النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَؤُاْ عَلَيْهَا قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرَى فیه خمسُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ قيل: كان هذا الخطابُ من الله تعالى لموسى وحياً؛ لأنه قال: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [الآية: ١٣]. ولا بدَّ للنبيِّ في نفسه من معجزة يَعلم بها صحَّةَ نبوّةِ نفسِه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أَراه لذلك. ويجوز أن يكون ما أراه في الشجرة آيةً كافيةً له في نفسه، ثم تكون اليدُ والعصا زيادةً توكيد، وبرهاناً يلقى به قومه. واختلف في قوله: ((وَمَا تِلْكَ))(١)، فقال الزجَّاج والفرَّاء(٢): هي(٣) اسمُ ناقص وُصلت بـ ((يمينك))، أي: ما التي بيمينك؟ وقال أيضاً(٤): ((تلك)) بمعنى هذه. ولو قال: ما ذلك، لجاز، أي: ما ذلك الشيء. ومقصود السؤال تقريرُ الأمر حتى يقولَ موسى: هي عصاي؛ لِيُثبتَ الحُجَّةَ عليه بعد ما اعترف، وإلَّا فقد علم اللهُ ما هي في الأزل(٥). قال ابن الجوهري(٦): وفي بعض الآثار: إنَّ الله تعالى عَتَبَ على موسى إضافةً العصا إلى نفسه في ذلك الموطن، فقيل له: أَلْقِها لِترى منها العَجَب، فتعلمَ أنه لا مِلكَ لك عليها، ولا تُضافُ إليك. (١) في (د) و(م): واختلف في ((ما)) في قوله: ((وما تلك))، وفي (خ) و(ز): واختلف في قوله في تلك في قوله: ((وما تلك)» والمثبت من (ظ) و(ف). (٢) معاني القرآن للفراء ١٧٧/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٣٥٣/٣ - ٣٥٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦/٣. (٣) يعني: تلك. (٤) هو الفراء. (٥) الكلام بنحوه في معاني القرآن للزجاج ٣٥٤/٣ . (٦) هو أبو الفضل الجوهري، وكلامه في المحرر الوجيز ٤١/٤ . ٤٢ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ وقرأ ابن أبي إسحاق: ((عَصَيَّ)) على لغة هُذيل(١)؛ ومثلُه: ((يا بُشْرَيَّ)) و((مَحْيِيَّ)) وقد تقدَّم (٢). وقرأ الحسن: ((عَصَاي)) بكسر الياء؛ لالتقاء الساكنين. ومثلُ هذا قراءةُ حمزة: ﴿وَمَا أَنْتُم بِمصْرِخِيٍّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وعن ابن أبي إسحاق سكونُ الياء(٣). الثانية: في هذه الآية دليلٌ على جواب السؤال بأكثرَ مما سُئل؛ لأنه لمَّا قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾ ذكر معانيَ أربعةٌ، وهي: إضافةُ العصا إليه - وكان حقُّه أن يقول: عصا - والتوُّؤُ، والهَشُّ، والمآربُ المُطلَقة (٤). فذكر موسى من منافع عصاه عُظْمَها وجمهورَها، وأجملَ سائرَ ذلك(٥). وفي الحديث: سُئل النبيُّ# عن ماء البحر فقال: ((هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيتتُه))(٦). وسألته امرأةٌ عن الصغير حين رفعته إليه فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ((نعم، ولكِ أجرٌ))(٧). ومثلُه في الحديث کثیر. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَتَوَكَّؤْأْ عَلَيْهَا﴾ أي: أَتحامَلُ عليها في المشي والوقوف، ومنه الاتِّكاء. ﴿وَأَهُ بِهَا﴾ ((وأَهِشُّ)) أيضاً؛ ذكره النحاس(٨). وهي قراءة النَّخَعي(٩)، أي: أَخِطِ بها الورق، أي: أَضرِبُ أغصانَ الشجر ليسقطَ ورقُها، فيسهلَ على غنمي تناولُه، فتأكله. قال الراجز: (١) القراءات الشاذة ص ٨٧، ومعاني القرآن للزجاج ٣٥٤/٣، والمحرر الوجيز ٤١/٤ . (٢) ٢٩٢/١١ - ٢٩٣ و١٣٩/٩. (٣) قراءة حمزة في السبعة ص٣٦٢، والتيسير ص١٣٤، وقراءة الحسن وقراءة ابن أبي إسحاق في المحتسب ٤٨/٢ - ٤٩ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٤٧ . (٥) المحرر الوجيز ٤/ ٤١ . (٦) سلف ٢١٢/٨. (٧) أخرجه أحمد (٢١٨٧)، ومسلم (١٣٣٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٨) في إعراب القرآن ٣٦/٣ . (٩) المحتسب ٥٠/٢ . ٤٣ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ من ناعم الأَراك والبّشَامِ(١) أَهُشُّ بالعصا على أَغْنامي يقال: هَشَّ على غنمه يَهُشُّ، بضمِّ الهاء في المستقبل. وهشَّ إلى الرجل يَهَشّ، بالفتح. وكذلك هشَّ للمعروف يَهَشُّ، وهَشِشتُ أنا. وفي حديث عمر: هَشِشْتُ يوماً، فقبَّلتُ وأنا صائم(٢). قال شَمِر: أي: فرحتُ واشتهيتُ. قال: ويجوز: هَاشَ بمعنى: هَشَّ(٣). قال الراعي: فكبَّرَ للرؤيا وهاشَ فؤادُهُ وبشَر نفساً كان قبلُ يلومُها(٤) أي: طَرِب. والأصل في الكلمة: الرّخاوة. يقال: رجلٌ هَشرٌّ، وجوز هَشِّ (٥). وقرأ عكرمة: ((وأَهُسُّ)) بالسِّين غير