النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩
يا نبيَّ الله، أَأُلقي ما في يدي؟ وهو يظنُّ أنَّه كبعض ما جاء به غيره من الحليّ؛ فقذف
الترابَ فيه، وقال: كنْ عجلاً جسداً له خُوار، فكان كما قال؛ للبلاء والفتنة، فخار
خَورةً واحدةً لم يُتبعها مثلَها(١).
وقيل: خُواره وصوته كان بالريح؛ لأنَّه كان عَمِل فيه خروقاً، فإذا دخلت الريح
في جوفه خار، ولم تكن فيه حياة. وهذا قولُ مجاهد.
٫٠٠
وعلى القول الأوَّل كان عجلاً من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة
والسديّ(٢).
وروى حمَّاد عن سِماك، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: مرَّ هارون
بالسامريّ وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر، فقال: اللهم
أعطه ما سألَك على ما في نفسه، فقال: اللهم إنِّي أسألك أنْ يخور. وكان إذا خار
سجدوا، وكان الخُوار من أجل دعوة هارون (٣).
قال ابن عباس: خار كما يخور الحيُّ من العُجول(٤).
ورُويَ أنَّ موسى قال: يا رب، هذا السامريّ أخرجَ لهم عجلاً جسداً له خُوار من
حُلِيِّهم، فمن جعل الجسد والخُوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. قال موسى ﴾:
وعزَّتكَ وجلالك وارتفاعك وعلوِّك وسلطانك(٥)، ما أضلَّهم غيرُك. قال: صدقتَ يا
حكيم الحكماء. وقد تقدَّم هذا كله في سورة ((الأعراف)) (٦).
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٦٧١ - ٦٧٢ مطولاً، وينظر عرائس المجالس ص٢١١ .
(٢) النكت والعيون ٤١٩/٣. قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير ١١٠/٩: ما وقع من القصص
أنه كان لحماً ودماً ويأكل ويشرب، فهو من وضع القصاصين. وسلف هذا ٩/ ٣٣٤ .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٣١٠/٥ - ٣١١.
(٤) الوسيط للواحدي ٢١٨/٣ .
(٥) قوله: وارتفاعك وعلوك وسلطانك، ليس في (خ)، ووقع في (ظ): وعلو شأنك.
(٦) ٩/ ٣٣٢ - ٣٣٤ .

١٢٢
سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩
﴿فَقَالُواْ هَذَا إَِهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أي: قال السامريُّ ومن تَبعه وكانوا ميَّالين إلى
التَّشبيه؛ إذ قالوا: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَاِهَةٌ﴾. ﴿فَسِىَ﴾ أي: فضلَّ موسى
[وذهب] يطلبه(١)، فلم يعلم مكانه، وأخطأ الطريق إلى ربِّه. وقيل معناه: فتركه موسى
هنا وخرج يطلبه. أي: ترك موسى إلهه هنا(٢).
ورَوى إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أي: فنسي موسى
أنْ يذكرَ لكم أنَّه إلهه (٣). وقيل: الخطابُ خبرٌ عن السامريّ، أي: ترك السامريُّ ما
أمرَه به موسى من الإيمان فضلَّ(٤)؛ قاله ابن الأعرابيّ.
فقال الله تعالى مُحتجًّا عليهم: ﴿أَفَلَا يَرّونَ﴾ أي: يعتبرون ويتفكرون في أنه لا
يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً، أي: لا يُكلِّمهم. وقيل: لا يعودُ إلى الخُوار والصوت. ﴿وَلَا يَمْلُِ
لَمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا﴾ فكيف يكون إلهاً؟! والذي يعبدُه موسى ﴾ يضرُّ وينفع، ويُثيبُ
ويُعطي ويمنع.
و((أَنْ لَا يَرْجِعُ)) تقديره: أنَّه لا يرجع، فلذلك ارتفعَ الفعلُ، فخففت ((أنْ)) وحُذف
الضمير. وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن(٥). قال:
في فتيةٍ كسيوف(٦) الهندِ قد علموا أَنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ(٧)
وقد يُحذف مع التشديد، قال:
(١) في (د) و(ز) و(خ): يطلب.
(٢) أخرج الطبري ١٦/ ١٤٢ نحو هذه الأخبار، وما بين حاصرتين منه، وينظر تفسير الرازي ١٠٤/٢٢.
(٣) زاد المسير ٣١٥/٥.
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ١٤١/١٦ عن ابن عباس.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٧٣/٣ .
(٦) في (د) و(ز) و(خ) و(م): من سيوف، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٧) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٠٩ . والشطر الثاني فيه: أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيلُ.
وهما رؤايتان للبيت فيما ذكره التبريزي في شرح القصائد العشر ص٣٣٨ .

١٢٣
سورة طه: الآيات ٩٠ - ٩٣
ولكنَّ زنجيٍّ عظيمُ المَشافِرِ(١)
فلو كنتَ ضَبِّيًّا عرفتَ قَرَابتي
أي: ولكنك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِذَّمَا فُتِنْتُم ◌ٌِّ وَإِنَّ رَبَّكُمُ
الرَّحْمَنُ فَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى (٥) قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِّفِينَ حَّى يَرَجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى
قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُوَأْ (٨) أَلَّا تَتَّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَغْرِى
٩١
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل أنْ يأتيّ موسى ويرجعَ
إليهم: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِ﴾ أي: ابتليتم وأُضللتم به، أي: بالعجل ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ
اَلَّهَْنُ﴾ لا العجل ﴿فَتَِّعُونِ﴾ في عبادته ﴿وَأَطِيعُواْ أَرِى﴾ لا أمرَ السامريّ. أو:
فاتَّبعوني في مَسيري إلى موسى ودعوا العجل. فعصَوه و﴿قَالُواْ لَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ﴾
أي: لن نزالَ مُقيمين على عبادة العجل(٢) ﴿حَ يَرَّجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فننظرَ هل يعبدُه كما
عبدناه؛ فتوهّموا أنَّ موسى يعبدُ العجل، فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً من الذين
لم يعبدوا العجل، فلما رجعَ موسی وسمع الصِّياح والجلبة، وکانوا يرقصون حول
العجل، قال للسبعين معه: هذا صوتُ الفتنة؛ فلما رأى هارونَ أخذَ شعر رأسه
بيمينه، ولحيتَه بشماله غضباً(٣)، و﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَيْنَهُمْ ضَلُواْ ﴾ أي: أخطؤوا
الطريقَ وكفروا ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾ ((لا)) زائدة أي: أنْ تتَّبع أمري ووصيتي. وقيل: ما
منعك عن اتِّباعي في الإنكار عليهم (٤). وقيل: معناه: هلَّا قاتلتهم إذْ قد علمتَ أني لو
(١) البيت للفرزدق كما في الكتاب ١٣٦/٢، وخزانة الأدب ٤٤٤/١٠. قال البغدادي: والبيت في هجو
رجل من ضبَّة، نفاه عن ضبَّة ونسبه إلى الزنج. والمشافر: جمع مِشْفَر بكسر الميم وفتح الفاء، وهو شفة
البعير، واستُعير هنا لشفة الإنسان لما قصد من بشاعة خلقه. ثم قال البغدادي: واعلم أن قافية البيت
اشتهرت كذا عند النحويين، وصوابه: ولكنَّ زنجيًّا غلاظاً مشافرُه.
(٢) الوسيط للواحدي ٢١٩/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٢٢٩/٣، وينظر عرائس المجالس ص٢١٦ .
(٤) ذكره الماوردي عن مقاتل ٣/ ٤٢٠ .

