النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ وقال أشهبُ في كتاب ابن المؤَّاز: إن كان رجوعه إلى الأصوب في مالٍ فله نقضُ الأوّل، وإن كان في طلاقٍ أو نكاحٍ أو عتقٍ فليس له نَقْضُه(١). قلت: رجوعُ القاضي عمَّا حَكم به إذا تبيَّن له أنَّ الحقَّ في غيره ما دام في ولايته أَوْلَى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما(٢)؛ رواها الدار قطنيّ(٣)، وقد ذكرناها في ((الأعراف)) (٤) ولم نفصِّل(٥)، وهي الحجة لظاهِرٍ قولٍ مالك. ولم يختلف العلماء أنَّ القاضيَ إذا قضى تجوُّزاً وبخلاف أهل العلم، فهو مردودٌ وإن كان على وجه الاجتهاد، فأمَّا أن يتعقَّب قاضٍ حُكْمَ قاضٍ آخَرَ فلا يجوز ذلك له؛ لأنَّ فيه مضرةً عُظْمَى من جهة نقضٍ الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعَدَمٍ ضبط قوانين الإسلام، ولم يتعرَّض أحدٌ من الخلفاء(٦) لنقض ما رآه(٧) الآخَر، وإنما كان يحكُم بما يَظْهَر له. الثانية عشرة: قال بعض الناس: إنَّ داود عليه السلام لم يكن أَنْفَذَ الحكم وظَهَر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حُكْماً وإنما كانت فتيا(٨). قلت: وهكذا تَأَوَّلَ(٩) فيما رواه أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((بينما امرأتان معهما ابناهُما جاء الذئبُ فذهبَ بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها : (١) المحرر الوجيز ٩٢/٤، وينظر المدونة ١٤٤/٥، والنوادر والزيادات ٨/ ٩٧ - ٩٨. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٥. (٣) برقم (٤٤٧١)، وجاء فيها : ... لا يمنعك قضاءٌ قضيتَه راجعتَ فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك أن تُراجع الحقَّ؛ فإن الحق قديم، ومراجعةُ الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ... (٤) ٩ / ١٦٨ . (٥) في النسخ عدا (د): يفصل، والمثبت من (د). (٦) في (م): العلماء، والمثبت من النسخ الخطية وأحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٥/٣ والكلام منه. (٧) في (م): رواه، والمثبت من النسخ الخطية وأحكام القرآن لابن العربي. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٥/٣ . (٩) في (م): تؤول. ٢٤٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ إنَّما ذهب بابنك أنتِ. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتَحاكَمتا إلى داودَ، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمانَ بنِ داود عليهما السلام فأَخْبرَتاه، فقال: ائتوني بالسكِّين أشقُّه بينكما، فقالت الصغرى: لا - يرحمكَ الله - هو ابنُها. فقضى به للصغرى)) قال أبو هريرة: [واللهِ] إنْ سمعتُ بالسِّكِّين قطُ إلَّا يومئذٍ، ما كنَّا نقول إلَّا المُذْية؛ أخرجه مسلم (١). فأمَّا القولُ بأنَّ ذلك من داود [كان] فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبيَّ، وفُتياه حُكْمٌ. وأمَّا القولُ الآخَرُ فبعيدٌ (٢)؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَثِ﴾ فبَيَّن أنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان قد حَكم (٣). وكذا قولُه في الحديث: فقضى به للكبرى، يدلُّ على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أَبْعَدَ من قال: إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى، [وهذا أيضاً فاسد؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك، و] لأنَّ الكبر والصغر طَرْدٌ مَحْضٌ عند الدعاوى، كالظُول والقِصَر والسَّواد والبياض، وذلك لا يوجب ترجيحَ أحد المتداعِيَيْن حتى يُحكَم له أو عليه لأجل ذلك. وهذا مما يَقْطَع به مَن فَهِمَ ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ داود عليه السلام إنَّما قضى به للكبرى لسببٍ اقتضى عنده ترجيحَ قولها، ولم يُذكر في الحديث تعيينُه(٤) إذ لم تَدْعُ حاجةٌ إليه، فيمكن أن [يقال: إنَّ] الولد كان بيدها، وعَلِمَ عَجْزَ الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاءً لما كان على ما كان. وهذا التأويلُ أحسنُ ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له (١) في صحيحه (١٧٢٠)، وهو عند أحمد (٨٢٨٠)، والبخاري (٣٤٢٧)، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر. (٢) في (د) و(م): فيبعد. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٥/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) في (د): بعينه. ٢٤٣ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ قاعدةُ الدعاوى الشرعية التي يبعد اختلافُ الشرائع فيها. لا يقال(١): فإنْ كان داود قضى بسببٍ شرعيٍّ، فكيف ساغ لسليمانَ نَقْضُ حكمه؟ فالجواب: أنَّ سليمان عليه السلام لم يتعرَّض لحكم أبيه بالنَّقْض، وإنَّما احتال حيلةً لطيفةً ظهر له بسببها صدقُ الصغرى، وهي أنه لمَّا قال: هاتِ السكينَ أشقُّه بينكما، قالت الصغرى: لا. فظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى، وعُدْمِ ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن، ما حصل له العلم بصِدْقها فحكم لها. ولعلَّه كان ممن سوِّغ له أن يحكم بعلمه(٢). وقد ترجم النَّسائيُّ على هذا الحديث: حكم الحاكم بعلمه. وتَرجَم له أيضاً : السعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يَفعله أَفْعلُ ليستبين الحقّ. وتَرجم له أيضاً: نَقْضُ الحاكم ما يَحكم به غيرُه ممن هو مِثْلُه أو أَجَلُّ منه(٣). ولعل الكبرى اعترفت بأنَّ الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الحزمَ والجِدَّ في ذلك، فقضى بالولد للصغرى. ويكونُ هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف؛ حَضَر مَن استخرج من المنکِر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نَقْضٍ الحكم الأوّل، لكنْ من باب تبدُّل الأحكام بحسب تبدُّل الأسباب. والله أعلم(٤). وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الأنبياء سوِّغ لهم الحكم بالاجتهاد، وقد ذكرناه(٥). وفيه من الفقه: استعمالُ الحكّام الحيلَ التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك يكون (١) في المفهم ١٧٦/٥ (والكلام وما سلف بين حاصرتين منه): فإن قيل. (٢) المفهم ٥/ ١٧٥ - ١٧٦ . (٣) سنن النسائي (المجتبى) ٢٣٤/٨ و٢٣٦. (٤) المفهم ١٧٦/٥ . (٥) في المسألة السادسة، والكلام من المفهم ١٧٦/٥ . ٢٤٤ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ عن قوّة الذكاء والفطنة، وممارسةِ أحوال الخَلْق؛ وقد يكون في أهل التقوى فِراسةٌ دينية، وتوسُّماتٌ نُورية، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. وفيه الحجة لمن يقول: إنَّ الأمَّ تُستلحَق، وليس مشهورَ مذهب مالك(١)، وليس هذا موضعَ ذكره. وعلى الجملة فقضاءُ سليمانَ في هذه القصة تضمَّنها مَدْحُه تعالى له بقوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾. الثالثة عشرة: قد تقدَّم القول في الحرث(٢)، والحكمُ في هذه الواقعة في شرعنا: أنَّ على أصحاب المواشي حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمانُ في المِثْل بالمِثْليَّات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصلُ في هذه المسألة في شرعنا ما حَكّم به نبيّنا # في ناقة البراء بن عازب؛ رواه مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن مُحيِّصة: أنَّ ناقةً للبراء دخلت حائطً رجلٍ فأفسدتْ فيه، فقضى رسول الله﴿ أنَّ على أهل الحوائط حفظَها بالنهار(٣)، وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها(٤). هكذا رواه جميع رواة [الموطأ](٥) مرسَلاً. وكذلك رواه أصحابُ ابن شهاب عن ابن شهاب، إلَّا ابنَ عيينة، فإنه رواه عن الزهري عن سعيد [بن المسيب] وحرام بن سعد بن مُحيِّصة: أنَّ ناقة، فذكر مثلَه بمعناه(٦). ورواه ابن أبي ذئبٍ عن ابن شهاب: أنه بلغه أنَّ ناقةً للبراء دخلت حائط قوم، (١) المفهم ٥/ ١٧٧ . (٢) في المسألة الأولى. (٣) في النسخ: بالليل، وهو خطأ. (٤) الموطأ ٢/ ٧٤٧، وأخرجه موصولاً أحمد (١٨٦٠٦) و(٢٣٦٩١)، وأبو داود (٣٥٧٠)، وابن ماجه (٢٣٣٢). (٥) في النسخ: جميع الرواة، والمثبت من التمهيد ٨١/١١، والاستذكار ٢٥١/٢٢ . والكلام وما بين حاصرتین منهما. (٦) أخرجه أحمد (٢٣٦٩٤) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦١٦٠)، والبيهقي ٣٤٢/٨، وابن عبد البر في التمهيد ٨٩/١١ من طريق ابن عينية بالإسناد المذكور. ٢٤٥ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ مثلَ حديث مالك سواء، إلَّا أنه لم يذكرُ حرام بنَ سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر(١): ولم يصنع ابن أبي ذئب شيئاً؛ لأنه(٢) أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريِّ، عن حرام بن محيِّصةً، عن أبيه، عن النبيِّ #، ولم يتابَع عبد الرزاق على ذلك، وأنكروا عليه قولَه: عن أبيه(٣). ورواه ابنٍ جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامَة بنُ سهل بن حنيف: أنَّ ناقةً دخلت في حائط قوم فأفسدت (٤). فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أنَّ الناقة كانت للبراء. وجائزٌ أن يكون الحديث عند(٥) ابن شهاب عن ابن مُحيِّصة، وعن سعيد بن المسيِّب، وعن أبي أمامة، والله أعلم. فحدَّث به عمَّن شاء منهم على ما حَضَره، وكلُّهم ثقات. قال أبو عمر(٦): وهذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديثٌ مشهورٌ أرسله الأئمة، وحدَّث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقّوه بالقبول، وجرى في المدينة العملُ به، وحَسْبُكَ باستعمال أهل المدينة وسائرٍ أهل الحجاز لهذا الحديث. الرابعة عشرة: ذهب مالكٌ وجمهورُ الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعةٌ من الكوفيين إلى أنَّ هذا الحكم منسوخ، وأنَّ البهائم إذا أفسدت زرعاً في ليلٍ أو نهارٍ أنه لا يلزم صاحبَها شيء، وأَذْخَلَ فسادها في عموم قوله: ((جُرحُ العَجْماءِ جُبَارٌ))، فقاس جميعَ أفعالها على جرحها. ويقال: إنه ما تقدَّم أبا حنيفةَ أحدٌ بهذا القول(٧)، ولا حجةً له ولا لمَن تَبعه في حديث العجماء، (١) في التمهيد ١١/ ٨١ . (٢) في (م): إلا أنه، والمثبت من النسخ الخطية والتمهيد. (٣) التمهيد ٨١/١١، والحديث في مصنف عبد الرزاق (١٨٤٣٧)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٣٥٦٩). (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٣٨). (٥) في (م): عن، والمثبت من النسخ الخطية والاستذكار ٢٥١/٢٢، والكلام منه. (٦) في التمهيد ١١/ ٨٢ . (٧) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٥٠١/٢ - ٥٠٢، والمحرر الوجيز ٩٢/٤ - ٩٣، وقوله: ((جرح العجماء جبار)) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧١٢٠)، والبخاري (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠) عن أبي هريرة ﴾. والجبار: الذي لا قَوَد فيه ولا دية ولا شيء. المفهم ١٤٤/٥. ٢٤٦ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ وكونِه ناسخاً لحديث البراء ومُعارضاً له؛ فإنَّ النَّسْخَ شروطُه معدومة، والتعارُضُ إنما يصحُّ إذا لم يمكن(١) استعمالُ أحدهما إلَّا بنفي الآخَر، وحديثُ: ((العجماءُ جُرْحُها جُبَار)) عمومٌ متفقٌ عليه، ثم خُصَّ منه الزرع والحوائط بحديث البراء؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ لو جاء عنه في حديث واحد: العجماءُ جُرْحُها جُبَارٌ نهاراً لا ليلاً، وفي الزرع والحوائط والحرث [دون غيره]، لم يكن هذا مستحيلاً من القول، فكيف يجوز أن يقال في هذا: متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكورٌ في الأصول. الخامسة عشرة: إن قيل: ما الحكمةُ في تفريق الشارع بين الليل والنهار؟ وقد قال الليث بن سعد: يضمَن أربابُ المواشي بالليل والنهار كلَّ ما أفسدتْ(٢)، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرقُ بينهما واضح، وذلك أنَّ أهل المواشي بهم ضرورةٌ إلى إرسال مواشيهم لترعى بالنهار، والأغلبُ عندهم أنَّ مَن عنده زرعٌ، يتعاهدُه بالنهار ويحفظُه عمَّن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع؛ لأنه وقتُ التصرُّف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا التََّارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]، فإذا جاء اللیل فقد جاء الوقت الذي يرجع کلُّ شيء إلى موضعه وسکنه، كما قال الله تعالی: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢]، وقال: ﴿وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكَنَا﴾ [الأنعام: ٩٦]، ويردُّ أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرَّط صاحبُ الماشية في ردِّها إلى منزله، أو فرَّط في ضَبْطِها وحَبْسِها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئاً، فعليه ضمانُ ذلك(٣)، فجرى الحكم على الأوفق الأسمح، (١) في (د) و(ز) و(ظ): يكن، والمثبت من (خ) و(م) والتمهيد ٨٦/١١، والكلام وما سيرد بين حاصرتين منه. (٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٨٤/١١، والاستذكار ٢٥٥/٢٢ بلفظ: يضمن ربُّ الماشية ما أفسدت بالليل والنهار ... (٣) التمهيد ٨٦/١١ - ٠٨٧ ٢٤٧ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ وكان ذلك أرفقَ بالفريقين، وأسهلَ على الطائفتين، وأحفظً للمالين، وقد وضح الصبحُ لذي عينين، ولكن لسليم الحاسَّتين. وأمَّا قولُ الليث: لا يضمن أكثرَ من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: لا أعلم مِن أين قال هذا الليثُ بن سعد؟ إلَّ أنْ يجعله قياساً على العبد الجاني [أنه] لا يُفْتَكُ بأكثر من قيمته، ولا يلزم سيدَه في جنايته أكثرُ من قيمته، وهذا ضعيفُ الوجه. كذا قال في ((التمهيد))(١). وقال في ((الاستذكار))(٢): فخالَفَ الحديثَ في ((العجماءُ جرحُها جبار))، وخالَفَ [حديثَ] ناقةِ البراء، وقد تقدَّمه إلى ذلك طائفةٌ من العلماء؛ منهم عطاء؛ قال ابن جريج: قلتُ لعطاء: الحرثُ تصيبه الماشيةُ ليلاً أو نهاراً؟ قال: يضمن صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حَظْرٌ أو لم يكن؟ قال: نعم. قلت: ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابَّتُه وماشيته. وقال معمر عن ابن شُبْرُمة: يُقوَّم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهمَ. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما : یضمن ربُّ الماشية ليلاً ونهاراً(٣)، من طرقٍ لا تصحّ. السادسة عشرة: قال مالك: ويقوَّم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائطُ التي تُحرس والتي لا تحرس، والمحظّرُ عليها وغيرُ المحظّرِ سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغاً ما بلغ، وإن كان أكثرَ من قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابةٌ بالليل فوطئت على رجلٍ نائم لم يغرم صاحبها شيئاً، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث؛ ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربِّها وإن كان أضعافَ ثمنها؛ لأنَّ الجناية من قِبَله؛ إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد؛ حكاه سحنون وأصبغُ وأبو زيد عن ابن القاسم(٤). (١) ٨٤/١١ - ٨٥، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) ٢٥٦/٢٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في (د) و(م): أو نهاراً، والمثبت من باقي النسخ والاستذكار، وخبرا عطاء وابن شبرمة أخرجهما عبد الرزاق (١٨٤٢٩) و(١٨٤٣١). (٤) التمهيد ٨٢/١١ - ٠٨٣ ٢٤٨ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ السابعة عشرة: ولا يُستأنَى بالزَّرع أن ينبت أو لا ينبت كما يُفعل في سنِّ الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمتُه لو حلَّ بيعه. وقال أشهبُ وابن نافع في ((المجموعة)) عنه: وإن لم يَبْدُ صلاحُه. ابن العربيّ(١): والأوّلُ أقوى لأنَّها صفته، فیقوّم کما يقوّم كلُّ متلَفٍ على صفته. الثامنة عشرة: لو لم يُقْضَ للمفسَد له(٢) بشيء حتى نَبَتَ وانجبر، فإن كان فيه قبلَ ذلك منفعةُ رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعةٌ فلا ضمان. وقال أصبغ: يضمن؛ لأنَّ التلف قد تحقَّق، والجبر ليس من جهته؛ فلا يعتدُّ له به. التاسعة عشرة: وقع في كتاب ابن سحنون: أنَّ الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطانٌ مُحْدَقة، وأمَّا البلادُ التي هي زروعٌ مثَّصلةٌ غيرُ مُحظَرة، وبساتينُ كذلك، فيضمن أربابُ النَّعم ما أفسدت من ليل أو نهار. كأنه ذهب إلى أنَّ ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعدٍّ؛ لأنها ولا بدَّ تُفْسِد(٣). وهذا جنوحٌ إلى قول اللیث. الموفية عشرين: قال أصبغُ في ((المدنيّة)»(٤): ليس لأهل المواشي أن يُخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذُوَّاد. فرَّب العلماء على هذا أنَّ البقعة لا تخلو أن تكون بقعةَ زرعٍ، أو بقعةَ سَرْحٍ؛ فإن كانت بقعةً زرعٍ فلا تدخلها ماشيةٌ إلا ماشيةٌ تجتاح [في الزرع]، وعلى أربابها حِفْظُها، وما أفسدتْ فصاحبُها ضامنٌ ليلاً أو نهاراً. وإن كانت بقعةً سرحٍ فعلى صاحب [الزرع] الذي حَرَثَه فيها حِفْظُه، ولا شيءَ على أرباب المواشي(٥). (١) في أحكام القرآن ٣/ ١٢٥٧ . (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٢٥٧ (والكلام منه): في المفسد، بدل للمفسد له. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٩٢ . (٤) ((المدنيَّة)) مجموعة كتب لعبد الرحمن بن دينار المالكي الأندلسي، سمعها منه أخوه عيسى بن دينار وعرضها على ابن القاسم. ترتيب المدارك ١٥/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٧/٣ - ١٢٥٨، وما سلف بين حاصرتين منه. ٢٤٩ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ الحادية والعشرون: المواشي على قسمين: ضَوَاري وحَريسة(١)، وعليهما قسمها مالك. فالضَّواري هي المعتادةُ للزرع والثمار، فقال مالك: تُغرَّبُ وتباع في بلدٍ لا زَرْعَ فيه؛ رواه ابن القاسم في ((الكتاب)) وغيره. قال ابن حبيب: وإن کره ذلك ربُّها، وكذلك قال مالك في الدابَّة التي ضَرِيَتْ(٢) إفساد الزرع: تغرَّبُ وتباع. وأمَّا ما يُستطاع الاحتراسُ منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه. الثانية والعشرون: قال أصبغ: النَّحلُ والحمام والإوزُّ والدجاج كالماشية، لا يُمنع صاحبها من اتّخاذها وإن أضرَّت، وعلى أهل القرية حِفْظُ زروعهم. قال ابن العربيّ(٣): وهذه روايةٌ ضعيفةٌ لا يُلتفت إليها، مَن أراد أن يتَّخذ ما ينتفع به مما لا يضرُّ بغيره مُكِّن منه، وأمَّا انتفاعُه بما يتخذه بإضراره بأحدٍ فلا سبيل إليه. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ))(٤). وهذه الضواري عن ابن القاسم في ((المدنيَّة)): لا ضمانَ على أربابها إلَّا بعد التقدُّم. ابن العربيِّ: وأرى الضمان عليهم قبل التقدُّم إذا كانت ضواري. الثالثة والعشرون: ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الشعبيِّ: أنَّ شاةً وقعت في غزل حائكٍ، فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشَّعبيُّ: انظُروه فإنه سيسألهم: أليلا وقعت فيه أم(٥) نهاراً؟ ففعل، ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريحٌ: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: والنَّفَشُ بالليل، والهَمَل بالنهار(٦). (١) الحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة، أي: إن لها مَن يحرسها ويحفظها. والمواشي الضارية: هي المعتادة لرعي زروع الناس. النهاية (حرس) و(ضري). (٢) أي اعتادت، ووقع بعدها في (د) و(م): في، وفي (ظ): على، والمثبت من (خ) و(ز)، وأحكام القرآن لابن العربي ١٢٥٨/٣، والكلام منه. (٣) في أحكام القرآن ١٢٥٨/٣، وما قبله منه. (٤) سلف ٦/ ٨١. (٥) في النسخ: أو، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٦) الاستذكار ٢٥٢/٢٢ - ٢٥٣، والخبر في مصنف عبد الرزاق (١٨٤٣٩). ٢٥٠ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ قلت: ومن هذا الباب قولُهُ ﴾: ((العجماءُ جرحُها جُبَارٌ)) الحديث. وقال ابن شهاب: والجُبار الهدر، والعجماء البهيمة (١). قال علماؤنا: ظاهرُ قوله: ((العجماءُ جُرْحُها جُبَار)) أنَّ ما انفردت البهيمةُ بإتلافه لم يكن فيه شيءٌ، وهذا مُجْمَعٌ عليه. فلو كان معها قائدٌ أو سائقٌ أو راكبٌ، فحملها أحدهم على شيء فأتلفته، لزمه حكمُ المتلَف؛ فإن كانت جنايةً مضمونةً بالقصاص، وكان الحملُ عمداً، كان فيه القصاصُ ولا يُختلف فيه؛ لأنَّ الدابَّة كالآلة. وإن كان عن غير قصدٍ؛ كانت فيه الدیةُ علی العاقلة، وفي الأموال الغرامةُ في مال الجاني(٢). الرابعة والعشرون: واختلفوا فيمَن أصابته برجلها أو ذَنَبها، فلم يضمِّن مالكٌ والليث والأوزاعيُّ صاحبها، وضمَّنه الشافعيُّ وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمة. واختلفوا في الضَّارِيَّةِ؛ فجمهورُهم أنَّها كغيرها، ومالكٌ وبعضُ أصحابه يضمِّنونه(٣). الخامسة والعشرون: روى سفيان بن حسين، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((الرِّجْلُ جُبَارٌ))(٤) قال الدار قطنيُّ: لم يَرْوِهِ غيرُ سفيان بنِ حسين ولم يتابَع عليه، وخالفه الحُفَّاظ عن الزُّهريِّ؛ منهم مالكٌ وابنُ عيينةَ ويونسُ ومعمرٌ وابنُ جُريج والزبيديُّ وعقيلٌ ولیث بنُ سعد وغيرهم، كلُّهم رَوَوْه عن الزُّهريِّ فقالوا: ((العجماءُ جُبَارٌ، والبئر جُبَارٌ، والمعدنُ جُبَار)»(٥) ولم يذكروا الرَّجل، وهو الصَّواب. وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بنُ سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، لم يذكروا (١) سنن الدار قطني (٣٣٠٤). (٢) المفهم ٥/ ١٤٤. (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه أبو داود (٤٥٩٢)، والنسائي في الكبرى (٥٧٥٦)، والدارقطني (٣٣٠٦) و(٣٣٨٤)، وكلامه بعده فیه. (٥) سلف تخريجه في المسألة الرابعة عشرة. ٢٥١ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ فيه: ((والرِّجلُ جُبَارٌ))، وهو المحفوظُ عن أبي هريرة. السادسة والعشرون: قولُه: ((والبئر جُبار)) قد رُوي موضعه: ((والنار))؛ قال الدار قطنيُ(١): حدّثنا حمزة بن القاسم