النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ الدودة، وكان أراد أن يبقى له الأجر موقَّراً إلى وقت العافية، وهذا حسنٌ إلَّا أنَّه يحتاج إلى سند. قال العلماء: ولم يكن قوله: ((مَسَّنيَ الضُّرُّ) جَزَعاً؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِاً﴾، بل كان ذلك دعاءً منه، والجزعُ في الشكوى إلى الخَلْق لا إلى الله تعالى، والدعاءُ لا يُنافي الرضا. قال الثعلبي: سمعتُ أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرتُ مجلساً غاصًّا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان، فسئلت عن هذه الآية، بعد إجماعهم على أنَّ قول أيوب كان شكايةً، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَابِأَ﴾؟ فقلت: ليس هذا شكايةً وإنما كان دعاء، بيانُه: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابةُ تتعقَّب الدعاء لا الاشتكاءَ. فاستَحْسَنوه وارتَضَوْه. وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: عرَّفه فاقةَ السؤال لِيَمُنَّ عليه بكرم النَّوَال(١). قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرِّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ قال مجاهد وعكرمة: قيل لأيوبَ﴾: قد آتيناك أهلك في الجنة، فإن شئتَ تركناهم لك في الجنة، وإن شئتَ آتيناكهم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله عزَّ وجلَّ له في الجنة وأعطاه مثلَهم في الدنيا. قال النحاس (٢): والإسنادُ عنهما بذلك صحيح. قلت: وحکاه المهدويُّ عن ابن عباس. وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود: كان أهل أيوبَ قد ماتوا إلَّا امرأته، فأحياهم الله عزَّ وجلَّ في أقلّ من طرف البصر، وآتاه مثلَهم معهم. وعن ابن عباس أيضاً: كان بنُوه قد ماتوا، فأُحيوا له وولد له مثلُهم معهم(٣). وقاله قتادة وكعب (١) عرائس المجالس ص١٦٥ . (٢) في إعراب القرآن ٧٦/٣، وما قبله منه، وقول مجاهد أخرجه بنحوه الطبري ٣٦٧/١٦. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٧٦/٣ - ٧٧، وأخرج الطبري ٣٦٦/١٦ خبر ابن عباس بنحوه، وخبر ابن مسعود مختصراً، وأخرجه أيضاً عن ابن مسعود الطبراني في الكبير (٩٠٨٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٧/٧: إسناده منقطع. وقال الحافظ في التهذيب ٢٢٦/٢، عن الضحاك: وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة. ٢٦٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ الأحبار والكلبيُّ وغيرهم. قال ابن مسعود: مات أولاده، وهم سبعةٌ من الذكور، وسبعةٌ من الإناث، فلمَّا عوفي نُشروا له، وولدتْ امرأته سبعةً بنينَ وسبعَ بنات(١). الثعلبيّ(٢): وهذا القول أشبهُ بظاهر الآية. قلت: لأنهم ماتوا ابتلاءً قبل آجالهم، حسب ما تقدَّم بيانُه في سورة البقرة، في قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَذَرَ الموت، وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أُحيوا(٣)، وذلك أنَّهم ماتوا قبل آجالهم، وكذلك هنا، والله أعلم. وعلى قول مجاهد وعكرمةَ يكون المعنى: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَهْلَهُ﴾ في الآخرة ﴿وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ في الدنيا. وفي الخبر: إنَّ الله بعث إليه جبريل عليه السلام حتى (٤) ركض برجله على الأرض ركضة(٥) فظهرت عينُ ماء حارٌ، وأخذ بيده ونَفَضَه نفضةً فتناثرت عنه الديدان، وغَاص في الماء غوصةً فنبت لحمه، وعاد إلى منزله، وردّ الله عليه أهلَه ومثلَهم معهم، ونشأت سحابةٌ على قَدْرِ قواعد داره، فأمطرت ثلاثةَ أيام بلياليها جراداً من ذهب. فقال له جبريل: أَشَبِعْتَ؟ فقال: ومَن يشبعُ من فضل الله؟ فأوحى الله إليه: قد أثنيتُ عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أنِّي وضعتُ تحت كلِّ شعرةٍ منكَ صَبْراً ما صبرت (٦). (١) ذكره أبو الليث ٣٧٦/٢ عن الكلبي، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٦٤/٣ عن الفراء، وينظر التعليق السابق. (٢) في عرائس المجالس ص٣٢٦ . (٣) ليس في ذلك نص صحيح، وينظر ١١٥/٢ و٢٠٩/٤ . (٤) في (د) و(ز) و(م): حين. (٥) قوله: ر کضة، ليس في (ظ). (٦) نقل الشيخ أبو شهبة رحمه الله في ((الإسرائيليات)) ص٢٨١ عن أبي بكر ابن العربي قوله: لم يصحّ عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى في قوله تعالى: ﴿وَتُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ, = ٢٦٣ سورة الأنبياء: الآيات ٨٣ - ٨٦ ﴿رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾ أي: فَعَلْنا ذلك به رحمةً من عندنا. وقيل: ابتليناه ليعظُم ثوابُه غداً. ﴿وَذِكْرَىْ لِلْعَيِدِينَ﴾ أي: وتذكيراً للعباد؛ لأنَّهم إذا ذكروا بلاءً أيوب، وصبرَه عليه، ومحنته(١) له، وهو أفضلُ أهلِ زمانه، وطّنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نَحْوَ ما فَعَلَ أيوب، فيكونُ هذا تنبيهاً لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضَّرر. واختلف في مدة إقامته في البلاء؛ فقال ابن عباس: كانت مدَّةُ البلاء سبعَ سنين وسبعةً أشهرٍ وسبعةً أيامٍ وسبعَ ليال(٢). وهب: ثلاثين سنة(٣). الحسن: سبع سنين (٤) وستةً أشهر (٤). قلت: وأصحُّ من هذا والله أعلم: ثماني عَشْرةَ سنةً؛ رواه ابن شهاب عن النبيِّ ﴾، ذكره ابن المبارك وقد تقدّم(٥). قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّبِينَ وَأَخَلْنَهُمْ فِي رَحْمَتِنَّاً إِنَّهُم مِّنَ الضَلِينَ ﴾﴾ ٨٥ قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِذْرِيسَ﴾ وهو أخنوخ وقد تقدَّم(٦) ﴿وَذَا الْكِفْلِّ﴾ أي: - أَنِ مَسَنِىَ الشُُّّ﴾ والثانية: ﴿أَنّ مَسَِّىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. وأما النبي ﴾؛ فلم يصحَّ عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: ((بينما أيوب يغتسل؛ إذ خرَّ عليه رِجْل من جراد من ذهب .. الحديث. اهـ. وهو في صحيح البخاري (٣٣٩١)، وتتمته: فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا ربّ، ولكن لا غنى لي عن بركتك)). قال: وإذا لم يصحَّ فيه قرآن، ولا سنة إلا ما ذكرنا، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره؟ أم على أيِّ لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمَّ عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالاً، ولا تزيد فؤادك إلا خبالاً. (١) في (د) و(ز): ومحبته. (٢) ذكره البغوي ٣/ ٢٦١ عن کعب، دون قوله: وسبع ليال. (٣) كذا في النسخ، والذي أخرجه الطبري ٣٥٤/١٦ عن وهب أنه قال: لبث في البلاء ثلاث سنين لم يزد يوماً واحداً، وكذا ذكره الثعلبي في العرائس ص١٦٤، والبغوي ٢٦١/٣ . (٤) سلف ص ٢٥٧ من هذا الجزء . (٥) ص٢٦٠ من هذا الجزء، وينظر فتح الباري ٦/ ٤٢١- ٤٢٣. (٦) ٤٦٦/١٣ . ٢٦٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٥ - ٨٦ واذکرهم. وخرّج الترمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول»(١) وغيره من حديث ابن عمر، عن النبيِّ # قال: ((كان في بني إسرائيل رجلٌ يقال له: ذو الكفل، لا يتورَّع من ذنبٍ عَمِلَه، فاتَّبع امرأة، فأعطاها ستِّين ديناراً [على أن يطأها]. فلمَّا قعد منها مَفْعَدَ الرجل من امرأته ارتعدتْ وبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: من هذا العمل، واللهِ ما عملته قط، قال: أَكْرمتُك؟ قالت: لا، ولكن حملني عليه الحاجةُ، قال: اذهبي فهو لك، والله لا أعصي الله بعدها أبداً. ثم مات من ليلته، فوجدوا مكتوباً على باب داره: إنَّ الله قد غفر لذي الكفل)». وخرجه أبو عيسى الترمذيُّ أيضاً؛ ولَفْظُه: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبيَّ# يحدِّث حديثاً لو لم أسمعه إلَّ مرةً أو مرتين - حتى عدَّ سبعَ مرَّاتٍ - ولكنِّ سمعته أكثر من ذلك، سمعتُ رسول اللـه # يقول: ((كان الكفل(٢) من بني إسرائيل لا يتورَّع من ذنبٍ عَمِلَه، فأتته امرأةٌ فأعطاها ستِّين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعدَ الرجل من امرأته ارتعدتْ وبكت، فقال: ما يبكيكِ، أأكرمتُكِ؟ قالت: لا، ولكنه عملٌ ما عملتُه قطٌ، وما حملني عليه إلا الحاجةُ. فقال: تفعلين أنتِ هذا وما فعلتِه! اذهبي فهي لك، وقال: والله لا أعصي الله بعدها أبداً. فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: إنَّ الله قد غفر للكِفْل))(٣) قال: حديث حسن(٤). وقيل: إنَّ اليسع لمَّا كبر قال: لو استخلفتُ رجلاً على الناس حتى أَنظرَ كيف يعمل. فقال: مَن يتكفَّل لي بثلاث: بصيام النهار، وقيام الليل، وألَّا يغضب وهو يقضي؟ فقال رجل من ذرِّية العيص: أنا، فردّه، ثم قال مثلَها من الغد، فقال الرجل: (١) لم نقف عليه في المطبوع منه. (٢) في النسخ: ذو الكفل، والمثبت من سنن الترمذي. (٣) في (خ) و(ظ) و(م): لذي الكفل، والمثبت من (د) و(ز) وسنن الترمذي. (٤) سنن الترمذي (٢٤٩٦)، وهو عند أحمد (٤٧٤٧)، وما بين حاصرتين منهما. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٥١٩/١ : حديث غريب جداً، وفي إسناده نظر ... وإن كان محفوظاً فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث: الكفل، فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن. ٢٦٥ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٥ - ٨٦ أنا، فاستخلفه فوقَّى، فأثنى الله عليه فسمِّي ذا الكفل؛ لأنه تكفَّل بأمر [فوفَّى به]؛ قاله أبو موسى ومجاهد وقتادة(١). وقاله(٢) عبد الله بن الحارث(٣). وقال أبو موسى عن النبيِّ ﴾: إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيًّا، ولكنه كان عبداً صالحاً، فتكفَّل بعملِ رجلٍ صالحٍ عند موته، وكان يصلّي لله كلَّ يومٍ مئةَ صلاة، فأحسنَ الله الثناءَ عليه(٤). وقال كعب: كان في بني إسرائيل ملكٌ كافر، فمرّ ببلاده رجلٌ صالح فقال: والله إن خرجتُ من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام. فعرض عليه، فقال: ما جزائي؟ قال: الجنة - ووصفها له - قال: مَن يتكفَّل لي بذلك؟ قال: أنا، فأسلم الملك وتخلّى عن المملكة، وأقبل على طاعة ربِّه حتى مات، فدُفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجةً من القبر وفيها رقعةٌ خضراء مكتوبٌ فيها بنورٍ أبيضَ: إنَّ الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفَى بكفالة(٥) فلان. فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان، ويتكفَّلَ لهم بما تكفَّل به للملك، ففعل ذلك فآمنوا كلَّهم، فسمِّي ذا الكفل. وقيل: كان رجلاً عفيفاً يتكفَّل بشأن كلِّ إنسانٍ وقع في بلاءٍ أو تهمةٍ أو مطالبةٍ، فينجِّيه الله على يديه. وقيل: سمِّي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفَّلَ له في سعيه وعمله بضِعْفٍ عمل(٦) غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه. (١) أخرج قولهم الطبري ٣٦٩/١٦ - ٣٧٣، وخبر مجاهد فيه مطوَّل، وما بين حاصرتين منه. (٢) في النسخ عدا (ظ): وقال. (٣) في النسخ: عمرو بن عبد الله بن الحارث، وهو خطأ، فقد أخرجه الطبري ٣٦٨/١٦ من طريق المنهال ابن عمرو عن عبد الله بن الحارث. (٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٢٧، والطبري ٣٧٢/١٦ من طريق قتادة عن أبي موسى ﴾ موقوفاً. وهو منقطع، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في البداية والنهاية ٥١٨/١ - من طريق قتادة، عن كنانة بن الأخنس، عن أبي موسى موقوفاً أيضاً. (٥) في (خ) و(د) و(ز): كفالة، وفي (م): عن كفالة، والمثبت من (ظ). (٦) في (د) و(ز): على. ٢٦٦ سورة الأنبياء: الآيات ٨٥ - ٨٨ والجمهورُ على أنه ليس بنبيٍّ. وقال الحسن: هو نبيٌّ قبل إلياس(١). وقيل: هو زكريا بكفالة(٢) مريم. ﴿كُلُّ مِنَ الصَّبِينَ﴾ أي: على أمر الله، والقيام بطاعته، واجتنابٍ معاصيه. ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَاً﴾ أي: في الجنة ﴿إِنَّهُم ◌ِنَ الصَّلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ القُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (١) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَبَّنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكر ذا النُّون، وهو لقبٌّ ليونس بن متَّى لقِّب به(٣) لابتلاع النون إياه. والنونُ: الحوت. وفي حديث عثمان ﴾: أنه رأى صبيًّا مَليحاً فقال: دَسِّموا نُونَته كي لا تصيبَه العين(٤). روى ثعلب عن ابن الأعرابيّ: النّونةُ: النقبة(٥) التي تكون في ذقن الصبيِّ الصغير، ومعنى دسِّموا: سَوِّدوا. ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾ قال الحسن والشعبيُّ وسعيد بن جبير: مغاضباً لربِّه عزَّ وجلَّ. واختاره الطبريُ(٦) والقُتَبيُّ(٧) واستحسنه المهدويُّ، وروي عن ابن مسعود. قال النحاس: وربَّما أنكر هذا مَن لا يعرف اللغةً، وهو قولٌ صحيح. والمعنى: مغاضباً من أجل ربِّه، كما تقول: غضبتُ لك، أي: من أجلك. والمؤمنُ يغضب لله عزَّ وجلَّ إذا عُصي. وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أنَّ قول النبيِّ # لعائشة: ((اشترطي لهم الولاءَ)) من هذا (٨). (١) ذكره بنحوه الماوردي في النكت والعيون ٤٦٤/٣ . (٢) في (ظ): تكفل، وذكر هذا القول الثعلبي في عرائس المجالس ص٢٦٤، والبغوي ٢٦٥/٣ دون نسبة. (٣) قوله: لقب به، من (ظ). (٤) ذكره الخطابي في غريب الحديث ١٣٩/٢، والزمخشري في الفائق ٤٢٤/١، وابن الجوزي في غريب الحديث ٣٣٧/١ ، وابن الأثير في النهاية (دسم) و(نون). (٥) وقع في شرح هذه الكلمة في المصادر السابقة: النقرة، بدل: النقبة. (٦) في التفسير ٣٧٧/١٦، وأخرج قول الحسن والشعبي وسعيد بن جبير ٣٧٦/١٦ - ٣٧٨. (٧) في تأويل مشكل القرآن ص٣١٤ - ٣١٥ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٧٧/٣، والحديث سلف ٣١٨/٣ . ٢٦٧ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وبالغ القُتَبِيُّ في نصرة هذا القول، وفي الخبر في وصف يونس: إنَّه كان ضيِّق الصدر، فلمَّا حُمِّل أعباء النبوّة تَفسَّخ تحتها تفسُّخ الرُّبَع تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مُضيَّ الآَبِقِ النادّ(١). وهذه المغاضبةُ كانت صغيرة، ولم يغضب على الله، ولكن غضب لله؛ إذ رَفَع العذاب عنهم. قال ابن مسعود: أبق من ربِّه، أي: من أمرٍ ربِّه، حين(٢) أمره بالعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم. فإنه كان تَوَغَّد(٣) قومَه بنزول العذاب في وقتٍ معلوم، وخرج من عندهم في ذلك الوقت، فأظلَّهم العذاب، فتضرَّعوا، فرُفع عنهم، ولم يعلم يونس بتوبتهم؛ فلذلك ذهب مغاضباً، وكان من حقّه ألَّا يذهبَ إلَّا بإذنٍ محدَّد(٤). وقال الحسن: أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه، فسأل أن يُنظَر ليتأهَّب، فأَغْجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلاً ليلبسها فلم يُنظَر، وقيل له: الأمر أَعْجَلُ من ذلك، وكان في خُلُقه ضِيقٌ، فخرج مغاضباً لربِّه(٥). فهذا قولٌ، وقول النحاس أحسنُ ما قيل في تأويله. أي: خرج مغاضباً من أَجْلِ ربِّه، أي: غضب على قومه من أجل كفرهم بربِّه. وقيل: إنه غاضَبَ قومَه حين طال عليه أمرهم وتعثُّتهم، فذهب فارًّا بنفسه ولم يصبر على أذاهم، وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذنٍ من الله. روي معناه عن ابن عباس والضخَّاك، وأنَّ يونس كان شابًّا ولم يحمل أثقال النبوّة؛ ولهذا قيل للنبيِّ لَ﴾: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ اَلْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨](٦). (١) تأويل مشكل القرآن ص٣١٦، وأخرجه الطبري ٣٧٦/١٦ عن وهب بن منبه. والرُّبَع: الفصيل الذي ينتج في الربيع، وتفسخ الربع تحت الحمل الثقيل: إذا لم يُطِقْه. اللسان (ربع). و(فسخ). (٢) في (ز) و(م): حتى. (٣) في النسخ عدا (د): يتوعد، والمثبت من (د). (٤) ذكره مطولاً البغوي ٣٦٩/٢ عن ابن مسعود وسعيد بن جبير ووهب بن منبه، وأخرجه بنحوه عن ابن مسعود ابن أبي شيبة ١١/ ٥٤١ - ٥٤٢ . (٥) أخرجه الطبري ٣٧٧/١٦ . (٦) المحرر الوجيز ٩٦/٤، وأخرج قول ابن عباس والضحاك الطبري ٣٧٤/١٦ مختصراً. ٢٦٨ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وعن الضحاك أيضاً: خرج مغاضباً لقومه؛ لأنَّ قومه لمَّا لم يقبلوا منه وهو رسولٌ من الله عزَّ وجلَّ، كفروا بهذا، فوجَبَ أن يغاضبهم، وعلى كلِّ أحدٍ أن يغاضب مَن عصی الله عزَّ وجلَّ. وقالت فرقةٌ منهم الأخفش(١): إنَّما خرج مغاضباً للملك الذي كان على قومه؛ قال ابن عباس: أراد شعيا النبيُّ والملكُ الذي كان في وقته - اسمُه حزقيا (٢) - أن يبعثا یونس إلی ملك نینوی ۔ و کان غزا بني إسرائيل وسبی الکثیر منھم - لیکلمه حتی یرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحَى إليهم، والأمرُ والسياسةُ إلى ملكٍ قد اختاروه، فيعملُ على وَخِي ذلك النبيِّ، وكان أوحى الله إلى شعيا: أنْ قل لحزقيا(٣) الملكِ أن يختار نبيًّا قويًّا أميناً من بني إسرائيل، فيبعثه إلى أهل نينوى، فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل، فإِنِّي ملقٍ في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخليةَ عنهم. فقال يونس لشعيا: هل أَمَرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سمَّاني لك؟ قال: لا. قال: فها هنا أنبياءٌ أمناءُ أقوياء! فألَحُوا عليه، فخرج مغاضباً للنبيِّ والملكِ وقومه، فأتى بحر الروم، وكان من قصته ما كان(٤). فابتُلي ببطن الحوت لتَرْكه أمر شعيا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمُليم: مَن فَعَل ما يُلام عليه. وكان ما فَعَله إمَّا صغيرةً، أو تَرْكَ الأَوْلى. وقيل: خرج ولم يكن نبيًّا في ذلك الوقت، ولكنْ أَمَره ملكٌ من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نِينوى ليدعوَ أهلها بأمر شعيا، فأَنِفَ أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحدٍ غیرِ الله، فخرج مغاضباً للملك، فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه، فدعاهم وآمنوا به. (١) في معاني القرآن له ٢/ ٦٣٥ . (٢) في (د) و(ز) و(ظ): حزقيل. (٣) في د) و(ز) و(ظ): لحزقيل. (٤) ذكره الثعلبي في عرائس المجالس ص ٤١٠ . ٢٦٩ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وقال القشيريُّ: والأظهَرُ أنَّ هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه، وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلَّهم؛ فإنه كره رَفْعَ العذاب عنهم. قلت: هذا أحسنُ ما قيل فيه، على ما يأتي بيانُه في ((والصافات))(١) إن شاء الله تعالی. وقيل : إنه كان من أخلاق قومه قتلُ مَن جرَّبوا عليه الكذبَ، فخشيَ أن يُقتَل، فغضب وخرج فارًّا على وجهه حتى ركب في سفينة(٢)، فسكنت ولم تَجْر، فقال أهلها: أفيكم آبِقٌ؟ فقال: أنا هو. وكان من قصَّته ما كان، فابتُلي ببطن الحوت تمحيصاً من الصغيرة كما قال في أهل أُحدٍ: ﴿حََّ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾(٣) [آل عمران: ١٥٢ - ١٥٤]. فمعاصي الأنبياءِ مغفورةٌ، ولكنْ قد يجري تمحيصٌ، ويتضمَّنُ ذلك زجراً عن المعاودة. وقول رابع: أنَّه لم يغاضب ربَّه، ولا قومه، ولا الملك، وأنه من قولهم: غضب: إذا أَنِفَ. وفَاعَلَ قد يكون من واحد، فالمعنى: أنه لمَّا وَعَدَ قومه بالعذاب وخرج عنهم، تابوا وكُشفَ عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أَنِفَ من ذلك، فخرج آبقاً(٤)، وينشد هذا البيت: وأغضب أن تُهجى تميمٌ بدارِمِ (٥) (١) عند تفسير الآية (١٣٩). (٢) النكت والعيون ٤٦٦/٣، والمحرر الوجيز ٩٧/٤. وقال ابن عطية: وفي هذا القول من الضعف ما لا خفاء به، مما لا يتصف به نبي. (٣) في النسخ: وليمحص الله الذين آمنوا، وهي الآية (١٤١) من ((آل عمران)). (٤) تأويل مشكل القرآن ص٣١٤ - ٣١٥، وقال ابن قتيبة: خشي أن ينسب إلى الكذب ويُعيَّر به، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته الأنفة والحميَّة. (٥) تأويل مشكل القرآن ص٣١٥ وفيه: وأعبد، بدل: وأغضب، والبيت للفرزدق، كما في إصلاح المنطق ص٥٩، والصحاح (عبد)، والحلل للبطليّوْسي ص١٤٢، وهو عندهم برواية: وَأَعْبَدُ أن أهجو كليباً بدارمٍ = أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم ٢٧٠ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ أي: آنَفُ. وهذا فيه نظر؛ فإنه يقال لصاحب هذا القول: إنَّ تلك المغاضبةَ وإن كانت من الأنَفة، فالأنَفةُ لابدَّ أن يخالطها الغضب وإن دقّ(١)، وأنت تقول: لم يغضب على ربِّه ولا على قومه، فذلك الغضبُ الذي يخالطُ الأنفةَ؛ على مَن كان؟!(٢) قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ قيل: معناه: استزلَّه إبليس، ووقع في ظنِّه إمكانُ ألَّا يقدِرَ الله علیه بمعاقبته(٣). وهذا قول مردودٌ مرغوبٌ عنه؛ لأنه کفر. روي عن سعيد بن جبير، حكاه عنه المهدوي، والثعلبيُّ عن الحسن(٤). وذكر الثعلبيُّ: وقال عطاء(٥) وكثيرٌ من العلماء: معناه: فظنَّ أنْ لن نضيِّق عليه الحبسَ(٦)، من قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن ◌َةُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يضيِّق، وقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. قلت: وهذا الأشبهُ بقول سعيد والحسن. وقَدَر وقُدِرَ وقَتَر وقُتِر بمعنى، أي: ضيّق، وهو قولُ ابن عباس فيما ذكره الماورديّ (٧) والمهدويّ. = ووقع في الحلل: آبائي، بدل: أحلاسي. وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢٣٨/٢، والعسكري في جمهرة الأمثال ١/ ٥١٢ برواية: وأَعْبَدُ. أولئك قوم إن هجوني هجوتهم ولم نقف عليه برواية: وأغضب. قال ابن قتيبة: العَبَد أصله: الغضب، ثم قد تسمَّى الأنفة عَبَداً. (١) بعدها في النسخ: على من كان، ولا معنى لها هنا، وسترد في موضعها، ووقع بعد قوله: يخالطها الغضب في (م): وذلك الغضب. (٢) قوله: فذلك الغضب الذي يخالط الأنفة على من كان، ليس في (م). (٣) المحرر الوجيز ٤ / ٩٧. (٤) عرائس المجالس ص ٤١٢، وأخرجه الطبري ٣٨٠/١٦ . (٥) بعدها في النسخ عدا (ظ): وسعيد بن جبير، والمثبت من (ظ)، وعرائس المجالس ص ٤١٢، وتفسير البغوي ٢٦٦/٣ . (٦) وقع في النسخ: قال