معجمة(٦)، قيل: هما لغتان بمعنّى واحد. وقيل: معناهما مختلف؛ فالهشُّ بالإعجام: خَبْطُ الشجر، والهسُّ بغير إعجام: زَجْر الغنم؛ ذكره الماوردي(٧) وكذلك ذكر الزمخشري(٨). وعن عكرمة: ((وأَهُشُّ)) بالشين(٩)، أي: أنحني(١٠) عليها زاجراً لها. والهَسُّ (١١): زَجْر الغنم. (١) مجاز القرآن ١٧/٢، وتفسير الطبري ٤٣/١٦، والنكت والعيون ٣٩٩/٣. والبشام: شجر عَطِر الرائحة، ورقه يُسوِّد الشَّعر، ويُستاك بقُضُبه. القاموس (بشم). (٢) أخرجه أحمد (١٣٨)، وأبو داود (٢٣٨٥)، والنسائي (٣٠٣٦). (٣) نقله عنه في اللسان (هشش). (٤) ديوان الراعي ص٢٥٩ . (٥) في (م): وزوج هش. (٦) القراءات الشاذة ص ٨٧، والمحتسب ٥٠/٢ . (٧) في النكت والعيون ٣٩٩/٣ . (٨) في الكشاف ٢/ ٥٣٣ . (٩) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): وأهس بالسين، والمثبت من (د)، وكذا قيَّدها السمين الحلبي في الدر المصون ٢٥/٨ : بضم الهاء وتخفيف الشين. ثم قال: ولا أعرف لها وجهاً إلا أن يكون قد استثقل التضعيف مع تفشي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة. (١٠) في (د): امحى عنها، وفي (م): أنحى عليها. (١١) في (د) و(ظ): والهش. ٤٤ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيَهَا مَشَارِبُ أُخْرَى﴾ أي: حوائجُ. واحدها: مَأْرُبة ومَأْرَبة ومَأْرِبة. وقال: ((أُخرى)) على صيغة الواحد؛ لأنَّ ((مآرب)) في معنى الجماعة، لكن المَهْيَعِ (١) في توابع جمع ما لا يَعقِل الإفرادُ، والكنايةُ عنه بذلك، فإنَّ ذلك يجري مَجرى الواحدةِ المؤنثة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَِّ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَأَدْعُوهُ بِّ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكقوله: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]، وقد تقدَّم هذا في ((الأعراف))(٢). الخامسة: تعرَّض قومٌ لتعديد منافع العصا، منهم ابنُ عباس، قال: إذا انتهيتُ إلى رأس بئرٍ فَقَصُر الرِّشاءُ؛ وصلتُه بالعصا، وإذا أصابني حرُّ الشمس؛ غرزتُها في الأرض وألقيتُ عليها ما يُظِلُّني، وإذا خِفتُ شيئاً من هوامِ الأرض؛ قتلتُه بها، وإذا مشيتُ؛ أَلقيتُها على عاتقي، وعلَّقت عليها القوسَ والكِنانة والمِخْلاة، وأُقاتل بها السِّباعَ عن الغنم(٣). وروى عنه ميمون بنُ مِهْران قال: إمساك العصا سُنَّةٌ للأنبياء، وعلامةٌ للمؤمن. وقال الحسن البصري: فيها سِتُّ خِصال: سنةُ الأنبياء(٤)، وزينةُ الصُّلَحاء، وسلاحٌ على الأعداء، وعونٌ للضعفاء، وغمٌّ للمنافقين، وزيادة في الطاعات. ويقال: إذا كان مع المؤمن العصا يهربُ منه الشيطان، ويخشعُ منه المنافقُ والفاجر، وتكون قِبلتَه إذا صلَّى، وقوَّةً إذا أعيا. ولقي الحَجَّاجُ أعرابيًّا فقال: مِن أين أقبلت يا أَعرابي؟ قال: من البادية. قال: وما في يدك؟ قال: عصايَ، أَرْكُزها لِصَلاتي، وأُعِدُّها لعِداتي، وأسوق بها دابَّتي، وأَقوى بها على سفري، وأعتمدُ بها في مشيتي لتتَّسعَ خُطوتي، وأَثِبُ بها النهر، (١) المهيع: الطريق البيّن. القاموس (هيع). (٢) ٩/ ٣٩٣. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٢١٥، وتفسير الرازي ٢٧/٢٢ بنحوه. (٤) في (م): للأنبياء. ٤٥ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ وتُؤمِنُني من العَثْر، وأُلقي عليها كِسائي فيقيني الحرّ، ويُدفئني من القُرّ، وتُدني إليَّ ما بَعُد مني، وهي مَحْمِل سُفرتي، وعِلَاقة إداوتي؛ أَعصِي بها (١) عند الضِّراب، وأَقرعُ بها الأبواب، وأتَّقي بها عَقورَ الكلاب، وتنوب عن الرُّمح في الطّعان، وعن السَّيف عند منازلة الأقران، وَرِثْتُها عن أبي، وأُورثها بعدي ابني، وأَهشُّ بها على غنمي، ولي فيها مآربُ أخرى كثيرةٌ لا تُحصى. قلت: منافع العصا كثيرة، ولها مدخلٌ في مواضعَ من الشريعة: منها أنها تُتَّخذ قِبلةً في الصحراء. وقد كان للنبيِّ عليه الصلاة والسلام عَنَزَةٌ تُركز له فيصلِّي إليها، وكان إذا خرج يومَ العيد، أَمر بالحَرْبة فتوضَعُ بين يديه، فيصلِّي إليها، وذلك ثابتٌ في الصَّحيح(٢). والحَرْبةُ والعَنَزة والنَّيْزك والآلة اسمٌ لمسمَّى واحد. وكان له مِحْجَن - وهو عصاً معوجَّةُ الطَّرَف - يشير به إلى الحَجَر إذا لم يستطع أن يقبِّلَه؛ ثابتٌ في الصحيح أيضاً(٣). وفي ((الموطأ))(٤): عن السائب بن يزيد أنه قال: أَمر عمر بنُ الخطاب ﴾ أُبيَّ بن كعب وتميماً الداريَّ أنْ يقوما للناس بإحدى عَشْرةَ ركعةً، وكان القارئ يقرأ بالمِئين، حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلَّا في فروع الفجر(٥). وفي ((الصحيحين)): أنه عليه الصلاة والسلام كان له مِخْصَرة (٦). (١) أي: أضرب بها. القاموس (عصو). (٢) صحيح البخاري (٤٩٤) (٩٧٣)، وصحيح مسلم (٥٠١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (٤٦١٤) (٥٧٣٤). والعنزة: مثل نصف الرمح، أو أكبر شيئاً، وفيها سنان مثل سنان الرمح. النهاية (عنز). (٣) صحيح البخاري (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (١٨٤١). (٤) ١ / ١١٥ . (٥) في (م): بزوغ. وفروع الفجر: أوائله وأول ما يبدو ويرتفع منه. مشارق الأنوار ١٥٣/٢. (٦) صحيح البخاري (١٣٦٢)، وصحيح مسلم (٢٦٤٧) من حديث علي ﴾، وهو في مسند أحمد = ٤٦ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ والإجماع منعقدٌ على أنَّ الخطيب يخطب متوكِّئاً على سيفٍ أو عصاً، فالعصا مأخوذةٌ من أصل كريم، ومَعدِنٍ شريف، ولا يُنكرها إلَّا جاهل. وقد جمع اللهُ لموسى في عصاه مِن البراهين العِظَام، والآياتِ الجِسَام، ما آمن به السَّحَرةُ المعاندون. واتَّخذها سليمانُ لخطبته وموعظته وطولٍ صلاته. وكان ابن مسعودٍ صاحبَ عصا النبيِّ # وعَنَزِه(١)؛ وكان يخطب بالقضيب(٢)، وكفى بذلك فضلاً على شرف حالٍ العصا. وعلى ذلك الخلفاءُ وكُبَراء الخطباء، وعادةُ العرب العَرْباء الفُصَحاءِ اللُّسْنِ البُلغاءِ أَخْذُ المِخْصرةِ والعصا، والاعتمادُ عليها عند الكلام، وفي المحافل والخَطَب. وأنكرت الشُّعوبيةُ على خطباء العرب أخذَ المِخصرةِ والإشارةَ بها إلى المعاني. والشُّعوبيةُ تُبغض العرب وتفضِّل العَجم (٣). قال مالك: كان عطاء بنُّ السائب يُمسك المِخْصّرةَ يستعين بها. قال مالك: والرَّجل إذا كَبِر لم يكن مثلَ الشاب(٤)؛ يقوى بها عند قيامه. فلت: وفي مَشْيه(٥)، كما قال بعضهم: قد كنتُ أمشي على رِجلَين معتمداً فصرتُ أمشي على أخرى من الخشَبِ(٦) = (١٠٦٧). والمخصرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه، من عصاً، أو عكازة، أو قضيب، وقد يتكئ علیه. النهاية (خصر). (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ١٥٣ عن القاسم بن عبد الرحمن بنحوه. (٢) أخرج ابن سعد ١/ ٣٧٧، وأبو الشيخ في أخلاق النبي # ص١٤٦ - ١٤٧ عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: أن النبي # كان يخطب بمِخْصَرة في يده. وأورده الهيثمي في المجمع ١٨٧/٢ وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام. اهـ . (٣) ذكر هذا الكلام العيني في عمدة القاري ٢٢٢/٢٢ . (٤) في (د) و(م): الشباب. (٥) في (د) و(م): مشيته. (٦) لم نقف عليه. ٤٧ سورة طه: الآيتان ١٧ - ١٨ قال مالك رحمه الله ورضي عنه: وقد كان الناسُ إذا جاءهم المطرُ خرجوا بالعِصِيِّ يتوكَّؤون عليها، حتى لقد كان الشبابُ يحبسون عِصِيَّهم، وربما أخذ ربيعةٌ العصا مِن بعض مَن يجلس إليه حتى يقوم. ومِن منافع العصا ضربُ الرجلِ نساءه بها فيما يُصلحهم، ويُصلح حالَه وحالَهم معه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((وأما أبو جَهْمٍ فلا يَضَعُ عصاه عن عاتقه)) في أحد التأويلات(١). وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لرجلٍ أوصاه: ((لا ترفَعْ عصاك عن أهلك، أَخِفهم في الله)). رواه عبادة بن الصامت؛ خرَّجه النَّسائي(٢). ومِن هذا المعنى قولُه ◌ُ﴾: ((علِّق سَوْطَك حيث يراه أهلُك))(٣) وقد تقدَّم هذا في (النساء)) (٤). ومن فوائدها التنبيهُ على الانتقال من هذه الدار؛ كما قيل لبعض الزُّهَّاد: ما لَكَ تمشي على عصاً، ولست بكبير ولا مريض؟ قال: إني أعلمُ أني مسافر، وأنها دارُ قُلْعة، وأنَّ العصا من آلة السفر؛ فأخذه بعضُ الشعراء فقال: حملتُ العصا لا الضَّعفُ أوجبَ حَمَلَها عليَّ ولا أني تَحتَّيتُ مِن كِبَرْ ولكنَّني ألزمتُ نفسيَ حَملَها لِأُعلِمَها أنَّ المقيمَ على سَفَر(٥) (١) في (م): في إحدى الروايات. والحديث أخرجه أحمد ومسلم، وقد سلف ٢٨٨/٦ . (٢) لم نقف عليه عند النسائي، ونسبه الهيثمي في المجمع ٢١٦/٤ للطبراني وقال: فيه سلمة بن شريح قال الذهبي: لا يعرف. وقد أخرجه أحمد (٢٢٠٧٥) من حديث معاذ* وإسناد ضعيف والطبراني في الأوسط (١٨٩٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ١٢٤/٢ ونسبه لأبي نعيم في الحلية، ورمز لضعفه. (٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٧٩٦٣)، والطبراني في الكبير (١٠٦٧٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٢٤/٢، ورمز