الهاشميُّ، حدَّثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزّاق: حديثُ أبي هريرة: ((والنارُ جُبَار)) ليس بشيء، لم يكن في الكتاب(٢)، باطلٌ ليس هو بصحيح. حدَّثنا محمد بن مَخْلَد، حدَّثنا أبو إسحاق إبراهيم بنُ هانئ قال: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: أهلُ اليمن يكتبون النار: النير، ويكتبون البِير - يعني مثلَ ذلك - وإنما لُقِّن عبد الرزاق: ((النار جبار))(٣). قال الرَّمَاديّ(٤): قال عبد الرزاق: قال معمر: لا أراه إلَّ وَهَمَاً. قال أبو عمر: روي عن النبيِّ ﴾ [من] حديث مَعْمَر، عن همَّام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة عن النبيِّ# أنه قال: ((النار ◌ُبار))(٥) وقال يحيى بن مَعِين: أصلُه: البئر، ولكنَّ معمراً صحَّفه. قال أبو عمر: لم يأتِ ابن مَعِين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا تُردُّ أحاديثُ الثقات. ذكر وكيع، عن عبد العزيز بن حصين، عن يحيى بن يحيى الغسانيّ (١) في سننه (٣٣٠٨). (٢) في مطبوع سنن الدارقطني: لم يكن في الكتب. (٣) سنن الدارقطني (٣٣٠٩)، وحديث ((النار جبار)) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٧٥٧)، وابن ماجه (٢٦٧٦)، والدارقطني (٣٣٠٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبِّه، عن أبي هريرة به. وأخرجه أبو داود (٤٥٩٤) وابن حزم في المحلى ١١/ ٢٠، من طريق عبد الملك الصنعاني، عن معمر به. قال الخطابي في معالم السنن ٤٠/٤ : لم أزل أسمع أصحاب الحديث يقولون: غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو: البئر، حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدلَّ أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق. اهـ. وقال ابن حزم: هذا خبر صحيح تقوم به الحجة. وتتمة الكلام في هذا الحدیث سترد من قول ابن عبد البر رحمه الله. (٤) هو أحمد بن منصور، وذكر قوله الداقطني إثر الحديث (٣٣٠٧)، وهو الذي رواه عن عبد الرزاق عند الدار قطني. (٥) في الاستذكار ٢١٦/٢٥ - ٢١٧ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٢٥٢ سورة الأنبياء: الآيتان ٧٨ - ٧٩ قال: أحرق رجل تبناً(١) في قَرَاحِ له، فخرجت شررةٌ من نارٍ حتى أحرقت شيئاً لجاره. قال: فكتبت(٢) فيه إلى عمر بن عبد العزيز ﴾(٣)، فكتب إليَّ: أنَّ رسول اللـه ل:﴿ قال: ((العجماءُ جُبار)) وأرى أنَّ النار جُبَار (٤). وقد رُوي: ((والسائمةُ جُبار))(٥) بدل العجماء. فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث، ولكلِّ معنّى لفظٌ صحيحٌ مذكورٌ في شرح الحديث وكتب الفقه. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قال وَهْب: كان داودُ يمرُّ بالجبال مسبِّحاً والجبالُ تُجاوِبُه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال: ((وَسَخَّرْنَا)) أي: جعلناها بحيث(٦) تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إنَّ سيرها (٧) معه [هو] تسبيحُها، والتسبيحُ مأخوذٌ من السباحة (٨)، دليله قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِِّ مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]. وقال قتادة: ((يُسَبِّحْنَ)): يُصلِّيْنَ معه إذا صلَّى(٩)، والتسبيحُ: الصلاة. وكلٌّ مُحتمِلٌ. وذلك فِعْلُ الله تعالى بها؛ ذلك لأنَّ الجبال لا تعقِل، فتسبيحُها دلالةٌ على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمُحدثين. (١) في (م): سافى، وفي (د): ساقى، وفي (ظ): بيتا في، والمثبت من (خ) و(ز) والاستذكار. (٢) في النسخ: فكتب، والمثبت من الاستذكار. (٣) بعدها في (د) و(ز) و(م): ابن حصين. (٤) الاستذكار ٢١٧/٢٥، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٩٧ - ٣٩٨، ومن طريقه ذكره ابن حزم في المحلى ٢٠/١١. والقراح: الأرض لا ماء فيها ولا شجر، أو المخلَّصة للزرع والغرس. القاموس (قرح). (٥) أخرجه الدارمي (٢٣٧٩) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه أحمد (١٤٨١٠) من حديث جابر ﴾. وأخرجه الدارقطني (٣٣١٠) من طريق هزيل بن شرحبيل عن النبي #، مرسلاً. (٦) قوله: بحيث، ليس في (ظ). (٧) في (ظ): تسخيرها. (٨) النكت والعيون ٣/ ٤٦٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٩) أخرجه الطبري ٣٢٨/١٦. ٢٥٣ سورة الأنبياء: الآية ٨٠ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ ٨٠ شَكِرُونَ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَعَّْنَهُ صَنْعَةً لَبُوُسٍ لَّكُمْ﴾ يعني اتِّخاذَ الدُّروع بإلانةِ الحديد له. واللَّبوسُ عند العرب: السلاحُ كلُّه؛ درعاً كان أو جَوْشَناً (١)، أو سيفاً أو رمحاً؛ قال الهُذَليُّ يصف رُمحاً : ومَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئيسِ كأَنَّهُ رَوْقٌ بجبهةٍ ذِي نِعَاجِ مُجْفِلٍ(٣) واللَّبوسُ: كلُّ ما يُلبس، وأنشد ابن السِّكِّيت: الْبَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوسَها إِمَّا نَعيمَها وإمَّا بُوسَهَا(٣) وأراد الله تعالى هنا الدِّرع، وهو بمعنى الملبوس، نحو الرَّكوب والحَلُوب. قال قتادة: أوّلُ مَن صنع الدروع داود، وإنَّما كانت صفائحَ، فهو أوّلُ من سَرَدَها وحَلَّقها(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿لِيُخْصِنَكُمْ﴾: ليُخرِزَكم ﴿مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: من حربكم. وقيل: من السيف والسَّهم والرمح، أي: من آلةٍ بأسكم، فحذف المضاف. ابن عباس: من سلاحكم. الضخَّاك: من حرب أعدائكم(٥). والمعنى واحدٌ. وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفصُ ورَوْحٌ: ﴿لِنُحْضِنگم﴾ بالتاء ردًّا على (١) الجوشن: اسم الحديد الذي يلبس من السلاح. اللسان (جشن). (٢) تفسير الطبري ٣٢٩/١٦، والهذلي هو أبو كبير عامر بن الخُلَيْس، والبيت في ديوان الهذليين ٩٨/٢، وقال شارحه: ذي نعاج، يعني ثوراً. والرَّوْق: القَرْن. اهـ والبئيس: الشجاع. القاموس (بئس). (٣) الصحاح (لبس)، وإصلاح المنطق ص٣٦٧، والرجز لبيهس الفزاري كما في جمهرة الأمثال ٢١٢/٢، ومجمع الأمثال ١٥٢/١، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ٦٥٩/٢، والخزانة ١٠٣/١١. (٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢٧/٢، والطبري ٣٢٩/١٦. (٥) ذكر خبر ابن عباس وخبر الضحاك الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٦٠ . ٢٥٤ سورة الأنبياء: الآية ٨٠ الصَّنْعة (١)، وقيل: على اللَّبوس والمَنَعة التي هي الدروع. وقرأ شيبةٌ وأبو بكر والمفضَّل ورُوَيس وابن أبي إسحاق: ((لِنُحْصِنَكُمْ)) بالنون(٢)؛ لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَهُ﴾. وقرأ الباقون بالياء؛ جعلوا الفعل للَّبوس، أو يكون المعنى: ليُخْصِنكم الله. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَكِّرُونَ﴾ أي: على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: ((هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)) بأن تطيعوا رسولي. الثالثة: هذه الآيةُ أصلٌ في اتّخاذ الصنائع والأسباب، وهو قولُ أهلِ العقول والألباب، لا قولُ الجَهَلةِ الأغبياء القائلين بأنَّ ذلك إنَّما شُرع للضُّعفاء، فالسببُ سُنَّةُ الله في خَلْقِهِ، فَمَن طَعَنَ في ذلك فقد طَعَنَ في الكتاب والسُّنة، ونَسَبَ مَن ذَكَرْنا إلى الضَّعْفِ وعَدمِ المِنَّة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيِّه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضاً يصنع [القفَّةَ من] الخُوْص(٣)، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدمُ حَرَّاثاً، ونوحٌ نتجَّاراً، ولقمانُ خيَّاطاً، وطالوتُ دَبَّاغاً، وقيل: سَقَّاءً. فالصنعةُ يكفُّ بها الإنسان نفسَه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والباس. وفي الحديث: ((إنَّ الله يحبُّ المؤمن المُحترِفَ الضعيفَ(٤) المتعفِّفَ، ويبغض السائل الملحِف)»(٥). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في سورة الفرقان(٦). وقد تقدَّم في غيرِ ما آيةٍ (٧) (١) في (د) و(م): الصفة، والمثبت من باقي النسخ وتفسير البغوي ٢٥٥/٣ . والقراءة عن حفص وابن عامر في السبعة ص ٤٣٠، والتيسير ص١٥٥، وعن أبي جعفر في النشر ٣٢٤/٢. (٢) السبعة ص ٤٣٠، والتيسير ص١٥٥ عن أبي بكر، والنشر ٣٢٤/٢ عن رُوَيْس. (٣) أخرجه أحمد في الزهد ص٩٣ عن عروة بن الزبير، وما بين حاصرتين منه، وقد سلف بنحوه ٢٢٣/٧ . والخوص بالضم: ورق النخل. القاموس (خوص). (٤) في (ظ): والضعيف. (٥) أخرجه ابن عدي ٣٦٩/١، وابن الجوزي في العلل (٩٦٨) مختصراً بلفظ: ((إن الله يحب المؤمن المحترف)) وقد سلف ٢٩١/٥ . وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (١٠٤٤٢) من حديث أبي مسعود البدري ، والبزار (٢٠٣١ - كشف) من حديث أبي هريرة ﴾، والطبري ٣١/٥ - ٣٢ عن قتادة عن النبي #، وهذه كلها أسانيد ضعيفة أو مرسلة. وقال ابن العربي في أحكام القرآن ٢٣٩/١: ولم يصح لهذا الحدیث أصل، ولا عرف له سند. (٦) عند تفسير الآية (٢٠) منها. (٧) ينظر ٢٩١/٥ - ٢٩٢، و١٥٨/١٠ وما بعدها. ٢٥٥ سورة الأنبياء: الآيتان ٨١ - ٨٢ ما فيه كفايةٌ، والحمد لله. قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةُ تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيهَاَ وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴿ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌَ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ (بَ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخَّرْنا لسليمان الريح عاصفةً، أي: شديدةَ الهُبوب. يقال منه: عَصفت الريحُ، أي: اشتدَّت، فهي ريحٌ عاصِفٌ وعَصُوف. وفي لغةٍ بني أسد: أعْصَفت الريحُ فهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفة(١). والعَصْفُ: التِّن، فسمِّي به شدةُ الرِّيح؛ لأنها تعصفه بشدّة تطيرها(٢). وقرأ عبد الرحمن الأعرج والسُّلَميُّ(٣) وأبو بكر: ((ولِسليمانَ الرِّيحُ)) (٤) برفع الحاء على القطع ممَّا قبله؛ والمعنى: ولسليمان تسخيرُ الريح؛ ابتداءٌ وخبر. ﴿تَجْرِی بِأَمْرِ إِلَى الأَرْضِ الَّتی بزرگنَا فِيها﴾ يعني الشام. یُروی أنها كانت تجري به وبأصحابه إلی حیث أراد، ثم تردُّه إلى الشام. وقال وهب: كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجنُّ والإنس حتى يجلس على سريره. وكان امْرَأَ غزَّاءَ لا يقعد عن الغزو، فإذا أراد أن يغزو أمر بخُشبٍ، فمدَّتْ ورُفع عليها الناسُ والدَّوَابُّ وآلةُ الحرب، ثم أمر العاصِفَ فأقلَّت ذلك، ثم أمر الرُّخَاءَ فمرَّت به شهراً في رَوَاحِه وشهراً في غُدُوِّه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿تَجْرِى بِأَمْرِ، رُفَّةٍ حَيْثُ أَصَابَ﴾(٥) [ص: ٣٦]. والرخاء اللينة. ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ أي: بكلِّ شيء عملنا عالمين بتدبيره. (١) الصحاح (عصف). (٢) في (ظ): تطيره، ووقع في النكت والعيون ٣/ ٤٦٠ (والكلام منه): لأنها تعصفه لشدة تكسيرها له. (٣) قوله: والسلمي، ليس في (ظ). (٤) القراءات الشاذة ص٩٢، وتفسير الطبري ٣٣٢/١٦، وإعراب القرآن للنحاس ٧٦/٣ عن عبد الرحمن الأعرج، وهي في البحر ٣٣٢/٦، والدر المصون ١٨٧/٨ - ١٨٨ عن الأعرج وأبي بكر، ولم نقف عليها عن السلمي، وقراءة أبي بكر - وهو شعبة - المتواترة عنه كقراءة الجماعة. (٥) تفسير الطبري ٣٣١/١٦، وتفسير البغوي ٢٥٥/٣ . ٢٥٦ سورة الأنبياء: الآيات ٨١ - ٨٤ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ﴾ أي: وسخرنا له مَن يغوصون، يريد: تحت الماء. أي: يستخرجون له الجواهرَ من البحر. والغَوْصُ: النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجِمُ على الشيء غائصٌ. والغوَّاص: الذي يغوص في البحر على اللُّؤلؤ، وفعلُه: الغِيَاصة(١). ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: سوى ذلك من الغَوْص؛ قاله الفرَّاء(٢). وقيل: يراد بذلك: المحاريبُ والتماثيل وغيرُ ذلك ممَّا يسخِّرهم فيه. ﴿وَكُنَا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ أي: لأعمالهم. وقال الفرَّاء: حافظين لهم مِن أن يُفْسِدوا أعمالهم(٣)، أو يهيجوا أحداً من بني آدم في زمان سليمان. وقيل: حافظين من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. وقد قيل: إن الحمّام والنُّورةَ(٤) والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين. قوله تعالى: ﴿وَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِ مَسَّفِىَ الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَتَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ (٨٤) قوله تعالى: ﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: واذكر أيوبَ إذ نادى ربَّه ﴿أَنِّ مَسَّفِىَ الضُّرُّ﴾ أي: نالني في بدني ضرِّ وفي مالي وأهلي. قال ابن عباس: سمِّي أيوب لأنه آبَ إلى الله تعالى في كلِّ حال. وروي أنَّ أيوبَ عليه السلام كان رجلاً من الروم ذا مالٍ عظيم، وكان برًّا تقيًّا رحيماً بالمساكين، يكفُل الأيتام والأرامل، ويكرم (١) الصحاح (غوص). (٢) عبارة الفراء في معانيه ٢٠٩/٢: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكٌ﴾ دون الغوص، يريد: سوى الغوص من البناء. (٣) معاني القرآن للفراء ٢٠٩/٢ . (٤) النورة: الهِنَاء، والنُّورة من الحجر: الذي يحرق ويسوى منه الكلس، ويحلق به شعر العانة. ينظر تهذيب اللغة ٢٣٤/١٥ ، واللسان (نور). ٢٥٧ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ الضيف، ويبلِّغ ابنَ السبيل، شاكراً لأَنْعُم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبَّارٍ عظيمٍ، فخاطبوه في أمر، فجعل أيوبُ يُلينُ له في القول من أجل زرعٍ كان له، فامتحنه الله بذهاب ماله وأهله، وبالضرِّ في جسمه حتى تَناثَر لحمه وتدوَّد جسمه، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه (١). قال الحسن: مكث بذلك سبعَ سنين وستةَ أشهر(٢). فلما أراد الله أن يفرِّج عنه قال الله تعالى له: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] فيه شفاؤك، وقد وهبتُ لك أهلك(٣) وولدك ومثلَهم معهم. وسيأتي في ((ص)) (٤) ما للمفسرين في قصة أيوبَ من تسليط الشيطان عليه، والردّ عليهم إن شاء الله تعالى. واختلف في قول أيوب: ((مَسَّنيَ الضُّرُ)) على خمسةَ عَشَرَ قولاً: الأوّل: أنه وثب ليصلِّيَ فلم يقدر على النُّهوض فقال: ((مَسَّنيَ الضُّرُّ)) إخباراً عن حاله، لا شكوى لبلائه؛ رواه أنسٌ مرفوعاً (٥). الثاني: أنه إقرارٌ بالعجز، فلم يكن مُنافياً للصبر. الثالث: أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجةً لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ینزل بهم. الرابع: أنه أجراه على لسانه إلزاماً له في صفة الآدميِّ في الضَّعْف عن تحمُّل البلاء. (١) ما ذكر المصنف عن تناثر لحم النبيِّ أيوب عليه السلام وتدوّد جسمه وإخراجه من القرية، وغير ذلك مما سيذكره المصنف عن مرضه المنفّر ... كلُّه من الإسرائيليات، ولا تليق بعصمة الأنبياء عليهم السلام. قال القاسمي في محاسن التأويل ٢٨٢/١١: روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفة بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن، ولا تُعار من الثقة أدنى نظر. (٢) أخرجه الطبري ١٦/ ٣٥٣ . (٣) بعدها في (م): ومالك. (٤) عند تفسير الآية (٤١) منها. (٥) النكْت والعيون ٣/ ٤٦٢ . ٢٥٨ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ الخامس: أنه انقطع الوحيُّ عنه أربعين يوماً، فخاف هُجْرانَ ربِّه فقال: ((مَسَّنيَ الضُّرُّ). وهذا قول جعفر بن محمد(١). السادس: أنَّ تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لمَّا أفضت حالُه إلی ما انتهت إليه؛ مَحَوْا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما لهذا عند الله قَدْرٌ! فاشتكى الضرَّ في ذهاب الوحي. والدِّين من أيدي الناس. وهذا ممَّا لم يصحَّ سنده، والله أعلم؛ قاله ابن العربيّ. السابع: أنَّ دودةً سقطت من لحمه فأخذها وردّها في موضعها، فعقرته فصاح: ((مَسَّنْيَ الضُّرُ))، فقيل: أعلينا تتصبَّر. قال ابن العربي: وهذا بعيدٌ جدًّا، مع أنه يفتقر إلی نقلٍ صحیح، ولا سبيل إلى وجوده. الثامن: أنَّ الدُّود کان یتناول بدنه، فصبر حتى تناولت دودٌ قلبه، وأخرى لسانه، فقال: (مَسَّنيَ الضُّرُ)) لاشتغاله عن ذكر الله. قال ابن العربيٍّ: وما أحسنَ هذا لو كان له سند ولم تکن دعوى عريضة. التاسع: أنَّه أُبهم عليه جهةُ أخذِ البلاء له: هل هو تأديبٌ، أو