النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة طه: الآيات ١٢٨ - ١٣٢ على نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأشارَ إلى هذا النظر ابنُ فورك في ((المشكل))(١). وقيل: النهارُ للجنس، فلكلِّ يوم طرف؛ وهي التي(٢) جُمِع، لأنَّه يعودُ في كلِّ نهار. وآناء الليل: ساعاتُه، وواحدُ الآناء: إِنْيٌّ وإِنّى وأَنّى(٣). وقالت فرقة: المرادُ بالآية صلاةُ التطوّع؛ قاله الحسن (٤). قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ بفتح التاء، أي: لعلَّك تُثابُ على هذه الأعمال بما ترضی به. وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم: ((تُرْضَى)) بضمِّ التاء، أي: لعلَّك تُعطَى ما يُرضِيك(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُذَنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْمَوْقِ الدُّنْيَا ◌ِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٠) وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًّا نَحْنُ نَرْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ قد تقدَّم معناه في ((الحجر))(٦). و ﴿أَزْوًا﴾ مفعول بـ ((متَّعنا)). و﴿زَهْرَةَ﴾ نصب على الحال. وقال الزجاج(٧): ((زهرة)) منصوبة بمعنى ((مثَّعنا)) لأنَّ معناه: جعلنا لهم الحياة (١) ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٧٠ . (٢) في (م): وهو إلى. والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٤/ ٧٠ والكلام منه. (٣) نزهة القلوب ص٨٦، وتهذيب اللغة ١٥/ ٥٥٢ . (٤) النكت والعيون ٤٣٢/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٧٠/٤، وقراءة الكسائي وأبي بكر في السبعة ص٤٢٥، والتيسير ص١٥٣. (٦) ١٢/ ٢٥٣ . (٧) في معاني القرآن له ٣/ ٣٨٠ . ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٦١/٣. ١٦٢ سورة طه: الآيتان ١٣١ - ١٣٢ الدنيا زهرةً، أو بفعلٍ مضمر، وهو ((جعلنا)) أي: جعلنا لهم زهرةَ الحياة الدنيا؛ عن الزجاج أيضاً. وقيل: هي بدلٌ من الهاء في ((به)) على الموضع، كما تقول: مررتُ به أخاك. وأشار الفراءُ (١) إلى نصبه على الحال؛ والعاملُ فيه: ((مَثَّعْنَا)). قال: كما تقول: مررتُ به المسكينَ؛ وقدَّره: متَّعناهم به زهرةً في الحياة الدنيا وزينةً فيها. ويجوزُ أنْ تنصبَ على المصدر مثل: (صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨] و﴿وَعْدَ اللّهِ﴾ [الروم: ٦]، وفيه نظر. والأحسنُ أنْ ينصب على الحال، ويحذفَ التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة؛ كما قُرئ: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ﴾(٢) [يس: ٤٠] بنصب النَّهار بسابق، على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون ((الحياة)) مخفوضةً على البدل من ((ما)) في قوله: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾﴾، فيكون التقدير: ولا تمدنَ عينيكَ إلى الحياة الدنيا زهرةً، أي: في حال زَهْرتها. ولا يَحسُنُ أنْ تكون ((زهرة)) بدلاً من ((ما)) على الموضع في قوله: ﴿إِلَى مَا مَتَغْنَا﴾؛ لأنَّ(لِنَفْتِنَهُمْ)) متعلقٌ بـ ((متَّعنا))(٣). و((زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) يعني: زينتَها بالنبات. والزَّهَرةُ؛ بالفتح في الزاي والهاء: نَوْر النبات. والزُّهَرة؛ بضمِّ الزاي وفتح الهاء: النَّجم. وبنو زُهْرة بسكون الهاء؛ قاله .(٤) ابن عُزيز (٤). وقرأ عيسى بن عمر: (زَهَرَةَ)) بفتح الهاء(٥)، مثل: نَهْر ونَهَر. ويقال: سراجٌ زاهرٌ (١) في معاني القرآن ١٩٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة مكي في مشكل إعراب القرآن ٤٧٤/٢ والكلام منه. (٢) نسبها أبو حيان في البحر ٧/ ٣٣٨ لعمارة بن عقيل. (٣) مشكل إعراب القرآن ٤٧٤/٢ - ٤٧٥، وللكلام تتمة فينظر فيه. (٤) في نزهة القلوب ص٢٥٦ . (٥) وقرأ بها يعقوب من العشرة. النشر ٣٢٢/٢، وذكرها عن عيسى بن عمر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٠ . ١٦٣ سورة طه: الآيتان ١٣١ - ١٣٢ أي: له بريق. وزهرُ الأشجار: ما يَرُوق من ألوانها. وفي الحديث: كان النبي # أزهرَ اللون(١)، أي: نيِّر اللون؛ يقال لكلِّ شيءٍ مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان(٢). ﴿لَفْتَِهُمْ فِيَةٍ﴾ أي: لِنَبْتِلِيَهم. وقيل: لنجعلَ ذلك فتنةً لهم وضلالاً(٣). ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وَزْناً، فإنَّه لا بقاءَ لها. (وَلَا تَمُدَّنَّ» أبلغُ من: لا تنظرنَّ، لأنَّ الذي يمدُّ بصرَه، إنَّما يحملُه على ذلك حرصٌ مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه (٤). مسألة: قال بعض الناس: سببُ نزول(٥) هذه الآية، ما رواه أبو رافع مولى رسول الله *، قال: نزل ضيفٌ برسول الله﴾، فأرسلني عليه الصلاة والسلام إلى رجلٍ من اليهود، وقال: ((قل له: يقولُ لك محمدٌ: نزلَ بنا ضيفٌ، ولم يُلْفَ عندنا بعضُ الذي يُصلِحِه، فبعني كذا وكذا من الدَّقيق، أو أَسلفني إلى هلال رجب)) فقال: لا، إلَّا برهن. قال: فرجَعتُ إلى رسول الله ﴾ فأخبرته، فقال: ((واللهِ، إني لأمينٌ في السماء، أمينٌ في الأرض، ولو أسلفني أو باعني لأَدَّيتُ إليه. اذهبْ بدرْعي إليه))(٦) ونزلت الآيةُ تعزيةً له عن الدنيا. قال ابن عطية(٧): وهذا معترَضٌ أنْ يكون سبباً؛ لأنَّ السورةَ مكيةٌ، والقصة (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٣٣٨١)، ومسلم (٢٣٣٠) (٨٢) من حديث أنس﴾. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (زهر). (٣) الوسيط للواحدي ٢٢٧/٣ . (٤) المحرر الوجيز ٤/ ٧٠ . (٥) لفظة: نزول، من (م). (٦) أخرجه بهذا اللفظ الواحدي في أسباب النزول ص٣١٤، وأخرجه الطبري مختصراً ٢١٤/١٦ . وفي إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبّذي، قال أحمد: لا يكتب حديثه، وضعّفه النسائي وابن عدي. ميزان الاعتدال ٤/ ٢١٣ وحديث رهن النبي # درعه عند یھو دي صحیح، وسیرد. (٧) في المحرر الوجيز ٤/ ٧٠ . ١٦٤ سورة طه: الآيتان ١٣١ - ١٣٢ المذكورة مدنيةٌ في آخر عُمر النبي #؛ لأنَّه ماتَ ودِرعُه مرهونةٌ عند يهودي(١) بهذه القصة التي ذكرت؛ وإنَّما الظاهرُ أنَّ الآيةَ متناسقةٌ مع ما قبلَها، وذلك أنَّ الله تعالى وبَّخهم على ترك الاعتبار بالأُمم السالفة، ثمَّ توعَّدهم بالعذاب المؤجّل، ثمَّ أمَر نبيّه بالاحتقار لشأنهم، والصبرِ على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا؛ إذْ ذلك منصرٌ عنهم؛ صائرٌ إلى خِزي. قلت: وكذلك ما رويَ عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه مرَّ بإبلٍ بني المصطلق وقد عَبِست في أبوالها(٢) من السِّمَن، فتقنَّع بثوبه ثم مضى؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَمُدَنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَثَّعْنَا بِهِ أَزْوَهَا مِنْهُمْ﴾ الآية(٣). ثم سَلَّاه فقال: ﴿وَرِزْقُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: ثوابُ الله على الصبر وقلَّةِ المبالاة بالدنيا أولى؛ لأنَّه یبقی والدنيا تفنى . وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتحُ الله على المؤمنين من البلاد والغنائم. قوله تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ أمرَه تعالى بأن يأمرَ أهله بالصَّلاة ويمتثلَها معهم، ويصطبر عليها ويُلازمَها. وهذا الخطابُ للنبي﴾، ويدخلُ في عمومه جمیعُ أُمَّته(٤)، وأهلُ بيته على التخصيص. وكان عليه الصلاة والسلام بعد نزول هذه الآية يذهبُ كلَّ صباح إلى بيت فاطمةً وعليٍّ رضوان الله عليهما فيقول: ((الصلاة))(٥). (١) أخرجه أحمد (٢١٠٩)، والترمذي (١٢١٤)، والنسائي ٣٠٣/٧. (٢) في النسخ الخطية: بأبوالها، والمثبت من (م) قال ابن الأثير في النهاية (عبس): وإنما عدَّاه بفي؛ لأنه أعطاه معنی انغمست. (٣) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٩/٣ ، ولم نقف على من أخرجه. قال أبو عبيد: وعبست في أبوالها: يعني: أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها، وذلك إنما يكون من كثرة الشحم. (٤) المحرر الوجيز ٧١/٤ . (٥) أخرج أحمد (١٣٧٢٨) والترمذي (٣٢٠٦) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله # كان يمر باب فاطمة ستَّة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: ((الصلاة يا أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ = ١٦٥ سورة طه: الآيات ١٣١ - ١٣٥ ويروى أنَّ عُرْوةً بن الزبير ﴾ كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادرَ إلى منزله فدخلَه، وهو يقرأ: ﴿وَلَا تَعُدَّنَ عَيَّنَّكَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَبْقَ﴾، ثمَّ ينادي بالصلاة: الصلاةَ يرحمكم الله؛ ويُصلِّي(١). وكان عمرُ بن الخطاب ﴾ يُوقِظُ أهلَ داره لصلاة الليل، ويُصلِّي وهو يتمثَّل بالآية (٢). قوله تعالى: ﴿لَا تَسْتَلُكَ رِزْقً﴾ أي: لا نسألك أنْ ترزقَ نفسَك وإيَّاهم، وتشتغلَ عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفَّلُ برزقك وإِيَّاهم؛ فكان عليه الصلاة والسلام إذا نزل بأهله ضِيْقٌ؛ أمرَهم بالصلاة(٣). وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرََّّقُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧]. قوله تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ أي: الجنَّة لأهل التقوى، يعني: العاقبة المحمودة. وقد تكون لغير التقوى عاقبة، ولكنَّها مذمومةٌ، فهي كالمعدومة. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِنَا بِشَةٍ مِّن رَّيِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَةُ مَا فِ الصُّحُفِ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا الْأُولَى مَا (٣٠) قُلْ كُلِّ مُتَرَيِّصُ فَرَضُواْ رَسُولًا فَنَّبِعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَغَخْزَفِى فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أَهْتَدَى (١٣٥ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلًا يَأْتِنَا بِشَايَةٍ مِّن زَبِّهِ؛﴾ یرید کفار مکة، أي: لولا یأتینا محمدٌ بآيةٍ تُوجِبُ العلم الضروري، أو بآيةٍ ظاهرةٍ؛ كالناقة والعصا، أو: هلًّا يأتينا بالآيات التي نقترحُها نحن كما أتى الأنبياءُ من قبله. = عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِّرَكُنْ تَظْهِيرًا﴾)) [الأحزاب: ٣٣]. ولم نقف على من ذكر أن ذلك بعد نزول الآية المذكورة أعلاه. (١) أخرجه الطبري ١٦/ ٢١٧ . (٢) أخرجه بنحوه مالك في الموطأ ١١٩/١، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٣). والكلام من المحرر الوجيز ٤ /٧١ . (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٩٠) من حديث عبد الله بن سلام﴾. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٧/٧ : رجاله ثقات. ١٦٦ سورة طه: الآيات ١٣٣ - ١٣٥ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَهُ مَا فِ الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يريد التوراةَ والإنجيل، والكتب المتقدمة، وذلك أعظمُ آيةٍ؛ إذ أخبرَ بما فيها(١). وقُرِئ: «الصُّخْفِ» بالتخفيف(٢). وقيل: أو لم تأتهم الآيةُ الدَّالَّة على نبؤَّته بما وجدوه في الكتب المتقدِّمة من البِشارة(٣). وقيل: أو لم يأتهم إهلاكُنا الأمَمَ الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمِّنهم إنْ أتتهم الآيات أنْ يكون حالُهم حالَ أولئك (٤). وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص: ((أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ))؛ بالتَّاء؛ لتأنيث البيّنة. الباقون بالياء(٥)؛ لتقدم(٦) الفعل، ولأنَّ البيِّنة هي البيانُ والبرهان، فردُّوه(٧) إلى المعنى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم(٨). وحكى الكسائيُّ: ((أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيْنَةٌ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)) قال: ويجوزُ على هذا ((بَيَِّةً مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)». قال النحاس(٩): إذا نَوَّنت ((بيِّنة)) ورفعت، جعلت ((ما)) بدلاً منها، وإذا نَصبتها فعلى الحال؛ والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصُّحف الأولى مبيّناً. (١) تفسير البغوي ٢٣٧/٣ . (٢) القراءات الشاذة ص٩١، والكشاف ٢/ ٥٦٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) تفسير الرازي ١٣٧/٢٢. (٤) تفسير الطبري ٢١٨/١٦ . (٥) السبعة ص ٤٢٥، والتيسير ص١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢. (٦) في (خ) و(ز) و(ف): لتقديم، وفي (ظ): لتذكير، والمثبت من (د) و(م). (٧) في (د): فيردوه، وفي (ز) و(ظ): فرده، والمثبت من (خ) و(ف) و(م). (٨) الحجة للقراء السبعة للفارسي ٢٥٣/٥ بنحوه، والكشف عن وجوه القراءات لمكي ١٠٨/٢ بنحوه. (٩) في إعراب القرآن ٦١/٣. وما قبله منه. ١٦٧ سورة طه: الآيات ١٣٣ - ١٣٥ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي: من قبل بعثة محمد ﴾ ونزول القرآن: ﴿لَقَالُوا﴾ أي: يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ أي: هلّا أرسلتَ إلينا رسولاً(١). ﴿فَتَتَّعَ ءَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَغَخْزَى﴾. وقرئ: ((نُذَلَّ وَنُخْزَى)) على ما لم يُسَمَّ فاعله(٢). وروى أبو سعيد الخدريّ قال: قال رسولُ الله﴾ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال: ((يقول الهالك في الفترة: لم يأتِني كتابٌ ولا رسول، ثم تلا: ﴿وَلَوْ أَنََّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية، ويقول المعتوه: ربِّ، لم تجعل لي عقلاً أَعقِلُ به خيراً ولا شرًّا، ويقول المولود: ربِّ لم أُدرك العمل، فتُرفَع لهم نارٌ، فيقول لهم: رِدُوها وادخُلوها. قال: فيَرِدُها أو يدخلُها(٣) من كان في علم الله سعيداً لو أدرَك العمل، ويمسكُ عنها من كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل، قال: فيقولُ الله تبارك وتعالى: إيَّاي عصيتُم، فكيف رُسلي لو أتتكم)) (٤) ويروى موقوفاً عن أبي سعيدٍ قوله(٥)؛ وفيه نظر؛ وقد بيناه في كتاب ((التذكرة))(٦)، وبه احتجَّ من قال: إنَّ الأطفالَ وغيرَهم يمتحنون في الآخرة. (١) الوسيط للواحدي ٢٢٨/٣ . (٢) القراءات الشاذة ص٩١ عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية. (٣) في (ظ): فيردونها ويدخلها. (٤) أخرجه البزار (٢١٧٦ - كشف)، والطبري ٢١٩/١٦، وابن عبد البر في التمهيد ١٢٧/١٨ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٣٨/٧ : وفيه عطية، وهو ضعيف. وقال ابن عبد البر بعد ذكر أحاديث الباب: وهي كلها أسانيد ليست بالقوية، ولا يقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل ولا ابتلاء ... الاستذكار ٤٠٤/٨ . (٥) قال ابن عبد البر في التمهيد ١٢٨/١٨: من الناس من يوقف هذا الحديث على أبي سعيد ولا يرفعه، منهم أبو نعيم المُلائي. (٦) ص٥١٤ْ، وينظر ما سلف ٤٤/١٣. ١٦٨ سورة طه: الآيات ١٣٣ - ١٣٥ (فَتَتَّبَعَ)) نصب بجواب التحضيض(١). ((آياتِك)) يريدُ: ما جاء به محمدٌ ﴾. ((مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ)) أي: في العذاب، ((وَنَخْزَى)) في جهنم؛ قاله ابن عباس. وقيل: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ) في الدنيا بالعذاب، ((ونَخْزَى)) في الآخرة بعذابها. ﴿قُلْ كُلُّ مُتَرَيِّصٌ﴾ أي: قل لهم يا محمد: كلٌّ مُتربِّصٌ، أي: كلُّ المؤمنين والكافرين منتظرٌ دوائرَ الزمان ولمن يكون النصر. ﴿فَتَّقُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أَهْتَلَى﴾ يريد: الدين المستقيم والهدى؛ والمعنى: فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق. وقيل: فستعلمون يومَ القيامة من اهتدى إلى طريق الجنَّة(٢). وفي هذا ضربٌ من الوعيد والتخويف والتهديد خَتَمَ به السورة. وقُرئ: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ))(٣). قال أبو رافع: حَفِظتُه من رسول اللـه:﴾؛ ذكره الزمخشريّ(٤). و((مَن)) في موضع رفعٍ عند الزجاج(٥). وقال الفراء(٦): يجوزُ أنْ يكونَ في موضع نصبٍ مثل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. قال أبو إسحاق(٧): هذا خطأ؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه، و((مَن)) هاهنا استفهامٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والمعنى: فستعلمون: أَأَصحابُ (٨) الصراط السَّويِّ؛ نحن أم أنتم؟. (١) في (د) و(ز) و(ظ) و(ف) و(م): التخصيص، والمثبت من (خ). (٢) النكت والعيون ٤٣٤/٣، وفيه وفي (خ) و(ز): أهدى، بدل: اهتدى (في الموضعين). (٣) في (د) و(ظ): يعلمون. (٤) في الكشاف ٢/ ٥٦١ ، وهي قراءة شاذة. (٥) في معاني القرآن له ٣/ ٣٨١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٦١ - ٦٢. (٦) في معاني القرآن له ١٩٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس (٧) هو الزجَّاج. (٨) في (د) و(م): أصحاب، وفي (ف): من أصحاب. ١٦٩ سورة طه: الآيات ١٣٣ - ١٣٥ قال النحاس(١): والفراء يذهبُ إلى أنَّ معنى ﴿مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ﴾: مَن لم يضلَّ، وإلى أنَّ معنى ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾: من ضلَّ ثم اهتدى. وقرأ يحيى بن يَعْمَر وعاصم الجحدَريُّ: ((فَسَتَعْلَمُونَ(٢) مَنْ أَضْحَابُ الصِّرَاطِ السُّوَّى)) بتشديد الواو؛ بعدها ألفُ التأنيث على فُعْلَى بغير همزة، وتأنيثُ الصراط شاطِّ قليل، قال الله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فجاء مذكراً في هذا وفي غيره، وقد ردَّ هذا أبو حاتم قال: إنْ كان من السُّوء وجب أنْ يُقال: السُّوءَى، وإن كان من السَّواء وجب أن يقال: السِّيًّا بكسر السين، والأصل: السُّؤْيَا(٣). قال الزمخشري: وقرئ: ((السَّواء)) بمعنى: الوَسَط والعدل، أو المستوِي(٤). النحاس(٥): وجوازُ قراءةٍ يحيى بنٍ يَعْمَر والجَخدريِّ أن يكون الأصل ((السُّوءَى))، والساكنُ ليس بحاجزٍ حَصِينٍ، فكأنه قَلَبَ(٦) الهمزة ضمةً، فأَبدلَ منها واواً كما يُبدَلُ منها ألفٌ إذا انفتح ما قبلَها . تمَّت، والحمد لله وحده. (١) في إعراب القرآن ٣/ ٦٢. (٢) في (د) و(ز) و(ف) و(م): فسيعلمون. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٦٢/٣. وقراءة يحيى بن يعمر والجحدري ذكرها أيضاً أبو حيان في البحر ٢٩٢/٦ . (٤) الكشاف ٥٦٠/٢، ونسبها أبو حيان في البحر ٢٩٢/٦ إلى أبي مجلز وعمران بن حدير. (٥) في إعراب القرآن ٦٢/٣ . (٦) في (خ) و(د) و(ز) و(ف): قبل، والمثبت من (م) وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس، ووقعت العبارة في (ظ): فكأنه لما كان قبل الهمزة ضمة أبدل منها واو. سورة الأنبياء مكية في قول الجميع، وهي مئة واثنتا عشرة آية الرَّحِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ قوله تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمَّ أَفْتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُصِرُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ قال عبد الله بن مسعود: الكهفُ ومريمُ وطه والأنبياءُ من العِتَاق الأُول، وهنَّ من تِلادي. يريد من قديم ما كسب وحَفِظَ من القرآن، كالمال التِّلاد (١). وروي أنَّ رجلاً من أصحاب رسول اللـه ﴾ كان يبني جداراً، فمرَّ به آخَرُ في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخَر: نزل ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ فنفض يده من البنيان، وقال: واللهِ لا بَنَيْتُ أبداً وقد اقترب الحساب(٢). ((اقترب)) أي: قَرُبَ الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم. (١) المحرر الوجيز ٧٣/٤، وسلف خبر ابن مسعود ٥/١٣ . والثِّلاد: كلَّ مال قديم من حيوان وغيره يورث عن الآباء. اللسان (تلد). (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٧٣ . ١٧١ سورة الأنبياء: الآيات ١ - ٣ ((للناس)) قال ابن عباس: المرادُ بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى: اُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتَأْتُنَ اُلْسِحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾(١). وقيل: الناسُ عمومٌ وإن كان المُشَارُ إليه في ذلك الوقتِ كفار قريش، يدلُّ على ذلك ما بَعْدُ من الآيات، ومَن عَلِم اقترابَ الساعة قَصُر أملُه، وطابت نفسُه بالتوبة، ولم يَرْكَنْ إلى الدنيا، فكأنَّ ما كان لم يكن إذا ذهب، وكلُّ آتٍ قريبٌ، والموتُ لا محالةَ آتٍ؛ وموتُ كلِّ إنسانٍ قيامُ ساعتِهِ، والقيامةُ أيضاً قريبةٌ بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقلُّ ممَّا مضى. وقال الضخَّاك: معنى ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، أي: عذابُهم، يعني أهل مكة؛ لأنَّهم استَبْطَؤوا ما وُعِدوا به من العذاب تكذيباً، وكان قَتْلُهم يومَ بَدْر(٢). النحاس(٣): ولا يجوز في الكلام: اقترب حسابُهم للناس؛ لئلا يتقدَّم مُضْمَرٌ على مُظْهَرٍ لا يجوز أن يُنْوَى به التأخير. ﴿وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ﴾ ابتداءٌ وخبر، ويجوز النصبُ في غير القرآن على الحال. وفيه وجهان: أحدهما: ((وهم في غفلةٍ معرِضون)) يعني بالدنيا عن الآخرة. الثاني: عن التأهُّب للحساب وعمَّا جاء به محمدٌ ﴾. وهذه الواوُ عند سيبويه بمعنى ((إذا)) وهي التي يسمِّيها النَّحْويون واوَ الحال، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَغْشَى طَآَيِفَةٌ مِّنكُمْ وَطَآَيِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (٤). قوله تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِنِ زَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ ((مُحْدَثٍ)) نعتٌ لـ ((ذِكْرٍ)). وأجاز الكسائيُّ والفرَّاءُ: مُحْدَثاً، بمعنى: ما يأتيهم مُحْدَثاً؛ نصب على الحال. وأجاز الفرَّاء أيضاً رَفْعَ ((مُحْدَث)) على النعت للذِّكر(٥)؛ لأنك لو حذفتَ ((مِن)) رفعتَ (١) أورده الزمخشري في الكشاف ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢ . (٢) أورده الماوردي في النكت والعيون ٤٣٥/٣. (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٦٣ . (٤) ينظر الكتاب ٩٠/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤١٣/١. (٥) قرأ: محدثٌ: ابنُ أبي عبلة، وقرأ: محدثاً: زيد بن علي، والقراءتان من الشواذ. البحر ٢٩٦/٦. ١٧٢ سورة الأنبياء: الآيات ١ - ٣ ذكراً (١)، أي: ما يأتيهم ذكرٌ من ربِّهم مُحدَثٌ. يريد: في النزول وتلاوةٍ جبريلَ على النبيِّ *؛ فإنَّه كان ينزل سورةً بعد سورةٍ، وآيةً بعد آيةٍ، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقتٍ بعد وقت، لا أنَّ القرآنَ مخلوق. وقيل: الذِّكْرُ ما يذكِّرهم به النبيُّ ﴾ وَيَعِظُهم به، وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنَّ النبيَّ ﴾ لا يَنْطِقُ إلَّ بالوحي، فوَعْظُ النبيِّ﴾ وتحذيرُهُ ذِكْر، وهو مُحْدَث(٢)؛ قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، ويقال: فلانٌ في مجلس الذكر. وقيل: الذِّكْرُ الرسولُ نفسُه؛ قاله الحسين بن الفضل؛ بدليل ما في سياق الآية: ﴿هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٣) ولو أراد بالذِّكر القرآنَ لقال: هل هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين، ودليلُ هذا التأويلِ قولُه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَْنُنٌ. وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [القلم: ٥١-٥٢] يعني محمداً ﴾، وقال: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠- ١١]. ﴿إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ﴾ يعني محمداً ﴾، أو القرآنَ من النبيِّ ﴾، أو من أمته. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ الواوُ واوُ الحال يدلُّ عليه ﴿لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾. ومعنى ((يَلْعَبُونَ))، أي: يلهُون. وقيل: يشتغلون. فإنْ حُمِل تأويلُه على اللَّهو، احتَمَل ما يلهُون به وجهين: أحدهما: بلذَّاتهم. الثاني: بسماع ما يُتلى عليهم. وإن حُمل تأويلُه على الشُّغل، احتَمَل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما: بالدنيا لأنَّها لعب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا لَلَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]. الثاني: يتشاغلون بالقَدْح فيه والاعتراض عليه. قال الحسن: كلَّما جَدَّد لهم الذكرَ استمرُّوا على الجهل (٤). وقيل: يستمعون القرآنَ مستهزئين. (١) إعراب القرآن للنحاس ٦٣/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ١٩٧/٢ - ١٩٨. (٢) المحرر الوجيز ٧٣/٤ . (٣) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٣٣٩/٥ . (٤) النكت والعيون ٤٣٦/٣ . ١٧٣ سورة الأنبياء: الآيات ١ - ٣ قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ساهيةً قلوبُهم، مُعْرِضةً عن ذكر الله، متشاغلةً عن التأمُّل والتفهُّم، من قول العرب: لَهِيْتُ عن ذكر الشيء: إذا تركتَه وسَلَوْتَ عنه، أَلْهَى لُهِيَّ ولِهِياناً(١). و((لاهية)» نعتٌ تقدَّم الاسمَ، ومن حقِّ النَّعت أن يتبع المنعوتَ في جميع الإعراب، فإذا تقدَّم النعتُ الاسم انتصب، كقوله: ﴿خَشِعَةٌ أَبَرُ﴾ [المعارج: ٤٤] و﴿وَدَإِنَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] و﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) قال الشاعر: لِعَزَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأنَّه خِلَلُ(٣) أراد: طللٌ موحِشٌ. وأجاز الكسائيُّ والفرَّاء: لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ، بالرفع (٤) بمعنى: قلوبُهم لاهيةٌ. وأجاز غيرهما الرفعَ على أن يكون خبراً بعدَ خبر، وعلى إضمار مبتدأ. وقال الكسائيُّ: ويجوز أن يكون المعنى: إلَّا استمعوه لاهيةً قلوبُهم(٥). ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: تَناجَوْا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بيَّن مَن هم فقال: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا))، أي: الذين أشركوا، فـ((الذين ظلموا)) بدلٌ من الواو في ((أسرُّوا))، وهو عائدٌ على الناس المتقدِّم ذِكْرُهم(٦)؛ ولا يوقَف على هذا القولِ على (١) الصحاح (لها). وقيد الجوهري: لهِيتُ بالكسر، وذكر صاحب اللسان (لها) فيها وجهين: لهِي ولھَى. (٢) تفسير البغوي ٢٣٨/٣ . (٣) الجمل في النحو للخليل ص٧٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٦٦٤/٤، واللسان خلل، والخزانة ٢١١/٣، وعندهم: لميَّةً، بدل: لعزة. وجاء في شرح المفصل ٦٤/٢ : عَفَاه كلُّ أَسْحَمَ مُسْتديمُ لعزَّةَ موحشاً طللٌ قديم وذكره البغدادي في الخزانة بلفظ: لمية وقال: مَن رواه: لعزة، قال: هو لكثير عزة، ومن رواه: لمية، قال: إنه لذي الرمة. والخلل جمع خِلَّة: وهي بطانة يغشَّ بها جَفْنُ السيف - وهو غمده - تنقش بالذهب وغيره. اللسان (خلل). (٤) قرأ بها ابن أبي عبلة وعيسى، وهي من الشواذ. البحر ٢٩٦/٦ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٦٣/٣ - ٦٤، وينظر معاني القرآن للفراء ١٩٨/٢. (٦) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٧٤ هذا القول عن سيبويه. وقال أبو حيان في البحر ٢٩٧/٦: قاله المبرد، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه. ١٧٤ سورة الأنبياء: الآيات ١ - ٣ ((النجوى))(١). قال المبرِّد: وهو كقولك: إنَّ الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، فبنو بدلٌ من الواو في انطلقوا(٢). وقيل: هو رفعٌ على الذمِّ، أي: هم الذين ظلموا(٣). وقيل: على حذفِ القول، التقدير: يقول الذين ظلموا، وحذفَ القول، مثل: وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ. سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]. واختار هذا القولَ النحاسُ(٤)؛ قال: والدليلُ على صحة هذا الجوابِ أنَّ بعده: ﴿هَلْ هَذَّآ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمٌ﴾. وقول رابع: يكون منصوباً بمعنى: أعني الذين ظلموا(٥). وأجاز الفراء أن يكون خفضاً بمعنى: اقترب للناس الذين ظلموا حسابُهم (٦)؛ ولا يوقَفُ على هذا الوجه على ((النجوى))، ويوقَفُ على الوجوه المتقدِّمة الثلاثةِ قبلَه(٧). فهذه خمسة أقوال. وأجاز الأخفش (٨) الرفعَ على لغةٍ مَن قال: أكلوني البراغيث. وهو حسن؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَنُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقال الشاعر: فاهتديْنَ النِّبالُ للأغراضِ(٩) بك نال النِّضالُ دون المساعي .... (١) المكتفى في الوقف والابتداء للداني ص ٣٨٥ . (٢) الوسيط ٢٢٩/٣، وتفسير البغوي ٢٣٨/٣. (٣) معاني القرآن للزجاج ٣٨٣/٣ - ٣٨٤. (٤) في إعراب القرآن ٦٣/٣، وما قبله منه. (٥) معاني القرآن للزجاج ٣٨٤/٣ . (٦) معاني القرآن للفراء ١٩٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٦٣/٣. (٧) المكتفى في الوقف والابتداء ص ٣٨٥ . (٨) في معاني القرآن له ٢/ ٦٣٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٦٣/٣. (٩) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه بشرح التبريزي ٣١٣/٢ برواية: عاد، بدل: نال. قال التبريزي : = ١٧٥ سورة الأنبياء: الآيات ١ - ٣ وقال آخر: بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِيُهُ(١) ولكِنْ دِيَافيٍّ أبوه وأمُّهُ وقال الكسائيُّ: فيه تقديمٌ وتأخير، مَجازُه: والذين ظلموا أسرُّوا النجوى(٢). أبو عبيدة(٣): ((أَسرُّوا)) هنا من الأضداد، فيَحْتَمِل أن يكونوا أَخْفَوْا كلامَهم، ويَحْتَمِل أن يكونوا أَظْهَروه وأَعْلَنوه. قوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: تناجَوْا بينهم وقالوا: هل هذا الذِّكْرُ الذي هو الرسولُ - أو هل هذا الذي يدعوكم - إلَّا بشرٌ مثلكم لا يتميّز عنكم بشيء، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق كما تفعلون. وما علموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ بَيَّن أنه لا يجوزُ أن يُرسِلَ إليهم إلَّا بشراً ليتَفَّهموا ويعلِّمهم. ﴿أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ﴾ أي: إنَّ الذي جاء به محمدٌ ﴾ سحرٌ، فكيف تجيئون(٤) إليه وتتَّبعونه؟ فَأَظْلَع الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام على ما تناجَوا به. والسحر في اللغة: كلُّ ممؤَّهِ لا حقيقةً له ولا صحّة. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أنه إنسانٌ مثلُكم، مثل: وأنتم تعقلون؛ لأنَّ: العقل البَصَرُ بالأشياء. وقيل: المعنى: أفتَقْبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر؟ وقيل: المعنى: أَفَتَعْدِلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحقَّ(٥)؟ ومعنى الكلامِ التوبيخ. = أصل النضال في الرمي، وذلك أن يرمي الرجلان والجماعة في الغرض لينظر أيهم أرمى، ثم نقل ذلك إلى الحرب والتفاخر. اهـ والغرض: هدف يرمى فيه. القاموس (غرض). (١) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤٦/١، والكتاب ٤٠/٢، والخزانة ٢٣٤/٥. قال الشنتمري في شرح الشواهد ص٢٥٢ - ٢٥٣: هجا رجلاً فجعله من أهل القرى المعتملين لإقامة عيشهم، ودياف قرية بالشام، والسليط: الزيت. (٢) تفسير البغوي ٢٣٨/٣. (٣) في مجاز القرآن ٣٤/٢ . (٤) في (خ) و(ز) و(ظ): تجيبون. (٥) النكت والعيون ٤٣٧/٣. ١٧٦ سورة الأنبياء: الآيات ٦.