لضعفه. (٤) ٦ / ٢٨٨ . (٥) عيون الأخبار ٣٢٣/٢، دون نسبة، ونسبهما الصفدي في الوافي ١٧٤/٥ لمحمد بن وشاح بن عبد الله أبي علي. والقُلْعة: المال العارية. الصحاح (قلع). ٤٨ سورة طه: الآيات ١٩ - ٢٣ قَالَ خُذْهَا فَأَلْقَنهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْتِهَا يَمُوسَى وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَلِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآَ مِنْ وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا اُلْأُولَى ﴾ غَيْرِ سُوءٍ ءَايَةً أُخْرَى (4) لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَى ٢٣ قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى﴾: لمَّا أراد اللهُ تعالى أن يُدرِّبَه في تلقّي النُّبوَّةِ وتكاليفها، أمره بإلقاء العصا ﴿فَأَلْقَنْهَا﴾ موسى، فقلَب الله أوصافَها وأعراضها. وكانت عصاً ذاتَ شُعبتين، فصارت الشُّعبتان لها فماً، وصارت حيَّةً تسعى، أي: تنتقل، وتمشي وتلتقم الحجارة، فلمَّا رآها موسى عليه السلام رأى عِبْرةً، فـ﴿وَلَّى مُدَبًِّ وَلَمْ يُعَقِّبَ﴾ [القصص: ٣١]، فقال الله له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾، وذلك أنه أَوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، أي: لَحِقه ما يَلحق البشر. ورويَ أنَّ موسى تناولها بكُمَّي جُبَّته، فنُهي عن ذلك، فأخذها بيده، فصارت عصاً كما كانت أوَّلَ مرة، وهي سيرتُها الأولى (١)، وإنما أظهر له هذه الآيةَ؛ لئلّا يَفزعَ منها إذا ألقاها عند فرعون. ويقال: إن العصا بعد ذلك كانت تُماشيه وتُحادثه، ويُعلِّق عليها أحمالَه، وتُضيء له الشُّعبتان بالليل كالشَّمع، وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشُّعبتان كالدَّلو، وإذا اشتهى ثمرةً ركّزها في الأرض، فأثمرت تلك الثمرة(٢). وقيل: إنها كانت مِن آس الجَنة(٣). وقيل: أتاه جبريلُ بها. وقيل: مَلَكٌ. وقيل: قال له شعيب: خُذْ عصاً من ذلك البيت، فوقعَتْ بيده تلك العصا، وكان عصا آدَمَ عليه السلامُ هبط بها من الجنة(٤). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ النخَّاس(٥): ويجوز ((حَيَّةً))، يقال: خرجتُ (١) المحرر الوجيز ٤١/٤ - ٤٢. (٢) تفسير البغوي ٢١٥/٣ بنحوه. (٣) نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٢٧٩/٥ لابن عباس رضي الله عنهما. : (٤) عرائس المجالس ١٧٧ - ١٧٩ بنحوه. (٥) في إعراب القرآن ٣٦/٣. ٤٩ سورة طه: الآيات ١٩ - ٢٣ فإذا زيدٌ جالسٌ وجالساً. والوقف: ((حَيَّه)) بالهاء. والسعي: المشي بسرعة وخِفَّة. وعن ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذَكَراً يبتلع الصَّخرَ والشَّجر، فلما رآه يبتلع كلَّ شيء خافه ونَّفَر منه. وعن بعضهم: إنما خاف منه؛ لأنه عَرَفَ ما لقي آدمُ منها. وقيل: لمَّا قال له ربُّه: ((لَا تَخَفْ)» بلغ مِن ذهاب خوفِه وطمأنينةِ نفسه أنْ أَدخل يده في فمها وأخذ بلَحْيَيها(١) .. ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ سمعتُ عليَّ بن سليمان(٢) يقول: التقدير: إلى سيرتها، مثل ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ قال: ويجوز أن يكونَ مصدراً؛ لأن معنى(٣) سنعيدها : سنسيِّرها. قوله تعالى: ﴿وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَلِكَ﴾ يجوز في غير القرآن: ضُمَّ، بفتح الميم وكسرها؛ لالتقاء الساكنين، والفتحُ أجودُ؛ لخِفَّته، والكسرُ على الأصل. ويجوز الضمُّ على الإتباع. ويَدِّ أصلها: يَدْيٌّ على فَعْل (٤)، يدلُّ على ذلك: أَيْدٍ. وتصغيرُها : يُدَيَّة. والجَناح: العَضُد؛ قاله مجاهد، وقال: ((إلى)) بمعنى تحت(٥). قُظُرُب: ((إِلَى جَنَاحِكَ)): إلى جنبك(٦)، ومنه قولُ الراجز: أَضُمُّهُ(٧) للصدرِ والجَنَاحِ (١) الكشاف ٢/ ٥٣٤ . واللَّحْي: مَنْبِتُ اللحية، وهما لحيان. الصحاح (لحي). (٢) القائل هو النحاس، وكلامه في إعراب القرآن ٣٧/٣. (٣) في النسخ الخطية: المعنى، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس. (٤) في النسخ الخطية: ويد أصلها فعل يدي، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٣، والكلام منه. (٥) تفسير مجاهد ٣٩٥/١، وأخرجه عنه الطبري ٤٩/١٦. (٦) في (خ) و(د) و(ز) و(م): جيبك، والمثبت من (ظ). (٧) في النسخ الخطية: أضمك، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في مجاز القرآن ١٨/٢، وتفسير الطبري ٤٩/١٦، والمحرر الوجيز ٤٢/٤، وزاد المسير ٢٨٠/٥ . ٥٠ سورة طه: الآيات ١٩ - ٢٣ وقيل: إلى جيبك، فعبَّر عن الجَيب(١) بالجناح؛ لأنه مائلٌ في مَحلِّ الجناح. وقيل: إلى عندك. وقال مقاتل: ((إلى)) بمعنى مع، أي: مع جناحك .. و﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير بَرَصٍ؛ نوراً ساطعاً يُضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمرٍ وأشدَّ ضوءاً؛ عن ابن عباس وغيره(٢). فخرجتْ نوراً، مخالفةٌ(٣) للونه. و((بَيْضَاءَ)) نصب على الحال، ولا تنصرف؛ لأن فيها أَلِفَي التأنيث لا يُزايلانها، فكأنَّ لزومَها(٤) عِلَّةٌ ثابتة(٥)، فلم تنصرف في النكرة، وخالَفتا(٦) الهاء؛ لأن الهاءَ تُفارق الاسم. و((مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)) ((مِن)) صِلةُ ((بيضاء)) كما تقول: ابيضَّت من غیر سوء. ﴿ءَايَةً أُخْرَى﴾ سِوى العصا. فأخرج يدَه مِن مِدْرَعةٍ له مِصريَّةٍ (٧)، لها شعاعٌ مثلُ شعاع الشمسِ يُغشي (٨) البصر. و((آيةٌ)) منصوبةٌ على البدل من ((بيضاء))؛ قاله الأخفش(٩). النحاس(١٠): وهو قولٌ حسن. وقال الزجَّاج(١١): المعنى: آتيناكَ آيةً أُخرى، أو نؤتيك؛ لأنه لمَّا قال: ﴿تَخْرُجُ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ دلَّ على أنه قد آتاه آيةً أخرى. (١) في (خ) و(ز) و(ظ) و(م): إلى جنبك، فعبّر عن الجنب .. ، والمثبت من (د). (٢) الوسيط للواحدي ٣/ ٢٠٤، وتفسير البغوي ٢١٥/٣ . (٣) في (ظ): مخالفاً. (٤) في (م): لزومهما، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣٧/٣، والكلام منه. (٥) في (ظ) و(م)، وإعراب القرآن: ثانية. (٦) في إعراب القرآن للنحاس: وخالفتها. (٧) في (د) و(ز): مضربة، ولم تجود في (ظ). (٨) في (م): يعشي. (٩) في معاني القرآن ٦٢٩/٢. (١٠) في إعراب القرآن ٣٧/٣ . (١١) في معاني القرآن ٣٥٥/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن. ٥١ سورة طه: الآيات ١٩ - ٣٥ ﴿لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَى﴾ يريد العظمى. وكان حقُّه أنْ يقول: الكبيرة، وإنما قال: ((الكبرى))؛ لوٍفاق رؤوسٍ الآي. وقيل: فيه إضمار؛ معناه: لِنُريك من آياتنا الآيةَ الكبرى؛ دليلُه قولُ ابنِ عباس: يدُ موسى أكبرُ آياته(١). ٥ ويسير قَالَ رَپّ اُشْرَحْ لِی صَدْرِى قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٦٤) يَفْقَهُواْ قَوْلِ ﴿٨َ وَأَجْعَل لِيِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِىِ لِّ أَمْرِى ® وَأَحْلُلٌ عُقْدَةً مِّن لِسَانِ ◌َ ٢٩ ٣٣ وَأَشْرِكْهُ فِّ أَمْرِ ﴿٣َ كَىْ نُبِّحَكَ كَثِيرًا هَرُونَ أَخِى ﴿ أَشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى ! وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا قوله تعالى: ﴿أَذْهَبٌ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ لَنَى﴾ لمَّا آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدلُّ على أنه رسول، أمره بالذَّهاب إلى فِرعون، وأن يدعوَه. و((طغى)) معناه: عصى وتكبِّر، وكفر وتجبّر، وجاوز الحدّ. ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِ صَدْرِى. وَبَيِّرْ لِّ أَغْرِىِ . وَأَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّن لِّسَانِىِ. يَفْقَهُواْ قَوْلِ . وَأَجْعَل لَى وَزِيرًا مِنْ أَهْلِىِ. هَرُونَ أَخِى﴾ طلب الإعانةَ لتبليغ الرسالة. ويقال: إنَّ الله أَعلمه بأنه رَبَطَ على قلب فرعونَ وأنه لا يؤمن، فقال موسى: يا ربّ، فكيف تأمرني أنْ آتِيَه وقد ربطتَ على قلبه؟ فأتاه مَلَكٌ من خُزَّان الريح فقال: يا موسى، انطلق إلى ما أمرك اللهُ به. فقال موسى عند ذلك: ﴿رَبِّ أُشْرَحْ لِیِ صَدْرِى﴾، أي: وسِّعْه، ونوِّره بالإيمان والنبؤَّة ﴿وَبَيِّرْ لِّ أَمْرِى﴾ أي: سهِّل عليَّ ما أمرتَني به من تبليغ الرسالةِ إلى فرعون(٢). ((وَاحْلُلْ عُقْدةً مِنْ لِسَانِي)) يعني العُجْمَ التي كانت فيه مِن جمرة النارِ التي ألقاها (٣) في فِيهِ وهو طفل. قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتَّة (٤). وذلك أنه كان في حِجر فرعونَ ذات يومٍ (١) تفسير البغوي ٢١٥/٣ . (٢) الوجيز للواحدي ٢/ ١٧ على هامش مراح لبيد. (٣) في (د) و(م): أطفأها. (٤) الكشاف ٥٣٥/٢، والرُّتَّة: العُجمة في الكلام. الصحاح (رتت). ٥٢ سورة طه: الآيات ٢٤ - ٣٥ وهو طفل، فلطَمه لَظْمةً، وأخذ بلحيته فنتفها، فقال فرعونُ لآسية: هذا عدوِّي، فهاتِ النَّبَّاحين، فقالت آسية: على رِسْلك، فإنه صبيٍّ لا يُفرِّق بين الأشياء. ثم أتَتْ بطَسْتين، فجعلت في أحدهما جمراً، وفي الآخر جوهراً، فأخذ جبريلُ بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرةً ووضعها في فيه على لسانه، فكانت تلك ◌ُّتَّةَ (١) وروي أنَّ يده احترقت، وأنَّ فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ. ولما دعاه قال: إلى أيِّ ربِّ تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجَزتَ عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يدُه؛ لئلا يُدخِلَها مع فرعون في قَصْعة واحدة، فتنعقدَ بينهما حُرمةُ المُؤاكلة. ثم اختُلف هل زالت تلك الرُّتَّة، فقيل: زالت؛ بدليل قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾. وقيل: لم تَزُلْ كلُّها، بدليل قولِه حكايةً عن فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينٌ﴾. ولأنه لم يقل: أحلُل كلَّ لساني، فدلَّ على أنه بقي في لسانه شيءٌ من الاستسماك. وقيل: زالت بالكُلِّية، بدليل قوله: ﴿أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ﴾، وإنما قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينُ﴾؛ لأنه عرفَ منه تلك العُقدةَ في التربية، وما ثبتَ عنده أنَّ الآفةَ زالتْ(٢). قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنه لو كان ذلك، لَمَا قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُينٌ﴾ حين كلَّمه موسى بلسانٍ ذَلقٍ فصیح. والله أعلم(٣). وقيل: إن تلك العُقدةَ حدثتْ بلسانه عند مناجاة ربِّه، حتى لا يُكلِّمَ غيرَه إلَّا بإذنه(٤). (١) أخرجه الطبري ٥٣/١٦ - ٥٤ عن سعيد بن جبير وابن أبي نجيح ومجاهد والسدي. (٢) الكشاف ٢/ ٥٣٥ . (٣) ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره ٤/ ١٣٠ أن اتهام فرعون لموسى عليه السلام بأنه لا يكاد يُبين إنما هو افتراءٌ من فرعون، حمله على ذلك الكفر والعنادُ، وليس عدم الإفصاح من موسى بسبب لثغته بالجمرة. (٤) النكت والعيون ٤٠١/٣ . ٥٣ سورة طه: الآيات ٢٤ - ٣٥ ﴿يَفْقَهُواْ قَوْلِ﴾ أي: يعلموا ما أقوله لهم ويفهموه. والفِقه في كلام العرب: الفَهم. قال أعرابيٍّ لعيسى بنِ عمر: شَهِدتُ بالفقه. تقول منه: فَقِهَ الرجل، بالكسر، وفلانٌ لا يَفْقَه ولا يَنْقَه (١)، وأفقهتُكَ الشيء، ثم خُصَّ به عِلمُ الشريعة، والعالم به فقيهٌ. وقد فَقُه - بالضم - فَقَاهة، وفَقَّهه اللهُ. وتَفقَّه: إذا تعاطى ذلك، وفاقهتُه: إذا باحثتَه في العلم؛ :(٢) قاله الجوهري والوزير: المُؤازِر، كالأكيل: المُؤاكِل؛ لأنه يحمل عن السلطان وِزْرَه، أي: ثِقْله(٣). وفي كتاب النَّسائي(٤) عن القاسم بن محمد: سمعتُ عمَّتي(٥) تقول: قال رسول الله ﴾: ((مَن وَلِيَ منكم عملاً فأراد اللهُ به خيراً، جعل له وزيراً صالحاً، إنْ نسي ذَكَّره، وإن ذَكَر أعانه)). ومِن هذا المعنى قولُه عليه الصلاة والسلام: «ما بَعَثَ اللهُ مِن نبيٍّ ولا استخلف من خليفة إلَّ وله بِطانتان(٦): بطانةٌ تأمره بالمعروف وتحصُّه عليه، وبطانةٌ تأمره بالشرِّ وتَحصُّه عليه، فالمعصومُ مَن عَصَمه الله)) رواه البخاري(٧). فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيراً، إلا أنه لم يُرِد أن يكون مقصوراً على الوزارة حتى يكون(٨) شريكاً له في النبوّة، ولولا ذلك لَجاز أنْ يستوزرَه من غير مسألة. (١) أي: لا يفهم. الصحاح (نقه). (٢) في الصحاح (فقه). (٣) الصحاح (وزر). (٤) المجتبى ١٥٩/٧، والكبرى (٧٧٧٩)، وهو عند أحمد (٢٤٤١٤)، وأبي داود (٢٩٣٢). (٥) هي السيدة عائشة رضي الله عنها. (٦) في (م): إلا كانت له بطانتان. (٧) برقم (٦٦١١) و(٧١٩٨)، وسلف ٢٧٤/٥ . (٨) في النسخ: لا يكون، والمثبت من النكت والعيون ٤٠١/٣ ، والكلام منه. ٥٤ سورة طه: الآيات ٢٤ - ٣٥ وعَيَّن فقال: ((هَارُونَ)). وانتصب على البدل مِن قوله: ((وَزِيراً)). أو يكونُ منصوباً بـ((اجعل)) على التقديم والتأخير، والتقدير: واجعل لي هارونَ أخي وزيراً(١). وكان هارونُ أكبرَ من موسى بسَنَة، وقيل: بثلاث(٢). ﴿أَشْدُدْ بِهِ: أَزْرِى﴾ أي: ظهري. والأَزْر: الظهر من موضع الحَقْوين، ومعناه: تقوى به نفسي (٣). والأزر: القوَّة، وآزره: قوَّاه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال أبو طالب: أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أَزْرَهُ وأَوصى بنيه بالطّعان وبالضَّرْبِ(٤) وقيل: الأزر: العَوْن. أي: يكون عوناً يَستقيم به أمري. قال الشاعر: شَددتُ به أَزْرِي وأَيْقنْتُ أنَّهُ أخو الفقر مَن ضاقت