١٢٤
سورة طه: الآيات ٩٠ - ٩٣
كنتُ بينهم لقاتلتُهم على كُفرهم. وقيل: ما منعك من اللُّحوق بي لما فُتَنوا(١).
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ يريد: أنَّ مُقامَك بينهم وقد عبدوا غيرَ الله تعالى عِصيانٌ منك
لي؛ قاله ابن عباس(٢). وقيل: معناه: هلَّا فارقتهم، فتكون مفارقتك إيَّاهم تقريعاً لهم
وزَجْراً(٣).
ومعنى ((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)) قيل: إنَّ أمرَه ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ مُوسَى
لِأَخِهِ مَرُونَ أَخْلُفَنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فلما
أقامَ معهم، ولم يُبالِغْ في مَنْعهم، والإنكارِ عليهم، نسبه إلى عِصيانه ومُخالفة أمره (٤).
مسألة: وهذا كلُّه أصلٌ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة
أهله، وأنَّ المقيمَ بينهم - لا سيَّما إذا كان راضياً - حُكْمُه كحكمهم. وقد مضى هذا
المعنى في ((آل عمران)) و((النساء)) و((المائدة)) و((الأنعام)) و((الأعراف)) و((الأنفال))(٥).
وسُئِل الإمام أبو بكر الظُرْطُوشيُّ رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب
الصوفية؟ وأُعلِم - حرس الله مدته - أنَّه اجتمع جماعةٌ من رجال، فيُكثِرون من ذِكر
الله تعالى، وذكر محمدٍ ﴿، ثمَّ إِنَّهم يُوقعون بالقضيب على شيءٍ من الأديم، ويقوم
بعضُهم يرقص ويتواجد حتى يقع مَغْشيًّا عليه، ويُحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور
معهم جائزٌ أم لا؟ أفتونا مأجورين يرحمكم الله(٦). وهذا القول الذي يذكرونه:
قبلَ الثَّفرُّق والزَّلَلْ
يا شيخُ كُفَّ عن الذُّنون
ما دام ينفعُك العَملْ
واغمَلْ لنفسكَ صالحاً
(١) تفسير البغوي ٢٢٩/٣ .
(٢) ذكره الرازي في تفسيره ١٠٨/٢٢ بنحوه.
(٣) تفسير البغوي ٢٢٩/٣.
(٤) النكت والعيون ٤٢٠/٣ .
(٥) ٧٣/٥، ١٨٥/٧، ١٠٥/٨، ٣٦٥/٩، ٤٨٦/٩ .
(٦) لفظة: مأجورين من (م).
٠

١٢٥
سورة طه: الآيات ٩٠ - ٩٨
أمّا الشبابُ فقد مَضَى
ومَشيبُ رأسكَ قد نَزلْ
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب : - يرحمك الله - مذهبُ الصوفية بطالةٌ وجهالةٌ وضلالة، وما الإسلام
إلَّا كتابُ الله وسنةُ رسوله، وأمَّا الرقص والتواجد، فأولُ من أحدثَه أصحاب
السامريّ، لما اتَّخذَ لهم عجلاً جسداً له خُوار؛ قاموا يرقصون حوالیه ويتواجدون،
فهو دينُ الكفَّار وعُبَّاد العجل، وأمَّا القضيبُ فأوَّلُ من اتّخذه الزنادقة لِيشغَلوا به
المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنَّما كان يجلسُ النبيُّ ﴾ مع أصحابه كأنَّما على
رؤوسهم الطير(١) من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونُوَّابه أنْ يمنعهم من الحضور في
المساجد وغيرها، ولا يَحِلُّ لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يَحضُرَ معهم، ولا
يُعينهم على باطلهم. هذا مذهبُ مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم
من أئمة المسلمين، وبالله التوفيق.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُّمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحَْتِ وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِنِّىِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ ﴾ قَالَ
بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّوِيلَ وَلَمَ تَرْقُبْ قَوْلِ ﴾
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبُْرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَتَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ
سَوَلَتْ لِ نَفْسِى ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ الْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ وَإِنَّ
لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَةٌ وَأَنْفُلْ إِلَّ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ حَاكِّمًاً لَتْحَرِقَنَّهُ ثُمَّ
لَنَنِسِفَنَّهُ فِ أَلْيَمِّ نَسْفَا (٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ
كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ذَا
قوله تعالى: ﴿يَبْنَوَّمَ لَا تَأْخُذْ بِلِجَْتِ وَلَا بِأْسِّ﴾ ابن عباس: أَخذَ شعرَهُ بيمينه
ولحيتَه بيساره(٢)؛ لأنَّ الغَيْرةَ في الله مَلكته، أي: لا تفعل هذا، فيتوهّموا أنه منك
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٥٤)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٤) من حديث أسامة بن
شريك ﴾.
(٢) النكت والعيون ٤٢٠/٣ .