الحسن، وهو تحريف، والمثبت من عرائس المجالس وتفسير البغوي ٢٦٦/٣، وتفسير أبي الليث ٣٧٧/٢، والوسيط ٢٤٩/٣ . (٧) في النكت والعيون ٤٦٦/٣ . : ٢٧١ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وقيل: هو من القَدَر الذي هو القضاء والحكم، أي: فظنَّ أنْ لن نقضيَ عليه العقوبةَ؛ قاله قتادةُ ومجاهدٌ والفرَّاء(١). مأخوذٌ من القَدَر، وهو الحكمُ، دون القدرة والاستطاعة. ورويَ عن أبي العباس أحمدَ بنٍ يحيى ثعلب أنه قال في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: هو من التقدير؛ ليس من القدرة، يقال منه: قدَر الله لك الخير يَقْدِرُه قَدْراً، بمعنى: قدَّر الله لك الخير، وأنشد ثعلب: لنا أبداً ما أبرمَ (٣) السَّلَمَ النَّضْرُ فليست عشيّاتُ اللِّوى(٢) برواجعٍ تبارَكْتَ ما تَقْدِرْ يقع ولك الشكرُ ولا عائداً (٤) ذاك الزمان الذي مضى يعني: ما تقدِّره وتقضي به يقع(٥). وعلى هذين التأويلين العلماء. وقرأ عمر بن عبد العزيز والزُّهريُّ: ((فظَنَّ أنْ لن نُقَدِّرَ عليه)) بضمِّ النون وتشديد الدال(٦) من التقدير. وحكى هذه القراءة الماورديُّ عن ابن عباس(٧). وقرأ عبيد بن عمير وقتادةٌ والأعرج: ((أنْ لن يُقَدَّرَ عليه)) بضم الياء مشدّداً على الفعل المجهول(٨). (١) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٢، والنكت والعيون ٤٦٦/٣، وأخرج قول مجاهد وقتادة الطبري ٣٧٩/١٦، وذكره عنهما البغوي ٢٦٦/٣ . (٢) في المصادر الآتية: الحمى. (٣) في (د) و(ز) و(م): أورق، وكذا وردت في بعض المصادر على ما يأتي. (٤) في (ظ) و(م): عائد، والمثبت من باقي النسخ والتمهيد ٤٤/١٨ ، والكلام منه. (٥) التمهيد ٤٤/١٨، وورد كلام ثعلب أيضاً ولكن دون الشعر في ياقوتة الصراط لغلام ثعلب ص٣٦٣-٣٦٤. والبيتان من قصيدة لأبي صخر الهذلي كما ذكر ابن عبد البر، وذكرهما القالي في أماليه ١/ ١٥٠ دون نسبة، وذكر البيت الأول أبو الفرج في الأغاني ٢٤/ ١٢٤ عن أبي صخر برواية: أورق السلم. قال ابن عبد البر: السلم، شجر من العضاء يدبغ به، والنضر: النضارة والتنعم، وأبرم السلم: أخرج برمته. اهـ والبرمة ثمر السلم، والعضاه: كلَّ ذات شوك. معجم متن اللغة (برم) و(عضه). (٦) تفسير البغوي ٢٦٦/٣، وتفسير الرازي ٢١٥/٢٢، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٩٧، وأبو حيان في البحر ٣٣٥/٦ عن الزهري وحده. (٧) النكت والعيون ٤٦٦/٣. (٨) ذكرها الرازي في التفسير ٢١٥/٢٢ عن عبيد بن عمير وحده، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٨١/٢ دون نسبة. ٢٧٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وقرأ يعقوبُ وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن وابن عباس أيضاً: ((يُقْدَرَ عليه)) بياء مضمومة وفتح الدَّال مخفَّفاً على الفعل المجهول(١). وعن الحسن أيضاً: ((فظَنَّ أن لن يَقْدِرَ عليه))(٢). الباقون (نَقْدِرَ)) بفتح النون وكسر الدال، وكلُّه بمعنى التقدير. قلت: وهذان التأويلان تَأوَّلهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قطّ لأهله: ((إذا مات فحرِّقوه، فوالله لئن قَدَر الله عليَّ)) الحديث. فعلى التأويل الأوّل يكون تقديره: والله لئن ضيَّق الله عليَّ وبالَغ في محاسبتي وجزائي(٣) على ذنوبي ليكوننَّ ذلك، ثم أمر أن يُحرق [بعد موته من] إفراط (٤) خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي: لئن كان سَبَقَ في قدر الله وقضائه أن يعذِّب كلَّ ذي مُرْمٍ على جرمه، ليعذّبني الله على إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذّبه أحداً من العالمين غيري. وحديثه خرَّجه الأئمة في ((الموطأ)) وغيره(٥). والرجلُ كان مؤمناً موحِّداً، وقد جاء في بعض طرقه: ((لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد))(٦) وقد قال حين قال الله تعالى له: ((لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب)) والخشيةُ لا تكون إلا لمؤمنٍ مصدِّقٍ (١) النشر ٢/ ٣٢٤ عن يعقوب، وذكرها أبو حيان في البحر ٦/ ٣٣٥ عن ابن أبي ليلى وأبي شرف والكلبي ويعقوب. (٢) ذكرها عن الحسن النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٧٧ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٩٧، وأبو حيان في البحر ٣٣٥/٦ . (٣) في (ز): وجزاني، والمثبت من باقي النسخ والتمهيد ٤٣/١٨ والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه. ووقع في الاستذكار ٣٦٩/٨ : وجازاني. (٤) في النسخ: بإفراط، والمثبت من التمهيد. (٥) الموطأ ٢٤٠/١، وصحيح البخاري (٣٤٨١) و(٧٥٠٦)، وصحيح مسلم (٥٧٥٦)، وهو من حديث أبي هريرة ﴾. (٦) أخرجه بهذه الرواية أحمد (٨٠٤٠). ٢٧٣ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ [بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم] قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَةُأُ﴾ [فاطر: ٢٨](١). وقد قيل: إنَّ معنى ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) الاستفهام، وتقديره: أَفظنَّ، فحذف ألف الاستفهام إيجازاً، وهو قول سليمان أبي المعتمر(٢). وحكى القاضي منذر بنُ سعيد: أنَّ بعضهم قرأ: ((أفظنَّ)) بالألف(٣). قوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنتُ مِنَ النَّالِمِينَ﴾ فیه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ((فنادى في الظُّلُمات)) اختلف العلماء في جمع الظلمات؛ ما المراد به؟ فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة: ظلمةُ الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت(٤). وذكر ابن أبي الدنيا: حدَّثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: حدّثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال قال: لمَّا ابتلع الحوثُ يونسَ عليه السلام أهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونسُ تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات، ظلماتٍ ثلاث: بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر: ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش(٥). (١) التمهيد ٤٠/١٨، والاستذكار ٣٦٥/٨ - ٣٦٦، وما سلف بين حاصرتين منهما. (٢) النكت والعيون ٤٦٦/٣، وفيه: سليمان بن المعتمر، ونقله عنه المصنف، وهو خطأ، وهو سليمان بن طَرخان التيمي والد المعتمر بن سليمان، وذكر قوله أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٣٨٣/٥ ، وأخرجه الطبري ١٦/ ٣٨١ عن ابن زید. (٣) المحرر الوجيز ٤ / ٩٧. (٤) النكت والعيون ٤٦٦/٣، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة وغيرهما الطبري ٣٨٢/١٦ - ٣٨٣. (٥) الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا (٣٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٤١/١١ - ٥٤٢ عن عبيد الله بن موسى بالإسناد المذكور مطولاً. ٢٧٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ وقالت فرقةٌ منهم سالم بن أبي الجعد: ظلمة البحر، وظلمة حوت التقم الحوت الأوّل. ويصحُّ أن يعبّر بالظلمات عن جوف الحوت الأوّل فقط، كما قال: ﴿في غَيَابَات الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] وفي كلِّ جهاته ظلمةٌ، فجمعُها سائغ(١). وذكر الماوَرْديّ (٢): أنه يحتمل أن يعبّر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدّة، وظلمة الوحدة. وروي: أنَّ الله تعالى أوحى إلى الحوت: لا تؤذٍ منه شعرةً، فإنِّي جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعامك. وروي: أنَّ يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر(٣). وذكر ابن أبي الدنيا: حدَّثنا العباس بن يزيد العبدي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا جعفر بن سليمان، عن عوفٍ، عن سعيد بن أبي الحسن قال: لمَّا التقم الحوت يونس عليه السلام ظنَّ أنه قد مات، فطول رجليه فإذا هو لم يمت، فقام إلى عادته (٤) يصلِّي، فقال في دعائه: واتَّخذتُ لك مسجداً حيث لم يتَّخذْه أحد(٥). قال أبو المعالي: قوله # ((لا تفضِّلوني على يونسَ بنِ متى))(٦) المعنى: فإِنِّي لم (١) المحرر الوجيز ٩٧/٤، وأخرج قول سالم بن أبي الجعد الطبريُّ ٣٨٣/١٦. والقراءة المذكورة من سورة يوسف هي قراءة نافع وأبي جعفر، وقد سلفت ٢٦٢/١١ . (٢) في النكت والعيون ٤٦٦/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٩٧/٤، وهذا الخبر والذي قبله ورد نحوهما في حديث أبي هريرة ﴾، أخرجه البزار (٢٢٥٤ - كشف) والطبري ٣٨٤/١٦ - ٣٨٥. وسيرد هذا الحديث بتمامه عند تفسير الآية (١٤١) من سورة الصافات. (٤) في (ظ): عبادته. (٥) الفرج بعد الشدة (٣٦)، وأخرجه الحاكم ٢/ ٥٨٥ من طريق سنيد بن داود، عن جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، عن الحسن وفيه : ... فحرك رجليه فإذا هي تتحرك فسجد وقال ... ، وسعيد بن أبي الحسن هو أخو الحسن البصري، وأخرجه الطبري ٣٨٤/١٦ من طريق آخر عن جعفر بن سليمان عن عوف الأعرابي قوله. (٦) ذكره بهذا اللفظ ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص١١٦، وأخرجه أحمد (٢١٦٧)، والبخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: ((لا يقل أحدٌ أنا خير من يونس ابن متَّی» وسلف ٤/ ٢٥٤ . ٢٧٥ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقربَ إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدلُّ على أنَّ الباريَ سبحانه وتعالى ليس في جهة (١). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((البقرة)) و((الأعراف))(٢). ﴿أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَّكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ یرید فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبرِ عليهم. وقيل: في الخروج من غير أن يؤذَّن له. ولم يكن ذلك من الله عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصاً. وقد يؤذَّب مَن لا يستحقُّ العقابَ کالصبيان؛ ذكره الماوردي(٣). وقيل: من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب. وقد دعا نوحٌ على قومه فلم يؤاخَذ. وقال الواسطيُّ(٤) في معناه: نزَّه ربَّه عن الظلم؛ وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافاً واستحقاقاً. ومثلُ هذا قولُ آدَمَ وحواء: ﴿رَبَّنَا ◌َلَمْنَآَ أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]؛ إذ كانا السَّبَبَ في وضعهما أنفسَهما في غير الموضع الذي أُنزلا فيه. الثانية: روى أبو داود، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبيِّ # قال: ((دعاء ذي النونٍ في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يَدْعُ به رجلٌ مسلم في شيءٍ قظُ إلَّا استُجِيبَ له))(٥). وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم. ورواه سعدٌ عن النبيِّ ﴾(٦). وفي الخبر: في هذه (١) ذكر قول أبي المعالي مطولاً ابن العربي في أحكام القرآن ١٦٠٩/٤، وسيرد بتمامه عند تفسير الآية (١٤١) من سورة الصافات. (٢) ٣٨٠/١ و٢٣٨/٩. (٣) في النكت والعيون ٣/ ٤٦٧، ووقع فيه: تأديباً، بدل: تمحيصاً. (٤) هو أبو بكر محمد