النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة طه: الآيات ٥٣ _ ٥٥ عن ابن مسعود(١). وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرَّحِم انطلق المَلَكُ المُوَّلُ بالرَّحِم، فأخذ من تراب المكان الذي يُدفن فيه، فيذرُّه على النطفة، فيخلق الله النَّسَمة من النُّطفة ومن الترَاب، فذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا تُخْرِيُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾(٢). وفي حديث البراء عن النبيِّ ﴾: ((إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا خرجَتْ رُوحُه؛ صَعِدَتْ به الملائكةُ، فلا يمرون بها على مَلأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروحُ الطيِّبة؟ فيقولون: فلانُ بن فلان؛ بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا، فيستفتحون لها، فيفتح؛ فَيُشيِّعه من كلِّ سماءٍ مُقرَّبوها إلى السماء التي تليها حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عزَّ وجلَّ: اكتبوا لعبدي كتاباً في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. فتعاد روحُه في جسده)). وذكر الحديث(٣). وقد ذكرناه بتمامه في كتاب ((التذكرة)) (٤)، ورُوي من حديث عليٍّ ﴾، ذكره الثعلبي. ومعنى ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي: بعد الموت ﴿وَمِنْهَا تُخْرِجُّكُمْ﴾ أي: للبعث والحساب ﴿ِتَرَةً أُخْرَى﴾(٥). يرجع هذا إلى قوله: ﴿مِنْهَ خَقْتَكُمْ﴾ لا إلى ﴿نُعِيدُكُمْ﴾. وهو كقولك: اشتريتُ ناقةً وداراً وناقةً أخرى. فالمعنى: من الأرض أخرجناكم، ونُخرجكم بعد الموت من الأرض تارةً أخرى(٦). (١) ٣١٨/٨ - ٣١٩. (٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٩٣٤/٥، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٤٠٠. (٣) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأخرجه أبو داود (٤٧٥٣) بنحوه. (٤) ص١١٩ - ١٢١ . (٥) الوسيط للواحدي ٢١٠/٣ . (٦) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٨١. ٨٢ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرََّهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأََ فَلَتَأْنِيَتَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى (9@ تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَّى ﴿﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّيْنَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ﴾ قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا ضُحی (@) تَفْتَرُواْ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ أَفْتَرَى (®)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ءَِنَا كُلَّهَا﴾ أي: المعجزاتِ الدالَّةَ على نُبوَّة موسى. وقيل: حُجج الله الدالة على توحيده(١). ﴿فَكَذَّبَ وَبَ﴾ أي: لم يؤمن. وهذا يدلُّ على أنه كفرَ عِناداً، لأنه رأى الآياتِ عِياناً لا خبراً (٢). نظيره: ﴿وَحَعَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤]. ظُلْمًا وَعُلُوَّاهـ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى﴾ لمَّا رأى الآياتِ التي أتاه بها موسى قال: إنها سحر. والمعنى: جئت لِتوهم الناس أنك جئتَ بآيةٍ توجب اتِّبَاعَكَ والإيمانَ بك، حتى تغلبَ على أرضنا وعلينا. ﴿فَلَنَأْتِنَّكَ بِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أي: لَنُعارِ ضَنَّكَ بمثل ما جئتَ به لِيتبيَّن للناس أنَّ ما أتيتَ به ليس من عند الله(٣). ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ هو مصدر، أي: وعداً. وقيل: الموعد اسمٌ لمكان الوعد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣]. فالموعد هاهنا مكان. وقيل: الموعد اسمٌ لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الْقُبْحُ﴾(٤) [هود: ٨١] فالمعنى: اجعل لنا يوماً معلوماً، أو مكاناً معروفاً. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: ﴿لَّا تُخْلِفُهُ﴾ أي: لا نخلف ذلك (١) النكت والعيون ٤٠٨/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤١. (٣) ينظر زاد المسير ٢٩٤/٥. (٤) تفسير الرازي ٢٢/ ٧١ . ٨٣ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ الوعد، والإخلاف أن يَعِدَ شيئاً ولا يُنجزه(١). وقال الجوهري(٢): والميعاد: المواعدة والوقت والموضع، وكذلك المَوْعِد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج: ((لَا نُخْلِفْهُ))؛ بالجزم جواباً لقوله ((اجْعَلْ))(٣). ومن رفع فهو نعتٌ لـ ((موعد))، والتقدير: موعداً غيرَ مُخْلَفٍ. ﴿مَكَنَا سُوَى﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: (سُوَى)) بضم السين. الباقون: بكسرها(٤)، وهما لغتان؛ مثل: عُداً وعِداً، وطُوَى وطِوَى(٥). واختار أبو عُبيد وأبو حاتم كسر السين؛ لأنها اللغة العالية الفصيحة. وقال النحاس(٦): والكسر أعرفُ وأشهرُ. وكلهم نَوَّنوا الواو(٧)، وقد رُويَ عن الحسن - واختُلِفَ عنه - ضمُّ السين بغير تنوين (٨) . واختُلِفَ في معناه؛ فقيل: سِوى هذا المكان، قاله الكلبي(٩). وقيل: مكاناً مستوياً يتبيَّن للناس ما بينًا فيه، قاله ابن زيد(١٠). ابن عباس: نَصَفاً. مجاهد: مَنْصَفاً، وعنه أيضاً وقتادة: عَدْلاً بيننا وبينك(١١). قال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى ((سُوَى)) نَصَفٌ وعَدْلٌ، وهو قولٌ حسن(١٢)، قال سيبويه: يقال: سِوَى وسُوّى، أي: (١) أورده أبو حيان في البحر ٦/ ٢٥٢ . (٢) في الصحاح (وَعَدَ). (٣) قراءة أبي جعفر - وهو من العشرة - في النشر ٣٢٠/٢، وقراءة شيبة ذكرها أبو حيان في البحر ٢٥٣/٦. (٤) السبعة ص٤١٨، والتيسير ص ١٥١ . (٥) تفسير الطبري ٨٩/١٦، وتفسير البغوي ٢٢١/٣ . (٦) في إعراب القرآن ٤٢/٣ . (٧) المحرر الوجيز ٤٩/٤ . (٨) المحتسب ٥٢/٢، وينظر البحر المحيط ٢٥٣/٦. (٩) أورده البغوي في تفسيره ٢٢١/٣، والرازي في تفسيره ٢٢/ ٧٢ . (١٠) أخرجه الطبري ١٦/ ٩٠، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٤٠٨/٣. (١١) تفسير الطبري ٩٠/١٦، وتفسير البغوي ٢٢١/٣. (١٢) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤٢ . ٨٤ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ عَدْلٌ، يعني مكاناً عَدْلاً بين المكانين فيه النَّصَفة(١)، وأصلُه من قولك: جلس في سَواء الدار؛ بالمدّ، أي: في وسطها، ووسط كل شيء أعدَلُه، وفي الحديث عن النبي #: ((﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عَدْلاً(٢))، وقال زهير: يُسَوَّى بينَنا فيها السَّوَاءُ(٣) أَرُونَا خُظَّةً لا ضَيْمَ فِيها وقال أبو عُبيدة والقُتبي: وَسَطاً بين الفريقين(٤)، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفی : سِوّى بين قيسٍ قيسٍٍ عَيْلانَ والفِزْرِ وإنَّ أبانا كان حَلَّ ببلدةٍ والفِزْر: سعد بن زيد مناة بن تميم (٥). وقال الأخفش: (سُوَى)) إذا كان بمعنى غير، أو بمعنى العدل، يكون فيه ثلاثُ لغات: إنْ ضممتَ السين أو كسرتَ؛ قصرت فيهما جميعاً. وإن فتحت مددت، تقول: مكان سِوَى وسُوَى وسَواء، أي: عَدْلٌ ووسط فيما بين الفريقين. قال موسى بن جابر : وجدنا أبانا كان حَلَّ ببلدةٍ البيتَ(٦). وقيل: ((مكاناً سُوّى)) أي: قصداً، وأنشد صاحب هذا القول: أو تَمثَّيتُ ما عَدوتُ سِواها(٧) لو ثَمِنَّتْ حَبِيبتي ما عَدَتْني (١) الكلام بنحوه في الصحاح (سوى) منسوب للأخفش. (٢) أخرجه أحمد (١١٠٦٨)، والترمذي (٢٩٦١)، وسلف ٤٣٣/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٣، والبيت في ديوان زهير ص٨٤ . (٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٢/ ٢٠، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٧٩، وفيهما: القريتين، بدل: الفريقين. (٥) مجاز القرآن ٢٠/٢، والبيت في المحرر الوجيز ٤٩/٤، وخزانة الأدب ٣٠٢/١. وموسى بن جابر الحنفي: نصراني جاهلي، يلقب أزيرق اليمامة، كثير الشعر. معجم الشعراء ص ٢٨٥ . (٦) الصحاح (سوى)، وسلف البيت قبله. (٧) سمط اللآلئ للبكري ١/ ٥٠٦ . ٨٥ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ وتقول: مررت برجل سِواكَ وسُوَاكَ وسَوَائِكَ، أي: غيرِكَ. وهما في هذا الأمر سواء، وإن شئت: سَواءان. وهم سواءٌ للجميع، وهم أسواءٌ، وهم سَواسِية؛ مثل ثمانية؛ على غير قياس(١). وانتصب ((مكاناً)) على المفعول الثاني لـ ((جعل)). ولا يَحْسُنُ انتصابُه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له؛ لأن الموعدَ قد وصف، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال إذا وُصفت أو صُغِّرت لم يَسُغْ أن تعمل؛ لخروجها عن شبه الفعل، ولم يحسن حملُه على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني؛ لأن الموعدَ إذا وقع بعده ظرف لم تُجرِهِ العرب مُجرى المصادر مع الظروف، لكنهم يتَّسعون فيه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٤ الصُبْحُ﴾ [هود: ٨١] و﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّيْنَةِ﴾(٢). واختُلِفَ في يوم الزينة، فقيل: هو يومُ عيد كان لهم يتزيَّنون ويجتمعون فيه، قاله قتادة والسُدِّيّ وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير: كان يومَ عاشوراء. وقال سعيد بن المسيّب: يوم سوق كان لهم يتزيَّنون فيها، وقاله قتادة أيضاً. وقال الضخَّاك: يوم السبت. وقيل: يوم النيروز(٣)، ذكره الثعلبي(٤). وقيل: يومٌ يكسر فيه الخلیج(٥)، وذلك أنهم كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون، وعند ذلك تأمن الديار المصرية من قِبَلِ النيل. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسُّلَميّ وهُبيرة عن حفص: ((يَوْمَ الزِّينَةِ)) بالنصب(٦). ورُويت عن أبي عمرو (٧)، أي: في يوم الزينة إنجازُ موعدنا. الباقون (١) الصحاح (سوى). (٢) الكلام بنحوه في مشكل إعراب القرآن لمكي ٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥، وينظر المحرر الوجيز ٤٨/٤ - ٤٩. (٣) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٩١/١٦ - ٩٢، وزاد المسير ٢٩٤/٥ - ٢٩٥. (٤) في عرائس المجالس ص١٨٨ . (٥) المحرر الوجيز ٤ /٤٩ . (٦) المحتسب ٥٣/٢، والمحرر الوجيز ٤٩/٤، وقراءة هبيرة عن حفص ذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ٢٩٤/٥، والقراءة المشهورة عن حفص: يومُ، كقراءة الجماعة. وهبيرة: هو أبو عمر بن محمد البغدادي، الأبرش، التمّار، طبقات القراء ٣٥٣/٢ . (٧) وهي غير المشهورة عنه، وقد ذكرها ابن جني في المحتسب ٥٣/٢ . ٨٦ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ بالرفع على أنه خبر الابتداء. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ أي: وجمعُ الناس، فـ ((أَنْ)) في موضع رفع على قراءة من قرأ: ((يَوْمُ)) بالرفع(١). وعطفُ ((وَأَنْ يُخْشَرَ)) يُقوّي قراءة الرفع؛ لأن ((أَنْ)) لا تكون ظرفاً، وإن كان المصدر الصريح يكون ظرفاً، كَمِقْدَم الحاجّ؛ لأن من قال: آتيك مَقْدَمَ الحاجّ لم يقل: آتيكَ أن يقدَمَ الحاجُ(٢). النحاس: وأولى من هذا أن يكون في موضع خفضٍ عطفاً على الزينة. والضُّحى مؤنثة تُصغِّرها العرب بغير هاء لئلا يُشبهَ تصغيرُها تصغيرَ ضحوة، قاله النحاس(٣). وقال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضُّحَى، وهي حين تُشرق الشمس، مقصورة؛ تُؤنَّث وتُذكَّر، فمن أَنَّثَ ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومَن ذكَّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل: صُرَدٍ ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكِّن مثل: سَحَر، تقول: لَقِيتُهُ ضُحِى وضُحَى، إذا أردتَ به ضُحَى يومك لم تُنوِّنه، ثم بعده الضَّحاء؛ ممدود مُذكَّر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى (٤). وخَصَّ الضُّحى لأنه أول النهار، فلو امتدَّ الأمر فيما بينهم كان في النهار مُشَسع. ورُويَ عن ابن مسعود والجَحدريّ وغيرهما: ((وَأَنْ يَحْشُرَ النَّاسَ ضُحاً)) على معنى: وأن يَخْشُرَ اللهُ الناسَ ونحوه. وعن بعض القراء: ((وَأَنْ تَحْشُرَ الناس))(٥) والمعنى: وأن تحشرَ أنت يا فرعون الناس. وعن الجَحدريّ أيضاً: ((وَأَنْ نَحْشُرَ)) بالنون(٦). وإنما واعدهم ذلك اليوم؛ ليكون علوُّ كلمة الله وظهورُ دينه وكبت الكافر (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٣. (٢) ینظر مجمع البيان ١٦/ ١١١ - ١١٢. (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٢ . (٤) الصحاح (ضحا). (٥) القراءات الشاذة ص ٨٨، والمحتسب ٢/ ٥٤ . (٦) المحرر الوجيز ٤٩/٤ دون نسبة. ٨٧ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦١ وزهوقُ الباطل على رؤوس الأشهاد، وفي المَجمع الغاصِّ؛ لتقوَى رغبةٌ من رَغِبَ في الحقِّ، ويكلَّ حدُّ المبطلين وأشياعِهم، ويَكثُرَ التحدُّثُ بذلك الأمر العام(١) في كل بدوٍ وحضرٍ، ويَشيعَ في جمع أهل الوَبَر والمدَر(٢). قوله تعالى: ﴿فَتَوَّ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي: حِيَلَه وسِخْرَه، والمراد جَمْعُ السَّحَرةُ(٣). قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل ساحرٍ منهم حبالٌ وعِصيٍّ. وقيل: كانوا أربع مئة. وقيل: كانوا اثني عشرَ ألفاً. وقيل: أربعةَ عشرَ ألفاً. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً. وقیل: کانوا مجمعین علی رئیس یقال له: شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيباً، مع كل نقيبٍ عشرون عريفاً، مع كل عريفٍ ألفُ ساحرٍ. وقيل: كانوا ثلاثَ مئة ألفِ ساحرٍ من الفيُّوم، وثلاثَ مئة ألفٍ ساحر من الصعيد، وثلاثَ مئة ألفِ ساحرٍ من الريف، فصاروا تسعَ مئة ألفٍ، وكان رئیسهم أعمى(٤). ﴿ثُمَّ أَ﴾ أي: أتى المِيعاد. ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى﴾ أي: قال لفرعون والسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ دعاءٌ عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو إسحاق الزجَّاج(٥): هو منصوب بمعنى: ألزمهم الله وَيْلاً. قال: ويجوز أن يكون نداءً، كقوله تعالى: ﴿يَوَيَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ [يس: ٥٢]. ﴿لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تُشركوا به، ولا تقولوا للمعجزات: إنها سحر (٦) . ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَاپٍ﴾ مِن عنده، أي: يستأصِلكم (١) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم. (٢) تفسير الرازي ٧٣/٢٢ . (٣) الوسيط للواحدي ٢١١/٣، وتفسير البغوي ٢٢١/٣ . (٤) سلفت هذه الأقوال في الأعراف ٩/ ٢٩٥، قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٨/٢، وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده. (٥) في معاني القرآن له ٣/ ٣٦٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٢/٣. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٢/٣ بنحوه. ٨٨ سورة طه: الآيات ٥٦ - ٦٤ بالإهلاك. يقال منه: سَحَت وأَسْحت بمعنّى. وأصله من استقصاء الشّعر. وقرأ الكوفيون: ((فَيُسْحِتَكُمْ))(١) من أسْحَت، الباقون: ((فَيَسْحَتَكُمْ)) من سَحَت، وهذه لغةُ أهل الحجاز، [والأُولى لغة] بني تميم. وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق : وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ من المالِ إِلَّا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ(٢) الزمخشري: وهذا بيتٌ لا تزال الركب تصطُ في تسوية إعرابه(٣). ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ اُفْتَرَى﴾ أي: خَسِرَ وهَلَكَ، وخاب من الرحمة والثواب من ادَّعى على الله ما لم يأذن به. قوله تعالى: ﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى (١٠) فَجِعُوا قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانِ ٦ يُرِدَانِ أَنْ يُخْرِحَاكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ الْمُْلَ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَقْتُواْ صَفَّا وَقَدْ أَفْلَحَ اَلْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى ٦٤١ قوله تعالى: ﴿فَتَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ أي: تشاوروا، يريد السَّحرة. ﴿وَأَسَّرُواْ النَّجْوَى﴾. قال قتادة: قَالُوا: إن كان ما جاء به سحراً فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر، وهذا الذي أُسرُّوه. وقيل: الذي أسرُّوا قولهم: ((إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانٍ)) الآية، قاله السُّدِّيّ ومقاتل. وقيل: الذي أسرُّوا قولهم: إن غَلَبنا اتَّبعناه، قاله الكلبي، دليله ما ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل: كان سِرُّهم أن قالوا حين قال لهم موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ما هذا بقول ساحرٍ (٤). و((النجوى)): المناجاة، (١) قرأ بها عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي. السبعة ص٤١٩، والتيسير ص١٥١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٣/٣. وما بين حاصرتين زيادة ضرورية، وينظر تفسير الرازي ٢٢/ ٧٣، وفتح القدير ٣٧٢/٣، والبيت في ديوان الفرزدق ص٥٥٦، وقد سلف ٢٧٩/٥، و٤٨٤/٧ . (٣) الكشاف ٢/ ٥٤٣، وينظر ما ذكرناه في إعراب هذا البيت ٤٨٤/٧ - ٤٨٥ . (٤) هذه الأقوال في تفسير الطبري ٩٥/١٦ - ٩٧، والنكت والعيون ٤١٠/٣. ١ ٨٩ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ يكون اسماً ومصدراً، وقد تقدَّم في ((النساء)) بيانه (١). قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَانٍ﴾ قرأ أبو عمرو: ((إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانٍ))(٢). ورُويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة(٣)، وكذلك قرأ الحسنُ وسعيد بن جُبير وإبراهيم النَّخَعيّ وغيرهم من التابعين، ومن القُرَّاء عيسى بن عمر وعاصم الجَحدَرِيّ، فيما ذكر النحاس(٤). وهذه القراءة موافقةٌ للإِعراب مخالفةٌ للمصحف(٥). وقرأ الزُّهريُّ والخليل بن أحمد والمفضَّل وأَبان وابن مُحيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه: ((إِنْ هَذَانٍ)) - بتخفيف ((إن)) - ((لساحران))، وابن كثير يشدّد نون ((هذانٌ))(٦). وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها: ما هذان إلَّا ساحران(٧). وقرأ المدنيون والكوفيون: ((إنَّ هَذَانٍ)) - بتشديد ((إنَّ) - ((لساحران))(٨)، فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب(٩). قال النحاس(١٠): فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، ورُويَ عن عبد الله ابن مسعود أنه قرأ: ((إِنْ هذانِ إِلَّا ساحِرانٍ))(١١) وقال الكسائي في قراءة عبد الله: ((أَنْ هَذَانِ سَاحِرَانٍ)) بغير لام(١٢)، وقال الفرَّاء في حرف أُبيّ: ((إِنْ ذَانٍ إِلَّا (١) ١٢٤/٧ - ١٢٥ . (٢) السبعة ص٤١٩، والتيسير ص١٥١. (٣) زاد المسير ٢٩٧/٥، وتفسير الرازي ٢٢/ ٧٤ . (٤) في إعراب القرآن ٤٣/٣ . (٥) النكت والعيون ٣/ ٤١٠، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ١٠٠/٢. (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٣/٣، وقراءة ابن كثير وحفص في السبعة ص٤١٩، والتيسير ص١٥١ . (٧) النكت والعيون ٣/ ٤١٠ . (٨) السبعة ص٤١٩، والتيسير ص١٥١، والنشر ٣٢١/٢. (٩) النكت والعيون ٤١٠/٣. (١٠) في إعراب القرآن ٤٣/٣. (١١) نسبها الزجاج في معاني القرآن ٣٦١/٣ لأُبيّ. (١٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ١٨٤/٢، والرازي في تفسيره ٧٤/٢٢. قال السمين في الدر ٦٨/٨: على أنها وما في حيِّزها بدل من ((النجوى)). ٩٠ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ سَاحِرَانٍ))(١). فهذه ثلاثُ قراءات أُخرى تُحمل على التفسير، لا أنها جائزٌ أن يُقرأ بها ؛ لمخالفتها المصحف. قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال؛ ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب ((الردّ)) له، والنحاس في إعرابه(٢)، والمهدويُّ في ((تفسيره))، وغيرهم دخلَ(٣) كلامُ بعضهم في بعض . وقد خطَّأها قومٌ حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله أن أقرأ: ((إِنَّ هَذَانٍ))(٤). وروى عروةُ عن عائشة رضي الله عنها أنها سُئلت عن قوله تعالى: ﴿لَّيكِنِ الرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢]، ثم قال: ﴿وَأْقِيمِينَ﴾ [النساء: ١٦٢] وفي ((المائدة)): ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] و﴿إِنَّ هَذَانٍ لَسَاحِرانٍ﴾ فقالت: يا ابن أختي، هذا خطأً من الكاتب. وقال عثمان بن عفان ﴾: في المصحف لحنٌ، وستقيمه العرب بألسنتهم(٥). وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمانَ بن عفان، فقال: لحنٌ وخطأ، فقال له قائل: ألا تُغيِّروه؟ فقال: دَعُوه، فإنه لا يُحرِّم حلالاً ولا يُحلِّل حراماً(٦). القول الأول من الأقوال الستة أنها لغة بني الحرث بن كعب وزَبيد وخَثْعم وكنانة ابن زيد؛ يجعلون رفعَ الاثنين ونصبَه وخفضَه بالألف، يقولون: جاء الزيدان، ورأيتُ (١) معاني القرآن للفراء ١٨٤/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٨ لابن مسعود ﴾. (٢) ٤٤/٣ - ٤٦ . (٣) في (م): أدخل. (٤) زاد المسير ٥/ ٢٩٧، وتفسير الرازي ٢٢/ ٧٤. (٥) معاني القرآن للفراء ١٨٣/٢، وتفسير الرازي ٧٤/٢٢. وسلف حديث عائشة ٢١٩/٧، ونقل المصنف ثمة عن القشيري قوله: هذا المسلك باطل، لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوةً في اللغة، فلا يُظنُّ بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل. وينظر ما نقلناه عن الباقلاني في الردِّ على مثل هذه الأخبار. (٦) لم نقف عليه. ٩١ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ الزيدان، ومررت بالزيدان، ومنه قوله تعالى: ((ولا أذْرَأُتُكم به)) (١) [يونس: ١٦] على ما تقدم. وأنشد الفرَّاء (٢) لرجلٍ من بني أسد، قال: وما رأيتُ أفصحَ منه: فأطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَى مَساغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا(٣) ويقولون: گسرتُ يداه ورکِیتُ عَلَاه؛ بمعنى: یدیه وعليه؛ قال شاعرهم: دعته إلى هابي التُّرابِ عَقِيم(٤) تَزوَّدَ مِنّا بين أُذْنَاهُ ضَرْبةٌ وقال آخر: طَارُوا عَلَاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا (٥) أي: عليهنّ، وعليها. وقال آخر: قد بَلَغَا في المجدِ غايتاها(٦) إِنَّ أَباهَا وَأَبَا أباهَا أي: إنَّ أبا أبيها وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس(٧): وهذا القولُ من أحسن ما (١) هي قراءة الحسن، وأصلُها: ((ولا أدْرَيْتُكُم)) أُبدلت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها، على لغة بني الحارث بن کعب كما سلف ١٠/ ٤٦٧ - ٤٦٨ . (٢) في معاني القرآن ١٨٤/٢، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٥/٣. (٣) الضبعي، وهو في الأصمعيات ص٢٤٦، والشعر والشعراء ١/ ١٨٠، ومختارات ابن الشجري ص٢٩ ، وعند الأصمعي وابن الشجري: لنابيه. والشجاع: ضرب من الحيات، وصمَّمَّ، أي: عضَّ ونيَّب فلم يرسل ما عضَّ. الصحاح (شجع) و(صمم). (٤) البيت لهوبر الحارثي، وهو في رسالة الصاهل والشاحج لأبي العلاء المعري ص٨٣ ، والمحرر الوجيز ٥٠/٣، وتفسير الرازي ٧٦/٢٢. والهابي: تراب القبر. القاموس (هبو). (٥) الرجز لبعض أهل اليمن كما في نوادر أبي زيد ص٥٨ ، وفيه: طاروا عليهن فَشُل علاها أيُّ قلوص راكبٍ تراها واشدد بمثْنّي حَقَب حقواها ناجيةً وناجياً أباها وأورده بلفظ المصنف الرازي في تفسيره ٧٥/٢٢ . (٦) الرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص ٢٢٧ . (٧) في إعراب القرآن ٤٦/٣ . ٩٢ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ حُملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغةُ معروفةً، وقد حكاها من يُرتضى بعلمه وأمانته، منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه: حدَّثني مَن أَثِقُ به فإنما يعنيني، وأبو الخطّاب الأخفش، وهو رئيسٌ من رؤساء اللغة، والكسائي والفرَّاء(١) كلهم قالوا هذا على لغة بني الحرث بن كعب. وحكى أبو عُبيدة(٢) عن أبي الخطّاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدويُّ: وحكى غيره أنها لغةٌ لخثعم (٣). قال النحاس(٤): ومن أبين ما في هذا قولُ سيبويه: واعلم أنك إذا ثنَّيتَ الواحد زِدْتَ عليه زائدتين، الأُولى منهما حرف مدّ ولين، وهو حرف الإعراب، قال أبو جعفر: فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يُوجب أن الأصلَ ألَّ يتغيَّر، فيكون ((إِنَّ هَذَانٍ)) جاء على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، ولم يقل: استحاذ؛ فجاء هذا ليدلَّ على الأصل، وكذلك ((إِنَّ هَذَانٍ))، ولا يُفكّر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذا كان الأئمة قد رَوَوْها. القول الثاني: أن يكون ((إنَّ)) بمعنى ((نعم))، كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب تأتي بـ((إِنَّ) بمعنى ((نعم))، وحكى سيبويه أن ((إنَّ)) تأتي بمعنى ((أَجَلْ))، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان. قال النحاس: ورأيتُ أبا إسحاق الزجَّاج وعليَّ بن سليمان يذهبان إليه(٥). الزمخشري(٦): وقد أُعجِب به أبو إسحاق. النحاس(٧): وحدَّثنا عليّ بن سليمان، قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد (١) في معاني القرآن ١٨٤/٢. (٢) في مجاز القرآن ٢/ ٢١ . (٣) ذكره الرازي في تفسيره ٢٢/ ٧٥ عن قطرب. (٤) في إعراب القرآن ٤٦/٣ - ٤٧ . (٥) معاني القرآن للزجاج، وإعراب القرآن للنحاس ٤٤/٣ . (٦) الكشاف ٢/ ٥٤٣ . (٧) في إعراب القرآن ٣/ ٤٤ . ٩٣ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ السلام النيسابوريّ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد فحدَّثني، قال: حدَّثني عُمير بن المتوكل، قال: حدَّثنا محمد بن موسى النَّوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب، قال: حدثنا عمرو(١) بن جُميع الكوفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليٍّ - وهو ابن الحسين - عن أبيه، عن عليٍّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا أُحصي كم سمعتُ رسولَ الله ﴾ يقول على منبره: ((إنَّ الحمدُ لله نحمده ونستعينه))(٢) ثم يقول: ((أنا أفصحُ قريش كلِّها وأفصحُها بعدي أبانُ بن سعيد بن العاص))(٣). قال أبو محمد الخفاف(٤): قال عُمير: إعرابُه عند أهل العربية والنحو: ((إنَّ الحمدَ لله)) بالنصب؛ إلا أن العربَ تجعل ((إنَّ)) في معنى نعم، كأنه أراد ﴾: نعم، الحمدُ لله؛ وذلك أن خُطباء الجاهلية كانت تفتتح خُطَبها بنعم. وقال الشاعر في معنی نعم: قالوا غَدَرْتَ فقلتُ إنَّ وربَّمَا نَالَ العُلَا وشَفَى الغَليلَ الغادِرُ(٥) وقال عبد الله بن قيس الرُّقِيَّات: بَكَرَ العواذلُ في الصَّبا حِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ (١) في (م): عمر، وهو خطأ، وعمرو بن جميع كذَّبه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: يتهم بالوضع. ميزان الاعتدال ٢٥١/٣ . (٢) لم نقف عليه عند غير النحاس، وأورد ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ٥٠ المرفوع منه. (٣) لم نقف عليه، وقوله منه: ((أنا أفصح قريش كلها)) قال السيوطي في مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ص٥٢ : أورده أصحاب الغريب، ولا يُعرف له إسناد. وأبان بن سعيد بن العاص: قرشيٍّ أُموي، شهد بدراً مشركاً، وأسلم أيام خيبر، وشهدها مع النبي #، ومات النبي # وأبان على البحرين. وقتل في أجنادين سنة ثلاث عشرة، وقيل غير ذلك. الإصابة ١/ ١٥ - ١٧، وينظر فتح الباري ١٩/٩. (٤) هو عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوري السالف ذكره في إسناد النحاس. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٤/٣، والبيت في أمالي ابن الشجري ٢/ ٤٢، وشرح المفصل لابن يعيش ١٣٠/٣، وخزانة الأدب ٢١٥/١١ . ٩٤ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ ويَقلْنَ شيبٌ قدعَلَا كَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إِنَّهْ (١) فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانٍ﴾ بمعنی نعم، ولا تنصب. قال النحاس(٢): أنشدني داود بن الهيثم(٣)، قال: أنشدني ثعلب: ليت شعري هل للمحبِّ شفاءٌ من جَوَى حُبِّهِنَّ إِنَّ اللقاءُ قال النحاس(٤): وهذا قول حسن؛ إلّا أن فيه شيئاً؛ لأنه إنما يقال: نعم زيدٌ خارج، ولا تكاد تقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلَّموا في ذلك فقالوا: اللام يُنوَى بها التقدیم، كما قال: يَنْلِ العَلَاءِ ويَكرُمِ الأَخوالَا(٥) خالي لأنتَ ومَنْ جريرٌ خالُه. آخر : تَرْضَى من الشَّاةِ بعَظْمِ الرَّقَبَهُ (٦) أمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَيَهْ أي: لَخالي، ولَأُمّ الحُليس، وقال الزجَّاج(٧): والمعنى في الآية: إنَّ هذان لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو عليّ(٨) وأبو الفتح بن جنيّ(٩). قال (١) ديوان عبيد الله (ويقال: عبد الله) بن قيس الرُّقيات ص٦٦، والبيت الأول فيه: · يَلحينني وأَلُومِهَّة بَكِّرَتْ عليَّ عواذلي (٢) في إعراب القرآن ٣/ ٤٥، وما قبله منه. (٣) أبو سعد التنوخي الأنباري، النحوي، اللغوي، أخذ الأدب عن ثعلب. توفي سنة (٣١٦ هـ). السير ٤٨٣/١٤ . (٤) في إعراب القرآن ٤٦/٣ . (٥) هو في خزانة الأدب ٣٢٣/١٠ . (٦) ذكره البغدادي في خزانة الأدب ٣٢٢/١٠، وقال: قال العيني: قائله رؤبة بن العجاج، ونسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش، وهو الصحيح. اهـ والشهربة: العجوز الكبيرة. (٧) في معاني القرآن له ٣٦٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٦/٣ . (٨) الحجة ٢٣٠/٥ . (٩) في سر صناعة الإعراب ٣٨٠/١ . ٩٥ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ أبو الفتح: ((هما)) المحذوف لم يُحذَف إلا بعد أن عُرِف، وإذا كان معروفاً فقد استُغني بمعرفته عن تأكيده باللام، ويَقْبُحُ أن يُحذفَ المؤگَّد ويُتركَ المؤكّد. القول الثالث: قاله الفرَّاء أيضاً (١): وجدت الألف دعامةً ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت: ((الذي))، ثم زدت عليه نوناً فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك. القول الرابع: قاله بعضُ الكوفيين، قال: الألف في ((هذان)» مُشبهة بالألف في يفعلان، فلم تغير (٢). القول الخامس: قال أبو إسحاق(٣): النحويون القدماء يقولون: الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنه هذان لساحران. قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب ((إنَّ)، و((هذان)) خبر ((إنَّ))، و((ساحران)) يرفعها ((هما)» المُضمر، [والتقدير:](٤) إنه هذان لهما ساحران. والأشبهُ عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم ((إن))، و((هذان)) رفع بالابتداء، وما بعده خبر الابتداء(٥). القول السادس: قال أبو جعفر النحاس(٦): وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال: إنْ شئتَ أجبتك بجواب النحويين، وإنْ شئت أجبتك بقولي؛ (١) في معاني القرآن له ١٨٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٥/٣ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٦/٣ . (٣) هو الزجَّاج، وكلامه في كتابه معاني القرآن ٣٦٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٦/٣ . (٤) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق. (٥) يعني والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر لـ ((إنَّ) وقد ضُعَّفَ هذا القول - فيما ذكره السمين في الدر ٨/ ٦٧ - بأن حذف اسم إن غير جائز إلا في الشعر، وبأن اللام دخلت في الخبر. (٦) في إعراب القرآن ٤٦/٣. ٩٦ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ فقلت: بقولك، فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القولُ عندي أنه لما كان يقال: ((هذا)) في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألَّا يغير لها الواحد، أُجريت التثنية مُجرى الواحدة. فقال: ما أحسنَ هذا لو تقدَّمكَ أحدٌ بالقول به حتى يؤنس به! قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي(١) به حتی یؤنس به؛ فتبسَّم. قوله تعالى: ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَبَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُلَ﴾ هذا من قول فِرعون للسحرة (٢)، أي: غرضُهما إفسادُ دينكم الذي أنتم عليه، كما قال فرعون: ﴿إِنّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اُلْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. ويقال: فلانٌ حسنُ الطريقة، أي: حسنُ المذهب. وقيل: طريقةُ القوم أفضلُ القوم(٣)، وهذا الذي ينبغي أن يسلكُوا طريقته ويقتدوا به، فالمعنى: ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم؛ استمالةً لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثلُ وإن كانوا خَوَلاً لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. أو يذهبا بأهل طريقتكم، فحذف المضاف(٤). و ((المُثلى)) تأنيث الأمثل، كما يقال: الأفضل والفُضلى. وأنَّثَ الطريقة على اللفظ، وإنْ كان يُراد بها الرجال. ويجوز أن يكون التأنيثُ على الجماعة(٥). وقال الكسائي: ((بطريقتكم)): بسنتكم وسَمْتكم. و((المثلى)) نعتٌ، كقولك: امرأة کبری. تقول العرب: فلان على الطريقة المُثلى، يعنون: على الهَذْي المستقيم(٦). (١) يعني: القاضي إسماعيل بن إسحاق. (٢) النكت والعيون ٣/ ٤١١ . (٣) في (م): القول، وهو خطأ. (٤) الكلام بنحوه في تفسير الطبري ١٠٢/١٦ - ١٠٤، والنكت والعيون ٤١١/٣ - ٤١٢، وتفسير البغوي ٢٢٣/٣ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٧/٣. (٦) تفسير البغوي ٣/ ٢٢٣. ٩٧ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ قوله تعالى: ﴿فَجِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ الإجماع: الإحكام والعزم على الشيء. تقول: أجمعتُ الخروجَ وعلى الخروج، أي: عزمتُ(١). وقراءة كل الأمصار: ((فَأَجْمِعُوا)) إلَّا أبا عمرو، فإنه قرأ: ((فَاجْمَعُوا))، بالوصل وفتح الميم(٢)، واحتجَّ بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَمُ ثُمَّ أَنَ﴾ [طه: ٦٠]. قال النحاس(٣): وفيما حُكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثرُ الناس. قال: لأنه احتجَّ بـ ((جمع)). وقولُه عزَّ وجلَّ: ((فَجمَعَ كيدَه)) قد ثبتَ(٤)، فيبعد أن يكون بعده: ((فَاجْمَعُوا))، ويقربُ أن يكون بعده: ((فَأَجْمِعُوا)) أي: اِعْزِموا وجِدُّوا، ولمَّا تقدَّم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه. يقال: أمر مُجْمَعٌ ومُجمعٌ عليه. قال النحاس(٥): وتصحيح(٦) قراءة أبي عمرو: ((فَاجْمَعُوا))، أي: اجمعوا كلَّ كيدٍ لكم وكلَّ حيلة، فضُمُّوه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق(٧). الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، تقول: أجمعتُ الشيء وجمعتُه، بمعنى واحد(٨). وفي ((الصحاح)): وأجمعت الشيء: جعلته جميعاً، قال أبو ذُؤيب يَصِفُ حُمُراً: وأولاتٍ ذِي العَرْجاءِ نَهْبٌ مُجمَعُ(٩) فكأنّها بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ (١) معاني القرآن للفراء ١٨٥/٢. (٢) السبعة ص٤١٩، والتيسير ص١٥٢ . (٣) في إعراب القرآن ٣/ ٤٧، وما قبله منه. (٤) بعدها في (م): هذا. (٥) في إعراب القرآن ٣/ ٤٧ . (٦) في (م) و(د): ويصحح. والمثبت موافق لإعراب القرآن للنحاس. (٧) في معاني القرآن ٣/ ٣٦٥ . (٨) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ٢٢٣/٣ . (٩) الصحاح (جمع)، والبيت في ديوان الهذليين ص٦ ضمن قصيدة يرثي بها الشاعر أولاده الخمسة . = ٩٨ سورة طه: الآيات ٦٢ - ٦٤ أي: مجموع . والثاني: أنه بمعنى العزم والإحكام، قال الشاعر: يا ليت شِعرِي والمُنَى لا تَنْفعُ هل أغدُوَنْ يوماً وأمرِي مُجمَعُ(١) أي: مُحگم . ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّ﴾ قال مقاتل والكلبي: جميعاً. وقيل: صفوفاً؛ ليكون أشدَّ لهيبتكم(٢). وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عُبيدة(٣)، قال: يقال: أتيتُ الصَّفَّ، يعني المُصلَّى، فالمعنى عنده: ائتوا الموضعَ الذي تجتمعون فيه يومَ (٤) العيد (٤). وحُكيَ عن بعض فصحاء العرب(٥): ما قدرتُ أن آتيَ الصَّفَّ، يعني المصلَّى. وقال الزجَّاج(٦): يجوز أن يكون المعنى: ثم ائتوا والناس مُصطفُّون، فيكون على هذا مصدراً في موضع الحال. ولذلك لم يُجمع. وقُرئ: (ثُمِّ انْتُوا)) بكسر الميم وياء(٧). ومن ترك الهمز أبدل من الهمزة ألفاً (٨). ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَّوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي: من غلب. وهذا كلَّه من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل: من قول فرعون لهم(٩). = ونبايع: اسم مكان أو جبل في ديار هذيل، وروي بتقديم الياء (يُنابع). وأولات ذي العرجاء: مواضع نسبها إلى مكان فيه أكمة عرجاء. معجم البلدان ٢٥٧/٥ و٩٨/٤ . (١) معاني القرآن للفراء ١٨٥/٢، وسلف البيت ٢٢/١١ . (٢) تفسير البغوي ٢٢٣/٣. (٣) في مجاز القرآن ٢٣/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣/ ٤٧. (٤) وهذا قول الزجاج أيضاً في معاني القرآن له ٣٦٥/٣ . (٥) هو أبو العرب الكُليبي، كما في مجاز القرآن ٢٣/٢ . (٦) في معاني القرآن ٣٦٥/٣ . (٧) نسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١/٤ لابن كثير في رواية شبل (وهي غير المشهورة عن ابن كثير). قال ابن مجاهد في السبعة ص ٤٢٠ : وهذا غلط، ولا وجه لكسرها. (٨) الحجة لأبي علي الفارسي ٢٣٤/٥ . (٩) النكت والعيون ٤١١/٣ - ٤١٢ . ٩٩ سورة طه: الآيات ٦٥ -٧١ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٥) قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِتُّهُمْ بُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى (١) فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى (٣٧) قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٣٨) وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَهُوَاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى ( فَأَلْفِى السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالْوَأْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى (٨٥) قَالَ ءَمَنْتُمْ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَُّ لَكَبِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَّكُمُ السَّخْرِّ فَلَأُ قَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَبُّنَاَ أَشَدُ عَذَابًا وَأَبْقَى قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى﴾ يريد السحرة. ﴿إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ﴾ عصاك من يدك ﴿وَإِّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ تأدَّبوا مع موسى، فكان ذلك سبب إيمانهم(١). ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا ◌ِجَالَهُمْ﴾ في الكلام حذف، أي: فألقوا، دلَّ عليه المعنى(٢). وقرأ الحسن: ﴿وَعُصِيُّهُمْ﴾ بضم العين(٣). قال هارون القارئ: لغة بني تميم ((وعُصِيُّهُمْ))، وبها يأخذ الحسن(٤). الباقون بالكسر إتباعاً لكسرة الصاد. ونحوه: دُلِيّ ودِلِيّ وقُسِيّ وقِسِيّ(٥). ﴿يُغَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان ورَوْح عن يعقوب: ((تُخَيَّلُ)) بالتاء(٦)، وردّوه إلى العِصِيّ والحبال؛ إذ هي مؤنثة. وذلك أنهم لطخوا العِصِيّ بالزئبق، فلمّا أصابها حرّ الشمس ارتهشت واهتزّت(٧). قال الكلبي: (١) تفسير الرازي ٢٢/ ٨١ . (٢) تفسير البغوي ٢٢٤/٣ . (٣) القراءات الشاذة ص٨٨، ونسبها لعيسى. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٨/٣ . (٥) تفسير الرازي ٨٣/٢٢. (٦) قراءة ابن ذكوان (وهو راوي ابن عامر) وقراءة رَوْح عن يعقوب في التيسير ص١٥٢، والنشر ٣٢١/٢. (٧) تفسير البغوي ٢٢٤/٣ . ١٠٠ سورة طه: الآيات ٦٥ - ٧١ خُيّل إلى موسى أن الأرض حيّات، وأنها تسعى على بطنها(١). وقُرئ: (تَخَيَّل)) بمعنى تتخيل، وطريقُه طريق (تُخَيَّلُ))(٢)، ومن قرأ: ((يُخَيَّلُ)) بالياء ردَّه إلى الكيد(٣). وقرئ: ((نُخَيِّل)) بالنون؛ على أن الله هو المُخيِّل، للمحنة والابتلاء(٤). وقيل: الفاعل ((أَنَّهَا تَسْعَى))، فـ ((أنَّ)) في موضع رفع، أي: يخيَّل إليه سعيُها، قاله الزجَّاج(٥). وزعم الفرَّاء(٦) أن موضعها موضع نصب؛ أي: بأنها، ثم حذف الباء. والمعنى في الوجه الأوّل: تشبّه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظنَّ أنها تسعى. وقال الزجَّاج(٧): ومن قرأ بالتاء جعل ((أنَّ)) في موضع نصب، أي: تُخَيَّل إليه ذاتَ سعي. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفعٍ بدلاً من الضمير في ((تُخيَّل))، وهو عائد على الحبال والعِصِيّ، والبدل فيه بدل اشتمال. و((تسعى)) معناه: تمشي. قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، ◌ِفَةٌ مُوسَى﴾ أي: أضمر. وقيل: وَجَدَ. وقيل: أحسَّ، أي: من الحيّات، وذلك على ما يعرض من طباع البشر على ما تقدَّم(٨). وقيل: خاف أن يفتتنَ الناسُ قبل أن يُلقيَ عصاه. وقيل: خاف حين أبطأ عليه الوحي بإلقاء العصا أن يفترق الناسُ قبل ذلك فيفتنوا (٩). وقال بعض أهل الحقائق: إنما كان السبب أن موسى عليه السلام لمّا التقى (١) الوسيط للواحدي ٢١٤/٣ . (٢) نسبها السمين في الدر المصون ٧٣/٨ لأبي السمَّال. (٣) تفسير البغوي ٢٢٤/٣ . (٤) الكشاف ٢/ ٥٤٤ ، ونسبها أبو حيان في البحر ٢٥٩/٦ لأبي حيوة. (٥) في معاني القرآن له ٣٦٦/٣ . (٦) في معاني القرآن له ١٨٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٨/٣. (٧) في معاني القرآن ٣٦٦/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس. (٨) ص٦٧ -٦٨ من هذا الجزء. (٩) إعراب القرآن للنحاس ٤٨/٣، وتفسير الرازي ٨٤/٢٢ .