٥) لفظاً، وألطفُ إشارةً،
وأحسنُ عبارةً من أن يريد ما يذهب إليه وهمُ الجاهل، لا سيّما والنفخُ من روح
القُدُس بأمر القدُّوس، فأضف القُدُسَ إلى القدُّوس، ونزِه المقدَّسَةَ المطهّرة عن الظنِّ
الكاذب والحدس.
﴿فَنَفَحْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ يعني أَمَرْنا جبريل حتى نفخ في دِرْعها، فأَحْدَثْنا
بذلك النفخِ المسيحَ في بطنها. وقد مضى هذا في ((النساء))(٦) و((مريم))(٧) فلا معنى
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٨/٣، ووقع في النسخ: الفراء، بدل: محمد بن يزيد، والمثبت من إعراب
القرآن، وقد سلف هذا المذهب عن محمد بن يزيد، وكذلك مذهب سيبويه ٢٨٤/١٠ - ٢٨٥ . أما
قول الفراء الذي في معاني القرآن له ٢/ ٢١٠ فهو: ولم يقل آيتين لأن شأنهما واحد، ولو قيل آيتين
لكان صواباً؛ لأنها ولدت وهي بكر، وتكلم عيسى في المهد.
(٢) في (خ) و(د) و(م): المتعبد.
(٣) ذكر هذا القول الرازي في التفسير ٢١٨/٢٢ عن الحسن، وفيه: تلتقم، بدل: تلقم.
(٤) في التعريف والإعلام ص١١٥، وما قبله منه.
(٥) في (خ) و(ظ): وأرزن.
(٦) ٢٣٢/٧.
(٧) ٤٢٩/١٣ .

٢٨٣
سورة الأنبياء: الآيتان ٩١ - ٩٢
للإعادة. ﴿ءَايَةٌ﴾ أي: علامةً وأعجوبةً للخَلْقِ، وعَلَماً لنبؤَّة عيسى، ودلالةً على نفوذ
قدرتنا فيما نشاء.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ، أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَحِدَةً﴾ لمَّا ذكر الأنبياء قال: هؤلاء كلّهم
مجتمعون على التوحيد، فالأمةُ هنا بمعنى الدِّين الذي هو الإسلام؛ قاله ابن عباس
ومجاهد وغيرهما (١). فأمَّا المشركون فقد خالفوا الكلّ. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ﴾ أي: إلهكم
وحدي ﴿فَأَعْبُدُونٍ﴾(٢) أي: أَفْرِدوني بالعبادة.
وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق: ((إنَّ هذه أمَّتُكم أُمَّةٌ واحدةٌ))، ورواها
حسين عن أبي عمرو (٣).
الباقون: ﴿أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ بالنصب على القطع؛ لمجيء (٤) النكرة بعد تمام الكلام؛
قاله الفراء(٥). الزجَّاج: انتصب ((أُمَّةً)) على الحال، أي: في حال اجتماعها على
الحقّ، أي: هذه أمتكم ما دامت أمةً واحدةً واجتمعتم على التوحيد، فإذا تفرَّقتم
وخالفتم فليس مَن خالَفَ الحقَّ من جملة أهل الدِّين الحقّ(٦)، وهو كما تقول: فلانٌ
صديقي عفيفاً، أي: ما دام عفيفاً، فإذا خالف العقَّة لم يكن صديقي.
وأمَّا الرفعُ فيجوز أن يكون على البدل من ((أمتكم)). أو على إضمارٍ مبتدأ، أي:
إنَّ هذه أمتكُم، هذه أمةٌ واحدة. أو يكون خبراً بعد خبر (٧). ولو نصبت ((أمتكم)) على
(١) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد الطبري ٣٩٢/١٦ .
(٢) في (م): فاعبدوني، وهي قراءة يعقوب بالياء وصلاً ووقفاً.
(٣) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٥/٢، وحسين هو الجعفي، كما في البحر ٣٣٧/٦، والقراءة
المتواترة عن أبي عمرو كقراءة الجماعة.
(٤) في (م): بمجيء.
(٥) في معاني القرآن له ٢/ ٢١٠ . ويعني بالقطع أنه قُطع عن نعت ما قبله وصار حالاً.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٤٠٤ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٣، دون قوله: أي: إن هذه أمتكم هذه أمة واحدة.

٢٨٤
سورة الأنبياء: الآيات ٩٢ - ٩٤
البدل من ((هذه)) لجاز، وتكون ((أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ)) خبر ((إن))(١).
فَمَن يَعْمَلْ
قوله تعالى: ﴿ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ◌َ
مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرَّقوا في الدِّين؛ قاله الكلبيّ.
الأخفش: اختلفوا فيه (٢). والمرادُ المشركون، ذمَّهم لمخالفة الحقِّ، واتِّخاذهم آلهةً
من دون الله.
قال الأزهريُّ: أي: تفرَّقوا في أمرهم، فنصب ((أَمْرَهُمْ)) بحذف ((في)).
فالمتقطّع(٣) على هذا لازمٌ، وعلى الأوّل متعَدّ (٤). والمرادُ جميعُ الخلق، أي: جعلوا
أمرهم في أديانهم قِطَعاً وتقسَّموه بينهم، فمِن موحِّدٍ، ومن يهوديٍّ، ومن نصرانيٍّ،
ومن عابدِ ملكِ أو صنم. ﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ أي: إلى حكمنا فنجازيهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ((مِن)) للتَّبعيض لا للجنس؛ إذ
لا قدرةَ للمكلَّف أن يأتيَ بجميع الطاعات فَرْضِها ونَفْلِها، فالمعنى: مَن يعمل شيئاً من
الطاعات فرضاً أو نفلاً وهو موحّدٌ مسلم. قال ابن عباس: مصدِّقاً(٥) بمحمدٍ ﴾(٦).
﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي: لا جحودَ لعمله، أي: لا يضيع جزاؤه ولا يغّى.
والكفر ضدُّ(٧) الإيمان. والكفرُ أيضاً: جحودُ النعمة، وهو ضدُّ الشكر. وقد كَفَره
(١) المحتسب ٢ /٦٥ .
(٢) ذكر القولين الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٧٠ .
(٣) في (ظ): فالتقطع.
(٤) عبارة الأزهري في تهذيب اللغة ١٨٨/١: هو كقولك: قطعوا أمرهم. قال أبو البقاء في الإملاء ٤/ ١٤ :
تقطّعوا أمرهم، أي: تقطّعوا في أمرهم، أي: تفرَّقوا، وقيل: عدِّي تقطّعوا بنفسه؛ لأنه بمعنى: قطَّعوا،
أي: فرقوا.
(٥) في (ظ): مصدق.
(٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٢٥١/٣ دون نسبة.
(٧) في (م): ضده.