١٢٦
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
استخفافٌ أو عقوبة. وقد قيل: إنَّ موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير
استخفافٍ ولا عقوبة كما يأخذ الإنسانُ بلحية نفسه. وقد مضَى هذا المعنى في
((الأعراف)) مستوفّى(١). والله عزَّ وجلَّ أعلمُ بما أراد نبيُّه عليه السلام.
﴿إِنِى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي: خشيتُ أن أخرجَ وأَتركَهم،
وقد أَمرتَني أن أخرجَ معهم، فلو خرجتُ لاتَّبعني قومٌ وتخلَّف(٢) مع العجل قومٌ،
وربما أدّى الأمرُ إلى سفك الدماء، وخشيتُ إنْ زَجرتُهم أن يقع قتالٌ فتلومَني على
ذلك(٣).
وهذا جوابُ هارونَ لموسى عليه السلام عن قوله: ((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)» (٤) وفي
(الأعراف)) [الآية: ١٥٠]: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ لَسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ (٥) فَلَا تُقْمِتْ بِى
اْأَعْدَآءَ﴾ لأنك أمرتَني أن أكونَ معهم، وقد تقدَّم.
ومعنى ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾: لم تعمل بوصيَّتي في حِفظه؛ قاله مقاتل. وقال أبو
عُبيدة (٦): لن تنتظر عهدي وقُدومي.
فتركه موسى، ثم أقبل على السامريّ فـ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ﴾ أي: ما أَمرُك
وشأنُك، وما الذي حملك على ما صنعتَ؟ قال قتادة: كان السامريُّ عظيماً في بني
إسرائيلَ من قبيلة يقال لها: سامرة (٧)، ولكن عدوَّ الله نافق بعد ما قطع البحر مع
موسی.
فلما مرَّتْ بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم، ﴿قَالُواْ يَمُوسَى
(١) ٩/ ٢٤٠ .
(٢) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): يتخلف.
(٣) ينظر الوسيط للواحدي ٢١٩/٣ .
(٤) النكت والعيون ٤٢١/٣ .
(٥) بعدها في (د): على ذلك، وهذا جواب هارون لموسى عليه السلام.
(٦) في مجاز القرآن ٢٦/٢، ونقله المصنف عنه مع قول مقاتل الذي قبله من النكت والعيون ٤٢١/٣.
(٧) النكت والعيون ٤٢١/٣ .

١٢٧
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فاغتنمها السامريّ، وعَلِمَ أنهم يميلون
إلى عبادة العجل، فاتَّخذ العجل. فـ﴿قَالَ﴾ السامريّ مُجيباً لموسى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ
يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ يعني: رأيتُ ما لم يَرَوْا؛ رأيتُ جبريل عليه السلام على فرس الحياة،
فأُلقي في نفسي أن أقبضَ من أَثَرِه قبضةً، فما ألقيتُه على شيء إلا صار له روحٌ ولحمٌ
ودٌ، فلما سألوك أن تجعلَ لهم إلهاً زَيَّنَتْ لي نفسي ذلك(١).
وقال عليّ ﴾: لما نزل جبريلُ لِيصعَدَ بموسى عليه السلام إلى السماء، أبصره
السامريُّ من بين الناس، فقبض قبضةً من أثر الفرس.
وقيل: قال السامريّ: رأيتُ جبريلَ على الفرس، وهي بلقاء(٢)، خَطْوُها مَدُّ
البصر، فأُلقي في نفسي أن أقبضَ من أثرها، فما ألقيتُه على شيء إلا صار له روحٌ
ودمٌّ. وقيل: رأى جبريلَ يومَ نزل على رَمَكة وَدِيقٍ(٣)، فتقدَّم خيلَ فرعون في ورود
البحر.
ويقال: إنّ أُمَّ السامريّ جعلته حين وضعَتْه في غارٍ خوفاً مِن أن يقتله فرعون،
فجاءه جبريلُ عليه السلام، فجعل كفَّ السامريِّ في فم السامريّ، فَرَضِعَ العسلَ
واللَّبن، فاختلف إليه فعرفه من حينئذ. وقد تقدَّم هذا المعنى في ((الأعراف))(٤).
ويقال: إن السامريّ سمع كلامَ موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شَمَعٍ؛
أحدهما ثور والآخر فرس، فألقاهما في النيل حين(٥) طلب قبر يوسف عليه السلام
وكان في تابوت من حجر في النيل، فأتى به الثورُ على قَرنه، فتكلَّم السامريّ بذلك
(١) الكلام بنحوه في تفسير أبي الليث ٣٥٣/٢، وعرائس المجالس ص٢١٠ ، والوسيط للواحدي
٢٢٠/٣.
(٢) في (د) و(م): تلقى.
(٣) الرَّمَكّة: الفرس والبرذونة تُنَّخذ للنسل. القاموس (رمك). والوديق: التي تشتهي الفحل. النهاية (ودق).
(٤) ٣٣٣/٩ - ٣٣٤، وتنظر قصة السامري في تفسير الطبري ٦٦٩/١ وما بعدها، وعرائس المجالس
ص٢١٠ - ٢١١، وهذه الأخبار من الإسرائيليات.
(٥) قوله: حين، من (ظ).

١٢٨
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
الكلام الذي سمعه من موسى، وألقى القبضةَ في جوف العجل فخار.
وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف: ((بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا)) بالتاء على الخِطاب.
الباقون بالياء على الخبر(١).
وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة: ((فَقَبَصْتُ قَبْصَة)) بصاد غير
مُعجمة. ورُوي عن الحسن ضَمُّ القاف من ((قبصة)) والصاد غير معجمة(٢). الباقون:
﴿قَبَضْتُ قَبْضَةٌ﴾ بالضاد المعجمة.
والفرق بينهما أنَّ القبضَ بجميع الكفِّ، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما
الخَضْم والقَضْم(٣)، والقُبْضة بضم القاف: القَدْر المقبوض؛ ذكره المَهْدوي. ولم
يذكر الجوهري ((قُبْصة)) بضم القاف والصاد غير المعجمة، وإنما ذكر ((القُبْضة)) بضم
القاف والضاد المعجمة، وهو ما قبضتَ عليه من شيء، يقال: أعطاه قُبْضةً من سَويق
أو تمر، أي: كفَّا منه، وربما جاء بالفتح(٤). قال: والقِبْصُ - بكسر القاف والصاد غير
المعجمة -: العدد الكثير من الناس، قال الكُميت:
لكم مسجدا اللهِ المَزوران والحَصَى
لكم قِبْصُهُ من بين أَثْرَى وأَقْتَرَى(٥)
﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: طرحتُها في العجل.
﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾ أي: زيَّنته؛ قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدَّثَتْني
(١) السبعة ص٤٢٤، والتيسير ص١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢، وذكرها عن الأعمش أبو حيان في البحر
٦/ ٢٧٣ .
(٢) قراءة ابن مسعود وأُبيّ في المحرر الوجيز ٦١/٤، وقراءة الحسن وقتادة في القراءات الشاذة ص٨٩ .
(٣) الخضم: الأكل بأطراف الأضراس، والقضم: الأكل بأطراف الأسنان. القاموس (خضم) و(قضم).
(٤) الصحاح (قبض).
(٥) الصحاح (قبص)، والبيت في ديوان الكميت ص١٥٥، قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ٥٢٧/١ في
هذا البيت: يعني المسجد الحرام ومسجد الرسول #، والحصى: العدد الكثير، وأثرى: أكثر، وأقتر:
أقلّ، أراد الناس جميعاً.

