النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة طه: الآيات ١٠٥ - ١١٢ الذين يشَّبعون الداعي(١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ الهاء في ((به)): لله تعالى، أي: أحدٌ لا يحيطُ به علماً، إذ الإحاطةُ مُشعِرَةٌ بالحدِّ، ويتعالى الربُّ عن التحديد. وقيل: تَعود على العِلْم، أي: أحدٌ لا يحيطُ علماً بما يعلمه الله(٢). وقال الطبري(٣): الضميرُ في ((أيديهم))، و((خلفَهم))، و((يحيطون))؛ يعودُ على الملائكة؛ أَعْلَمَ الله مَن يعبدُها أنَّها لا تعلمُ ما بين أيديها وما خلفها. قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ خُلْمًا وَلَا حَضْمًا (٢٧)﴾ قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ أي: ذَلَّت وخضعَت؛ قاله ابن الأعرابي وغيره (٤). ومنه قيل للأسير: عانٍ(٥). قال أميةُ بن أبي الصَّلْت(٦): لعِزَّته تَعنُو الوجوهُ وتَسجدُ مَليكٌ على عرش السَّماءِ مُهَيْمِنٌ وقال أيضاً : وَعَنَا له وَجْهي وخَلْقي ◌ُلُّه في السَّاجدين لوجهه مَشْكُورًا(٧) قال الجوهري(٨): عنا يعنو: خضعَ وذلَّ، وأعنَاه غيرُه، ومنه قوله تعالى: (١) بعدها في (د) و(م): والحمد لله. وذكر هذا القول البغوي في تفسيره ٢٣٢/٣ . (٢) تفسير البغوي ٢٣٢/٣ . (٣) في تفسيره ١٧١/١٦، ونسبه لبعضهم، وهو قول الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٩٢. (٤) ياقوتة الصراط ص٣٥٢ . (٥) تفسير البغوي ٢/ ٢٣٢، وينظر الصحاح (عنو). (٦) في ديوانه ص٣٩ . (٧) ديوانه ص٦٩، وفيه: في الخاشعين، بدل: في الساجدين. وهو في النكت والعيون ٣/ ٤٢٧ مثل رواية المصنف. (٨) في الصحاح (عنو). ١٤٢ سورة طه: الآيتان ١١١ - ١١٢ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ﴾، ويقال أيضاً: عَنَا فيهم فلانٌ أسيراً، أي: أقامَ فيهم على إسارِهِ واحتُبِس. وعَنَّاه غيرُه تَعْنِيةً: حبسَه. والعاني: الأسير، وقومٌ عُنَاة، ونسوةٌ عَوَانٍ. وعَنَتْ به أمورٌ: نزلت. وقال ابن عباس: ((عَنَت)): ذَلَّت. وقال مجاهد: خشعت(١). الماوردي(٢): والفرقُ بين الذُّلِّ والخشوع - وإنْ تقاربَ معناهُما - هو (٣) أنَّ الذلَّ: أنْ يكون ذليلَ النفس، والخشوعَ: أنْ يتذلَّل لذي طاعة. وقال الكلبي: ((عنت)) أي: عملَت. عطية العَوْفي: استسلمَتْ. وقال طَلْق بن حبيب: إنَّه وضعُ الجبهةِ والأنفِ على الأرض في السجود (٤). النخَّاس(٥): ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنَّ هذا في الآخرة. ورَوى عكرمةُ عن ابن عباس: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورٌ﴾ قال: الركوعُ والسجود. ومعنى ((عنت)) في اللغة: القهرُ والغلبة، ومنه: فُتِحَت البلادُ عَنْوةً، أي: غلبةً، قال الشاعر : فما أخذوها عَنْوةً عن مودَّةٍ ولكن بضرب المَشْرَفيِّ اسْتقَالَها(٦) وقيل: هو من العناء بمعنى التعب. وكنَى عن النَّاس بالوجوه؛ لأنَّ آثارَ الذُّلِّ إنَّما تتبينُ في الوجه(٧). (١) أخرجهما الطبري ١٧٢/١٦ - ١٧٣. (٢) في النكت والعيون ٤٢٧/٣، وما قبله منه. (٣) لفظة: هو. ليست في (د) و(م). (٤) هذه الأقوال في النكت والعيون ٤٢٨/٣. وقول طلق بن حبيب أخرجه الطبري ١٦/ ١٧٤. (٥) في إعراب القرآن ٥٨/٣ . (٦) قائله كثير عزة، وهو في ديوانه ص٢٢٧، وفيه: فما تركوها، بدل: فما أخذوها. وبحدٍّ، بدل: بضرب. والبيت أورده الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٩٣ مثل رواية المصنف. والمشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى من أرض اليمن. اللسان (شرف). (٧) تفسير الرازي ٢٢/ ١٢٠ بنحوه. ١٤٣ سورة طه: الآيتان ١١١ - ١١٢ ﴿لِلْحَيِّ الْفَيُّورِ﴾ وفي القيوم ثلاث تأويلات؛ أحدها: أنَّه القائمُ بتدبير الخلق. الثاني: أنَّه القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبت. الثالث: أنَّه الدائم الذي لا يَزول ولا يَبيد(١). وقد مضى في ((البقرة)) هذا(٢). ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ◌ُظُلْمًا﴾ أي: خَسِرَ من حَمل شِركاً. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ لأنَّ العملَ لا يُقبل من غير إيمان. و((مِن)) في قوله: ((مِنَ الصَّالِحَاتِ)) للتبعيض(٣)، أي: شيئاً من الصالحات. وقيل: للجنس (٤). ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ قرأ ابن كثير ومجاهد وابن مُحيصن: ((يَخَف)) بالجزم(٥)، جواباً لقوله: ((وَمَنْ يَعْمَلْ)). الباقون: ((يَخَافُ)) رفعاً على الخبر، أي: فهو لا يَخَافُ، أو: فإنَّه لا يخاف . ﴿ظُلًا﴾ أي: نقصاً لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ بالانتقاص من حقِّه. والهضمُ: النقصُ والكسر؛ يقال: هَضَمتُ ذلك من حقِّي، أي: حَطَظْتُه وتركْتُه. وهذا يَهْضِمُ الطعام، أي: يَنْقُص ثِقَلَه. وامرأةٌ هَضِيمُ الكَشح: ضامرةُ البطن(٦). الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم؛ أنَّ الظلمَ: المنعُ من الحقِّ كُلِّه، والهَضْمَ: المنعُ من بعضه، والهضمُ: ظلمٌ وإنْ افترقا من وجه، قال المتوكل الليثي: إِنَّ الأذِلَّةَ واللئَامَ لَمَعشرٌ مَوْلَاهُمُ المتهضَّمُ المظلومُ (٧) (١) النكت والعيون ٤٢٨/٣. (٢) ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٩ . (٣) المحرر الوجيز ٤ / ٦٥ . (٤) الوسيط للواحدي ٢٢٢/٣، وزاد المسير ٣٢٤/٥. (٥) قراءة ابن كثير في السبعة ص٤٢٤، والتيسير ص١٥٣ . (٦) تفسير الطبري ١٧٨/١٦، وزاد المسير ٣٢٤/٥ بنحوه. (٧) النكت والعيون ٤٢٨/٣، والبيت في ديوان المتوكل الليثي ص٧٩، وفي طبقات فحول الشعراء = ١٤٤ سورة طه: الآيات ١١١ - ١١٤ قال الجوهري(١): ورجلٌ هَضيمٌ ومُهتضَم: أي: مظلوم. وتَهضَّمه، أي: ظلمه، واهتضمّه: إذا ظلمه وگَسَر علیه حقّه. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرً (١٣) فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقِّ وَلَا تَعْجَلْ بِلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىّ إِلَيْكَ وَخْيٌُ وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما بيَّنًا لك في هذه السُّورة من البيان، فكذلك جعلنَاه ﴿قَُّانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب. ﴿وَصَرَّفْنَا فِهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بيَّنًّا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب . ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يخافون الله فيجتنبون مَعَاصیَه، ويحذَرون عقابه. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرً﴾ أي: موعظة. وقال قتادة: حذراً وورعاً. وقيل: شرفاً(٢)؛ فالذكرُ هاهنا بمعنى الشرف، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقيل: أي: ليتذكَّروا العذاب الذي تُؤُعِّدوا به. وقرأ الحسن: ((أَوْ نُحْدِثُ)) بالنون، ورُوي عنه رفعُ الثاء وجزمُها(٣). قوله تعالى: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ لمَّا عَرَّف العبادَ عظيمَ نعمه وإنزالَ القرآن؛ نزَّه نفسَه عن الأولاد والأنداد فقال: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ﴾ أي: جلَّ الله الملك الحق، أي: ذو الحق. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾ علَّم نبيَّه كيف يتلقَّى القرآن. = ٦٨٤/٢، وفيه: معاشر، بدل: لمعشر. والمتوكل الليثي عدَّه ابن سلام في الطبقة السابعة من الإسلاميين، وقال: يكنى أبا جهمة كان كوفياً، وكان في عصر معاوية. (١) الصحاح (هضم). (٢) تفسير الطبري ١٧٩/١٦، والنكت والعيون ٤٢٨/٣ . (٣) الكشاف ٢/ ٥٥٤، وزاد المسير ٣٢٥/٥، والبحر المحيط ٢٨١/٦. وذكر القراءة ابن جني في المحتسب ٥٩/٢ عن الحسن بالياء وجزم الثاء. ١٤٥ سورة طه: الآيات ١١٣ - ١١٥ قال ابن عباس: كان عليه الصلاة والسلام يُبادرُ جبريلَ، فيقرأُ قبل أنْ يَفْرُغ جبريلُ من الوحي حرصاً على الحِفْظ، وشفقةً على القرآن مخافةً النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ﴾. وهذا كقوله: ﴿لَا تُحُرَِّ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾﴾(١) [القيامة: ١٦] على ما يأتي. وروى ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: لا تَثْلُه قبل أنْ تتبيَّنه(٢). وقيل: ((وَلَا تَعْجَلْ)) أي: لا تسألْ(٣) إنزالَه ((قبل أن يُقْضَى)) أي: يأتيَك ((وَحْيُهُ)). وقيل: المعنى: لا تُلْقِه إلى الناس قبل أنْ يأتيَك بيانُ تأويله(٤). وقال الحسن: نزلَتْ في رجلٍ لَطَم وجهَ امرأته، فجاءت إلى النبيِّ# تطلبُ القِصاص، فجعل النبيُّ# لها القِصَاص، فنزل ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، ولهذا قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [الكهف: ١١٤] أي: فَهْماً؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام حكم بالقِصَاص وأبى الله ذلك(٥). وقرأ ابن مسعود وغيره: ((مِن قَبْلِ أَنْ نَقْضِيَ)) بالنون وكسر الضاد ((وَحْيَهُ)) بالنصب(٦). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنًا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا (٥)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى مَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ﴾ قرأ الأعمشُ باختلافٍ عنه (١) الوسيط للواحدي ٢٢٣/٣، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البخاري (٤٩٢٩)، ومسلم (٤٤٨) بنحوه. (٢) تفسير مجاهد ٤٠٣/١، وأخرجه الطبري ١٦/ ١٨٠ عنه، وفيهما: لا تتله على أحد حتى نُبيِّنَه لك. (٣) في (د) و(م): لا تسل. (٤) النكت والعيون ٤٢٩/٣ . (٥) أخرجه الطبري ٦٨٨/٦، والواحدي في أسباب النزول ص ١٤٥، وهو مرسل. وسلف ٢٧٩/٦ . (٦) قرأ بها يعقوب من العشرة. النشر ٣٢٢/٢، وذكرها عن ابن مسعود ه ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٦/٥، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٠ للجحدري والحسن ومجاهد. ١٤٦ سورة طه: الآية ١١٥ ((فَسِيْ)) بإسكان الياء(١)، وله معنيان: أحدهما: تَرَكَ، أي: تَرَكَ الأمر والعهد؛ وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين(٢)، ومنه ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. و[الثاني]: قال ابن عباس: ((نسي)) هنا من السهو والنسيان، وإنَّما