٢٨٥
سورة الأنبياء: الآيات ٩٣ - ٩٧
كفوراً وكُفْراناً. وفي حرف ابن مسعود: ((فلا كُفْرَ لِسَعْيه))(١).
﴿وَإِنَّا لَهُ كَئِبُونَ﴾ لعمله حافظون، نظيره: ﴿أَنِّ لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَلِلٍ مِّنْكُم مِّنِ ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَىُ﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي: كلُّ ذلك محفوظٌ لنجازيَ به.
قوله تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
حَقََّ إِذَا
٩٥
فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ
اَلْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَبْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ غَفْلَةٍ مِنْ
هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ (٣)
قوله تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَجِعُونَ﴾ قراءةُ زيد بن ثابت
وأهل المدينة: ﴿وَحَرَمُ﴾ وهي اختيارُ أبي عبيدٍ وأبي حاتم. وأهل الكوفة
﴿وَحِرْمٌ﴾(٢) ورويت عن عليٍّ وابن مسعود وابن عباس ﴾. وهما لغتان مثلُ: حِلّ
وخلال.
وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير(٣): ((وحَرِمَ)) بفتح الحاء والميم وكسر
الراء. وعن ابن عباس أيضاً وعكرمةَ وأبي العالية: ((وحَرُمٌ)) بضم الراء وفتح الحاء
والميم. وعن ابن عباس أيضاً: ((وحَرَمَ))، وعنه أيضاً: ((وحَرَّمَ))، و(حُرِّمَ)). وعن عكرمةً
أيضاً: ((وحَرِمٌ)). وعن قتادةَ ومطر الوراق: ((وحَرْمٌ))؛ تسعُ قراءات. وقرأ السُّلَميُّ:
((على قريةٍ أَهلكتُها))(٤).
واختلف في ((لا)) في قوله: ((لَا يَرْجِعُونَ))، فقيل: هي صلة؛ رويَ ذلك عن ابن
(١) إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٣ .
(٢) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: ((وحِرْم)) بكسر الحاء وإسكان الراء، والباقون: ((وحرام)) بفتحهما وألف
بعد الراء. السبعة ص٤٣١، والتيسير ص١٥٥. وذكر قراءة زيد * النحاس في إعراب القرآن ٧٩/٣.
(٣) كذا في النسخ، والذي في المحتسب ٢/ ٦٥، والبحر ٣٣٨/٦: وسعيد بن المسيب.
(٤) ذكرت هذه القراءات في إعراب القرآن للنحاس ٧٩/٣، والقراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٥/٢،
والمحرر الوجيز ٩٩/٤، والبحر ٣٣٨/٦.

٢٨٦
سورة الأنبياء: الآيات ٩٥ - ٩٧
عباس، واختاره أبو عبيد، أي: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك.
وقيل: ليست بصلة، وإنَّما هي ثابتةٌ، ويكون الحرام بمعنى الواجب، أي: وَجَب
على قرية (١)، كما قالت الخنساء:
وإنَّ حَرَاماً لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِياً على شَجْوهٍ إلَّ بكيتُ على صَخْرٍ (٢)
تريد أخاها. فـ((لا)) ثابتةٌ على هذا القول.
قال النحاس(٣): والآيةُ مُشْكِلةٌ، ومن أحسن ما قيل فيها وأَجَلُّه ما رواه ابن عيينةً
وابن عُلَيَّةَ وهُشيم وابن إدريس ومحمد بن فُضيل وسليمان بن حيَّان ومعلّى، عن داود
ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ
أَهْلَكْتَهَا﴾ قال: وَجَب أنهم لا يرجعون، قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر (٤):
واشتقاقُ هذا بيِّنٌ في اللغة، وشَرْحُه: أنَّ معنى حُرِّم الشيء: حُظِرٍ ومُنع منه، كما أنَّ
معنى أُحِلَّ: أُبيح ولم يمنع منه، فإذا كان ((حَرامٌ)) و((حِرٌْ)) بمعنى واجب، فمعناه أنه
قد ضيّق الخروج منه ومنع، فقد دخل في باب المحظور بهذا. فأمَّا قولُ أبي عبيد: إنَّ
((لا)) زائدة، فقد ردَّه عليه جماعة؛ لأنها لا تُزاد في مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع
فيه إشكال، ولو كانت زائدةً لكان التأويل بعيداً أيضاً؛ لأنه إن أراد: وحرامٌ على قرية
أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا، فهذا ما لا فائدةَ فيه، وإن أراد التوبة فالتوبةُ لا تُحرِّم.
وقيل: في الكلام إضمارٌ، أي: وحرامٌ على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالخَتْم
(١) ذكر هذين القولين دون نسبة الطبري ٣٩٧/١٦، وذكر قول أبي عبيد النحاسُ في إعراب القرآن ٨٠/٣،
وسيأتي، ولم نقف عليه عن ابن عباس، والذي يذكر عنه القول بأن ((لا)) ثابتة وليست بصلة كما سيرد،
وكما ذكر صاحب اللسان (حرم).
(٢) ذكره عن الخنساء أبو حيان في البحر ٣٣٩/٦، والسمين في الدر المصون ١٩٩/٨. ونسبه صاحب
اللسان (حرم) لعبد الرحمن بن جمانة المحاربي برواية: على عمرو، بدل: على صخر، وقد سلف بهذه
الرواية ١٧٦/٧ .
(٣) في إعراب القرآن ٧٩/٣ .
(٤) هو النحاس.