١٢٩
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
نفسي(١). والمعنى مُتقارب.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَذْهَبْ﴾ أي: قال له موسى: فاذهب، أي: من بيننا ﴿فَإِنَّ
لَكَ فِي الْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ﴾ أي: لا أَمَسُ ولا أُمَسُّ طولَ الحياة. فنفاه موسى عن
قومه، وأمر بني إسرائيل ألّا يُخالطوه، ولا يَقربوه، ولا يُكلِّموه، عقوبةً له، قال
الشاعر :
تَميمٌ كرهط السّامريِّ وقوله ألَّا لا يريدُ السامريُّ مِساسا(٢)
قال الحسن: جعل اللهُ عقوبةَ السامريّ ألا يُماسَّ الناسَ ولا يُماسُّوه؛ عقوبةً له
ولمن كان منه إلى يوم القيامة، وكأن الله عزَّ وجلَّ شدَّد عليه المحنة، بأن جعله لا
يُماسُّ أحداً، ولا يُمكِّن من أن يَمسَّه أحدٌ، وجعل ذلك عقوبةً له في الدنيا. ويقال:
ابتُلي بالوسواس، وأصلُ الوسواس من ذلك الوقت (٣).
وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك: لا مساس، وإن مَسَّ واحدٌ من
غيرهم أحداً منهم حُمَّ كلاهما في الوقت. ويقال: إن موسى هَمَّ بقتل السامريّ، فقال
الله تعالى له: لا تَقتُلْه، فإنه سخيّ(٤).
ويقال: لمَّا قال له موسى: ﴿فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسِ﴾ خاف
فهربَ، فجعل يَهيم في البرّيّة مع السِّباع والوحش، لا يجد أحداً من الناس يَمَسُّه؛
حتى صار كالقائل: لا مساس، لبعده عن الناس وبُعدِ الناس عنه، كما قال الشاعر:
حَمَّالُ راياتٍ بها قِنْعاسا حتى تقولَ الأزدُ لا مساسا(٥)
(١) النكت والعيون ٤٢٣/٣، وعنه نقل المصنف قول الأخفش.
(٢) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٤٢٤/٣، والبيت في مجاز القرآن ٢٧/٢، والمحرر الوجيز ٦٢/٤،
وعندهما: مَساسٍ، بدل: مساساً.
(٣) تفسير أبي الليث ٣٥٣/٢ .
(٤) عرائس المجالس ص٢١٤، وينظر الوسيط للواحدي ٢٢٠/٣.
(٥) النكت والعيون ٤٢٣/٣، وذكر الشطر الثاني من الرجز ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٦١ ، =

١٣٠
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
مسألة: هذه الآية أصلٌ في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم، وألا
يُخالَطوا، وقد فعل النبيُّ# ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خُلِّفوا(١).
ومَن التجأ إلى الحرم وعليه قَتلٌ لا يُقْتَل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يُعامل ولا
يُبايع ولا يُشارى، وهو إرهاقٌ إلى الخروج. ومن هذا القَبيل التغريب في حدِّ الزنى،
وقد تقدَّم جميعُ هذا كلِّه في موضعه، فلا معنى لإعادته(٢). والحمد لله وحده.
وقال هارون القارئ: ولغةُ العرب: لا مَساسٍ، بكسر السين وفتح الميم، وقد
تكلّم النحويون فيه، فقال سيبويه(٣): هو مبنيٌّ على الكسر كما يقال: اضربِ الرجلَ.
وقال أبو إسحاق(٤): ((لا مساس)) نفي، وكُسرت السين لأن الكسرةَ من علامة
التأنيث، تقول: فعلتِ يا امرأةٌ(٥).
قال النحاس(٦): وسمعتُ عليَّ بن سليمان يقول: سمعت محمد بن یزید يقول:
إذا اعتلَّ الشيء من ثلاث جهات وجبَ أن يُبنى، وإذا اعتلَّ من جهتين وجب ألا
ينصرف، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء، فمساسٍ ودراكٍ اعتلَّ من ثلاث
جهات؛ منها: أنه معدول، ومنها أنه مؤنَّث، وأنه معرفة، فلما وجب البناءُ فيه،
وکانت الألفُ قبل السین ساكنة كُسرت السين لالتقاء الساكنين، كما تقول: اضرب
الرّجلَ. ورأيتُ أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القولَ خطأً، وألزم أبا العباس إذا سمَّى
= ونسبه لرؤية، ولم نقف عليه في المطبوع من ديوانه. ووقع في النسخ: قناعسا، بدل: قنعاسا. ووقع
في (م): مسابساً، وفي النسخ الخطية: مسايساً، بدل: مساسا، والمثبت من المصدرين السالفين.
وقوله: قِنعاسا، أي الرجل الشديد المنيع، والجمع: قناعيس. تاج العروس (قنعس).
(١) أخرج حديثهم البخاري ومسلم، وسلف ١٠/ ٤١٣ .
(٢) مسألة من التجأ إلى الحرم وعليه قتل سلفت ٣٧٣/٢، ومسألة التغريب في حدّ الزاني سلفت ١٤٥/٦
وما بعدها.
(٣) ينظر الكتاب ١٥٢/٤.
(٤) هو الزجاج، وقوله في معاني القرآن ٣٧٤/٣ - ٣٧٥ .
(٥) في النسخ: المرأة، والمثبت من معاني القرآن للزجاج وإعراب القرآن للنحاس ٥٦/٣ والكلام منه.
(٦) في إعراب القرآن ٥٦/٣ - ٥٧ .