أُخِذَ الإنسان منه لأنَّه عُهِد إليه فَنَسِيَ(٣). قال ابن زيد: نَسِيَ ما عَهِدَ الله إليه في ذلك، ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه إبليس (٤). وعلى هذا القول يَحتمِلُ أنْ يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مُؤاخذاً (٥) بالنسيان، وإنْ كان النسيان عنَّا اليومَ مرفوعاً. ومعنى ((مِنْ قَبْلُ)) أي: من قبل أنْ يأكل من(٦) الشجرة؛ لأنَّه نُهيَ عنها. والمرادُ تسليةُ النبيِّ ﴾، أي: طاعةُ بني آدم للشيطان أمرٌ قديم، أي: إنْ نَقَضَ هؤلاء العهدَ؛ فإنَّ آدم أيضاً عهدنا إليه فَنَسي؛ حكاه القشيري وكذلك الطبري(٧). أي: وإن يُعرِضْ يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسُلي، ويطيعوا إبليس، فَقِدْماً فعلَ ذلك أبوهم آدم. قال ابن عطية(٨): وهذا التأويلُ ضعيف، وذلك كون آدمَ مثالاً للكفَّار الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدم إنَّما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضةٌ عليهِ ﴾، وإنَّما الظاهرُ في الآية إمّا أن يكونَ ابتداءَ قصصٍ لا تعلُّقَ له بما قبله، وإمَّا أنْ يجعل تعلُّقه أنَّه لمَّا (١) المحتسب ٥٩/٢ . (٢) أخرجه الطبري ١٦/ ١٨٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد. (٣) النكت والعيون ٤٣٠/٣، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ١٦/ ١٨٢ - ١٨٣. (٤) أخرجه الطبري ١٦/ ١٨٢ . (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): مأخوذاً، والمثبت من (ظ). والكلام بنحوه في تفسير البغوي ٢٣٣/٣. (٦) لفظة: من، من (م)، وهذا القول ذكره الرازي في تفسيره ١٢٤/٢٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٧) في تفسيره ١٨١/١٦. (٨) في المحرر الوجيز ٦٦/٤، وما قبله منه. ١٤٧ سورة طه: الآية ١١٥ عَهِد إلى محمدٍ ﴿ أَلَّا يَعْجَلَ بالقرآن، مثَّل له بنبيٍّ قبلَه عهدَ إليه فَنَسي فعُوقِب؛ ليكونَ أشدَّ في التحذير وأبلغَ في العهد إلى محمد ﴿، والعهد هاهنا في معنى الوصية، ((ونسيَ)) معناه: ترك، ونسيانُ الذُّهول لا يمكن هنا؛ لأنَّه لا يتعلَّق بالناسي عقاب. والعزم: المُضيُّ على المعتقد في أيِّ شيءٍ كان، وآدمُ عليه السلام قد كان يعتقد ألَّا يأكل من الشجرة، لكن لمَّا وسوس إليه إبليسُ لم يعزم على مُعتقده. والشيء الذي عُهِدَ إلى آدَمَ هو ألَّ يأكل من الشجرة، وأُعلِمَ مع ذلك أنَّ إِیلیس عدوٌّ له. واختلف في معنى قوله: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، فقال ابن عباس وقتادة: لم نجدْ له صبراً عن أكل الشجرة ومواظبةً على التزام الأمر(١). قال النحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلانٍ عزمٌ، أي: صبرٌ وثَباتٌ على التحفّظ من المعاصي حتى يَسلم منها، ومنه: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وعن ابن عباس أيضاً وعطية العوفي: حِفْظاً لما أُمر به (٢)، أي: لم يتحقَّظ ممَّا نَهيتُه حتى نَسِيَ. وذَهبَ عن عِلْم ذلك بترك الاستدلال؛ وذلك أنَّ إبليس قال له: إنْ أكلتَها خُلِّدتَ في الجنة، يعني: عينَ تلك الشجرة، فلم يُطِعْه، فدعَاه إلى نظير تلك الشَّجرة ممَّا دخلَ في عُموم النهي، وكان يجب أنْ يستدلَّ عليه فلم يفعل، وظنَّ أنَّها لم تدخل في النهي، فأكلَها تأويلاً(٣). ولا يكون ناسياً للشيء من يعلم أنَّه معصيةٌ. وقال ابن زيد: ((عزماً)): مُحافظةً على أمر الله (٤). وقال الضحَّاك: عزيمةَ أمر. ابن كيسان: إصراراً ولا إضماراً للعود إلى الذنب. قال القشيري: والأوَّلُ أقربُ إلى تأويل الكلام؛ ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من (١) أخرجه الطبري ١٨٣/١٦ عن قتادة مختصراً. (٢) أخرجه عنهما الطبري ١٦/ ١٨٣ - ١٨٤ . (٣) تفسير الرازي ١٣/٣ بنحوه، وسلف نحو هذا الكلام ٤٥٥/١ . (٤) أخرجه الطبري ١٦/ ١٨٤. ١٤٨ سورة طه: الآيات ١١٥ - ١١٩ أولي العزم من الرسل؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾. وقال المُعْظَم: كلُّ الرسل أولو العزم، وفي الخبر: ((ما من نبيِّ إلَّا وقد أخطأ - أو همَّ بخطيئة - ما خلا يحيى بن زكريا)»(١). فلو خرج آدمُ بسبب خطيئته من جُملة أولي العزم؛ لخرج جمیعُ الأنبياء سوی یحیی. وقد قال أبو أمامة: لو أنَّ أحلامَ بني آدم جُمعت منذ خلقَ اللهُ الخلقَ إلى يوم القيامة، ووُضِعت في كفَّة ميزان، وَوِضع حِلمُ آدم في كفةٍ أُخرى؛ لرجَحَهم، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا﴾(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ اسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ فَقُلْنَا يَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ (١٩) إِنَّ لَكَ أَّا تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ١١٩) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَبَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ﴾ تقدَّم في ((البقرة»(٣) مستوفّی. ﴿فَقُلْنَا يَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوِْكَ فَلَ يُخْرِجَنَّكُاَ﴾ نهيٌّ، ومَجازه: لا