٢٨٧
سورة الأنبياء: الآيات ٩٥ - ٩٧
على قلوبها، أن يُتقبَّل منهم عملٌ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون؛ قاله الزَّجَّاج
وأبو علي: و((لا)) غير زائدة(١). وهذا هو معنى قول ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا فُتِحَثْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوعُ﴾ تقدَّم القول فيهم(٢). وفي الكلام
حذف، أي: حتى إذا فُتح سدُّ يأجوج ومأجوجَ، مثل: ﴿وَسْئَلِ اٌلْفَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
﴿وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ قال ابن عباس: من كلِّ شَرَفٍ يُقْبِلون(٣)، أي:
لكثرتهم يَنْسِلون من كلِّ ناحية. والحَدَب: ما ارتفع من الأرض، والجمع:
الحِداب (٤)؛ مأخوذ من حدبة الظّهْر؛ قال عَنْتَرة:
تَواتَرهم إليَّ من الحِدَاب (٥)
فما رعِشت يداي ولا ازدهاني
وقيل: ((يَنْسِلُونَ)): يخرجون، ومنه قولُ امرئ القيس:
فَسُلِّي ثيابي من ثِيابِك تَنْسِلٍ(٦)
وقيل: يسرعون، ومنه قول النَّابغة:
بَردَ الليلُ عليهِ فَنَسَلْ(٧).
عَسَلَانَ الذئبِ أَمْسَى قَارِباً.
يقال: عَسَلَ الذئبُ يَعسِلُ عَسَلاً وعَسَلاناً: إذا أَعْنقَ وأسرع. وفي الحديث:
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣/ ٤٠٥، والحجة للفارسي ٢٦١/٥.
(٢) ٣٧٨/١٣ وما بعدها.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٨٠، وأخرج قول ابن عباس الطبري ١٦/ ٤٠٧ .
(٤) الصحاح (حدب).
(٥) النكت والعيون ٤٧١/٣، ولم نقف عليه في ديوان عنترة.
(٦) وصدره: وإن كنت قد ساءتك مني خليقة، وهو من معلقته، وهو في ديوانه ص ١٣، والنكت والعيون
٤٧١/٣، والكلام منه. وسلف ٣٨٦/٣ ..
(٧) الصحاح (عسل) ومجاز القرآن ٢/ ٤٢، وهو في ديوان النابغة الجعدي ص ٩٠ ، ونسب للبيد كما في
الكامل للمبرد ٤٧٤/١، والجمهرة ٢٥٢/١. وذكره القالي في أماليه ١٥٥/١ وقال: العَسَّلانُ: عدوٌ
فيه اضطراب، والنَّسّلان قريب منه. اهـ والقارب: طالب الماء ليلاً. اللسان (قرب).

٢٨٨
سورة الأنبياء: الآيات ٩٥ - ٩٧
((كَذْبَ عليك العَسَلَ)) أي: عليك بسرعة المشي(١). وقال الزجَّاج: والنَّسَلان مِشيةُ
الذئب إذا أسرع(٢)؛ يقال: نَسَلَ فلانٌ في العَدْوِ يَنْسِل - بالكسر والضم - نَسْلاً ونُسولاً
ونَسَلاناً، أي: أسرع.
ثم قيل في الذين يَنْسِلُون من كلِّ حَدَب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر،
وهو قولُ ابن مسعود وابن عباس(٣).
وقيل: جميع الخَلْق، فإنهم يُحشرون إلى أرض الموقف وهم يسرعون من كلِّ
صَوْب (٤).
وقرئ في الشواذ: ((وهم من كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُون))(٥) أخذاً من قوله: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ
اُلْأَبْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. وحَکَی هذه القراءة المَهْدويُّ عن ابن مسعود،
والثعلبيُّ عن مجاهدٍ وأبي الصهباء.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْتَرَبَ اٌلْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني القيامة. قال الفرَّاء(٦) والكسائيُّ
وغيرهما: الواو زائدةٌ مُقْحَمة؛ والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب
الوعدُ الحقُّ، فـ ((اقترب)) جوابُ ((إذا)). وأنشد الفرَّاء:
(١) الصحاح (عسل)، والحديث ذكره أيضاً الخطابي في غريب الحديث ٢/ ٣٧٠، والعسكري في جمهرة
الأمثال ١٦٦/٢، والزمخشري في الفائق ٣/ ٢٥٠، وابن الأثير في النهاية (كذب): أن عمرو بن
معديكرب شكا إلى عمر المعَص فقال: ((كذب عليك العَسَل)). قال ابن الأثير: والمَعَص بالعين
المهملة: إِلْتواء في عصب الرجل.
(٢) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٤٢٨/١٢ عن الليث، ولم نقف عليه عن الزجاج.
(٣) أخرجه عن ابن مسعود الطبري ٤٠٥/١٦ - ٤٠٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٧٢/٣،
ولم نقف علیه عن ابن عباس.
(٤) أخرج هذا القول الطبري ٤٠٥/١١ عن مجاهد.
(٥) القراءات الشاذة ص٩٣ عن ابن عباس والكلبي والضحاك، والمحتسب ٦٦/٢ عن ابن مسعود، وتفسير
البغوي ٢٦٨/٣ عن مجاهد.
(٦) في معاني القرآن ٢١١/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨٠/٣ .