٤ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٤ بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ آَفْتَرَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اُلْأَوَُّونَ ﴿ مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ يعلم القولَ في السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يَخْفَى عليه شيءٌ ممَّا يقال في السماء والأرض. وفي مصاحف أهل الكوفة: ﴿قَالَ رَبِ﴾(١) أي: قال محمدٌ: ربي يعلم القول، أي: هو عالمٌ بما تَنَاجَيْتُم به. وقيل: إنَّ القراءة الأُولى أَوْلى؛ لأنهم أسرُّوا هذا القولَ، فأَظْهَر الله عزَّ وجلَّ عليه نبيَّه #، وأمره أن يقول لهم هذا؛ قال النحاس(٢): والقراءتان صحيحتان، وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أنَّ النبيَّ # أُمر، وأنه قال كما أُمر. وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ﴾ قال الزجَّاج (٣): أي قالوا: الذي يأتي به أضغاثُ أحلام. وقال غيره: أي: قالوا: هو أخلاطٌ كالأحلام المختلطة، أي: أها ويلُ رآها في المنام؛ قال معناه مجاهدٌ وقتادة (٤)، ومنه قولُ الشاعر: كضِغْتِ حُلْمٍ غُرَّ منه حَالِمُه(٥) وقال القُتبيُّ: إنَّها الرؤيا الكاذبة، ومنه قول الشاعر: أحاديثُ طَسْمٍ أو سرابٌ بِفَدْقَدٍ تَرَفْرَقَ للسَّاري وأضغاثُ حالِمٍ (٦) (١) قرأ حفص وحمزة والكسائي: ﴿قَالَ﴾ بالألف، والباقون من السبعة بغير ألف. السبعة ص٤٢٨ ، و التیسیر ص١٥٤ . (٢) في إعراب القرآن ٦٤/٣. (٣) في معاني القرآن ٣٨٤/٣ . (٤) أخرج قولهما الطبري ٢٢٦/١٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٣٧/٣. (٥) النكت والعيون ٤٣٧/٣، وسلف ١١/ ٣٦٢ . (٦) ذكر قول القُتبي مع البيت الماوردي في النكت والعيون ٤٣٧/٣ . وطَسْم: قبيلة من عاد انقرضوا. والفَدْفد: الفلاة. اللسان (طسم)، و(فدد). ١٧٧ سورة الأنبياء: الآيات ٤ - ٦ وقال اليزيديُّ: الأضغاثُ: ما لم يكن له تأويل(١). وقد مضى هذا في ((يوسف)»(٢) فلمَّا رأَوْا أنَّ الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: ((بل افتراه))، ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا: ((بل هو شاعر))(٣). أي: هم متحيِّرون لا يستقرُّون على شيء؛ قالوا مرةً: سحر، ومرةً: أضغاثُ أحلام، ومرةً: افتراه، ومرةً: شاعر. وقيل: أي: قال فريقٌ: إنه ساحر، وفريقٌ: إنه أضغاث أحلام، وفريقٌ: إنه افتراه، وفريقٌ: إنه شاعر. والافتراءُ: الاختلاق؛ وقد تقدَّم(٤). ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي: كما أُرسل موسى بالعصا وغيرِها من الآيات، ومثل ناقة صالح. وكانوا عالمِين بأنَّ القرآن ليس بسحرٍ ولا رؤيا، ولكن قالوا: ينبغي أنْ يأتيَ بآيةٍ نقترحُها. ولم يكن لهم الاقتراحُ بعد ما رَأَوْا آيةٌ واحدة. وأيضاً إذا لم يؤمنوا بآيةٍ هي من جنسٍ ما هم أعلمُ الناس به، ولا مجالَ للشُّبهة فيها، فكيف يؤمنون بآية غيرِها؟! ولو أَبرأ الأَكْمَهَ والأبرصَ لقالوا: هذا من بابٍ الطبّ، وليس ذلك من صناعتنا. وإنما كان سؤالهم تعنُّتاً؛ إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفايةٌ، وبيَّن الله عزَّ وجلَّ أنَّهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَرًّا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّواْ وَّهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] (٥). قوله تعالى: ﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد قومَ صالحٍ وقومَ فرعون. ﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ يريد: كان في علمنا هلاكُها ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يريد: يصدِّقون، (١) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٣٧ . (٢) ٣٦٢/١١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٥. (٤) ٦ / ٤١١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٥. . ١٧٨ سورة الأنبياء: الآيات ٤ - ١٠ أي: فما آمنوا بالآيات، فاستؤصلوا، فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لَمَا آمنوا؛ لِمَا سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضاً، وإنَّما تأخّر عقابهم لِعْلِمنا بأنَّ في أصلابهم مَن يؤمن. و((مِن)) زائدةٌ في قوله: ﴿مِّنْ قَرْيَةٍ﴾، كقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ لَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة : ٤٧]. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّ رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَتْثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ () ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قوله تعالى: ﴿وما أرسَلْنا قَبْلَكَ إلَّا رجالاً يُوحَى إليهم﴾ هذا ردٌّ عليهم في قولهم: ((هل هذا إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكم)) وتأنيسٌ لنبيّه ◌ِ ﴾، أي: لم يُرسِل(١) قبلَك إلّا رجالاً. ﴿فَتْثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد أهلَ التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبيِّ#؛ قاله سفيان. وسمَّاهم أهل الذكر؛ لأنهم كان يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب. وكان كفار