تقبلا منه، فيكون ذلك سبباً لخروجكما من الجنة(٤). ﴿فَتَشْقَ﴾ يعني: أنت وزوجك؛ لأنَّهما في استواء العلَّة واحد(٥)، ولم يقل: فتشقَيا؛ لأنَّ المعنى معروف، وآدمُ عليه السلام هو (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما - وعنده: أحد: بدل: نبي -، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف كما في ميزان الاعتدال ١٢٧/٣ - ١٢٨ . وأخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٨١٤ من طريق آخر عن ابن عباس، وقال: غريب من حديث شعبة وغيره، لا يرويه إلا إبراهيم السباك عن سليمان بن حرب عن شعبة. اهـ (٢) سلف ١/ ٤٥٧ . (٣) ٤٣٣/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٣ . (٥) النكت والعيون ٤٣٠/٣ . ١٤٩ سورة طه: الآيات ١١٦ - ١١٩ المُخاطَب، وهو المقصود(١). وأيضاً لمَّا كان الكادَّ عليها والكاسبَ لها؛ كان بالشقاء أخصّ(٢). وقيل: الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدمَ وحدَه، وهو شقاوة البدن، ألَا ترى أنه عقَّيهُ بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ أي: في الجنة ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾، فأَعلَمه أنَّ له في الجنة هذا كلَّه: الكسوةُ والطعام والشراب والمسكن، وأنَّك إن ضَيَّعت الوصية، وأطعتَ العدوَّ؛ أخرجَكما من الجنة، فشقيت تعباً ونصَباً، أي: جُعْتَ وعريتَ وظَمِئتَ وأصابتك الشمس؛ لأنَّك تُرَدُّ إلى الأرض إذا أُخرِجت من الجَنَّة. وإنَّما خصَّهُ بذكر الشقاء ولم يقل: فتشقيان؛ لِيُفهمنا(٣) أنَّ نفقة الزوجة(٤) على الزوج، فمن يومئذٍ جرت نفقةُ النساء على الأزواج، فلمَّا كانت نفقةُ حواءَ على آدم، كذلك نفقاتُ بناتها على بني آدم بحق الزوجيَّة. وأعلمنا في هذه الآية أنَّ النفقةً التي تجبُ للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة، فقد خرجَ لها(٥) من نفقتها، فإنْ تفضَّل بعد ذلك فهو مأجور، فأمَّا هذه الأربعة فلابدَّ لها منها؛ لأنَّ بها إقامةَ المُهجة(٦). قال الحسن: المراد بقوله: ((فتشقى)) شقاء الدنيا، لا يُرى ابنُ آدم إلَّا ناصباً. وقال الفرًّاء(٧): هو أن یأکل من گَدِّ يديه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٣ . (٢) النكت والعيون ٤٣٠/٣ . (٣) في (د) فعلمنا، وفي (خ) و(ز) و(م): يعلمنا، والمثبت من (ظ). (٤) في (خ) و(ز) و(ظ): المرأة. (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): إليها، والمثبت من (ظ). (٦) المُهجة: الروح. القاموس المحيط (مهج). (٧) في معاني القرآن له ١٩٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٥٨/٣، وقول الحسن الذي قبله منه. ١٥٠ سورة طه: الآيات ١١٦ - ١١٩ وقال سعيد بن جبير: أُهبِطَ إلى آدم ثورٌ أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسحُ العرقَ عن جبينه، فهو شقاؤُه الذي قال الله تبارك وتعالى(١) . وقيل: لمَّا أُهبِط من الجنة كانَ من أوَّل شقائه أنَّ جبريلَ أَنزل عليه حباتٍ من الجنَّة، فقال: يا آدم، ازرع هذا. فحرث وزرع، ثمَّ حصد، ثمَّ نقَّى، ثمَّ طحن، ثمَّ عجن، ثمَّ خبز، ثم جلس ليأكلَ بعد التعب، فتدحرج رغيفُه من يده حتى صار أسفلَ الجبل، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عَرِفَ جبينُه، قال: يا آدم، فكذلك رزقُك بالتعب والشقاء، ورزقُ ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى﴾ فيه مسألتان(٣): الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة. ﴿وَلَا تَعْرَ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِهَا﴾ أي: لا تعطش. والظّمَأ: العطش. ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ أي: تبرز للشمس فتجد حرَّها. إذْ ليس في الجنة شمسٌ، إنَّما هو ظلُّ ممدود(٤)، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال أبو العالية: نهارُ الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. قال أبو زيد: ضَحًا الطريقُ يَضْحُو ضَحْواً (٥): إذا بدا لك وظهر. وضَحِيتُ(٦) - بالكسر - ضَحاً: عرقت. وضَحِيتُ أيضاً للشمس ضَحَاءً، ممدود: بَرزتُ، وضَحَيتُ - بالفتح - مثلُه، والمستقبل: أَضْحَى، في اللغتين جميعاً (٧)، قال عمر بن أبي ربيعة: (١) أخرجه الطبري ١٨٦/١٦ . (٢) تاريخ الطبري ١٢٨/١ - ١٢٩، وعرائس المجالس ص٣٩ - ٤٠، والخبر من الإسرائيليات. (٣) کذا وقع، لكنه لم يرد إلا مسألة واحدة. (٤) الوسيط للواحدي ٢٢٤/٣، وتفسير البغوي ٢٣٣/٣ - ٢٣٤. (٥) قال الزبيدي في تاج العروس (ضحى): ضحا الطريق ضُحُوًّا؛ كعُلُوّ .. ونقله الجوهري [الصحاح (ضحى)] عن أبي زيد وضبط مصدره بالفتح. (٦) قبلها في (م): وضَحَيْتُ. والكلام من هنا إلى قوله: برزت. ساقط من (د) و(ز) و(ظ). (٧) الصحاح (ضحو). ١٥١ سورة طه: الآيات ١١٦ - ١٢٢ رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إذا الشمسُ عَارضَتْ فَيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ(١) وفي الحديث أنَّ ابن عمر رأى رجلاً مُحرِماً قد استظلَّ، فقال: أَضْحِ لمن أحرمتَ له(٢). هكذا يَرويه المُحدِّثون، بفتح الألف