النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة طه: الآيات ٦٥ - ٧١ بالسحرة وقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَّكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] التفت، فإذا جبريلُ علی یمینه، فقال له: يا موسى، تَرفَّق بأولياء الله. فقال موسى: یا جبريلُ، هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المُعجزة، وينصروا دينَ فرعون، ويردّوا دينَ الله، تقول: تَرفَّق بأولياء الله! فقال جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة العصر في الجنة. فلما قال له ذلك، أُوجس في نفس موسى، وخَطَر أن ما يُدريني ما عِلْمُ الله فيَّ، فلعلِّي أكون الآن في حالة، وعِلْم الله فيَّ على خلافها كما كان هؤلاء. فلمّا علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه: ﴿لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ آلْأَعْلَى﴾ أي: الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة، للنبوَّة والاصطفاء الذي أتاك الله به. وأصل ((خِيفة)): خِوْفة، فانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء(١). قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُوا﴾ ولم يقل: وألق عصاك، فجائزٌ أن يكون تصغيراً لها، أي: لا تُبال بكثرة حبالهم وعِصِيّهم، وألقِ العُوَيدَ الفَرْدَ الصغير الجِرْم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يَتلقّفها على وحدته وكثرتها، وصِغَره وعِظَمها. وجائزٌ أن يكون تعظيماً لها، أي: لا تَحفِل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة، فإن في يمينك شيئاً أعظمُ منها كلِّها، وهذه على كثرتها أقلُّ شيء وأنزرُه عندها، فألقه يَتْلقَّفْها بإذن الله ويمحقْها(٢). و(تَلَقَّفْ)) بالجزم جوابُ الأمر، كأنه قال: إنْ تُلقِهِ يتلقّف، أي: تأخذ وتبتلع. وقرأ السُّلَميّ وحفص: (تَلْقَفْ)) ساكنة اللام؛ من لَقِفَ يَلْقَفُ لَقْفاً. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيى بن الحارث: (تَلَّقَّفُ)) بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف(٣). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٩/٣. (٢) تفسير الرازي ٨٤/٢٢ . (٣) قراءة حفص راوي عاصم وقراءة ابن ذكوان راوي ابن عامر في السبعة ص ٤٢٠، والتيسير ص١١٢ . ١٠٢ سورة طه: الآيات ٦٥ - ٧١ والخِطاب لموسى. وقيل: للعصا. واللَّقْف: الأخذ بسرعة؛ يقال: لَقِفتُ الشيء - بالكسر - أَلْقَفُه لَقْفاً، وتلقَّفتُه أيضاً، أي: تناولته بسرعة. عن يعقوب: يقال: رجلٌ لَقْفٌ ثَقْفٌ، أي: خفيفٌ حاذقٌ. واللَّقَفُ - بالتحريك -: سقوط الحائط. ولقد لَقِفَ الحوضُ لَقَفاً، أي: تَهوَّر من أسفله واتَّسع(١). وتَلْقف وتَلقَم وتَلھم بمعنی. وقد مضى في ((الأعراف))(٢). لَقِمتُ اللُّقمة بالكسر لَقْماً، وتَلقَّمتُها: إذا ابتلعتها في مُهلة. وكذلك لَهِمَهُ بالكسر: إذا ابتلعه(٣) . ﴿مَا صَنَعُوا﴾ أي: الذي صنعوه، وكذا ﴿إِنََّا صَنَهُواْ﴾ أي: إنَّ الذي صنعوه. ﴿كَيْدُ﴾ بالرفع ﴿سِخْرٍ﴾ بكسر السين وإسكان الحاء، وهي قراءة الكوفيين إلَّا عاصماً(٤). وفيه وجهان : أحدهما: أن يكون الكيدُ مضافاً إلى السحر على الإتباع من غير تقدير حذف. والثاني: أن يكون في الكلام حذفٌ، أي: كيدُ ذي سحر(٥). وقرأ الباقون: ((كَيْدَ))(٦) بالنصب بوقوع الصنع عليه، و((ما)) كافَّة، ولا تُضمر هاءً. ((ساحِرٍ)) بالإضافة. والكيدُ في الحقيقة على هذه القراءة مضافٌ للساحر؛ لا للسِّحر. ويجوز فتحُ ((أنّ) على معنى: لأنَّ ما صنعوا كيدُ ساحر(٧). ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾ أي: لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: (١) الصحاح (لقف). ويعقوب: هو ابن السكيت، وقوله في إصلاح المنطق ص٧٤. وقوله: ثَقْف لَقْف؛ قيده الفيروز آبادي في القاموس (لقف) بالفتح، وككتف، وأمير. (٢) ٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨ . (٣) الصحاح (لقم) و(لهم). (٤) السبعة ص ٤٢١، والتيسير ص ١٥٢ . (٥) تفسير الرازي ٨٥/٢٢ . (٦) ظاهر العبارة يوهم أن قراءة ((كيدًا بالنصب هي من المتواتر، لكنها قراءة شاذة، قرأ بها ابن مسعود ﴾ وأبو عمران الجوني. زاد المسير ٣٠٦/٥، والمحرر الوجيز ٤/ ٥٢. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٩/٣. وقوله: يجوز فتح ((أن)) يعني في اللغة لا في التلاوة. ١٠٣ سورة طه: الآيات ٦٥ - ٧١ حيث احتال. وقد مضى في ((البقرة)) حكمُ الساحر ومعنى السحر؛ فَتَأمَّلْه هناك(١). قوله تعالى: ﴿فَأَلْفِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ لِمَا رأَوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا، فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصيّ، وكانت حمل ثلاث مئة بعير، ثم عادت عصاً لا يعلم أحدٌ أين ذهبت الحبالُ والعِصِيّ إلا اللهُ تعالى(٢). وقد مضى في ((الأعراف))(٣) هذا المعنى وأمر العصا مستوفّى. ﴿قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَدُونَ وَمُوسَى * قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: به، يقال: آمن له، وآمن به، ومنه: ﴿فَقَامَنَ لَهُمْ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وفي ((الأعراف)) قَالَ: ﴿ءَامَنْتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ [الآية: ١٢٣] إنكارٌ منه عليهم، أي: تعدَّيتم وفَعلْتُم ما لم آمركم به. ﴿إِنَّهُ لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السّخْرِّ﴾. أي: رئيسُكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذقُ به منكم. وإنما أراد فرعونُ بقوله هذا لِيُشبَِّ على الناس حتى لا يتّبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعونُ أنهم لم يتعلَّموا من موسى، بل قد عُلِّموا السحر قبلَ قُدُوم موسى وولادته(٤). ﴿فَلَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ ◌َِفٍ وَلَأُصَلِبَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل(٥). قال سُويد بن أبي كاهل: هُمُ صَلَبُوا العبديَّ في جذع نخلةٍ فلا عَطَستْ شيبانُ إلَّا بِأَجْدَعا (٦) فقطّع وصلَّب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى. وقرأ ابن مُحيصن هنا وفي ((الأعراف)) [الآية: ١٢٤]: ((فَلَأَ قْطَعَنَّ))، ((وَلَأَضْلِيَنَّكُمْ)) (١) ٢/ ٢٧٢ وما بعدها. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٩/٣. (٣) ٢٩٧/٩ - ٢٩٨ . (٤) تفسير أبي الليث ٣٤٩/٢ بنحوه. (٥) مجاز القرآن ٢٣/٢، وتفسير الطبري ١١٥/١٦. (٦) أمالي ابن الشجري ٦٠٦/٢، ونسبه البصري في حماسته ٨٠/١ لقراد بن حنش الصاردي. والأجدع: المقطوع الأنف. شرح أبيات المغني للبغدادي ٤/ ٦٢ . ١٠٤ سورة طه: الآيات ٦٥ - ٧٦ بفتح الألف والتخفيف؛ من قَطَع وصَلَب(١). ﴿ وَلَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَ﴾ يعني: أنا أَمْ ربُّ موسى(٢). قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَوَةَ الدُّنْيَا (٨٠) إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا إِنَّهُ مَن بَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِّ وَاللَّهُ خَبْرٌ وَأَبْقَ مَ فِيَا وَلَا يَحْيَ (٨) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَحَتُ الْعُلَى ◌َّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِنْ تَمِْهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَاْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَّكَ قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ يعني السَّحرة ﴿لَن تُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ قال ابن عباس: يريدُ من اليقين والعلم (٣). وقال عكرمة وغيره: لمَّا سجدوا أراهم اللهُ في سجودهم منازلَهم في الجنة؛ فلهذا قالوا: ((لن نؤثرك))(٤). وكانت امرأةٌ فرعون تسأل: من غلب؟ فقيل لها: غلبَ موسى وهارون، فقالت: آمنتُ بربِّ موسى وهارون. فأرسل إليها فرعونُ فقال: انظروا أعظمَ صخرةٍ؛ فإنْ مَضَتْ(٥) على قولها فألقُوها عليها، فلما أتَوْها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرَتْ منزلَها في الجنة، فمضت على قولها؛ فنزع اللهُ روحَها(٦)، وألقيت الصخرةُ على جسدها ولیس فيها روح (٧). وقيل: قال مقدّم السّحرة لمن يَثِقُ به لمَّا رأى مِن عصا موسى ما رأى: انظُر إلى (١) القراءات الشاذة ص٨٨ . (٢) المحرر الوجيز ٥٣/٤، وزاد المسير ٣٠٧/٥ . (٣) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٢٢٥ دون نسبة. (٤) الوسيط للواحدي ٢١٤/٣ - ٢١٥. (٥) في النسخ الخطية: مرت، والمثبت من (م). (٦) في (خ) و(د) و(ز) و(ف) و(م): فانتزع روحها، والمثبت من (ظ). (٧) أخرجه الطبري ٢٣/ ١١٥ عن القاسم بن أبي بزَّة. ١٠٥ سورة طه: الآيات ٧٢ - ٧٦ هذه الحيّة: هل تجوَّفت فتكون جنيًّا، أو لم تتجوَّف فهي من صنعة الصانع الذي لا يَعِزُب عليه مصنوع؟ فقال: ما تجوَّفت(١)؛ فقال: آمنتُ بربِّ هارون وموسى. ﴿وَالَّذِى فَطَرَنًا﴾ قيل: هو معطوفٌ على ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبِيِنَتِ﴾ أي: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، ولا على الذي فَطَرَنا، أي: خَلَقَنا. وقيل: هو قسم؛ أي: واللهٍ لن نؤثرك(٢). ﴿فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ﴾ التقدير: ما أنت قاضيه. وليست ((ما)) هاهنا التي تكونُ مع الفعل بمنزلة المصدر؛ لأنَّ تلك تُوصَلُ بالأفعال، وهذه موصولةٌ بابتداءٍ وخبر(٣). قال ابن عباس: فاصنع ما أنت صانع (٤). وقيل: فاحكم ما أنت حاكم، أي: من القَطْع والصَّلْب(٥). وحُذفت الياء من قاضٍ في الوصلِ لسكونها وسكون التنوين. وأجاز(٦) سيبويه إثباتَها في الوقف لأنَّه قد زالت علَّة التقاء الساكنين. ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْمَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنَّما ينفذُ أمرُك فيها. وهي منصوبةٌ على الظرف، والمعنى: إنَّما تقضي في متاع هذه الحياة الدنيا(٧)، أو وقت هذه الحياة الدنيا، فتقدِّر حذف المفعول. ويجوز أنْ يكون التقدير: إنَّما تقضي أمورَ هذه الحياة (١) في (د) و(م) : .. هل تخوفت .. أو لم تتخوف .. ما تخوفت. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٩/٣ - ٥٠ . (٣) جوَّز جماعة كثيرة أن توصل ما المصدرية بالجملة الاسمية، فيما قاله السمين في الدر المصون ٧٨/٨ . وقد ذكر الوجهين (يعني أن تكون ما موصولة أو مصدرية ظرفية) العكبري في إملاء ما منّ به الرحمن ٥٨٩/٣ (على هامش الفتوحات الإلهية). (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٤١٤/٣، والواحدي في الوسيط ٢١٥/٣، والبغوي في تفسيره ٣/ ٢٢٥ دون نسبة. (٥) النكت والعيون ٤١٤/٣، والواحدي في الوجيز ٢/ ٢٣ (على هامش مراح لبيد). (٦) في (د) و(م) وإعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٠ (والكلام منه): واختار، والمثبت من باقي النسخ، وينظر الكتاب ١٨٣/٤ - ١٨٥. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٠ . ١٠٦ سورة طه: الآيات ٧٢ - ٧٦ الدنيا، فتَنْتَصِب انتصابَ المفعول، و((ما)) كافَّةٌ لإنَّ(١). وأجاز الفرَّاء الرفعَ على أنْ تجعل ((ما)) بمعنى الذي، وتحذف الهاء من تقضي، ورفعت ((هذه الحياة الدنيا))(٢). ﴿إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَيْنَا﴾ أي: صدَّقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا﴾ يريدون الشِّرْك الذي كانوا عليه(٣). ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيَّهِ مِنَ السِّحْرِّ﴾ ((ما)) في موضع نصبٍ معطوفةٌ على الخطايا. وقيل: لا موضعَ لها، وهي نافية، أي: ليغفرَ لنا خطايانا من السّحر وما أكرهتنا عليه. النحاس(٤): والأول أَولى. المهدوي: وفيه بعد؛ لقولهم: ﴿أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، وليس هذا بقول مُكْرَهين؛ ولأنَّ الإكراه ليس بذنب، وإنْ كان يجوز أن يكونوا أُكرهوا على تعلمه(٥) صغاراً. قال الحسن: كانوا يُعلَّمون السحر أطفالاً، ثمَّ عَمِلُوه مختارين بعد (٦). ويجوز أنْ يكون ((ما)) في موضع رفعٍ بالابتداء ويُضمر الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوعُ عنَّا(٧). و((من السحر)) على هذا القول والقول الأوَّل يتعلَّق بـ ((أكرهتنا)). وعلى أنَّ ((ما)) نافيةٌ؛ يتعلق بـ (خطایانا))(٨). ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ﴾ أي: ثوابُه خيرٌ وأبقى. فحذف المضاف؛ قاله ابن عباس. وقيل: اللهُ خيرٌ لنا منك، وأبقى عذاباً لنا من عذابك لنا. وهو جوابُ قوله: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ (١) الكلام بنحوه في إملاء ما منَّ به الرحمن ٣/ ٥٨٨ (على هامش الفتوحات الإلهية). (٢) معاني القرآن للفراء ١٨٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٥٠/٣، ومشكل إعراب القرآن ٤٦٩/٢-٤٧٠. وكلام الفراء في جواز رفع ((الحياة) يعني في اللغة لا في التلاوة. (٣) الوسيط للواحدي ٢١٥/٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) في إعراب القرآن ٣/ ٥٠ . (٥) في (خ) و(د) و(ز) و(م): تعليمه، والمثبت من (ظ). (٦) تفسير البغوي ٢٢٥/٣ بنحوه. (٧) البيان لأبي البركات الأنباري ١٤٩/٢، وإملاء ما منَّ به الرحمن ٥٨٩/٣ (بهامش الفتوحات الإلهية). (٨) مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠ . ١٠٧ سورة طه: الآيات ٧٢ - ٧٦ أَيُنَآَ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. وقيل: الله خيرٌ لنا إنْ أطعناه، وأبقى عذاباً منك إنْ عصيناه(١). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَُّ مُجْرِمًا﴾ قيل: هو من قول السحرة لمَّا آمنوا. وقيل: ابتداءُ كلام من الله عزَّ وجلَّ(٢). والكناية في ((إنه)) ترجعُ إلى الأمر والشأن(٣). ويجوز: إنَّ مَن يأتِ، ومنه قول الشاعر: إنَّ من يَدخلِ الكنيسةَ يوماً يلْقَ فيها جاذِراً وظِبَاءِ(٤) أراد: إنَّه من يدخل . أي: إنَّ الأمر هذا، وهو أنَّ المجرمَ يدخل النَّار، والمؤمنَ يدخلُ الجنَّة. والمجرم: الكافر(٥). وقيل: الذي يقترف المعاصي ويَكتسبها. والأول أشبهُ؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَخِيَى﴾. وهذه صفةُ الكافر المُكذِّب الجاحد؛ على ما تقدَّم بيانُه في سورة ((النّساء))(٦) وغيرها، فلا يَنتفع بحياته، ولا يَستريح بموته. قال الشاعر : ألا مَنْ لنفسٍ لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياةً لها طَعْمُ (٧) وقيل: نفسُ الكافر معلقةٌ في حَنْجَرته، كما أخبر الله تعالى عنه، فلا يموتُ بفراقها، ولا يحيا باستقرارها (٨). (١) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٤١٥/٣، والمحرر الوجيز ٥٣/٤، وتفسير البغوي ٢٢٥/٣. (٢) المحرر الوجيز ٤/ ٥٣. (٣) تفسير الرازي ٢٢/ ٩٠. (٤) نسبه ابن السيد البطليوسي في الحلل ص ٢٨٧ للأخطل، ولم نقف عليه في ديوانه من رواية السكري، وكذا قال البغدادي في الخزانة ٤٥٨/١. والجآذر: جمع جُؤذُر، وهو ولد البقرة. (٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ٢١٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) ٦ / ٩٢. (٧) البيت في النكت والعيون ٤١٥/٣، والوسيط للواحدي ٢١٥/٣، وزاد المسير ٣٠٩/٥، واللسان (طعم). (٨) النكت والعيون ٤١٥/٣ . ١٠٨ سورة طه: الآيات ٧٢ - ٧٩ ومعنى ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا﴾: من يأتِ موعدَ ربِّه. ومعنى ﴿وَمَن بَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾ أي: يمت عليه، ويُوافيه مصدِّقاً به. ﴿قَدْ عَمِلَ﴾ أي: وقد عمل ﴿الضَلِحَتِ﴾ أي: الطاعات وما أُمِر به ونُهِي عنه. ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّرَحَتُ الْعُلَى﴾ أي: الرفيعةُ التي قصرت دونها الصفات. ودلَّ قولُه: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾ على أنَّ المرادَ بالمجرم المشرك. قوله تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ بيانٌ للدَّرجات وبدلٌ منها، والعَدْن: الإقامة، وقد تقدَّم بيانُهُ(١). ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غُرَفها وسُرُرِها ﴿اَلْأَنْهَرٌ﴾ من الخمر والعسل واللَّبن والماء، وقد تقدَّم(٢). ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين دائمين. ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ مَنْ تَزََّ﴾ أي: من تَطهَّرَ من الكفر والمعاصي. ومن قال: هذا من قول السَّحرة؛ قال: لعلَّ السَّحرة سمعوه من موسى، أو من بني إسرائيل إذْ كان فيهم بمصرَ أقوام، وكان فيهم أيضاً المؤمنُ من آل فرعون. قلت: ويَحتمِلُ أنْ يكون ذلك إلهاماً من الله لهم، أنطقَهم بذلك لمَّا آمنوا. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَا لَّا تَخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَّخْشَى (٧) فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْبَحْ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ تقدَّم الكلام في هذا مستوفّى. ﴿فَأَضْرِبِ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ بَبَسًا﴾ أي: يابساً لا طينَ فيه ولا ماء، وقد مضى في ((البقرة)) ضربُ موسى البحرَ، وكُنيته إيَّاه(٣)، وإغراقُ فرعون، فلا معنى للإعادة. ﴿لَّا تَخَفُ دَرَّكًا﴾ أي: لَحاقاً من فرعون وجنوده. ﴿وَلَا تَّخْثَى﴾. قال ابن جُريج: (١) ٢٦٤/١٣ - ٢٦٥ . (٢) ٢١٨/١٢. (٣) سلف ٢ / ٩٢ - ٩٣ . ١٠٩ سورة طه: الآيات ٧٧ - ٧٩ قال أصحابُ موسى له: هذا فرعون قد أدركَنَا، وهذا البحرُ قد غَشِيَنا، فأنزل الله تعالى: ﴿لَّا تَّخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَخْشَى﴾ أي: لا تخاف دَرَكاً من فرعون، ولا تخشى غَرَقاً من البحر إنْ غَشِيَك(١). وقرأ حمزة: ((لا تَخَفْ))(٢) على أنَّه جواب الأمر. التقدير: إنْ تضربْ لهم طريقاً في البحر لا تَخَفْ. ((ولا تخشى)) مستأنفٌ على تقدير: ولا أنت تخشى(٣). أو يكون مجزوماً، والألف مشبعةٌ من فتحة، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، أو يكون على حدِّ قول الشاعر: كَأَنْ لَم تَرَى قَبْلي أَسِيراً يَمانِیًا (٤) على تقدير حذف الحركة كما تُحذف حركةُ الصَّحيح. وهذا مذهبُ الفرَّاء(٥). وقال آخر : من هجوٍ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ(٦) هَجوتَ زَبَّان ثم جئتَ معتذراً وقال آخر: أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي بِما لَاقَتْ لَبُون بَني زِيادٍ(٧) قال النحاس(٨): وهذا من أقبح الغلط أن يُحمل كتابُ الله عزَّ وجلَّ على الشذوذ (١) في (د): أن يمسّك، وفي (م): أن يمسّك إن غشيك، والمثبت من (خ) و(ز) و(ظ) و(ف)، وهو الموافق للنكت والعيون ٤١٥/٣ - ٤١٦ والكلام منه. (٢) السبعة ص٤٢١، والتيسير ص ١٥٢ . (٣) في (خ) و(ز) و(ف): ولا أنت لا تخشى، وفي (د): ولا أنت ولا تخشى، والمثبت من (ظ) و(م). والكلام في مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠، والبيان لأبي البركات الأنباري ٢/ ١٥٠. (٤) قائله عبد يغوث الحارثي اليمني، وصدره: وتضحك مني شيخة عبشميَّة، وهو في خزانة الأدب ٢٠١/٢ . (٥) في معاني القرآن ١٨٧/٢ - ١٨٨. (٦) البيت لأبي عمرو بن العلاء البصري يخاطب به الفرزدق، وكان هجاه ثم جاءه معتذراً، وزيّان هو أبو عمرو نفسه. والبيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨٧، ومعجم الأدباء ١٥٨/١١. (٧) البيت لقيس بن زهير، وقد سلف ٤٤٣/١١. (٨) في إعراب القرآن ٥١/٣، وفيه البيتان السالفان. ١١٠ سورة طه: الآيات ٧٧ - ٧٩ من الشعر. وأيضاً فإنَّ الذي جاءَ به من الشِّعر لا يُشبه من الآية شيئاً؛ لأنَّ الياءَ والواو مُخالفتان للألف؛ لأنَّهما تتحركان، والألف لا تتحرك، فللشاعر إذا اضطر أنْ يُقدِّرهما متحركتين، ثم يَحذف الحركةَ للجزم، وهذا محالٌ في الألف. والقراءةُ الأُولى أَبين؛ لأنَّ بعده: ((وَلَا تَخْشَى)) مُجمعٌ عليه بلا جزم؛ وفيها ثلاثُ تقديرات : الأول: أنْ يكون «لا تخاف)» في موضع الحال من المُخاطب، التقدير: فاضرِبْ لهم طريقاً في البحر يَبَساً غيرَ خائف ولا خاشٍ. الثاني: أنْ يكون في موضع النعت للطّريق؛ لأنَّه معطوفٌ على ((يَيَس)) الذي هو صفة، ويكون التقدير: لا تخاف فيه، فحذفَ الراجع من الصفة. والثالث: أنْ يكون منقطعاً خبرَ ابتداء محذوف، تقديره: وأنت لا تخاف(١). قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُورِهِ.﴾ أي: أتبعهم ومعه جنودُه، وقُرئ: ((فَاتَّبَعَهُمْ)) بالتشديد(٢)، فتكون الباء في ((بِجنودِهِ) عَدَّت الفعلَ إلى المفعول الثاني؛ لأنَّ اتَّبع يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد. أي: تبعهم ليلحقهم بجنوده، أي: مع جنوده كما يُقال: رکب الأمير بسيفه، أي: مع سيفه. ومن قطع، فأتبع يتعدَّى إلى مفعولين: فيجوز أنْ تكون الباء زائدة، ويجوز أنْ يكون اقتصرَ على مفعولٍ واحد. يقال: تَبِعَه وأَتْبعَه، ولَحِقَه وأَلْحَقه بمعنى واحد. وقوله: ((بِجنودِهِ)) في موضع الحال، كأنَّه قال: فأتبعهم سائقاً جنودَه(٣). ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اَلْيَحِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: أصابهم من البحر ما غرَّقهم، وكرَّرَ على معنى التعظيم والمعرفة بالأمر. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٠، ومشكل إعراب القرآن ٤٧٠/٢ . (٢) هي رواية عبيد عن أبي عمرو البصري كما في السبعة ص٤٢٢، وهي غير المشهورة عن أبي عمرو. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٥٥ بنحوه. ١١١ سورة طه: الآيات ٧٧ - ٨٢ ﴿وَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي: أضلَّهم عن الرَّشد، وما هداهم إلى خيرٍ ولا نجاة؛ لأنَّه قدَّر أنَّ موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه؛ لأنَّ بين أيديهم البحر. فلمَّا ضرب موسى البحرَ بعصاه انفلق منه اثنا عشرَ طريقاً، وبين الطرق الماءُ قائماً كالجبال. وفي سورة الشعراء ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الآية: ٦٣]، أي: الجبل الكبير، فأخذَ كلُّ سِبْطٍ طريقاً. وأوحى الله إلى أطواد الماء أَنْ تَشبَّكي، فصارت شبكاتٍ يرى بعضُهم بعضاً، ويسمع بعضُهم كلامَ بعض، وكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلمَّا أقبل فرعون، ورأى الطرق في البحر، والماءَ قائماً، أوهمَهم أنَّ البحر فعلَ هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابُه فانطبقَ البحر عليهم(١). وقيل: إنَّ قوله: ﴿وَمَا هَدَى﴾ تأكيدٌ لإضلاله إيَّاهم. وقيل: هو جوابُ قول فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَبِى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَيِلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، فكذَّبه الله تعالى(٢). وقال ابن عباس: ﴿وَمَا هَدَى﴾ أي: ما هدى نفسَه، بل أهلك نفسَه وقومه. قوله تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَِّيِلَ قَدْ أَنْتَكُ مِنْ عَدُوَّكُمْ وَعَدْ نَكُ جَانِبَ الْتُورِ الْأَيْمَنَ وَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَ وَالسَّلْوَى (٨٥ كُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى ﴾ وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّلَ قَدْ أََّكُ مِنْ عَدُوَّكُمْ﴾ لمَّا أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروا. ﴿ وَعَدْنَكُرْ جَلِبَ الْقُلُورِ الْأَيْمَنَ﴾ ((جانب)) نصب على المفعول الثاني لـ ((واعدنا)) ولا يحسن أنْ ينتصب على الظرف؛ لأنَّه ظرفُ مكانٍ مختص (٣) غير مبهم. (١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٥٢ دون ذكر تَشبُّك الماء ليرى بعضهم بعضاً. (٢) تفسير البغوي ٢٢٦/٣، والمحرر الوجيز ٥٥/٤ . (٣) في النسخ: محض، والمثبت من مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٧١ والكلام منه، وينظر الدر المصون ٨/ ٠٨٥ ١١٢ سورة طه: الآيات ٨٠ - ٨٢ وإنَّما تتعدَّى الأفعالُ والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مُبهمةً. قال مكيّ: هذا أصلٌ لا خلاف فيه، وتقديرُ الآية: وواعدناكم إتيانَ جانب الظُور، ثمَّ حذف المضاف. قال النحاس(١): أي: أَمَرْنا موسى أنْ يأمرَكم بالخروج معه؛ لنُكلِّمه(٢) بحضرتكم، فتسمعوا الكلام. وقيل: وعدَ موسى بعد إغراق فرعون أنْ يأتيّ جانبَ الطور الأيمنَ فَيُؤتيه التوراة (٣)، فالوعدُ كان لموسى، ولكن خُوطبوا به؛ لأنَّ الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو: ((وَوَعَدْنَاكُمْ)) بغير ألف (٤)، واختاره أبو عُبيد؛ لأنَّ الوعد إنَّما هو من الله تعالى لموسى خاصة، والمُواعدةُ لا تكون إلَّا من اثنين؛ وقد مضى في ((البقرة)) هذا المعنى(٥). و ((الْأَيْمَنَ)) نصب؛ لأنَّه نعتٌ للجانب، وليس للجبل يمينٌ ولا شمال، فإذا قيل: خُذْ عن يمين الجبل؛ فمعناه: خُذْ على يمينك من الجبل(٦). وكان الجبل على يمين موسى إذْ أتاه. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ أي: في التِّيه، وقد تقدَّم القول فيه(٧). ﴿كُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ أي: من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله؛ إذْ لا صُنع فيه لآدميٍّ فتدخُلَه شُبهة. (١) في إعراب القرآن ٥٢/٣. (٢) في (د) و(م) وإعراب القرآن للنحاس: ليكلمه. (٣) الوسيط للواحدي ٢١٦/٣ . (٤) السبعة ص ٤٢٢، والتيسير ص٧٣ . (٥) ٩٨/٢. (٦) تفسير الطبري ٥٥٩/١٥ عند قوله تعالى: ﴿وَنَدَيْتَهُ مِن جَانِبِ الْكُورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] بنحوه. (٧) ١١٨/٢ . ١١٣ سورة طه: الآيات ٨٠ - ٨٢ ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ أي: لا تحملنَّكُم السَّعة والعافية أنْ تعصوا؛ لأنَّ الطّغيان: التجاوزُ إلى ما لا يجوز (١). وقيل: المعنى: أي لا تكفروا النِّعمة، ولا تنسَوْا شُكرَ المُنعم بها عليكم. وقيل: أي: ولا تستبدلوا بها شيئاً آخر، كما قال: ﴿أَشْتَِّلُنَ الَّذِى هُوَ أَدْفَى بِلَّذِى هُوَ خَّرْ﴾ [البقرة: ٦١]. وقيل: لا تدَّخِروا منه لأكثرَ من يومٍ وليلة، قال ابن عباس: فدوّد عليهم ما ادَّخروه؛ ولولا ذلك ما دَوَّدَ(٢) طعامٌ أبداً. ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌ﴾ أي: يجب وينزل، وهو منصوبٌ بالفاء في جواب النهي من قوله: ((وَلَا تَظْغَوْا)). ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ حَوَى﴾ قرأ الأعمش ويحيى بنُ وثَّاب والكسائي: (فَيَحُلَّ)) بضمِّ الحاء، ((وَمَنْ يَحْلُلْ)) بضمِّ اللَّام الأولى(٣). الباقون بالكسر، وهما لغتان. وحكى أبو عُبيدة(٤) وغيره أنَّه يقال: حَلَّ يَحِلُّ: إذا وجبَ، وحَلَّ يَحُلَّ: إذا نزل. وكذا قال الفراء(٥): الضمُّ من الحلول بمعنى الوقوع، والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان؛ إلّا أنَّ الكسر أولى؛ لأنَّهم قد أجمعوا على قوله: ﴿وَلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾(٦) [الزمر: ٤٠]. وغضبُ الله: عقابُه ونِقْمته وعذابه. ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ قال الزَّجَّاجِ (٧): فقد هلك، أي: صارَ إلى الهاوية، وهي قَعْرُ النار، من هَوَى يَهوي هَوِيًّا، أي: سقط من عُلْوِ إلى سُفْل، وهوى فلان، أي: مات(٨). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٢ . (٢) في النسخ: فتدَوَّد عليهم ... ما تدوَّد، والمثبت من النكت والعيون ٤١٦/٣ (والكلام منه) ومن معاجم اللغة. (٣) قراءة الكسائي في السبعة ص٤٢٢، والتيسير ص١٥٢، وقراءة الأعمش ذكرها البغوي في تفسيره ٢٢٧/٣ . (٤) في إعراب القرآن للنحاس ٥٢/٣ والكلام منه: أبو عُبيد. ولم نقف على هذا الكلام في مجاز القرآن لأبي عبيدة. (٥) في معاني القرآن له ١٨٨/٢ . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٢ - ٥٣. (٧) في معاني القرآن له ٣/ ٣٧٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٥٣. (٨) تهذيب اللغة ٦/ ٤٨٨ - ٤٩٠ . ١١٤ سورة طه: الآيات ٨٠ - ٨٢ وذكر ابن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن عيَّاش قال: حدثنا ثعلبةُ بن مسلم، عن أيوبَ بن بَشِير، عن شُفَيّ الأصبحيّ قال: إنَّ في جهنّم جبلاً يُدعى صَعُوداً، يطلَع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أنْ يرقاه، قال الله تعالى: ﴿سَأُرْفِقُمُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]، وإنَّ في جهنم قصراً يُقال له: هَوَى، يُرمى الكافرُ من أعلاه، فيهوي أربعينَ خريفاً قبل أنْ يبلُغ أصلَه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَِى فَقَدْ هَوَى﴾ وذكر الحديث(١). وقد ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ أي: من الشّرك. ﴿وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: أقامَ على إيمانه حتى مات عليه؛ قاله سفيانُ الثوري وقتادة وغيرهما(٣). وقال ابن عباس: أي: لم يَشكَّ في إيمانه، ذكره الماوردي(٤) والمهدوي. وقال سهلٌ ابن عبد الله التُّستَريّ وابن عباس أيضاً: أقام على السنَّة والجماعة(٥)، ذكره الثعلبي. وقال أنس: أخذ بسنَّة النبي﴾، ذكره المهدوي، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس(٦). وقول خامس: أصاب العمل، قاله ابن زيد(٧)، وعنه أيضاً: تعلَّمَ العلمَ لِيهتديَ كيف يَفعل(٨)، ذكر الأوّل المهدوي، والثاني الثعلبيّ. وقال الشعبيّ ومقاتل والكلبيّ: علم أنَّ لذلك ثواباً وعليه عقاباً(٩)؛ وقاله الفراء(١٠). وقول ثامن: ((ثم (١) الزهد لابن المبارك (٣٣٦ - زوائد نعيم)، وهو مقطوع، وأيوب بن بشير مجهول، كما في ميزان الاعتدال ٢٨٥/١. (٢) ص٤٠١ - ٤٠٢ . (٣) أخرجه الطبري ١٢٨/١٦ عن قتادة. وسيأتي الخبر عن سفيان. (٤) في النكت والعيون ٤١٦/٣، وأخرجه الطبري ١٢٧/١٦ - ١٢٨. (٥) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٢/٥ عن سعيد بن جبير. (٦) في النكت والعيون ٤١٧/٣، وأخرجه الطبري ١٢٨/١٦. (٧) أخرجه الطبري ١٢٨/١٦، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٤١٧/٣. (٨) ذكره البغوي في تفسيره ٢٢٧/٣ . (٩) تفسير البغوي ٢٢٧/٣ . (١٠) في معاني القرآن ١٨٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٥٣/٣. ١١٥ سورة طه: الآيات ٨٠ - ٨٩ اهتدى)) في ولاية أهل بيت النبي #؛ قاله ثابت البُنَانِي(١). والقولُ الأول أحسنُ هذه الأقوال إنْ شاء الله، وإليه يرجع سائرها. قال وكيع عن سفيان: كنَّا نسمع في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾ أي: من الشِّرك، ﴿وَءَامَنَ﴾ أي: بعد الشِّرك ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾: صلَّى وصام ﴿ثُمَّ أَهْتَدَى﴾: مات على ذلك (٢). قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى (١) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِ وَأَضَلَّهُ التَّامِرِىُّ (٥﴾ فَرَجَعَ إِلَيْكَ رَبِّ لِرَضَى (3) مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّأْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّتُمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ﴾ قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامريَّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَسِىَ ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَرَّجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَ نَفْعًا (َ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾ أي: ما حملك على أنْ تسبقَهم؟ قيل: عَنى بالقوم جميعَ بني إسرائيل، فعلى هذا قيل: استخلف هارونَ على بني إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلاً للميقات. فقوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى﴾ ليس يريد أنَّهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم(٣). وقيل: لا، بل كان أَمَر هارونَ بأنْ يَتْبع في بني إسرائيل أثرَه ويلتحقوا به(٤). (١) أخرجه الطبري ١٢٩/١٦، وهو في النكت والعيون ٤١٧/٣، وزاد المسير ٣١٢/٥. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٣. (٣) تفسير الرازي ٩٩/٢٢ بنحوه. (٤) أخرجه الطبري ١٦/ ١٣٠ عن ابن إسحاق بنحوه. ١١٦ سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩ وقال قوم: أرادَ بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لمَّا قُرُب من الطور سبقهم شوقاً إلى سماع كلام الله عزَّ وجلَّ(١). وقيل: لما وَفد إلى طور سيناء بالوعد(٢) اشتاق إلى ربِّه، وطالت عليه المسافةُ من شدَّة الشوق إلى الله تعالى، فضاق به الأمرُ حتى شقَّ قميصه، ثمَّ لم يصبر حتى خلَّفِهم ومضى وحده، فلمَّا وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى﴾ فبقي :﴿ مُتحيراً عن الجواب وكنَى عنه بقوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ ، وإنَّما سألَه عن السبب الذي أعجلَه بقوله: ((ما)» فأخبرَ عن مجيئهم بالأَثر. ثم قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾، فكنَى عن ذكر الشوق وصَرَفه(٣) إلى ابتغاء الرضا (٤). ذكر عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قتادة في قوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾ قال: شوقاً. وكانت عائشةُ رضي الله عنها إذا أوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فَتُؤْتَى بالمصحف، فتأخذه في صدرها، وتنام معه تتسلَّى بذلك؛ رواه سفيان عن مِسْعَر عن عائشة رضي الله عنها(٥). وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خَلَع ثيابه، وتجرَّد حتى يُصيبه المطر، ويقول: ((إنَّه حديثُ عهدٍ بربِّه))(٦). فهذا من الرسول ﴾ وممن بعده من قَبيل الشوق؛ ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يُروى عنه: ((طال شوقُ الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوقُ))(٧). قال ابن عباس: كان الله عالماً ولكن قال: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ رحمةً لموسى، وإكراماً له بهذا القول، وتسكيناً لقلبه، ورِقَّةً عليه، فقال مُجيباً لربِّه: ﴿هُمْ (١) تفسير البغوي ٢٢٧/٣، وزاد المسير ٣١٣/٥ بنحوه. (٢) في (خ): بالوفد. (٣) في (د) و(م): وصدقه. (٤) تفسير الرازي ٢٢/ ٩٩ بنحوه. (٥) لم نقف عليه. (٦) في (خ) و(م): بربي. والحديث أخرجه أحمد (١٢٣٦٥) ومسلم (٨٩٨) من حديث أنس ﴾. (٧) ذكره الديلمي في الفردوس (٨٠٦٧) عن أبي الدرداء ﴾ موقوفاً. ١١٧ سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾: قال أبو حاتم: قال عيسى: بنو تميم يقولون: ((هُمْ أولًا)) مقصورة مرسلة، وأهل الحجاز يقولون: ((أولاءِ)) ممدودة. وحكى الفراء (١): ((هُمْ أُولَايَ عَلَى أَثَرِي)). وزعم أبو إسحاق الزَّجَّاج(٢) أنَّ هذا لا وجه له. قال النحاس(٣): وهو كما قال؛ لأنَّ هذا ليس مما يُضاف فيكون مثل: هُدَايَ. ولا يخلو من إحدى جهتين: إمّا أنْ يكون اسماً مبهماً، فإضافتُه مُحال، وإمّا أنْ يكون بمعنى الذين، فلا يُضاف أيضاً؛ لأنَّ ما بعدَه من تمامه، وهو معرفة. وقرأ ابن أبي إسحاق، ونصر، ورُويس عن يعقوب: ﴿على إِثْرِي) بكسر الهمزة وإسكان الثاء(٤): وهو بمعنى أَثَر، لغتان. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَّضَى﴾ أي: عجلتُ إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عنّي(٥). يقال: رَجلٌ عَجِلٌ وعَجُلٌ وعَجُولٌ وعَجْلَانُ: بَيِّنُ العَجَلة، والعَجَلةُ: خلاف البُطء(٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: اختبرناهم وامتحنَّاهم بأنّ يستدلُّوا على الله عزَّ وجلَّ. ﴿وَأَفَلَّهُ التَّامِىُّ﴾ أي: دعاهم إلى الضلالة، أو هو سببها. وقيل: فتنَّاهم: ألقيناهم في الفتنة، أي: زيَّنًا لهم عبادةَ العجل، ولهذا قال موسى: ﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. (١) في معاني القرآن ١٨٨/٢ ونسبه إلى بعض القراء. ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٥٣ ، وما قبله وما بعده منه. (٢) في معاني القرآن له ٣٧١/٣ . (٣) في إعراب القرآن له ٥٣/٣ . (٤) قراءة رُويس عن يعقوب في النشر ٣٢١/٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٤ . (٦) الصحاح (عجل). ١١٨ سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامريُّ من قوم يعبدون البقر، فوقع بأرض مصر، فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر(١). وقيل: كان رجلاً من القبط، وكان جاراً لموسى؛ آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيماً من عُظَماء بني إسرائيل، من قبيلةٍ تُعرف بالسَّامرة، وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جُبير: كان من أهل كَرْمَان(٢). قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ حال. وقد مضى في (الأعراف)) بيانُه مستوفّى(٣). ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّاً﴾ وعدَهم عزَّ وجلَّ الجنَّة إذا أقاموا على طاعته (٤)، ووعدهم أنَّ يُسمعهم كلامَه في التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها، فيستحقُّوا ثوابَ عملهم. وقيل: وعدَهم النصرَ والظّفَر. وقيل: وَعْدُه قولُه: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ﴾ الآية [طه: ٨٢](٥). ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: أفنسيتم؟ كما قيل: والشيءُ قد يُنسَى لطول العهدِ. ﴿أَمْ أَرَدُِّمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: ((يحلّ)) أي: يجب وينزل. والغضب: العقوبة والنّقمة. والمعنى: أَمْ أردتُم أنْ تفعلوا فعلاً يكون سببَ حلول غضب الله بكم؛ لأنَّ أحداً لا يطلب غضبَ الله، بل قد يرتكبُ ما يكون سبباً للغضب. ﴿فَأَخْلَفْتُ مَوْعِدِى﴾ لأنَّهم وعدوه أنْ يُقيموا على طاعة الله عزَّ وجلَّ إلى أنْ يرجع (١) ذكره أبو الليث في تفسيره ٢/ ٣٥٢، والواحدي في الوسيط ٢١٧/٣، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٦٣) مطولاً، وقد ذكره ابن كثير بطوله في تفسيره ٢٨٥/٥-٢٩٣ ثم قال : .. كأنه تلقّاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أُبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. (٢) عرائس المجالس ص٢١٠، وتفسير الرازي ١٠١/٢٢ . وكرمان: ولاية كبيرة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بین فارس ومکران وسجستان وخراسان. معجم البلدان ٤/ ٤٥٤ . (٣) ٣٣٦/٩. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٤ . (٥) النكت والعيون ٤١٧/٣ - ٤١٨ . ١١٩ سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩ إليهم من الطُّور(١). وقيل: وعدَهم أن يسيروا(٢) على أثره للميقات فتوقفوا(٣). ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر(٤). قال مجاهد والسديّ: ومعناه: بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك أنفسنا، أي: كنا .(٥) مضطرين(٥). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ((بِمِلْكِنَا)) بكسر الميم (٦). واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأنَّها اللُّغة العالية. وهو مصدر مَلَكتُ الشيء أَمْلِكُه مِلْكاً. والمصدر مضافٌ إلى الفاعل، والمفعول محذوف، كأنَّه قال: بمِلْكنا الصواب، بل أخطأنا، فهو اعترافٌ منهم بالخطأ(٧). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((بِمُلْكنا)) بضمِّ الميم(٨)، والمعنى: بسُلطاننا، أي: لم يكن لنا مُلك فنخلفَ موعدكِ(٩). ثم قيل: قوله: ((قَالُوا)» عامّ يُراد به الخاص، أي: قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أنْ رجع (١٠) إليهم من الظُور: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾(١١). وكانوا اثني عشر ألفاً، وكان جميعُ بني إسرائيل ستَّ مئة ألف(١٢). (١) تفسير الرازي ١٠٢/٢٢ بنحوه. (٢) قوله: أن يسيروا، من (ظ). (٣) النكت والعيون ٤١٨/٣ . (٤) قراءة نافع وعاصم في السبعة ص ٤٢٢، والتيسير ص١٥٣ . (٥) تفسير الطبري ١٣٤/١٦، والنكت والعيون ٤١٨/٣ . (٦) السبعة ص ٤٢٢، والتيسير ص١٥٣ . (٧) الحجة للفارسي ٢٤٤/٥، ومشكل إعراب القرآن ٤٧١/٢ بنحوه. (٨) السبعة ص٤٢٢، والتيسير ص١٥٣ . (٩) الحجة للفارسي ٢٤٤/٥ . (١٠) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: يرجع. (١١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٤. (١٢) عرائس المجالس ص٢١٢، والوسيط للواحدي ٢١٨/٣ . ١٢٠ سورة طه: الآيات ٨٣ - ٨٩ ﴿وَلَكِنّا ◌ُلْنَآ﴾ بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة؛ قراءة نافعٌ وابن كثير وابن عامر وحفص ورُويس. الباقون بفتح الحرفين خفيفة(١). واختارَه أبو عُبيد وأبو حاتم؛ لأنَّهم حَملوا حُلِيَّ القوم معهم وما حملوه كرهاً(٢). ﴿أَوْزَارًا﴾ أي: أثقالاً(٣) ﴿مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: من حُلِيُّهم. وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروجَ مع موسى عليه السلام، وأَوهموهم أنَّهم يجتمعون في عيدٍ لهم أو وليمةٍ. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون، لمَّا قذفَهم البحرُ إلى الساحل. وسُمِّيت أوزاراً بسبب أنَّها كانت آثَاماً، أي: لم يحلَّ لهم أخذُها، ولم تحلَّ لهم الغنائم(٤)، وأيضاً فالأوزار: هي الأثقالُ في اللُّغة(٥). ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾ أي: ثَقُلَ علينا حملُ ما كان معنا من الحُلِيِّ، فقذفناه في النَّار ليذوب(٦)، أي: طرحناه فيها. وقيل: طرحناه إلى السامريّ؛ لترجعَ فترى فيها رأيك. قال قتادة: إنَّ السامريّ قال لهم حين استبطأ القومُ موسى: إنَّما احتبسَ عليكم من أجل ما عندكم من الحُليّ. فجمعوه ودفعوه إلى السامريِّ، فرمى به في النار، وصاغَ لهم منه عجلاً، ثمَّ ألقى عليه قبضةً من أثر فرس الرسول؛ وهو جبريل عليه السَّلام. وقال معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضةً صار عجلاً جسداً له خُوار(٧). والخُوار: صوت البقر. وقال ابن عباس: لمَّا انسكبت الحُلِيُّ في النَّار، جاء السامريّ وقال لهارون: (١) السبعة ص ٤٢٣، والتيسير ص١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢ . ورُويس: هو راوي يعقوب من العشرة. (٢) الوسيط للواحدي ٢١٨/٣ بنحوه. (٣) أخرجه الطبري ١٦/ ١٣٦ - ١٣٧ عن مجاهد. (٤) تفسير البغوي ٢٢٨/٣ بنحوه، وسلف هذا الكلام ٩/ ٣٣٣ . (٥) ينظر الصحاح (وزر). (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٤ . (٧) النكت والعيون للماوردي ٤١٩/٣ .