١٣١
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
امرأةً بفرعون أن يبنيَه، هذا لا يقولُه أحدٌ.
وقال الجوهري في ((الصحاح)): وأما قولُ العرب: لا مَساسٍ، مثال: قَطامِ،
فإنما بُني على الكسر؛ لأنه معدولٌ عن المصدر، وهو المَسُّ(١).
وقرأ أبو حيوة: ((لا مَسَاسٍ))(٢).
﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ يعني يومَ القيامة. والموعد مصدر، أي: إنَّ لك وعداً
العذابك. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ((تُخْلِفَهُ)) بكسر اللام(٣)، وله معنيان: أحدهما:
ستأتيه ولن تَجِده مُخلَفاً، كما تقول: أَحمدته، أي: وجدته محموداً. والثاني: على
التهديد، أي: لابدَّ لك من أن تصيرَ إليه (٤). الباقون بفتح اللام؛ بمعنى: إنَّ الله لن
یُخلفك إيَّاه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: دُمتَ وأَقمتَ عليه.
﴿عَاكِفً﴾ أي: مُلازماً، وأصلُه: ظَلِلْت، قال:
خَلَا أنّ العِتاقَ من المَطايا أَحَسْنَ به فهنَّ إليه شُوسُ(٥)
أي: أَحْسَسْنَ. وكذلك قرأ الأعمشُ بلامين على الأصل(٦).
وفي قراءة ابن مسعود: ((ظِلْتَ)) بكسر الظاء. يقال: ظَلِلتُ أفعلُ كذا: إذا فعلته
نهاراً، وظَلْت وظِلْت؛ فمن قال: ظَلْت حَذَفَ اللامِ الأُولى تخفيفاً، ومن قال:
(١) الصحاح (مسس).
(٢) المحتسب ٥٦/٢ .
(٣) السبعة ص٤٢٤، والتيسير ص١٥٣ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٧ .
(٥) قائله أبو زُبيد الطائي، وهو في أمالي القالي ١٧٦/١ - وفيه: حَسِيْنَ، بدل: أَحَسْنَ - والاقتضاب
ص٢٩٩ ، والبيت ضمن أبيات يصف فيها قوماً سروا والأسد يقفو آثارهم لكي ينتهز فيهم فرصة.
وقوله: شُوس: الشَّوَس: النظر بِمُؤْخِر العين تكبُّراً وتغيُّظاً. القاموس (شوس).
(٦) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٩ لأُبيّ.

١٣٢
سورة طه: الآيات ٩٤ - ٩٨
ظِلْت، أَلقى حركةَ اللام على الظاءِ (١).
و﴿لَنْخَرِقَنَّهُ﴾ قراءة العامة بضم النون وشد الراء؛ من حرَّق يُحرَّق. وقرأ الحسنُ
وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، من أحرقه يُحرقه(٢). وقرأ عليّ وابن
عباس وأبو جعفر وابن مُحيصن وأشهب العُقيلي: ((لَنَحْرُ قَنَّهُ)) بفتح النون وضم الراء
خفيفة (٣)؛ من حَرَقْتُ الشيءَ أَخْرُقُه حرقاً: بردته وحَكَكْت بعضه ببعض، ومنه قولهم:
حَرَق نابَه يَحرِقه ويَحرُقه، أي: سَحقه حتى سُمِع له صَرِيف، فمعنى هذه القراءة:
لَنَبرُ دَنَّه بالمَبارد(٤)، ويقال لِلمبرد: المِحْرَق. والقراءتان الأوليان معناهما الحرق
بالنار. وقد یمکن جمع ذلك فیه.
قال الشُّدِّيُّ: ذبحَ العجلَ، فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذُبح، ثم بَرَد عظامه
بالمِبرد وحَرَقه(٥).
وفي حرف ابن مسعود: (لَنذبحتَّه ثم لَنَحْرُ قَنَّه))(٦) واللَّحمُ والدمُ إذا أُحرقا صارا
رماداً، فيمكن تذريته في اليمّ، فأما الذهب فلا يصير رماداً. وقيل: عَرَفَ موسى ما
صَيّر به الذهبَ رماداً، وكان ذلك من آياته.
ومعنى ﴿لَنَفْسِفَنَّهُ﴾: لَنُطيِّرنه. وقرأ أبو رجاء: (لَنَتْسُفَنَّهُ)) بضم السين(٧)، لغتان،
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٧، وقراءة ابن مسعود في القراءات الشاذة ص٨٩ .
(٢) قرأ بها أبو جعفر - وهو من العشرة - في رواية ابن جماز. النشر ٣٢٢/٢، وذكرها عن الحسن ابن
خالويه في الشاذة ص٨٩ .
(٣) قراءة أبي جعفر - وهو من العشرة - في رواية ابن وردان في النشر ٣٢٢/٢، وذكرها عن علي وابن
عباس ابنُ خالويه في الشاذة ص٨٩ ، وابن جني في المحتسب ٥٨/٢ .
(٤) الصحاح (حرق).
(٥) تفسير الرازي ١١٢/٢٢ بنحوه.
(٦) أخرجه الطبري ١٥٦/١٦ عن قتادة. وينظر هذا الكلام في المحرر الوجيز ٦٢/٤، وتفسير الرازي
١١٢/٢٢ - ١١٣ بنحوه.
(٧) القراءات الشاذة ص٨٩ ونسبها لعيسى.

١٣٣
سورة طه: الآيات ٩٤ - ١٠٤
والنَّسْف: نفضُ الشيء لتذهبَ به الريح، وهو التَّذرية، والمِنْسَف: ما يُنسف به
الطعام، وهو شيء منصوب(١) الصَّدر، أعلاه مُرتَفِع، والنُّسَافة: ما يَسقط منه، يقال:
إِعِزِل النُّسَافة وكُلْ من الخالص. ويقال: أتانا فلانٌ كأنّ لحيته مِنْسف؛ حكاه أبو نصر
أحمد بن حاتم (٢). والمِنْسَفة: آلةٌ يُقْلَع بها البناء، ونسفتُ البناء نسفاً: قلعته، ونَسفَ
البعيرُ الكَلَا يَنْسِفه - بالكسر - إذا اقتلعه بأصله، وانتسفتُ الشيء: اقتلعته؛ عن
أبي زيد (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ لا
العِجْل، أي: وَسِع كلَّ شيءٍ عِلْمُه؛ يفعل الفعل عن العلم، ونصب على التفسير. وقرأ
مجاهد وقتادة: (وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً))(٤).
قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّكُنَّا ذِكْرًا
خَالِينَ فِيهِ وَسَآَّةً لَهُمْ يَوْمَ
﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا (٣)
اُلْقِيَامَةِ حِمْلًا (٤َ بَوْمَ يُفَخُ فِي الصُّورِّ وَغَخْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا (٨) يَتَخَفَتُونَ
بَيَْهُمْ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا عَثْرًا (٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن
◌َثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ()﴾
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف(٥)، أي:
كما قصصنا عليك خبر موسى ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ قَصَصاً كذلك من أخبار ما قد
سبق؛ ليكون تسليةً لك، وليدلَّ على صدقك.
(١) كذا في النسخ الخطية والصحاح والقاموس (نسف) وفي (م) وتهذيب اللغة ٦/١٣: متصوب.
(٢) الباهلي، صاحب الأصمعي، روى عنه وعن أبي زيد، صنَّف: النبات والشجر، أبيات المعاني، ما
يلحن به العامة .. توفي سنة (٢٣١هـ). بغية الوعاة ٣٠١/١ .
(٣) الصحاح (نسف).
(٤) القراءات الشاذة ص٨٩، والمحتسب ٥٨/٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٧ .