٢٨٩
سورة الأنبياء: الآيات ٩٥ - ٩٧
فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى(١)
أي: انتحى، والواوُ زائدة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّمُ لِلْجَمِينِ * وَنَدَيْنَهُ﴾ أي:
للجبین نادیناه.
وأجاز الكسائيُّ أن يكون جواب ((إذا)): ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
ويكون قوله: ﴿وَأَقْتَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ معطوفاً على الفعل الذي هو شرط. وقال
البَصْرِيُّون: الجواب محذوف، والتقدير: قالوا: ﴿يَوَيْلَنَا﴾ وهو قولُ الزجَّاجِ(٢)،
وهو قولٌ حسن. قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونٍِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. المعنى: قالوا: ((ما نعبدهم))، وحَذْفُ القول كثير(٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةٌ﴾ ((هي)) ضميرُ الأبصار، والأبصار المذكورة
بعدها تفسيرٌ لها، كأنه قال: فإذا أبصارُ الذين كفروا شَخَصَتْ عند مجيء الوعد؛
وقال الشاعر:
لَعَمْرُ أبيها لا تقول ظَعينتي
أَلَا فرَّ عنِّي مالكُ بن أبي كعبٍ(٤)
فكنَى عن الظعينة في ((أبيها)) ثم أَظْهَرها.
وقال الفرَّاء: ((هي)) عماد، مثل: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ﴾ (٥).
(١) معاني القرآن للفراء ٢١١/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٨٠/٣، والبيت لامرئ القيس وهو من
معلقته، وهو في ديوانه ص١٥، وعجزه: بنا بطنُ حِقْفٍ ذي ركام عَقَتْقَلِ، وسلف ٢/ ٨٥ . قال شارح
الديوان: أجزنا: قطعنا، والساحة: الفناء. والحِقف من الرمل: المعوجّ. ومعنى ركام: بعضه على
بعض. والعقنقل: المنعقد المتداخِل.
(٢) في معاني القرآن ٣/ ٤٠٥، والمعنى: حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا
ویلنا.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٨٠/٣ - ٨١.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢١٢/٢، وتفسير الطبري ٤١٠/١٦، والبيت في معجم الشعراء للمرزباني
ص٢٥٦، ونقد الشعر لأبي الفرج بن قدامة ص٢٢١، والأغاني ٢٣٨/١٦ برواية: حليلتي، بدل:
ظعينتي. ومالك بن أبي كعب الخزرجي جاهلي، وهو والد كعب بن مالك الصحابي، ولمالك في
حروب الأوس والخزرج التي كانت بينهم قبل الإسلام آثار وذكر. الأغاني ٢٢٦/١٦ .
(٥) معاني القرآن للفراء ٢١٢/٢، وتفسير الطبري ١٦/ ٤١٠، وقوله: عماد، أي: ضمير فصل.

٢٩٠
سورة الأنبياء: الآيات ٩٥ - ٩٨
وقيل: إنَّ الكلام تمَّ عند قوله: ((هي))، التقدير: فإذا هي - يعني القيامة - بارزةٌ
واقعة، أي: مِن قُربها كأنها آتيةٌ حاضرة، ثم ابتدأ فقال: ﴿شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ على تقديم الخبر على الابتداء، أي: أبصار الذين كفروا شاخصةٌ من هذا
اليوم(١)، أي: من هَوْله لا تكاد تَظْرُف، يقولون: يا ويلنا إنَّا كثَّا ظالمين بمعصيتنا،
ووَضْعِنا العبادةَ في غير مَوْضِعها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُرْ لَهَا
وَرِدُونَ (4)
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ﴾ قال ابن عباس: آيةٌ لا يسألني
الناس عنها، لا أدري؛ أَعَرَفوها فلم يسألوا عنها، أم جهلوها فلا يسألون عنها؟!
قيل: وما هي؟ قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُرْ لَهَا
وَرِدُونَ﴾ لمَّا أُنزلت شقَّ على كفار قريش، وقالوا: شَتَم آلهتنا، وأتوا ابن الزِّبَعْرَى
وأخبروه، فقال: لو حضرتُه لرددتُ علیه. قالوا: وما كنت تقول؟ قال: كنتُ أقول له:
هذا المسيحُ تعبده النصارى، واليهودُ تعبد عُزيراً، أفهُما من حصب جهنّم؟! فعَجِبتْ
قريش من مقالته، ورأوا أنَّ محمداً قد خُصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ
لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنّهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١](٢) وفيه نزل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ
مَثَلًا﴾ يعني ابن الزِّبَعْرَى ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] بكسر الصاد،
أي: یضُون، وسيأتي.
(١) تفسير البغوي ٢٦٩/٣، وذكر هذا القول الآلوسي في روح المعاني ٩٣/١٧ عن الثعلبي وقال: وهو
وجه متكلَّف متنافر التركيب.
(٢) أخرجه مطولاً الواحدي في أسباب النزول ص ٣١٥، وبنحوه الطبراني في الكبير (١٢٧٣٩)، ومختصراً
الطبري ٤١٨/١٦، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٩١٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وليس فيه
الآية ﴿إِنَّ الَِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ﴾.