وكسر الحاء، من أَضحيتُ. وقال الأصمعي: إنَّما هو: اِضْحَ لمن أحرمتَ له، بكسر الألف وفتح الحاء، من ضَحِيتُ أَضْحَى؛ لأنَّه إنَّما(٣) أَمَرَه بالبروز للشمس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٤). وأنشد: ضَحِيتُ له كَيْ أَستظلَّ بِظلِّهِ إِذا الظِلُّ أَضْحَى في القيامة قَالِصا (٥) وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلَّا عاصماً في رواية أبي بكر عنه: ((وَأَنَّكَ)) بفتح الهمزة(٦) عطفاً على ((أَلَّا تَجُوعَ)). ويجوز أنْ يكون في موضع رفع عطفاً على الموضع، والمعنى: ولك أنَّك لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على الاستئناف، وعلى العطف على ((إِنَّ لَكَ))(٧). قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَنُ قَالَ يَعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى ٢٥) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطِفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن ١٢٢ ثُمَّ أَجْتَهُ رَبُّهُ فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَى ءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ تقدَّم في ((الأعراف))(٨). ﴿قَالَ﴾ يعني (١) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص ٦٤، وفيه: أمَّا، بدل: أيما. وسلف البيت ٣٦٦/١. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٠٩/٤ (نشرة العمروي)، والبيهقي في السنن الكبرى ٧٠/٥، ووقع في مطبوع ابن أبي شيبة: ضح لمن أحرمت له. (٣) لفظة: إنما، ليست في (د) و(م). (٤) الصحاح (ضحو). (٥) ذكره المرزوقي في الأزمنة والأمكنة ٩٦/٢ دون نسبة. وقَلَص الظلُّ: انقبض. القاموس (قلص). (٦) وقرأ بها أيضاً ابن كثير المكي وابن عامر الشامي. السبعة ص ٤٢٤ ، والتيسير ص ١٥٣ . (٧) إعراب القرآن للنحاس ٥٩/٣ . (٨) ٩ / ١٧٤ - ١٧٥ . ١٥٢ سورة طه: الآيات ١٢٠ - ١٢٢ الشيطان: ﴿يََّادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾. وهذا يدلُّ على المُشافهة، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدَّم في ((البقرة)) بيانه(١)، وتقدَّم هناك تعيين الشجرة، وما للعلماء فيها، فلا معنى للإعادة. ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ تقدَّم في ((الأعراف)) مستوفّى(٢). وقال الفرَّاء(٣): ((وَطَفِقا)) في العربية: أقبَلًا، قال: وقيل: جَعلًا يُلْصِقان عليهما ورق التين. قوله تعالى: ﴿وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى﴾ فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَعَصَنَ﴾ تقدَّم في ((البقرة)» القولُ في ذنوبِ الأنبياء(٤)، وقال بعضُ المتأخرين من علمائنا: والذي ينبغي أن يقال: إنَّ الله تعالى قد أخبرَ بوقوع ذنوبٍ من بعضهم، ونَسبَها إليهم، وعَاتبَهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصَّلوا منها، واستغفروا منها، وتابوا، وكلُّ ذلك وردَ في مواضعَ كثيرةٍ لا يقبلُ التأويلَ جملتُها، وإنْ قَبِلَ ذلك آحادُها، وكلُّ ذلك مما لا يُزري بمناصبهم، وإنَّما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويلٍ دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم(٥) حسناتٌ، وفي حقِّهم سيئاتٌ بالنسبة إلى مناصبهم، وعلوِّ أقدارهم؛ إذ قد يُؤاخذُ الوزير بما يُثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحقُّ. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين(٦). فهم (١) ١/ ٤٦٤، وسلف الكلام أن خبر دخول إبليس الجنة في جوف الحية من الإسرائيليات. (٢) ١٧٩/٩ . (٣) في معاني القرآن ١٩٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٥٩/٣ . (٤) ٤٥٩/١ - ٤٦٠، والكلام الذي سيذكره المصنف حتى نهاية المسألة الأولى سلف ثمة. (٥) لفظة: بالنسبة: من (م)، وفي (ظ): فهي لغيرهم. (٦) ذكره العروسي في حاشيته على شرح الرسالة القشيرية للشيخ زكريا الأنصاري ١٤١/١، وذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢/ ٦٥ ونسبه لأبي سعيد الخراز. ١٥٣ سورة طه: الآيات ١٢٠ - ١٢٢ - صلوات الله وسلامه عليهم - وإن كانوا قد شَهِدَت النصوصُ بوقوع ذنوبٍ منهم، فلم يُخِلَّ ذلك بمناصبهم، ولا قَدَح في رُتَبهم (١)، بل قد تلافاهم، واجتباهم، وهداهم، ومدحهم، وزّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلواتُ الله عليهم وسلامه. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي(٢): لا يجوز لأحدٍ منا اليوم أنْ يُخبِر بذلك عن آدم إلَّا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيِّه، فأمَّا أن يَبتدئَ ذلك من قِبَل نفسه؛ فليس بجائزٍ لنا في آبائنا الأدنَين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبيِّ المُقدَّم، الذي عَذَره الله سبحانه وتعالى، وتاب عليه، وغَفَرَ له. قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالإخبارُ عن صفات الله عزَّ وجلَّ كاليد والرجل، والإصبع والجنب، والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنَّه لا يجوز الابتداءُ بشيءٍ من ذلك إلَّا في أثناء قراءة كتابه، أو سُنَّة رسوله. ولهذا قال الإمام مالك بن أنس : من وصف شيئاً من ذات الله عزَّ وجلَّ مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ يَدُ ج اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، فأشار بيده إلى عنقه قُطِعت يده، وكذلك في السمع والبصر يُقطَّع ذلك منه؛ لأنه شبّه الله تعالى بنفسه(٣). الثالثة: روى الأئمة - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة عن النبي # قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا، خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة، فقال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله عزَّ وجلَّ بكلامه، وخطَّ لك بيده(٤)، أتلومني(٥) على أمرٍ قدَّره الله عليَّ قبل أنْ يخلقني بأربعين سنة، فَحِجَّ آدمُ موسى)) ثلاثاً(٦). (١) في (م): رتبتهم. (٢) في أحكام القرآن له ١٢٤٩/٣ . (٣) التمهيد ١٤٥/٧ . (٤) بعدها في (د) و(م) لفظة: يا موسى. (٥) في (خ) و(ز) و(ظ): تلومني. (٦) صحيح البخاري (٦٦١٤)، وهو في مسند أحمد (٧٣٨٧)، وصحيح مسلم (٢٦٥٢) وسلف قسم منه ٢١٥/٢ و٣٧٥/٥ . ١٥٤ سورة طه: الآيات ١٢٠ - ١٢٢ قال المهلَّب: قوله: ((فحجَّ آدمُ موسى)) أي: غلَبه بالحُجَّة. قال الليث بن سعد: وإنَّما صحَّت الحُجَّة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام، من أجل أنَّ الله تعالى قد غَفَرَ لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن لموسى أنْ يُعيِّره بخطيئةٍ قد غَفرَها الله تعالى له؛ ولذلك قال آدم: أنت موسى الذي آتاك اللهُ التوراةَ، وفيها عِلْم كلِّ شيءٍ، فوجدتَ فيها أنَّ الله قد قدَّر عليَّ المعصية، وقدَّر عليَّ التوبةَ منها، وأسقط بذلك اللَّومَ عنِّي، أفتلومني أنت، واللهُ لا يلومني؟. وبمثل هذا احتجَّ ابن عمر على الذي قال له: إنَّ عثمان فرَّ يومَ أُحد، فقال ابن عمر: ما على عثمانَ ذنبٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد عفا عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (١) [آل عمران: ١٥٥]. وقد قيل: إنَّ آدمَ علیه السلام أبٌ، وليس تعییره من پِرّه أنْ لو كان مما يُعيَّر به غيره(٢)، فإنَّ الله تبارك وتعالى يقولُ في الأبوين الكافرين: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. ولهذا إنَّ إبراهيم عليه السلام لمَّا قال له أبوه وهو كافر: ﴿لپن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكٌ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا * قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ﴾ [مريم: ٤٦-٤٧]، فكيف بأبٍ هو نبيٌّ قد اجتباه ربُّه وتاب علیه وهدی؟! الرابعة: وأما مَن عَمِلَ الخطايا ولم تأتِهِ المغفرة، فإن العلماء مُجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتجَّ بمثل حُجَّة آدم فيقولَ: تلومني على أن قتلتُ أو زنيتُ أو سرقتُ وقد قدَّر الله عليَّ ذلك، والأمةُ مُجمعةٌ على جواز حمد المُحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه(٣). الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَغَوَى﴾ أي: ففَسَدَ علیه عيشُه، حكاه النقاش، واختاره (١) أخرجه البخاري مطولاً (٤٠٦٦) وسلف بتمامه ٣٧٤/٥. (٢) ذكره بنحوه أبو العباس القرطبي في المفهم ٦٦٧/٦ - ٦٦٨، ثم قال: وهذا نأي عن معنى الحديث، وعما سبق له. (٣) التمهيد ١٥/١٨، والاستذكار ٨٨/٢٦. ١٥٥ سورة طه: الآيات ١٢٠ - ١٢٢ القُشيريّ. وسمعتُ شيخنا الأستاذَ المقرئ أبا جعفر القرطبي(١) يقول: ((فَغَوَى)): ففسد عيشُه بنزوله إلى الدنيا، والغَيُّ: الفساد. وهو تأويلٌ حسن، وهو أولى من تأويل من يقول: إنَّ(٢) ((فغوى)) معناه: ضلَّ، من الغَيِّ الذي هو ضد الرُّشد. وقيل: معناه: جَهِلَ موضعَ رُشْده، أي: جَهِلَ أنَّ تلك الشجرة هي التي نُهيَ عنها، والغَيُّ: الجهل. وعن بعضهم: ((فغَوى)): فَبَشِم (٣) من كثرة الأكل. الزمخشريّ(٤): وهذا - وإن صحَّ على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ وبَقيَ: فَتَى وبَقَّى، وهم بنو طيِّئ - تفسيرٌ خبيث. السادسة: قال القشيري أبو نصر: قال قومٌ: يقال: عصى آدمُ وغوى، ولا يقال له: عاصٍ ولا غاوٍ، كما أنَّ من خاطَ مرةً يقالُ له: خاط، ولا يقال له: خيَّاط، ما لم تتكرر منه الخياطة(٥). وقيل: يجوز للسيِّد أنْ يُطلِق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه(٦). وهذا تكلُّفٌ، وما أُضيف مِن هذا إلى الأنبياء فإمَّا أنْ تكون صغائرَ، أو ترك الأولى، أو قبل النبوّة. قلت: هذا حسن. قال الإمام أبو بكر بن فُورَك رحمه الله تعالى: كان هذا من آدمَ قبل النبوّة، ودليلُ (١) هو أحمد بن محمد القيسي المعروف بابن أبي حجة، توفي سنة (٦٤٣هـ). بغية الوعاة ٣٨٣/١، وسلف ذكره ٤١٢/٥ . (٢) لفظة: إن، ليست في (م). (٣) البَشَم: التخمة. النهاية (بشم). (٤) في الكشاف ٢/ ٥٥٧ . (٥) وهو قول ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص٣١٣ . (٦) تفسير الرازي ١٢٨/٢٢ . ١٥٦ سورة طه: الآيات ١٢٠ - ١٢٧ ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَجْتَبَهُ رَبُّهُ فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ فذكر أنَّ الاجتباءَ والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوّة، فجائزٌ عليهم الذنوبُ وجهاً واحداً؛ لأنَّ قبل النبوّة لا شرعَ علينا في تصديقهم، فإذا بعثَهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين؛ لم يضرَّ ما قد سلفَ منهم من الذنوب. وهذا نفيسٌ، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِّى هُدِّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ ١٢٣ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَِّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (٣٥) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى (٣) وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ ٢٧ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ خاطب آدم وإبليس(١). ((مِنها)) أي: من الجنة وقد قال لإبليس: ﴿اَخْرُجْ مِنْهَ مَذْهُوَمَا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]، فلعلَّه أُخرج من الجنة إلى موضعٍ من السماء، ثم أُهبِط إلى الأرض. ﴿بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ تقدَّم في ((البقرة))(٢)، أي: أنت عدوٍّ للحيَّة ولإبليس، وهما عدوَّان لك. وهذا يدلُّ على أن قوله: ((اهِطا)) ليس خطاباً لآدم وحوّاء؛ لأنَّهما ما كانا مُتعاديين، وتضمَّن هبوطُ آدَمَ هبوطَ حوّاء. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَتْكُم مِنِى هُدَى﴾ أي: رشداً وقولاً حقًّا. وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣). ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ﴾ يعني: الرسل والكتب . ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية. وعنه: من قرأ القرآن واتَّبع ما فيه هَدَاه الله من الضلالة، (١) زاد المسير ٣٣٠/٥. (٢) ١/ ٤٧٤ . (٣) ٤٨٨/١ . ١٥٧ سورة طه: الآيات ١٢٣ - ١٢٧ ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية(١). ﴿وَمَنْ أَغْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾ أي: ديني، وتلاوة كتابي والعمل بما فيه. وقيل: عما أَنْزَلتُ من الدلائل(٢). ويَحتمِلُ أن يُحمَلَ الذِّكر على الرسول؛ لأنَّه كان منه الذِّكر. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: عيشاً ضَيِّقاً؛ يقال: منزلٌ ضَنْك، وعيشٌ ضَنْك، يستوي فيه الواحد والاثنان، والمذكر والمؤنث والجمع؛ قال عنترة: إِنْ يُلحَقوا أَكْرُرْ وإنْ يُستلحَمُوا أَشدُدْ وإِنْ يُلْفَوْا بضَتْكٍ أنزلِ(٣) وقال أيضاً(٤): إنَّ المنيةَ لو تُمثَّل مُثِّلتْ مثلي إذا نَزِلُوا بِضَنْكِ المنزلِ وقُرِئٍ: ((ضَنْكَى)) على وزن فَعْلَى(٥). ومعنى ذلك: أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعلَ مع الدين التسليمَ والقناعةَ والتوُّلَ عليه وعلى قسمته، فصاحبُه يُنفقُ مما رزقَه الله عزَّ وجلَّ بسماحٍ وسهولةٍ، ويعيشُ عيشاً رافِغاً (٦)؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ سۀ لَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]. والمُعرِض عن الدِّين مستولٍ عليه الحرصُ الذي لا يزال يَطمحُ به إلى الازدياد من الدنيا، مُسَلَّطٌ عليه الشُّخُّ، الذي يقبضُ يدَه عن الإنفاق، فعيشُه ضَنكٌ، وحالُه مظلِمةٌ؛ كما قال بعضهم: لا يُعرِضُ أحدٌ عن ذكر ربِّه إلا أظلمَ عليه وقتُه، وتَشوَّش عليه رزقُه، وكان في عيشه في ضنك(٧). وقال عكرمة: ((ضَنْكاً)): كسباً حراماً. الحسن: طعامُ الضَّرِيع والزَّقُومِ. وقولٌ (١) أخرجهما الطبري ١٦/ ١٩١ - ١٩٢، وأوردهما ابن الجوزي في زاد المسير ٣٣٠/٥. (٢) مجمع البيان للطبرسي ١٦/ ١٥٢ بنحوه. (٣) ديوان عنترة ص ٥٧ ، والكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٦/ ١٩٢. (٤) ديوانه ص٥٨ . (٥) قرأ بها الحسن. القراءات الشاذة ص ٩٠ . (٦) عيشٌ أرفعُ، ورافِتٌ، ورفيقٌ: خصيبٌ واسعٌ طيب. اللسان (رفع). (٧) في (م): في عيشة ضنك. ١٥٨ سورة طه: الآيات ١٢٣ - ١٢٧ رابعٌ: وهو الصحيح؛ أنَّه عذابُ القبر؛ قاله أبو سعيد الخدري، وعبدُ الله بن مسعود، ورواه أبو هريرة مرفوعاً عن النبي ﴾(١)، وقد ذكرناهُ في كتاب ((التذكرة))(٢). قال أبو هريرة: يضيقُ على الكافر قبره حتى تختلفَ فيه أضلاعه، وهو المعيشةُ الضنك(٣). ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قيل: أعمى في حالٍ وبصيراً في حال، وقد تقدَّم في آخر ((سبحان))(٤). وقيل: أعمى عن الحجّة، قاله مجاهد. وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشيءٍ منها(٥). وقيل: عن الحِيلة في دفع العذاب عن نفسه، کالأعمى الذي لا حِيلةً له فيما لا يراه. ﴿قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيِّ أَعْمَى﴾ أي: بأيِّ ذنبٍ عاقبتني بالعَمَى. ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا، وكأنَّه يظنُّ أنْ(٦) لا ذنبَ له. وقال ابنُ عباس ومجاهد: أي: ((لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى)) عن حُجَّتي ((وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً)) أي: عالماً بحجتي (٧). القشيري: وهو بعيدٌ إذ ما كان للكافر حجةٌ في الدنيا. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا﴾ أي: قال الله تعالى له: ﴿كَذَِّكَ أَنْتْكَ ءَايَتْنَ﴾ أي: دلالاتُنا على وحدانيتنا وقدرتنا. ﴿قَنِينَهَا﴾ أي: تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضتَ عنها . ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ أي: تترك في العذاب؛ يريد جهنم. (١) النكت والعيون ٤١٣/٣، وقول أبي سعيد الخدري وابن مسعود رضي الله عنهما أخرجه الطبري ١٩٦/١٦ و١٩٨. وحديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦٦٤٤)، والطبري في تفسيره ١٩٨/١٦ - ١٩٩، وابن حبان في صحيحه (٣١٢٢). (٢) ص ١٣٣ . (٣) أخرجه الطبري ١٦/ ١٩٧. (٤) ١٧٩/١٣ . (٥) النكت والعيون ٤٣١/٣. (٦) في (م): أنه. (٧) أخرجه الطبري ٢٠٠/١٦ - ٢٠١ عن مجاهد. ١٥٩ سورة طه: الآيات ١٢٣ - ١٣٠ وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَشَرَفَ﴾ أي: وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في المصنوعات والتفكر فيها، وجاوزَ الحدَّ في المعصية. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ رَبِّهِ﴾ أي: لم يُصدِّق بها. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ﴾ أي: أفظعُ من المعيشة الضَّنك وعذابِ القبر. ﴿وَأَبْقَ﴾ أي: أدومُ وأثبت؛ لأنَّه لا ينقطع ولا ينقضي. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَئِكِنِمْ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى (١٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَنَّى فَأَصْبِرِ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَنٍََّ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (٢)﴾ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ﴾ يريدُ أهلَ مَّة، أي: أفلم يتبين لهم خبرُ من أهلكنا قبلهم من القرون، يمشون في مساكنهم؛ إذا سافروا وخرجوا في التجارة وطلبٍ المعيشة، فيرون بلادَ الأُمم الماضية والقرون الخالية خاويةً، أي: أفلا يخافون أنْ يحُلَّ بهم مثلُ ما حلَّ بالكفار قبلَهم. وقرأ ابنُ عباس والسُّلَميُّ وغيرهما: (نَهْدِ لَهُمْ)) بالنون(١)، وهي أَبْينُ. و((يهد)» الفاعل. النحاس(٢): وهذا بالياء مشكلٌ لأجل الفاعل؛ فقال الكوفيون: خطأ؛ لأنَّ ((كم)) استفهامٌ، فلا يَعملُ فيها ما قبلها. وقال الزَّجَّاج(٣): المعنى: أو لم يهدِ لهم الأمرُ بإهلاكنا مَن أهلكناه. وحقيقة ((يهدي)) يدلُّ على الهدى؛ فالفاعلُ هو الهدى، تقديره: أفلم يهدِ الهدى لهم. قال الزَّجَّاج: ((كم)): في موضع نصب بـ ﴿أَمْلَكْنَا﴾. (١) ذكرها عنهما أبو حيان في البحر المحيط ٢٨٨/٦، وذكرها الزجاج في معاني القرآن ٣٧٩/٣ ، وابن عطية في المحرر الوجيز ٦٩/٤، والزمخشري في الكشاف ٥٥٨/٢ . دون نسبة. (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٦٠. وما قبله وقول الزجاج الآتي منه. (٣) في معاني القرآن له ٣٧٩/٣. ١٦٠ سورة طه: الآيات ١٢٨ - ١٣٠ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَكَنَ لِزَامًا﴾ فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولولا كلمةٌ سبقت من ربِّك وأجلٌ مسمى لكان لزاماً؛ قاله قتادة(١). واللِّزام: المُلازمة، أي: لكان العذابُ لازماً لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج(٢): ﴿وَأَجَلٌ تُسَمِّى﴾ عطف على ((كلمة)). قتادة: والمراد القيامة؛ وقاله القتبي. وقيل: تأخيرُهم إلى يوم بدر(٣). قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أمرَه تعالى بالصبر على أقوالهم: إنَّه ساحر، إنَّه كاهن، إنَّه كذَّاب، إلى غير ذلك. والمعنى: لا تَحْفِل بهم(٤)، فإنَّ لعذابهم وقتاً مضروباً لا يتقدَّم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخٌ بآية القتال(٥). وقيل: ليس منسوخاً؛ إذ لم يستأصل الكفارَ بعد آية القتال، بل بقي المُعظم منهم. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ مُطْلُوع الشَّمْسِ﴾ قال أكثر المتأولين: هذا إشارةٌ إلى الصلوات الخمس: ﴿قَبْلَ مُلُوعُ الشَّمْسِ﴾ صلاة الصبح، ﴿وَقَبْلَ غُرُوِبًا﴾ صلاة العصر، ﴿وَمِنْ ءَانَآٍَ اَلَِّلِ﴾ العَتَمَة، ﴿وَأَْرَافَ النَّهَارِ﴾ المغرب والظهر(٦)؛ لأنَّ الظهرَ في آخر طرف النهار الأوَّل، وأوَّلٍ طرفِ النهار الآخر؛ فهي في طرفين منه، والطرفُ الثالث: غروب الشمس؛ وهو وقت المغرب(٧). وقيل: النهار ينقسمُ قسمين فَصَلَهما الزَّوال، ولكلّ قسم طرفانٍ، فعند الزوال طرفان؛ الآخِر من القسم الأوّل، والأوَّلُ من القسم الآخر؛ فقال عن الطرفين أطرافاً (١) النكت والعيون ٤٣٢/٣، وأخرجه الطبري ٢٠٧/١٦ - ٢٠٨. (٢) في معاني القرآن له ٣٨٠/٣ . (٣) النكت والعيون ٤٣٢/٣، وكلام القتبي في غريب القرآن له ص٢٨٣. (٤) المحرر الوجيز ٦٩/٤ . (٥) ذكره البغوي في تفسيره ٢٣٦/٣، وابن الجوزي في الناسخ والمنسوخ ص٤٠ . (٦) المحرر الوجيز ٤/ ٧٠ . (٧) تفسير الطبري ٢٠٩/١٦، وتفسير البغوي ٢٣٦/٣.