١٣٤
سورة طه: الآيات ٩٩ - ١٠٤
﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِكْرًا﴾ يعني القرآن. وسمَّى القرآن ذكراً لما فيه من الذِّكر،
كما سمَّى الرسولَ ذِكراً؛ لأن الذِّكر كان ينزل عليه. وقيل: ((آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً» أي:
شرفاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَُّ لَذِكْرٌ لَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: شرفٌ وتنويهٌ باسمك(١).
قوله تعالى: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: القرآن فلم يُؤمن به، ولم يَعملْ بما فيه ﴿فَإِنَّهُ
يَحْيِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا﴾ أي: إثماً عظيماً، وحِمْلاً ثقيلاً. ﴿خَلِينَ فِهِ﴾ يُريد: مُقيمين
فيه، أي: في جزائه، وجزاؤه جهنم. ﴿وَسََّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ يريد: بئس الحملُ
حملوه يومَ القيامة. وقرأ داود بن رفيع: ((فَإِنَّهُ يُحَمَّلُ))(٢).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ قراءة العامة (يُنْفَخُ)) بضم الياء على الفعل
المجهول. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل(٣). واستدلَّ أبو عمرو
بقوله تعالى: ((وَنَحْشُرُ)) بنون(٤). وعن ابن هُرْمُز: ((يَنْفُخُ)) بفتح الياء(٥)، أي: ينفخ
إسرافيل.
أبو عياض: ((فِي الصُّوَرِ))(٦). الباقون: ((في الصُّورِ)) وقد تقدَّم هذا في ((الأنعام))(٧)
مستوفّى، وفي كتاب ((التذكرة)»(٨).
وقرأ طلحة بن مُصرِّف: ((ويُخْشَرُ)) بضم الياء، ((الْمُجْرِمُونَ)) رفعاً بخلاف
المُصحف(٩). والباقون: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: المشركين.
(١) ينظر تفسير الرازي ١١٣/٢٢ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٠، ولم نقف على ترجمة داود بن رفيع. ووقع في (ظ): داود وابن رفيع.
(٣) قراءة أبي عمرو في السبعة ص٤٢٤، والتيسير ص١٥٣ .
(٤) ينظر الحجة لأبي علي الفارسي ٢٥٠/٥ .
(٥) ذكرها الرازي في تفسيره ١١٤/٢٢، وأبو حيان في البحر ٢٧٨/٦ دون نسبة.
(٦) المحتسب ٥٩/٢ وفيه: عياض. وسلفت القراءة ٨/ ٤٣١ عن عياض أيضاً، وذكرها أبو حيان في البحر
في موضعين: ١٦١/٤ عن عياض و٢٧٨/٦ عن ابن عياض. ولم نعرفه.
(٧) ٤٣٠/٨ - ٤٣٢ .
(٨) ص١٦٦ وما بعدها.
(٩) القراءات الشاذة ص ٩٠ ونسبها للحسن.

١٣٥
سورة طه: الآيات ٩٩ - ١٠٤
زُرْقًا﴾ حال من المجرمين، والزَّرَق خلاف الكَحَل. والعرب تَتشاءم بزَرَق العيون
وتذمّه، أي: تُشؤَّه خِلْقَتُهم بِزُرْقة عيونهم وسوادٍ وجوههم. وقال الكلبي والفراء (١):
(زُرقاً)) أي: عُمياً. وقال الأزهري(٢): عطاشا قد ازرقَّتْ أعينُهم من شِدَّة العطش؛
وقاله الزجاج(٣)، قال: لأن سوادَ العين يتغيّر ويزرقُّ من العطش. وقيل: إنه الطمع
الكاذب إذا تعقّبته الخيبة؛ يقال: ابيضَّت عيني لطول انتظاري لكذا.
وقول خامس: إن المراد بالزّرقة شخوص البصر من شدة الخوف، قال الشاعر:
كما كُلُّ ضَبِّيٍّ من اللُّؤْمِ أَزْرَقُ(٤)
لقد زَرِقتْ عيناك يا بنَ مُكَعْبِرٍ
يقال: رجل أزرقُ العين، والمرأة زرقاءُ بيِّنةُ الزَّرَق. والاسم الزُّرقة. وقد زَرِقت
عينُه - بالكسر - وازْرقَّت عينه ازرقاقاً، وازْراقَّت عينُه ازريقاقاً (٥).
وقال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله: ﴿وَنَحْشُرُ اَلْمُجْرِمِينَ يَوْمِذٍ زَرْقَا﴾
وقال في موضع آخر: ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْنَا وَصُمَا﴾
[الإسراء: ٩٧] فقال: إنَّ ليوم القيامة حالاتٍ؛ فحالة يكونون فيه زُرقاً، وحالة عُمياً (٦).
﴿يَتَخَفَتُونَ بَهُمْ﴾ أصلُ الخَفْت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خَفَضَ صوتَه:
خَفَتَه، والمعنى(٧): يتسارُّون؛ قاله مجاهد(٨)، أي: يقول بعضُهم لبعض في الموقف
(١) في معاني القرآن ٢/ ١٩١، ونقله المصنف عنه بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٤٢٤/٣ وما قبله
وما بعده منه.
(٢) نقله عنه المصنف بواسطة الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٤٢٤، وينظر تهذيب اللغة ٤٢٨/٨ .
(٣) في معاني القرآن ٣٧٦/٣ .
(٤) النكت والعيون ٤٢٤/٣ - ٤٢٥، والبيت لسُوَيد بن أبي كاهل اليشكري، وهو في الحيوان للجاحظ
٣٣٢/٥، وجمهرة اللغة لابن دريد ٣٢٤/٢، والأغاني ٣٩٦/٢١ . وابن مكعبر: هو محرز بن
المكعبر الضَّبِّي، من شعراء المفضليات. المفضليات ص٢٥١ .
(٥) الصحاح (زرق)، وفيه البيت السابق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٣٠٧/٤ .
(٧) قوله: والمعنى، من (م).
(٨) أخرجه الطبري ١٦١/١٦ عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة.