٢٩١
سورة الأنبياء: الآية ٩٨
الثانية: هذه الآية أصلٌ في القول بالعموم، وأنَّ له صِيَغاً مخصوصة، خلافاً لمن
قال: ليست له صيغةٌ موضوعةٌ للدلالة عليه. وهو باطلٌ بما دلَّت عليه هذه الآيةُ
وغيرها، فهذا عبد الله بن الزّبعرى قد فَهِم من ((ما)) في جاهليته جميعَ مَن عُبِد،
ووافَقَه على ذلك قريش وهم العربُ الفصحاء، واللُّسْنُ البلغاء، ولو لم تكن للعموم
لمَا صحَّ أن يُستثنى منها، وقد وُجد ذلك، فهي للعموم (١)، وهذا واضح.
الثالثة: قراءةُ العامة بالصاد المهملة، أي: إنكم يا معشر الكفار والأوثانَ التي
تعبدونها من دون الله وقودُ جهنم؛ قاله ابن عباس(٢).
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حَطَبها(٣). وقرأ علي بن أبي طالب وعائشة رضوان
الله عليهما: ((حَطَبُ جَهَنَّمَ)) بالطاء(٤).
وقرأ ابن عباس: ((حَضَبُ)) بالضَّاد المعجَمة(٥)؛ قال الفراء (٦): يريد الحَصَب.
قال: وذُكر لنا أنَّ الحَصَب (٧) في لغة أهل اليمن الحطب، وكلُّ ما هيَّجْتَ به النارَ
وأوقدْتَها به فهو حَضَب؛ ذكره الجوهري(٨). والموقد مِخْضَب(٩).
(١) ينظر إحكام الفصول للباجي ص ٢٣٤، والمستصفى للغزالي ١١٧/٢، والمحصول للرازي ١٩٩/٣
- ٢٠٢ ، والإحكام للآمدي ١/ ٤١٧ .
(٢) أخرجه الطبري ٤١١/١٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٧٢ .
(٣) أخرج قولهم الطبري ١٦/ ٤١١ - ٤١٢، وأخرجه عن قتادة أيضاً عبد الرزاق ٢/ ٣٠، وعلقه البخاري
عن عكرمة إثر الحديث (٤٧٣٩) بلفظ: ﴿حَصَبُ﴾: حطب بالحبشية.
(٤) القراءات الشاذة ص ٩٣، والمحتسب ٦٧/٢ .
(٥) القراءات الشاذة ص ٩٣، والمحتسب ٦٦/٢ .
(٦) في معاني القرآن ٢/ ٢١٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الجوهري في الصحاح (حضب).
(٧) في (د) و(ز) و(م) والصحاح: الحضب، والمثبت من باقي النسخ ومعاني القرآن للفراء ٢١٢/٢،
وتفسير الطبري ٤١٣/١٦ .
(٨) في الصحاح (حضب).
(٩) في (خ) و(د) و(ز): حضب، وفي (ظ): حصب، والمثبت من (م)، وفي اللسان (حضب):
المحضب: المسعر، وهو عود تحرك به النار عند الإيقاد، وحكى ابن دريد عن أبي حاتم أنه قال:
يسمى المِقْلَى: المِحْضَب.

٢٩٢
سورة الأنبياء: الآيات ٩٨ - ١٠٠
وقال أبو عبيدة (١) في قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: كلُّ ما ألقيته في النار فقد
حَصَبْتَها به.
ويظهر من هذه الآية أنَّ الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطبٌ لجهنم،
ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى: ﴿فَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقيل: إنَّ المراد بالحجارة حجارةُ الكبريت، على ما تقدَّم في ((البقرة))(٢)، وإنَّ النار
لا تكون على الأصنام عذاباً ولا عقوبة؛ لأنها لم تُذْنِبْ، ولكن تكون عذاباً على مَن
عبدها: أول شيء بالحسرة(٣)، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشدَّ من كلِّ نار، ثم
يعذَّبُون بها. وقيل: تُحمى فتلصَقُ بهم زيادةً في تعذيبهم. وقيل: إنما جُعلت في النار
تبكيتاً لعبادتهم(٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ أي: فيها داخلون. والخطابُ
للمشركين عبدة الأصنام، أي: أنتم واردوها مع الأصنام. ويجوز أن يقال: الخطابُ
للأصنام وعَبَدَتِها؛ لأن الأصنام وإن كانت جماداتٍ فقد يخبر عنها بكنايات الآدميِّين.
وقال العلماء: ولا يدخل في هذا عيسى ولا عزيرٌ ولا الملائكةُ صلواتُ الله عليهم؛
لأن ((ما)) لغير الآدميين(٥)، فلو أراد ذلك لقال: ((ومَن)). قال الزجَّاج: ولأنَّ
المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ وَالِهَةُ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ
لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾
٩٩
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَكَؤُلَاءِ مَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَاً﴾ أي: لو كانت الأصنامُ آلهةً
(١) في مجاز القرآن ٢/ ٤٢ .
(٢) ١/ ٣٥٤ .
(٣) في (ظ): لما فيها من الحسرة، بدل: أول شيء بالحسرة.
(٤) في (ظ): لعابديها. والتبكيت: التقريع والتوبيخ. اللسان (بكت).
(٥) تفسير الطبري ١٦/ ٤٢٠، وإعراب القرآن للنحاس ٨١/٣.

٢٩٣
سورة الأنبياء: الآيات ٩٩ - ١٠٣
لَمَا ورد عابِدُوها النار. وقيل: ((ما وردوها)) أي: العابدون والمعبودون؛ ولهذا قال:
﴿وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيرٌ﴾ أي: لهؤلاء الذين وَرَدوا النار من الكفار
والشياطين، فأمَّا الأصنام فعلى الخلاف فيها؛ هل يحييها الله تعالى ويعذِّبها حتى
يكون لها(١) زفير، أو لا؟ قولان. والزَّفير: صوتُ نَفَس المغموم يخرج من القلب.
وقد تقدَّم في ((هود))(٢).
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: في الكلام حذف، والمعنى: وهم فيها لا
يسمعون شيئاً؛ لأنَّهم يُحشرون صُمَّا، كما قال الله تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى
وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبِّكْنَا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وفي سماع الأشياء رَوْحٌ وأُنْس، فمنَعَ الله
الكفار ذلك في النار.
وقيل: لا يسمعون ما يسرُّهم، بل يسمعون صوت مَن يتولَّى تعذيبهم من الزَّبَانية.
وقيل: إذا قيل لهم: ﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] يصيرون حينئذٍ
صُمَّا بُكْماً، كما قال ابن مسعود: إذا بقي مَن يخلد في النار في جهنم، جُعلوا في
توابيتَ من نار، ثم جُعلت التوابيت في توابيتَ أخرى فيها مساميرُ من نار، فلا
يسمعون شيئاً، ولا يرى أحدٌ منهم أنَّ في النار مَن يُعذَّب غيره(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُّبْعَدُونَ (َ لَا
يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ ﴿﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ
اَلْأَكْبَرُ وَتَشَلَقَّدُهُمُ الْمَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ
١٠٣
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ أي: الجنة ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا﴾
(١) في النسخ الخطية: لهم.
(٢) ٢١١/١١.
(٣) أخرجه الطبري ١٦/ ٤١٥، والبيهقي في البعث والنشور (٦٥٦) من طريق يونس بن خباب عن ابن
مسعود، وأخرجه الطبراني في الكبير (٩٠٨٧) من طريق يونس بن خباب، عمن حدثه، عن ابن مسعود.