قريشٍ يراجعون أهل الكتاب في أمرٍ محمدٍ ﴾. وقال ابنُ زيد: أراد بالذِّكر القرآن، أي: فاسألوا المؤمنين العالِمِين من أهل القرآن. قال جابرٌ الجُعْفيُّ: لمَّا نزلت هذه الآيةُ قال عليٍّ ﴾: نحن أهلُ الذِّكر(٢). وقد ثبت بالثّواتُر أنَّ الرسل كانوا من البشر، فالمعنى: لا تبدؤوا بالإنكار، وبقولكم: ينبغي أن يكون الرسولُ من الملائكة، بل ناظِروا المؤمنين ليبيِّنوا لكم جوازَ أن يكون الرسول من البشر. والمَلَكُ لا يُسمَّى رجلاً؛ لأنَّ الرجل يقع على ما لَه ضدٌّ من لَفْظِه؛ تقول: رجلٌ وامرأة، ورجلٌ وصبيٍّ، فقوله: ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ أي: من بني (١) في (خ): نرسل. (٢) أخرج قول ابن زيد وقول علي ﴾ الطبريُّ ٢٢٩/١٦، وجابر الجعفي ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. ١٧٩ سورة الأنبياء: الآيات ٧ - ١٠ آدم. وقرأ حفص: ﴿نُّوحِىّ إِلَهم﴾(١). مسألة: لم يختلف العلماء أنَّ العامَّة عليها تقليدُ علمائها، وأنَّهم المرادُ بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ﴾. وأجمعوا على أنَّ الأعمى لابدَّ له من تقليدٍ غيره ممن يثقُ بمَيْزِهِ بالقبلة إذا أشكلتْ عليه، فكذلك مَن لا عِلْمَ له ولا بَصَرَ بمعنَى ما يَدِينُ به لابدَّ له من تقليدٍ عالِمِه، وكذلك لم يختلف العلماء أنَّ العامَّة لا يجوز لها الفُتيا؛ لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليلُ والتحريمُ(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًّا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الضميرُ في: ((جعلناهم)) للأنبياء، أي: لم نجعل الرسلَ قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعامٍ وشراب ﴿وَمَا كَانُواْ خَلِينَ﴾ يريد: لا يموتون. وهذا جوابٌ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وقولِهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]. و((جسداً) اسمُ جنس، ولهذا لم يقل: أجساداً (٣). وقيل: لم يقل: أجساداً؛ لأنه أراد: وما جعلنا كلَّ واحدٍ منهم جسداً. والجسد: البدن؛ تقول منه: تَجسَّد، كما تقول من الجسم: تَجسَّم. والجسدُ أيضاً: الزَّعْفَرَانُ أو نحوُه من الصِّبْغ، وهو الدَّمُ أيضاً؛ قال النابغة: وما هُرِيقَ على الأنصابِ من جَسَدٍ (٤) وقال الكلبيُّ: والجسدُ هو المجسَّد(٥) الذي فيه الروحُ يأكل ويشرب، فعَلَى (١) السبعة ص٤٢٨، والتيسير ص١٣٠. ووقع في النسخ: حفص وحمزة والكسائي، وذكر حمزة والكسائي في هذا الموضع وهم، والصواب أن ثلاثتهم قرؤوا: ((نوحي)» بالنون في الآية (٢٥) من هذه السورة كما سيرد في موضعه إن شاء الله. وينظر البحر ٢٩٨/٦، والدر المصون ١٣٥/٦. (٢) ينظر الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ٢/ ٦٧ - ٦٨ . (٣) الكشاف ٥٦٤/٢، وتفسير البغوي ٢٣٩/٣. (٤) وصدره: فلا لعَمْرُ الذي مسَّحْتُ كعبتَه، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص ٣٥، والصحاح (جسد)، والكلام منه. (٥) في (م): المتجسد. ١٨٠ سورة الأنبياء: الآيات ٧ - ١٠ مقتضى هذا القولِ يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسماً. وقال مجاهدٌ: الجسدُ: ما لا يأكل ولا يشرب؛ فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نَفْساً؛ ذكره الماوَرْديّ(١). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ﴾ يعني الأنبياء، أي: بإنجائهم ونَصْرِهم وإهلاكِ مكذِّبيهم. ﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: الذين صدَّقوا الأنبياء. ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المشركين. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا﴾ يعني القرآن ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ رفعٌ بالابتداء، والجملةُ في موضع نصبٍ لأنَّها نعتٌ لكتاب(٢). والمرادُ بالذكر هنا الشرف، أي: فيه شرفُكم، مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤](٣). ثم نبَّههم بالاستفهام الذي معناه التوقيفُ فقال عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ﴾ (٤). وقيل: فیہ ذکرگُم، أي: ذِكْرُ أمرٍ دِینکم، وأحكام شَرْعِکم، وما تصیرون إلیه من ثوابٍ وعقاب، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها؟! وقال مجاهد: «فِیهِ ذِكْرُكُمْ))، أي: حديثكم. وقيل: مكارِمُ أخلاقِكم، ومحاسنُ أعمالكم. وقال سهل بن عبد الله: العملُ بما فيه حياتُكم(٥). قلت: وهذه الأقوالُ بمعنَى، والأوّلُ يَعمُّها؛ إذ هي شرفٌ كلُّها، والكتابُ شرفٌ النبيِّنا عليه الصلاةُ والسلام؛ لأنه معجزتُه، وهو شرفٌ لنا إنْ عملنا بما فيه، دليلُه قولُه (١) في النكت والعيون ٤٣٨/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٦٥. (٣) الوسيط ٢٣١/٣، وهذا القول ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤٣٩/٣ عن ابن عيسى، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٤١/٥ من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وذكره الطبري ٢٣٢/١٦ دون نسبة وقال: وهذا القول أشبه بمعنى الكلمة. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٦٥/٣. (٥) النكت والعيون ٤٣٩/٣، وخبر مجاهد في تفسيره ٤٠٧/١، وأخرجه الطبري ٢٣٢/١٦.