بن موسى، وقوله مع ما سبقه ذكره القاضي عياض في الشفا ٢/ ٣٧١ . (٥) لم نقف عليه في سنن أبي داود، ولم ينسبه له المزي في التحفة، وهو في سنن الترمذي (٣٥٠٥)، وسنن النسائي الكبرى (١٠٤١٧)، وأخرجه أحمد مطولاً (١٤٦٢). (٦) أخرجه الحاكم ٥٠٥/١ - ٥٠٦، وأخرجه الطبري ٣٨٦/١٦ بلفظ: ((اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متَّى)) ولم يقل فيه: الأعظم، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٣٧١٤) عن الحسن قوله. ٢٧٦ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ الآية شَرَطَ الله لمن دعاه أن يجيبَه كما أجابه، وينجيّه كما أنجاه، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وليس هاهنا صريحُ دعاءٍ، وإنَّما هو مضمونُ قوله: ﴿إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاعترف بالظلم؛ فكان تلويحاً. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نخلِّصُهم من همِّهم بما سَبَقَ من عملهم، وذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ . لَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ يُّبْعَثُونَ﴾. وهذا حِفْظٌ من الله عزَّ وجلَّ لعبده يونس؛ رعى له حقَّ تعبُّده، وحَفِظَ زِمامَ ما سلف له من الطاعة. قال الأستاذ أبو إسحاق: صَحِب ذو النون الحوثَ أياماً قلائلَ، فإلى يوم القيامة يقال له: ذو النون، فما ظنُّك بعبدٍ عَبَدَه سبعين سنة، يبطل هذا عنده؟! لا يُظرُّ به ذلك(٢). ((مِن الْغَمِ)) أي: من بطن الحوت. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قراءةُ العامَّة بنونين؛ من أَنْجَى يُنْجِي. وقرأ ابن عامر: ((نُجِّي)) بنونٍ واحدة وجيمٍ مشدّدةٍ وتسكينِ الياء(٣) على الفعل الماضي وإضمارِ المصدر، أي: وكذلك نُجِّي النجاءُ المؤمنين، كما تقول: ضُرِب زيداً، بمعنى: ضُرِب الضربُ زيداً، وأنشد: ولو وَلَدتْ قُفَيْرُ جَرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بذلك الجروِ الكلَابَا(٤) (١) ورد ضمن حديث سعد﴾ عند الطبري ٣٨٦/١٦ المذكور في التعليق السابق. (٢) ورد هذا الكلام في لطائف الإشارات ٥١٩/٢ للأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وهو تلميذ الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. (٣) وقرأ بها أيضاً عاصم في رواية شعبة، كما في التيسير ص ١٥٥ . (٤) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص٣٩ - ٤٠، والبيت لجرير كما في رسائل الانتقاد لابن شرف القيرواني ص٥٣، والخزانة ٣٣٧/١ - ٣٣٨، وهو بلا نسبة في إعراب القرآن للنحاس ٤/ ١٤٤، والخصائص ٣٩٧/١، وشرح المفصل ٧٥/٧، وأمالي ابن الشجري ٥١٨/٢. قال البغدادي: قُفَيْرة اسم أم الفرزدق، والمعنى: أنها لو ولدت جرواً لسُبَّتْ جميع الكلاب بسبب ذلك الجرو. ولم يرد البيت في ديوان جریر. ٢٧٧ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٧ - ٨٨ أراد: لَسُبَّ السَّبُّ بذلك الجرو. وسكنت ياؤه على لغة مَن يقول: بَقِيْ ورَضِيْ فلا يحرِّك الياء. وقرأ الحسن: ((وَذَرُوا مَا بَقِيْ مِنَ الرِّبَا))(١) استثقالاً لتحريك ياءٍ قبلَها کسرة. وأنشد: خَمَّرَ الشَّيبُ لِمَّتِي تَخْمِيراً وَحَدَا بي إلى القُبور البَعِيرا ودُعيْ بالحسابِ أين المصيرا(٢) ليت شعري إذا القيامةُ قامتْ سكّن الياء في دُعيْ استثقالاً لتحريكها وقَبْلَها كسرةٌ، وفاعلُ حدا: الشيب(٣)، أي: وحدا الشيبُ البعير. ليت شعري المصيرَ أين هو (٤). هذا تأويلُ الفرَّاء(٥) وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة. وخطّأها أبو حاتم والزجَّاج(٦) وقالا: هو لحنٌ؛ لأنه نَصَبَ اسمَ ما لم يسمَّ فاعلُه، وإنَّما يقال: نُجِّيَ المؤمنون. كما يقال: كُرِّمَ الصالحون. ولا يجوز: ضُرِب زيداً، بمعنى: ضُرِب الضَّربُ زيداً؛ لأنه لا فائدةَ [فيه]؛ إذ(٧) كان ضُرِب يدلُّ على الضرب. ولا يجوز أن يُحتّ بمثل ذلك البيت علی کتاب الله تعالى. ولأبي عبيد قولٌ آخَرُ - وقاله القتَبيُّ - وهو أنه أَدْغَم النون في الجيم. النحاس(٨): (١) المحتسب ١٤١/١ . (٢) الإفصاح للفارقي ص١٨١، وأمالي ابن الشجري ٤٦/١، والبيت الثاني في كتاب الشعر لأبي علي الفارسي ٣١٤/١، ووقع في الأمالي والشعر: ودعا، بدل: ودُعي. وفي الإفصاح: لحيتي، بدل: لمتي. قال ابن الشجري: قوله: خمر الشيب لمتي، معناه: غطّى سوادها، وعنى بالبعير عمره. (٣) في (د) و(خ) و(م): المشيب، في الموضعين، والمثبت من (ز) و(ظ) والإفصاح. (٤) قال الفارقي: نصب ((المصير)) بمعنى قوله: ليت شعري؛ لأن معناه: ليتني أشعر. وقال ابن الشجري: (أين) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أين هو، وقد أساء بشيئين؛ بحذف المبتدأ، وبالفصل بين شعري ومعموله بأين، وهو أجنبي، ولو أُعطيَ الكلام حقَّه قيل: ليت شعري، المصيرَ أين هو؟ (٥) في معاني القرآن ٢١٠/٢ . (٦) في معاني القرآن ٤٠٣/٣ . (٧) في (ظ): إذا، والمثبت من باقي النسخ وإعراب القرآن للنحاس ٧٨/٣، والكلام وما بين حاصرتين منه. (٨) في إعراب القرآن ٣/ ٧٨، وما قبله منه، عدا قوله: وقاله القتبي. وذكر قول القتبي البغوي ٣/ ٢٦٧ . ٢٧٨ سورة الأنبياء: الآيات ٨٧ - ٩٠ وهذا القولُ لا يجوز عند أحدٍ من النَّحْويين؛ لبُعْدِ مخرج النون من مخرج الجیم فلا تُدْغَم فيها، ولا يجوز في ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [القصص: ٨٤]: مَجَّاءَ بِالْحَسَنَةِ. قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شيءٍ سمعته من عليٍّ بن سليمان؛ قال: الأصلُ: ننجي، فحذف إحدى النونين لاجتماعهما، كما تُحذف إحدى التاءين لاجتماعهما؛ نحو قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، والأصل: تتفرقوا. وقرأ محمد بن السَّمَيفع وأبو العالية: ((وكَذَلِكَ نَجَّى المُؤْمِنِينَ))(١)، أي: نَجَّى الله المؤمنين، وهي حسنة. قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِينَ ٨٩١ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَكِعُونَ فِى الْخَْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَأْ وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: واذكر زكريا. وقد تقدَّم في ((آل عمران)) ذِكْرُهُ(٢). ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا﴾ أي: منفرداً لا ولدَ لي، وقد تقدَّم (٣). ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِنَ﴾ أي: خيرُ مَن يَبْقَى بعد كلِّ مَن يموت، وإنما قال: ((خير الْوَارِثِينَ)) لِمَا تقدَّم من قوله: ﴿يَرِثُبِ﴾ [مريم: ٦] أي: أعلمُ أنك لا تُضيع دِينَك، ولكنْ لا تقطع هذه الفضيلةَ التي هي القيامُ بأمر الدِّين عن عَقِي. كما تقدَّم في ((مريم)) بيانُه(٤). قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْتَى﴾ تقدَّم ذكره مستوفى(٥). ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَـهُ﴾﴾ قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها (١) لم نقف على هذه القراءة عند غير المصنف. (٢) ١٠٧/٥. ١١٥/٥ وما بعدها. (٣) ٥٠٩/١٣ . (٤) ١٣ / ٤١٥ . (٥) ١١٥/٥ وما بعدها. ٢٧٩ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٩ - ٩٠ كانت عاقراً فجُعلت وَلوداً (١). وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئةَ الخُلُق، طويلةً اللسان، فأصلحها الله فجعلها حسنةَ الخُلُق(٢). قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيينٍ، فجُعِلَتْ حسنةَ الخُلُق ولوداً ... ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني الأنبياء المسمَّيْنَ في هذه السورة ﴿كَانُواْ بُسَرُونَ فِى الْخَبْرَتِ﴾. وقيل: الكناية راجعةٌ إلی زکریًّا وامرأته ویحیی. قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً﴾ أي: يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحالِ الشدة. وقيل: المعنى: يدعون وقتَ تعبُّدهم وهم بحالِ رغبةٍ ورجاءٍ، ورهبةٍ وخوف؛ لأنَّ الرَّغبة والرَّهبة متلازمان. وقيل: الرَّغَب: رَفْعُ بطون الأَكُفِّ إلى السماء، والرَّهَبُ: رَفْعُ ظهورها؛ قاله خُصَيْف. قال ابن عطية(٣): وتلخيصُ هذا أنَّ عادة كلِّ داع من البشر أن يستعين بيديه، فالرَّغَبُ من حيث هو طلبٌ يَحْسُنُ منه أن يوجِّه باطنَ الراحِ نحو المطلوب منه؛ إذ هي موضع إعطاء، أو بها يتملَّك(٤)، والرَّهَبُ من حيث هو دَفْعُ مَضَرَّةٍ يَحْسُنُ معه طَرْحُ ذلك، والإشارةُ إلی ذهابه وتَوَقِیه بنفض الید ونحوه. الثانية: روى الترمذي(٥) عن عمر بن الخطاب ﴾ قال: كان رسول الله ﴿ إذا رفع يديه في الدعاء لم يَحُطِّهما حتى يمسح بهما وجهه. وقد مضى في ((الأعراف)) (٦) (١) أخرج قول قتادة وسعيد بن جبير الطبري ٣٨٨/١٦. (٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٦٨/٣ عن عطاء وابن كامل، وذكره ابن الجوزي ٣٨٤/٥ عن عطاء والسدي ومحمد بن كعب. ولم نقف عليه عن ابن عباس. (٣) في المحرر الوجيز ٩٨/٤، وما قبله منه. (٤) في (ظ): إذ بها يتملك، وفي المحرر الوجيز: الإعطاء وبها يتملك. (٥) في سننه (٣٣٨٦)، وسلف ٢٤٦/٩ . (٦) ٩/ ٢٤٥ - ٢٤٧ . ٢٨٠ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٩ - ٩٠ الاختلافُ في رفع الأيدي، وذكرنا هذا الحديثَ وغيرَه هناك. وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته، وإلى أين؟ فكان بعضُهم يختار أن يبسط كفّيه رافعهما حَذْوَ صدرِه وبطونُهما إلى وجهه؛ روي عن ابن عمر وابن عباس. وكان عليٍّ يدعو بباطن كفّيه، وعن أنسٍ مثلُه، وهو ظاهرُ حديث الترمذيِّ، وقولِهِ ﴾: ((إذا سألتم اللـه فاسألوه ببطون أَكُفِّكُم، ولا تسألوه بظهورها، وامسحوا بها وجوهكم))(١). وروي عن ابن عمر وابن الزبير: برفعهما(٢) إلى وجهه، واحتجُوا بحديث أبي سعيد الخدري؛ قال: وقف رسول الله ﴿ بعرفةً فجعل يدعو، وجعل ظَهْرَ كفَّيْه ممَّا يلي وجهه، ورَفَعهما فوق ثدييه وأسفلَ من منكبيه(٣). وقيل: يحاذي بهما وجهَه، وظهورُهما ممَّا يلي وجهه. قال أبو جعفر الطبريُّ: والصوابُ أن يقال: إنَّ كلَّ هذه الآثارِ المرويَّةِ عن النبيِّ * متفقةٌ غيرُ مختلفة المعاني، وجائزٌ أن يكون ذلك من(٤) النبيِّ﴾ لاختلافِ أحوالٍ الدعاء، كما قال ابن عباس: إذا أشار أحدُكم بإصبعٍ واحدٍ فهو الإخلاص، وإذا رفع يديه حَذْوَ صدره فهو الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرُهما ممَّا يلي وجهه فهو الابتهال(٥). قال الطبري: وقد روى قتادة عن أنس قال: رأيت النبيَّ ﴾. (١) أخرجه أبو داود (١٤٨٥) من طريق محمد بن كعب، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﴾. قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضاً. (٢) في (ز): يرفعهما. (٣) أخرجه أحمد (١١٠٩٣) و(١١٨٠٦)، وفيه: ثَنْدُوَتيه، بدل: ثدييه، قال السندي كما في حاشية الحديث (١١٠٩٣) من المسند: الثندوة للرجل كالثدي للمرأة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦٨/١٠: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف. (٤) في (م): عن. (٥) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٣٢٤٧)، وأبو داود (١٤٨٩) و(١٤٩٠) و(١٤٩١).