٢٩٤
سورة الأنبياء: الآيات ١٠١ - ١٠٣
أي: عن النار ﴿مُبْعَدُونَ﴾ فمعنى الكلام الاستثناء؛ ولهذا قال بعض أهل العلم:
((إنَّ) هاهنا بمعنى ((إلا))(١)، وليس في القرآن غيره.
وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب ﴾ يقرأ هذه الآيةً على
المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ﴾ فقال: سمعتُ النبيَّ # يقول: ((إنَّ
عثمانَ منهم))(٢).
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حِسَّ النار وحركةً لهبها. والحَسِيسُ
والحِسُّ: الحركة. وروى ابنُ جُريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحَرُوريُّ لابن
عباس: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ فقال ابن عباس: أمجنونٌ أنت؟ فأين قولُه تعالى:
﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِ﴾ [هود: ٩٨] وقوله:
﴿إِلَى جَهَنََّ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. ولقد كان من دعاء مَن مضى: اللهمَّ أخرجني من النار
سالماً، وأدخلني الجنةَ فائزاً (٣).
وقال أبو عثمان النَّهْديُّ: على الصِّراط حيَّاتٌ تلسعُ أهل النار فيقولون: حسّ
حسّ (٤).
وقيل: إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ لم يسمعوا حسَّ النار(٥)، وقبل ذلك يسمعون،
فالله أعلم.
(١) تفسير البغوي ٣/ ٢٧٠، ويعني أنه استثناءٌ من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وذكر
الطبري ٤١٩/١٦ أن هذا الاستثناء لا معنى له؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى منه،
ولا شك أن الذين سبقت لهم من الله الحسنى إنما هم ملائكة، وإما إنس، أو جان، وكل هؤلاء إذا
ذکرتها العرب فإن أکثر ما تذکرها بـ ((مَنْ)، لا بـ (ما)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٥١ - ٥٢، وأحمد في فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن أبي عاصم في السنة
(١٢١٦)، والطبري ١٦/ ٤١٥، كلُّهم روَوْه موقوفاً، ولم نقف عليه مرفوعاً.
(٣) أخرجه الطبري ٥٩١/١٥، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية (٧١) من سورة مريم، وأبو راشد
الحروري هو نافع بن الأزرق.
(٤) ذكره النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٨٢ .
(٥) في (م): أهل النار.

٢٩٥
سورة الأنبياء: الآيات ١٠١ - ١٠٣
﴿وَهُمْ فِ مَا آَشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ﴾ أي: دائمون، وفيها ما تشتهيه الأنفس
وتَلَذُّ الأعين؛ وقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا نَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾
[فصلت: ٣١].
قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وقرأ أبو جعفر وابن محيصن: ﴿لَا
يُخْزِئُهُم﴾ بضمِّ الياء وكَسْرِ الزاي(١). الباقون بفتح الياء وضمِّ الزاي. قال اليزيديُّ:
حَزَنه لغةُ قريش، وأحزنه لغةُ تميم، وقد قُرئ بهما.
والفزعُ الأكبر: أهوال يوم القيامة والبعث؛ عن ابن عباس(٢).
وقال الحسن: هو وقتُ يؤمر بالعباد إلى النار(٣).
وقال ابنُ جُريج وسعيد بن جبير والضخَّاك: هو إذا أطبقت النار على أهلها،
وذُبح الموت بين الجنة والنار(٤).
وقال ذو النُّون المِصْريُّ: هو القطيعةُ والفراق(٥).
وعن النبيِّ:﴿: ((ثلاثةٌ يومَ القيامة في كَثيبٍ من المِسْكِ الأَذْفَر، لا يَخْزُنُهم الفزعُ
الأكبر: رجلٌ أمَّ قوماً محتسباً وهم له راضون، ورجلٌ أَذَّن لقومٍ محتسباً، ورجلٌ ابتُليَ
برِقٌّ في الدنيا فلم يَشْغَلْه عن طاعة ربِّه))(٦).
وقال أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن: مررت برجلٍ يضرب غلاماً له، فأشار إليَّ
(١) النشر ٢٤٤/٢ عن أبي جعفر، وإعراب القرآن للنحاس ٨٢/٣ عن ابن محيصن.
(٢) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٢٢ بلفظ: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ يعني النفخة الآخرة.
(٣) أخرجه الطبري ٤٢٢/١٦ .
(٤) أخرجه الطبري ٤٢١/١٦ - ٤٢٢ عن سعيد بن جبير وابن جريج.
(٥) ذكره أبو الليث في التفسير ٣٨٠/٢ .
(٦) أخرجه بنحوه أحمد (٤٧٩٩)، والترمذي (١٩٨٦) و(٢٥٦٦)، والطبراني في الكبير (١٣٥٨٤)، وفي
الأوسط (١١١٦). قال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الواحدي في الوسيط ٢٥٣/٣ من حديث أبي
سعيد الخدري ـ