١٣٦
سورة طه: الآيات ٩٩ - ١١٠
سرًّا: ﴿إِن ◌َِّثْتُمْ﴾ أي: ما لبثتم، يعني: في الدنيا، وقيل: في القبور ﴿إِلَّ عَشْرًا﴾
يريد: عشرَ ليال. وقيل: أراد ما بين النفختين، وهو أربعون سنة؛ يُرفع العذاب في
تلك المدة عن الكفار - في قول ابن عباس - فيستقصرون تلك المدة. أو مدة مُقامهم
في الدنيا لشدَّة ما يرون من أهوال يوم القيامة (١)، ويُخيَّل إلى أمْثَلِهِم أي: أعدلهم
قولاً، وأعقلهم، وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوماً واحداً، يعني: لبثهم في
الدنيا؛ عن قتادة؛ فالتقدير: إلا مثلَ يوم. وقيل: إنهم من شِدَّة هول المَظْلع نَسُوا ما
كانوا فيه من نعيم الدنيا حتى رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو
لبثهم في القبور على ما تقدَّم(٢). ((وعشراً)) و((يوماً)) منصوبان بـ ((لبثتم)).
فَيَذَرُهَا قَامًا
١١٠٥
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لْلِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِ نَسْفًا
صَفْصَفًا ﴿﴿ لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْنًا (٢ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ
يَوْمَيِذٍ لَّا نَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ
وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ مَمْسًا (2)
أَزِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلَاً (3) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِبُونَ بِهِ.
عِلْمًا (٥)
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لُلِبَالِ﴾ أي: عن حال الجبال يوم القيامة. ﴿فَقُلْ﴾ جاء
هذا بفاء، وكلّ(٣) سؤالٍ في القرآن ((قل)) بغير فاء إلَّا هذا؛ لأنَّ المعنى: إنْ سألوك
عن الجبال فقل، فتضمَّن الكلامُ معنى الشرط. وقد عَلِمَ الله أنَّهم يسألونَه عنها،
فأجاب(٤) قبل السؤال، وتلك أسئلةٌ تقدَّمت سألوا عنها النبيَّ ﴾، فجاء الجواب
عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤالٌ لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهَّمه.
﴿َنْسِفُهَا﴾: يُطيِّرها. ﴿نَسْفًا﴾ قال ابن الأعرابي وغيره: يَقْلَعُها قَلْعاً من أصولها،
(١) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢١/٥ بنحوه عن علي بن أحمد النيسابوري.
(٢) تفسير الطبري ١٦١/١٦ - ١٦٢ وزاد المسير ٣٢١/٥ بنحوه.
(٣) في (خ) و(ز) و(ظ): جاء هذا بعد كل .. ، والمثبت من (د) و(م).
(٤) في (ظ): فأجابه، وفي (م): فأجابهم.

١٣٧
سورة طه: الآيات ١٠٥ - ١١٠
ثمَّ يُصيِّرها رملاً يسيل سيلاً، ثم يُصيِّرها كالصوف المنفوش تطيِّرها الرياح هكذا
وهكذا. قال: ولا يكون العِهنُ من الصوف إلَّ المصبوغ(١)، ثمَّ كالهَباء المنثور.
﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يذرُ مواضعَها ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ القاع: الأرضُ الملساء بلا نباتٍ
ولا بناء؛ قاله ابن الأعرابي(٢).
وقال الجوهري (٣): والقاع: المستوي من الأرض، والجمع أَقْوُعٌ وأَقواعٌ
وقیعانٌ، صارت الواو ياءً لكسر ما قبلها.
وقال الفراء: القاعُ: مستنقعُ الماءَ(٤). والصَّفصف: القرعاء(٥).
الكلبي: هو الذي لا نباتَ فيه. وقيل: المستوي من الأرض كأنَّه على صفّ واحدٍ
في استوائه؛ قاله مجاهد(٦). والمعنى واحدٌ في القاع والصَّفصف، فالقاعُ: الموضع
المنكشف، والصَّفصف: المستوي الأملس. وأنشد سيبويه(٧):
وكَمْ دُونَ بیتكَ من صَفْصَفٍ
ودَكْدَاكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِهَا (٨)
و((قاعاً)) نصب على الحال والصفصف صفتُه(٩). و﴿لَّا تَرَى﴾ في موضع الصفة.
﴿فِيهَا عِوَجًا﴾ قال ابن الأعرابي: العِوَج: التّعوجُ في الفِجاج. والأَمْتُ: النَّبَك. وقال
أبو عمرو: الأَمْت: النَِّاك، وهي التِّلال الصِّغار، واحدُها نَبَكة(١٠)، أي: هي أرضٌ
(١) ياقوتة الصراط ص ٣٥٠ .
(٢) ياقوتة الصراط ص٣٥١ .
(٣) في الصحاح (قوع).
(٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٩١ .
(٥) ياقوتة الصراط ص٣٥١ .
(٦) النكت والعيون ٤٢٦/٣.
(٧) في الكتاب ٥٦/٢ .
(٨) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص١٢٣ .
(٩) قوله: صفته من (ظ).
(١٠) في النسخ: نَبَك، والمثبت من المعاجم.

١٣٨
سورة طه: الآيات ١٠٥ - ١١٠
مستويةٌ، لا انخفاضَ فيها ولا ارتفاع. تقول: امتلأ [السِّقاء] فما به أَمْت(١)، وملأتُ
القِربة مَلْئاً لا أمتَ فيه، أي: لا استرخاء فيه(٢). والأَمْتُ في اللغة: المكانُ المرتفع.
وقال ابن عباس: ((عِوَجاً)): مَيْلاً. قال: والأمْتُ: الأثرُ مثل الشِّراك. وعنه أيضاً:
((عِوَجاً)): وادياً، ((وَلَا أَمْتاً)): رابية (٣). وعنه أيضاً: العِوَج [الانخفاض] والأَمْتُ:
الارتفاع(٤). وقال قتادة: ((عِوَجاً)): صَدْعاً، ((وَلَا أَمْتاً)) أي: أَكَمةٌ(٥). وقال يمان:
الأَمْتُ: الشقوقُ في الأرض(٦). وقيل: الأمتُ أنْ يغلُظَ مكانٌ في الفضاء أو الجبل،
ويَدِقَّ في مكان؛ حكاه الصُّولي(٧).
قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرُّقَى؛ تُرقَى بها الثآليل، وهي التي تُسمَّى عندنا
بالبراريق، واحدُها بروقة؛ تطلع في الجسد وخاصةً في اليد: تأخذُ ثلاثةَ أعوادٍ من
تبنِ الشعير، يكون في طرف كلِّ عودٍ عُقدة، تُمِرُّ كلَّ عُقدةٍ على الثآليل، وتقرأ الآية
مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان نَدٍ؛ تعفَن وتعفَن الثآليل؛ فلا يبقى لها أثرٌ. جرَّبتُ
ذلك في نفسي وفي غيري، فوجدتُه نافعاً إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّعُونَ الَّاعِىَ﴾ يريد إسرافيلَ عليه السلام إذا نَفَخَ في
الصور ﴿لَا عِوَجَ لَهٌّ﴾ أي: لا مَعْدِلَ لهم عنه، أي: عن دعائه، لا يَزيغون ولا
ينحرفون، بل يُسرعون إليه ولا يَحيدون عنه. وعلى هذا أكثرُ العلماء. وقيل: ((لَا عِوَجَ
(١) الصحاح (أمت) وما بين حاصرتين منه.
(٢) معاني القرآن للفراء ١٩١/٢ .
(٣) أخرجهما الطبري ١٦٤/١٦ و١٦٦.
(٤) أخرجه الطبري ١٦/ ١٦٥ من قول مجاهد، وما بين حاصرتين منه.
(٥) أخرجه الطبري ١٦/ ١٦٥.
(٦) ذكره العيني في عمدة القاري ٥٨/١٩ .
(٧) النكت والعيون ٤٢٦/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٣٧٧/٣ ، والصولي هو أبو بكر محمد بن
يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول، البغدادي، صاحب التصانيف. توفي سنة (٣٣٥هـ)
سير أعلام النبلاء ٣٠١/١٥ .