تعذيبٌ، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذُخر، أو ◌ُهْر، فقال: ((مَسَّنيَ الضُّرُّ) أي: ضرُّ الإشكال في جهةِ أخذِ البلاء. قال ابن العربي: وهذا غُلقٍّ لا يُحتاج إليه. العاشر: أنه قيل له: سَل الله العافيةَ، فقال: أقمتُ في النعيم سبعين سنة، فأقيم في البلاء سبعين سنة(٢) وحينئذ أسأله، فقال: ((مسَّنيَ الضُُّّ)). قال ابن العربيِّ: وهذا ممكنٌ ولكنه لم يصحَّ في إقامته مدةٌ(٣)، ولا في هذه القصة. الحادي عشر: أنَّ ضرَّه قولُ إبليس لزوجه: اسجدي لي، فخاف ذهابَ الإيمان عنها ، فتهلكُ ویبقی بغیر کافل. الثاني عشر: لمَّا ظهر به البلاء قال قومه: قد أَضرَّ بنا كونُه معنا وقَذَرُه، فليخرج (١) النكت والعيون ٤٦٣/٣. (٢) في (م): وأقيم في البلاء سبع سنين. (٣) بعدها في (م): خبر. ٢٥٩ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ عنا، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد، فكانوا إذا خرجوا رَأَوْه وتَطَيَّروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا: ليبعد بحيث لا نراه. فخرج إلى بعدٍ من القرية، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قُوْتَه إليه. فقالوا: إنها تتناوله(١) وتُخالطنا، فيعود بسببه(٢) ضرّه إلينا. فأرادوا قَطْعَها عنه، فقال: ((مَسَّنيَ الضُّرُ)). الثالث عشر: قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوبَ أخوان، فأتياه فقاما من بعيدٍ لا يقدران أن يدنوا منه من نَتَنِ ريحه، فقال أحدهما: لو علم الله في أيوبَ خيراً ما ابتلاه بهذا البلاء! فلم يسمع شيئاً أشدَّ عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: (مَسَّنيَ الضُّرُّ) ثم قال: اللهمَّ إنْ كنتَ تعلم أنِّي لم أَبِثْ شبعانَ قظُ وأنا أعلم مكانَ جائع فصدِّقني. فنادى منادٍ من السماء: أنْ صَدَقَ عبدي، وهما يسمعان فخرًّا ساچِدَیْن(٣). الرابع عشر: أنَّ معنى ((مَسَّنيَ الضُّرُّ)): من شماتة الأعداء؛ ولهذا قيل له: ما كان أشدَّ عليك في بلائك؟ قال: شماتةُ الأعداء(٤). قال ابن العربيّ: وهذا ممكنٌ فإنَّ الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال: ﴿إِنَّ أَلْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَ تُقْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. الخامس عشر: أن امرأته كانت ذاتَ ذوائبَ، فعَدِمَتْ(٥) حين مُنعتْ أن تتصرَّف لأحدٍ بسببه ما تَعُودُ به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممَّن يَصِلُها قوتاً وجاءت به إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرُّفه وتنقُّله، فلما عَدِمَها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر، فقال: ((مَسَّني الضُّرُّ)). (١) في (د) و(ظ): تناوله. (٢) في (ظ): بسببها. (٣) أخرجه الطبري ٣٦٣/١٦ وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٧٧/٥. :٠١ (٤) عرائس المجالس ص١٦٥، وتفسير البغوي ٢٦٣/٣ . (٥) في (م): فعرفت، وفي (د) و(ظ): فقدمت. ٢٦٠ سورة الأنبياء: الآيتان ٨٣ - ٨٤ وقيل: إنَّها لمَّا اشترت القوتَ بذوائبها، جاءه إبليس في صفة رجل وقال له: إنَّ أهلك بَغَتْ فأُخذتْ وحُلِقَ شعرها. فحلف أيوب أن يجلدها(١)؛ فكانت المحنةُ على قلب المرأة أشدَّ من المحنة على قلب أيوب. قلت: وقول سادس عشر: ذكره ابن المبارك: أخبرنا يونس بن يزيد، عن عقیل، عن ابن شهاب: أنَّ رسول اللـه # ذكر يوماً أيوبَ النبيَّ # وما أصابه من البلاء، الحديث. وفيه: أنَّ بعض إخوانه ممن صابَرَه ولازَمَه قال: يا نبيَّ الله، لقد أعجبني أمرك، وذكرتُ(٢) إلى أخيك وصاحبك: أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك منذ ثماني عشرةَ سنةً، حتى بلغتَ ما ترى، لا(٣) يرحمك فيكشف عنك! لقد أذنبتَ ذنباً ما أظنُّ أحداً بلغه! فقال أيوبُ عليه السلام: ما أدري ما تقولان! غيرَ أنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ يعلم أنِّي كنت أمرُ على الرجلين يتزاعمان فكلٌّ يحلف بالله - أو على النَّفَر يتزاعمون - فأنقلبُ إلى أهلي فأكفِّر عن أيمانهم؛ إرادةَ ألَّ يأثمَ أحدٌ ذَكَره، ولا يَذْكُرَه أحدٌ إلَّا بالحقّ، فنادى ربه: ﴿أَنِّ مَسَّنِىَ الضُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَِّينَ﴾ وإنَّما كان دعاؤه عَرْضاً عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابراً لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه. وذكر الحديث(٤). وقولٌ سابع عشر، سمعتُه ولم أَقِفْ عليه: أنَّ دودةً سقطت من جسده، فطلبها ليردَّها إلى موضعها فلم يجدها، فقال: ((مَسَّنْيَ الضُّرُّ) لمَا فَقَدَ من أَجْرِ أَلَمِ تلك (١) تفسير البغوي ٣/ ٢٦١ بنحوه. (٢) في النسخ عدا (ظ): وذكرته، والمثبت من (ظ) والزهد لابن المبارك. (٣) في (ظ) و(م): ألا، والمثبت من باقي النسخ والزهد. (٤) الزهد لابن المبارك (١٧٩ - زوائد نعيم). قوله: يتزاعمان، أي: يتداعيان شيئاً فيختلفان فيه فيحلفان عليه. النهاية (زعم). وأخرجه البزار (٢٣٥٧ - كشف)، وأبو يعلى (٣٦١٧)، وابن حبان (٢٨٩٨)، والطبري ١٠٩/٢٠- ١١٠، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥ من طريق نافع بن يزيد، عن عقيل (وهو ابن خالد الأيلي) عن ابن شهاب، عن أنس، عن النبي ﴾. وصححه الحاكم، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الزهري، لم يروه عنه إلا عقيل، ورواته متفق على عدالتهم، تفرد به نافع. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٥١١/١ : وهذا رَفْعُه غريب جدًّا، والأشبه أن يكون موقوفاً.