٢٩٦
سورة الأنبياء: الآيات ١٠١ - ١٠٤
الغلام، فكلّمتُ مولاه حتى عفا عنه، فلقيت أبا سعيد الخدريَّ فأخبرته، فقال: يا ابن
أخي، مَن أغاث(١) مكروباً أعتقه الله من النار يومَ الفزع الأكبر)) سمعت ذلك من
رسول الله ﴾(٢).
﴿وَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ أي: تستقبلُهم الملائكة على أبواب الجنة؛ يهِّئونهم
ويقولون لهم: ﴿هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وقيل: تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور؛ عن ابن عباس(٣).
﴿هَذَا يَوْمُكُمْ﴾ أي: ويقولون لهم، فحذف. ﴿الَّذِى كُنتُمْ تُوُعَدُونَ﴾ فيه الكرامة.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَيّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ
١٢٠٤
خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنََّ فَعِلِينَ
قوله تعالى: ﴿يَوَمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بنُ نِصَاح
والأعرج والزُّهريُّ: ((تُطْوَى)) بتاء مضمومة، ((السَّمَاءُ)) رفعاً على ما لم يسمَّ فاعله(٤).
مجاهد: ((يَظْوي))(٥)، على معنى: يطوي الله السماء. الباقون: ﴿نَطْوِى﴾ بنون
العظمة.
وانتصابُ ((يوم)) على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة، التقدير: الذي كنتم
توعدونه يومَ نطوي السماء. أو يكون منصوباً بـ ((نعيد)) من قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ
خَلْقِ نُِيدُهُ﴾. أو بقوله: ((لا يحزنهم)) أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي
(١) في (خ) ود): أعان.
(٢) لم نقف عليه. وقد ورد هذا المعنى في الصحيح ضمن حديث لأبي هريرة فيما أخرجه مسلم (٢٦٩٩)
عنه، وفيه: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة)).
(٣) ذكره أبو الليث ٢/ ٣٨٠ عن مقاتل، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
(٤) النشر ٣٢٤/٢ عن أبي جعفر.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ٦/ ٣٤٣ عن شيبة بن نِصاح، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٢/٤
دون نسبة.

٢٩٧
سورة الأنبياء: الآية ١٠٤
نطوي فيه السماء. أو على إضمارٍ: واذكر، وأراد بالسماء الجنس، دليله: ﴿وَالسَّمَوَتُ
مَطْوِيَتْ بِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧].
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي: كَطيِّ الصحيفة على ما
فيها(١). فاللام بمعنى ((على)).
وعن ابن عباس أيضاً: هو اسم كاتبٍ رسول الله﴾(٢). وليس بالقويِّ؛ لأن
كُتَّاب رسول اللـه ﴿ معروفون وليس هذا منهم، ولا في أصحابه مَن اسمُهُ السِّجِلّ(٣).
وقال ابن عباس أيضاً وابن عمر والسُّدِّيّ: ((السِّجلّ)) ملَك(٤)، وهو الذي يطوي
کتبَ بني آدم إذا ◌ُفعت إليه.
ويقال: إنه في السماء الثالثة، تُرفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظةُ
الموثَّلون بالخَلْقِ في كلِّ خميس واثنين، وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروتُ
وماروت(٥).
والسِّجِلُّ: الصَّكُّ، وهو اسمٌ مشتقٌّ من المساجلة(٦)، وهي المكاتبة(٧)، وأصلُها
من السَّجْلِ: وهو الدَّلْو؛ تقول: ساجَلْتُ الرجلَ: إذا نزعتَ دلواً ونزع دلواً، ثم
(١) أخرج قولهما الطبري ١٦/ ٤٢٤ - ٤٢٥ .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٣٥)، والنسائي في الكبرى (١١٣٣٥)، والطبري ٤٢٤/١٦ .
(٣) تفسير الطبري ٢٢٥/١٦، والتعريف والإعلام ص١١٥، وردّه أيضاً ابن كثير عند تفسير هذه الآية،
وقال: لا يصح، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه - وإن كان في سنن أبي داود وغيره - منهم شيخنا
الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي، وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث
وردّه أتم ردّ ... وأمَّا مَن ذكر في أسماء الصحابة هذا، فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره.
(٤) أخرجه الطبري ١٦/ ٤٢٣ عن ابن عمر والسدي، وذكره الرازي ٢٢٨/٢٢ عن ابن عباس.
(٥) التعريف والإعلام ص١١٥ .
(٦) في النسخ عدا (ز): السجالة، والمثبت من (ز) وهو الصواب. وينظر مجمل اللغة ٢/ ٤٨٧، وتفسير
البغوي ٢٧١/٣، والمفهم ٣٩٣/٧ .
(٧) في (ظ) و(م): الكتابة.

٢٩٨
سورة الأنبياء: الآية ١٠٤
استُعيرت، فسميت المكاتبةُ والمراجعة مساجلةً. وقد سَجَّل الحاكمُ تسجيلاً. وقال
الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
مَن يُسَاجِلْني يُساجِلْ ماجداً يَملأ الدَّلوَ إِلى عَقْدِ الكَرَبْ (١)
ثم بني هذا الاسم على فِعِلٌ، مثل: حِمِرّ وطِمِرٌ وبِليّ.
وقرأ أبو زرعةَ بن عمرو بن جرير: ((كَطَيِّ السُّجُلِّ)) بضمِّ السين والجيم وتشديد
اللام(٢). وقرأ الأعمش وطلحة: ((كَطَيِّ السَّجْلِ)) بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف
اللام(٣). قال النحاس: والمعنى واحدٌ إن شاء الله تعالى، والتمام عند قوله: (لِلْكِتَابِ))(٤).
والطّيُّ في هذه الآية يَحمِلُ معنيين: أحدهما: الذَّرْج الذي هو ضدُّ النَّشْر، قال
الله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَّتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]. والثاني: الإخفاء والتعمية
والمحو؛ لأنَّ الله تعالى يمحو ويطمسُ رُسومَها ويكدرُ نجومها.
قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا اُلتَمَاءُ كُشِطَتْ﴾
[التكوير: ١و٢و١١].
(لِلْكِتَابِ)) وتمَّ الكلام - وقراءة الأعمش وحفصٍ وحمزةً والكسائيِّ ويحيى
وخَلَف: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ جمعاً(٥) - ثم استأنف الكلام فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
تُعِيدٌُ﴾ أي: نحشرهم حُفاةً عراةً غُرْلاً كما بُدئوا في البطون .
(١) الصحاح (سجل)، والبيت في المعاني الكبير لابن قتيبة ٢/ ٧٩٥، والكامل للمبرد ٢٥٠/١،
والحماسة البصرية ١٨٥/١. والكّرَب: هو الحبل يشد في وسط خشبة الدلو فوق الرشاء ليقويه.
المعجم الوسيط (کرب). والفضل بن العباس هو أحد شعراء بني هاشم وفصائحهم، وأمه بنت العباس
ابن عبد المطلب. الأغاني ١٧٥/١٦ .
(٢) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٢/ ٦٧ .
(٣) المحتسب ٦٧/٢ عن أبي السَّمَّال.
(٤) في (د) و(ز): للكتب، وهما قراءتان على ما يأتي.
(٥) السبعة ص٤٣١، والتيسير ص١٥٥ عن حمزة والكسائي وحفص، والنشر ٣٢٥/٢ عنهم وعن خلف،
والباقون: ((للكتاب)) على الافراد.