١٣٩
سورة طه: الآيات ١٠٥ - ١١٠
لَهُ)) أي: لدعائه(١). وقيل: يتَّبعون الداعيّ اتِّباعاً لا عِوَج له. فالمصدرُ مضمر،
والمعنى: يتَّبعون صوتَ الداعي للمحشر. نظيره: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرٍِ﴾
الآية [ق: ٤١]. وسيأتي.
﴿وَخَشَعَتِ الْأَسْوَاتُ﴾ أي: ذَلَّت وسكنت؛ عن ابن عباس(٢).
قال:
سورُ المدينة والجبالُ الخُشَّعُ(٣)
لمَّا أتى خبرُ الزُّبير تواضعَتْ
فكلُّ لسانٍ ساكتٌ هناك للهيبة.
﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: من أجله. ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ مَمْسًا﴾ الهمسُ: الصوتُ الخفيّ؛ قاله
مجاهد(٤). عن ابن عباس: الحِسُّ الخفيّ. الحسن وابن جُريج: هو صوتُ وقع
الأقدام بعضها على بعض إلى المَخْشر؛ ومنه قولُ الراجز:
وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا
يعني: صوتَ أخفاف الإبل في سيرها(٥). ويُقال للأسد: الهَمُوس؛ لأنَّه يَهْمِس
في الظلمة، أي: يطأُ وطئاً خفيًّا. قال رؤيةُ يصفُ نفسَه بالشِّدَّة:
لَيثُّ يَدُقُّ الأسدَ الهَمُوسا والْأَقْهَبَينِ الفيلَ والجاموسَا(٦)
وهَمَسَ الطَّعامَ، أي: مضغَه وقُوه مُنْضَمٌّ؛ قال الراجز:
(١) تفسير الطبري ١٦٧/١٦، وتفسير البغوي ٣/ ٢٣١ بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري ١٦٨/١٦ .
(٣) البيت لجرير، وسلف ٢٠٩/٢ .
(٤) النكت والعيون ٤٢٧/٣. وهو في تفسير مجاهد ٤٠٢/١ - ٤٠٣، وتفسير الطبري ١٦٩/١٦ بلفظ:
الهمس : خفض الصوت.
(٥) تفسير الطبري ١٦٨/١٦، والنكت والعيون ٤٢٧/٣، والرجز سلف ٣٢٢/٣.
(٦) الصحاح (همس)، والرجز في ديوان رؤبة ص٦٩ والأقهب: ما كان لونه إلى الكدرة مع البياض
للسواد، والأقهبان: الفيل والجاموس؛ كل واحدٍ منهما أقهب للونه. اللسان (قهب).

١٤٠
سورة طه: الآيات ١٠٥ - ١١٠
لقد رأيتُ عجباً مُذْ أَمْسا عجائزاً مثلَ السَّعَالِي خَمْسا
يَأْكِلْنَ ما أصنعُ هَمْساً هَمْساً (١)
وقيل: الهمسُ: تحريكُ الشَّفَةِ واللِّسان. وقرأ أبيُّ بن كعب: ((فَلَا يَنْطِقُونَ إِلَّ
هَمْساً))(٢). والمعنى متقارب، أي: لا يُسمع لهم نطقٌ ولا كلامٌ ولا صوتُ أقدام.
وبناء (هـ م س) أصلُه الخَفاء كيفَما تصرَّف؛ ومنه الحروف المهموسة، وهي
عشرةٌ يجمعُها قولك: حَثَّهُ شَخْصٌ فَسَكَتَ، وإنَّما سُمِّي الحرفُ مهموساً؛ لأنه
ضَعُفَ(٣) الاعتمادُ في موضعه حتى جَرَى معه النَّفَس.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ((مَن)) في موضع نصب
على الاستثناء الخارج من الأوّل(٤)، أي: لا تنفعُ الشفاعة أحداً إلَّا شفاعةُ من أذن له
الرحمن(٥). ﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ أي: رَضيَ قولَه في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي: إنَّما
تنفعُ الشفاعةُ لمن أَذِن له الرحمن في أنْ يُشفَع له، وکان له قولٌ یُرضَى. قال ابن
عباس: هو قولُ: لا إله إلا الله(٦).
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ﴾ أي: من أمر السَّاعة. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ مِن أَمرٍ
الدنيا؛ قاله قتادة. وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثوابٍ أو عقاب، ((وما خلفهم)): ما
خلَّفوه وراءَهم في الدنيا(٧). ثم قيل: الآيةُ عامةٌ في جميع الخلق (٨). وقيل: المراد:
(١) الرجز في نوادر أبي زيد ص٥٧، وكتاب سيبويه ٢٨٥/٣. قال البغدادي في خزانة الأدب ٢٢٢/٣
(طبعة دار صادر): والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي ما عُرف قائلها. وقال ابن المستوفي: وجدت
هذه الأبيات الثمانية في كتاب نحو قديم للعجاج أبي رؤبة، وأراه بعيداً عن نمطه. والسعالي: جمع
سعلاة؛ وهي أنثى الغول. وقيل: ساحرة الجن. ويُروى: مثل الأفاعي.
(٢) النكت والعيون ٤٢٧/٣ .
(٣) في (خ) و(د) و(ز) والصحاح (همس) والكلام منه: أضعف، والمثبت من (ظ) و(م).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٥٨/٣ .
(٥) تفسير الرازي ١١٨/٢٢ .
(٦) الوسيط للواحدي ٢٢٢/٣.
(٧) تفسير الطبري ١٧٠/١٦ - ١٧١ .
(٨) المحرر الوجيز ٤ / ٦٥.