٢٩٩
سورة الأنبياء: الآية ١٠٤
وروى النَّسائيُّ(١) عن ابن عباس عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((يُحشر الناس يومَ القيامة
عُراةً غُرْلاً، وأوّلُ الخَلْقِ يُكسَى يومَ القيامة إبراهيمُ عليه السلام، ثم قرأ: ﴿كَمَا
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُِيدُمْ﴾)).
أخرجه مسلم (٢) أيضاً عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله # بموعظةٍ فقال:
((يا أيها الناس، إنَّكم تُحشرون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرْلاً: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
تُمِيدُؤُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَ فَعِلِينَ﴾ ألَا وإنَّ أوَّل الخلائق يُكسَى يومَ القيامة إبراهيمُ
عليه السلام)) وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب ((التذكرة))(٣) مستوفّى.
وذكر سفيان الثوريُّ، عن سَلَمةَ بن كُهَيْل، عن أبي الزَّغْراء، عن عبد الله بن
مسعود قال: يُرْسِلُ الله عزَّ وجلَّ ماءً(٤) من تحت العرش كمنيٌّ الرجال، فتنبت منه
لُحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرضُ بالثرى، وقرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ
ثُمید۴﴾(٥).
وقال ابن عباس: المعنى: نُهلك كلَّ شيء ونُفْنيه كما كان أولَ مرةً (٦)، وعلى هذا
فالكلامُ متَّصلٌ بقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ أي: نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفَناء،
فلا تكون شيئاً.
وقيل: نُفني السماء ثم نعيدُها مرةً أخرى بعد طَيِّها وزوالها، كقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
اٌلْأَرْشُ غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
(١) في المجتبى ٤/ ١١٤ .
(٢) في صحيحه (٢٨٦٠)، وهو عند أحمد (١٩١٣) و(٢٠٩٦)، والبخاري (٣٣٤٩).
(٣) ص٢٠٧ .
(٤) قبلها في (ظ): يوم القيامة.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨٢/٣، وأخرجه مطولاً ابن أبي شيبة ١٩١/١٥ - ١٩٥، والعقيلي في
الضعفاء ٢/ ٣١٤ - ٣١٦، والحاكم ٤٩٦/٤ - ٤٩٨ . وأبو الزعراء الكندي هو عبد الله بن هانئ، قال
فيه البخاري کما ذکر العقيلي: لا يتابع علی حديثه.
(٦) أخرجه الطبري ٤٣١/١٦.

٣٠٠
سورة الأنبياء: الآيات ١٠٤ - ١٠٦
والقول الأوّل أصحُّ، وهو نظيرُ قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ﴾ وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّمْ﴾
[الكهف: ٤٨].
﴿وَعْدًا﴾ نصب على المصدر، أي: وَعَدْنا وعداً ﴿عَلَيْنَا﴾ إنجازُه والوفاءُ به،
أي: من البعث والإعادة، ففي الكلام حذف. ثم أكَّد ذلك بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّا كُنَاً
فَعِلِينَ﴾ قال الزجَّاج (١): معنى ((إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)): إنَّا كنَّا قادرين على [فِعْل] ما
نشاء.
وقيل: ((إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)) أي: ما وَعَدْناكم، وهو كما قال: ﴿ كَانَ وَعْدُمُ مَفْعُولًا﴾
[المزمل: ١٨].
وقيل: ((كان)) للإخبار بما سبق من قضائه. وقيل: صلة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِىَ الضَلِحُونَ (٣٥) إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَغَّا لِقَوْمٍ عَلَيِدِينَ (٢)﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ﴾ الزبورُ والكتاب واحدٌ؛ ولذلك جاز أن
يقال التوراة والإنجيل : زبور؛ [من] زَبَرْت، أي: كتبتُ، وجمعه: زُبُر(٢). قال سعيد
ابن جبير: ((الزَّبور)»: التوراة والإنجيل والقرآن ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ الذي في السماء
﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أرض الجنة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾. رواه سفيان عن الأعمش عن
سعيد بن جبير(٣).
(١) في معاني القرآن ٤٠٧/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٨٢/٣، وما قبله
وما سیأتي بین حاصرتین منه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٨٢ - ٨٣، وما بين حاصرتين منه.
(٣) أخرجه هناد في الزهد (١٦٠)، والطبري ٤٣٢/١٦ و٤٣٥ من طريق الأعمش به. وقوله عن الذكر إنه
الذي في السماء، يعني به أمَّ الكتاب، كما في تفسير الطبري ٤٣١/١٦، والوسيط ٢٥٤/٢، وزاد
المسير ٣٩٧/٥ ، وسیأتي هذا القول عن مجاهد وابن زيد.