عليه مذاهبُهُ(٥) وكان هارونُ أكثرَ لحماً من موسى، وأتمَّ طولاً، وأبيضَ جِسماً، وأفصحَ لساناً(٦). ومات قبل موسى بثلاثٍ سنين(٧). وكان في جبهة هارونَ شامَة، وعلى أَرنبة أنفٍ موسى شامة، وعلى طرف لسانِه شامة (٨)، ولم تكن على أحدٍ قبلَه، ولا تكونُ على أحد بعده، وقيل: إنها كانت سببَ العقدةِ التي في لسانه. والله أعلم. ﴿وَأَشْرِكِهُ فِّ أَمْرِىِ﴾ أي: في النُّبوَّة وتبليغ الرسالة(٩). قال المفسِّرون: كان هارون (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨/٣، ومشكل إعراب القرآن لمكي ٤٦٣/٢. (٢) النكت والعيون ٣/ ٤٠١، وتفسير البغوي ١١٣/٢. (٣) النكت والعيون ٤٠١/٣، والحقو: الخَصْر. الصحاح (حقو). (٤) السيرة النبوية ٣٥٣/١، والنكت والعيون ٤٠١/٣. (٥) النكت والعيون ٤٠١/٣ دون نسبة. (٦) تفسير البغوي ٢١٦/٣، وعرائس المجالس ص١٧٤ بنحوه. (٧) أخرجه الحاكم ٥٧٨/٢ عن وهب بن منبه. (٨) النكت والعيون ٤٠١/٣ . (٩) تفسير البغوي ٢١٦/٣ . ٥٥ سورة طه: الآيات ٢٤ - ٣٥ يومئذ بمصر، فأمر اللهُ موسى أن يأتيَ هو هارون(١)، وأوحى إلى هارون وهو بمصرَ أن يتلقَّى موسى، فتلقَّاه إلى مرحلة، وأخبره بما أُوحي إليه، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني أن آتيَ فرعون، فسألتُ ربي أن يجعلَك معي رسولاً. وقرأ العامة: ﴿أَخِى أَشْدُدْ﴾ بوصل الألف، ((وَأَشْرِكُهُ)) بفتح الهمزة على الدعاء، أي: اشدد يا ربِّ أزري، وأَشركه معي في أمري. وقرأ ابن عامر ويحيى بنُ الحارث وأبو حَيْوة والحسنُ وعبد الله بنُ أبي إسحاق: ﴿أَشْدُدْ﴾ بقطع الألف، ﴿وأُشْرِکه﴾ بضم الألف(٢)، أي: أنا أفعل ذلك، أَشدد أنا به أَزْري ((وَأُشرِکه)) أنا يا ربِّ ﴿قِ آمْرِى﴾. قال النحاس(٣): جعلوا الفعلين في موضع جزم جواباً لقوله: ﴿اجْعَلْ لِ وَزِيرًا﴾، وهذه القراءةُ شاذَّةٌ بعيدة؛ لأن جواب مِثْلِ هذا إنما يتخرَّج بمعنى الشرطِ والمجازاة؛ فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيراً من أهلي أَشدُدْ به أزري، وأُشركْه في أمري. وأمرُه النبوةُ والرِّسالة، وليس هذا إليه# فيخبِرَ به، إنما سأل اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يُشركه معه في النبوّة. وفَتَحَ الياءَ من ﴿أَخِ﴾ ابنُ كثير وأبو عمرو(٤). ﴿كَّ نُسَِّكَ كَثِرًا﴾ قيل: معنى ((نسبحك)): نصلِّي لك(٥). ويحتمل أن يكونَ التسبيحُ باللسان. أي: ننزِّهك عمَّا لا يَليق بجلالك. و((كَثِيراً)) نعتٌ لمصدر محذوف. (١) في النسخ الخطية: هو وهارون، والمثبت من (م). والكلام بنحوه في عرائس المجالس ص١٨٣-١٨٤ . (٢) قراءة ابن عامر في السبعة ص٤١٨، والتيسير ص١٥١ . وقراءة الحسن وابن أبي إسحاق في إعراب القرآن للنحاس ٣٨/٣. ويحيى بن الحارث: هو الإمام الكبير أبو عمرو الغساني، الذِّماري، ثم الدمشقي، إمام جامع دمشق. قرأ على ابن عامر. السير ١٨٩/٦ (٣) في إعراب القرآن ٣٨/٣ . (٤) السبعة ص ٤١٨، والتيسير ص ٦٧ - ٦٨ . (٥) الوسيط للواحدي ٢٠٥/٣، وتفسير أبي الليث ٣٤٠/٢. ٥٦ سورة طه: الآيات ٢٤ - ٤٢ ويجوز أن يكونَ نعتاً لوقت(١). والإدغامُ حسن، وكذا ﴿وَنَذْكُرَ كَثِيرًا﴾(٢). ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ قال الخطّابي: البصير: المبصر، والبصير: العالم بخفيَّات الأمور، فالمعنى؛ أي: عالماً بنا، ومُدرِكاً لنا في صِغَرنا فأحسنت إلينا، فأَحسِنْ إلينا کذلك یا ربّ. إذْ وَلَقَدْ مَنَثَّا عَلَيْكَ مَرَّةٍ أُخْرَى قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى أَوْحَيَّنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ﴿ أَنِ أَقْذِفِيهِ فِ النَّبُوتِ فَقْذِفِيهِ فِى الْيَرِ فَلَيُلْقِهِ آلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِيِ وَعَدُوٌ لَّ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ (٨) إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَنَقُولُ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُمْ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتََّكَ فُونَ فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَذْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى ﴾ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِىِ ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَخُوَكَ بِثَايَتِى وَلَا نَنِيَا فِی ذِكْرِی (٤٢ قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوْنِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ لمَّا سأله شرحَ الصدر وتيسيرَ الأمر إلى ما ذكر، أجاب سُؤْلَه، وآتاه طَلِبَته ومرغوبه(٣). والسؤال: الطَّلِبة، فُعْل بمعنى مفعول، كقولك: خُبز بمعنى مخبوز، وأُكْل بمعنى مأكول (٤). وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ أي: قبل هذه، وهي(٥) حفظُه سبحانه له مِن شرِّ الأعداء في الابتداء، وذلك حين الذَّبح. والله أعلم. والمنُّ: الإحسان والإفضال. وقولُه: ﴿إِذْ أَوْحَيَّنَا إِلَىَ أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ قيل: ((أوحينا)): أَلهمنا (٦). وقيل: (١) يعني لوقت محذوف، أي: وقتاً كثيراً. ينظر الدر المصون ٣٤/٨. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩/٣. (٣) تفسير الطبري ٥٦/١٦، والمحرر الوجيز ٤/ ٤٣ بنحوه. (٤) الكشاف ٥٣٦/٢ . (٥) في النسخ الخطية: وهو، والمثبت من (م). (٦) الوسيط للواحدي ٢٠٥/٣، وتفسير البغوي ٢١٧/٣ . ٥٧ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ أَوحى إليها في النوم(١). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أَوحى إليها كما أوحى إلى النبيِّين. ﴿أَنِ آَقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ قال مقاتل: مؤمن آلٍ فرعونَ هو الذي صنع التابوت ونَجَره، وكان اسمُه حِزْقيل(٢). وكان التابوت من جُمَّيز(٣). ﴿فَقْذِفِيهِ فِ اَلْيَمْ﴾ أي: اطرحيه في البحر: نهر النيل. فَلْقِهِ﴾ قال الفرَّاء(٤): ﴿فَقْذِفِيهِ فِ آلْيَرِ﴾ أمرٌ، وفيه معنى المُجازاة، أي: اقذفيه، يُلقِه اليمُ. وكذا قوله: ﴿أَتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّمِّ﴾ يعني فرعون، فاتخذت تابوتاً، وجعلت فيه نِطعاً(٥)، ووضعت فيه موسى، وقَيَّرت(٦) رأسَه وخِصَاصه - يعني: شقوقَه - ثم ألقته في النيل، وكان يَشْرَع منه نهرٌ كبير في دار فرعون، فساقه اللهُ في ذلك النهرِ إلى دار فرعون. وروي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً، فوضعته فیه وقَيَّرته وجصَّصته، ثم ألقته في اليمّ؛ وكان يَشْرَع منه إلى بستان فرعونَ نهرٌ كبير، فبينا هو جالسٌ على رأس بِركةٍ مع آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأُخرج، ففتح، فإذا صبيٌّ أصبح الناس، فأحبَّه عدوُّ اللهِ حبًّا شديداً لا يتمالكُ أن يصبرَ عنه (٧). وظاهرُ القرآن يدلُّ على أنَّ البحر ألقاه بساحله، وهو شاطئه، فرأى فرعونُ التابوتَ بالساحل، فأمر بأخذه. ويحتمل أن يكونَ إلقاءُ اليمِّ بموضعٍ من الساحل، فيه فُوَّهُ نهرٍ فرعون، ثم أدَّاه النهرُ إلى حيثُ(٨) (١) الكشاف ٥٣٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٣/٤. (٢) تفسير الرازي ٢٢/ ٥٢ . (٣) ضرب من الشجر يشبه التين. اللسان (جمز). (٤) في معاني القرآن ١٧٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٩/٣. (٥) النطع: بساط من الأدم. القاموس (نطع). (٦) أي: طلته بالقار. وهو شيء أسود يُطلى به السفن والإبل، أو هو الزفت. القاموس (قير). (٧) تفسير البغوي ٣/ ٢١٧ ، وزاد المسير ٢٨٤/٥ بنحوه. (٨) في (د) وف): جنب، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الكشاف ٥٣٦/٢ ، والكلام منه. ٥٨ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ البركة. والله أعلم. وقيل: وجدَتْه ابنةُ فرعونَ وكان بها بَرَص، فلما فتحت التابوتَ شُفيت. ورويَ أنهم حين التقطوا التابوت، عالجوا فتحَه فلم يقدِروا عليه، وعالجوا كسرَه فأعياهم، فدنت آسِيةُ فرأت في جوف التابوتِ نوراً، فعالجته ففتحته، فإذا صبيٍّ نورُه بين عينيه، وهو يَمَصُّ إبهامَه لبناً، فأحبُّوه. وكانت لفرعون بنتٌ برصاء، وقال له الأطبّاء: لا تبرأُ إلَّا من قِبَل البحر، يوجد فيه شِبهُ إنسانٍ دواؤها رِيقُه، فلطّخت البرصاءُ بَرَصَها بريقه فبرئت. وقيل: لمَّا نظرت إلى وجهه برئت(١). والله أعلم. وقيل: وجَدَتْه جَوارٍ لامرأة فرعون، فلما نظر إليه فرعون، فرأى صبيًّا مِن أصبح الناس وجهاً، فأحبَّه فرعون، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِى﴾. قال ابن عباس: أحبَّه اللهُ وحَبَّه إلى خلقه. وقال عطية (٢): جعل عليه مسحةٌ مِن جمالٍ لا يكاد يصبر عنه مَن رآه. وقال قَتَادة: كانت في عيني موسى مَلَاحةٌ؛ ما رآه أحدٌ إلا أحبَّه وعَشِقَهُ(٣). وقال عِكْرمة: المعنى: جعلت فيك حُسناً ومَلاحة، فلا يراك أحدٌ إلا أحبَّك (٤). وقال الطبري: المعنى: وألقيتُ عليك رحمتي. وقال ابن زيد: جعلتُ مَن رآك أحبَّك، حتى أحبَّك فرعونُ، فسلِمتَ من شرِّه، وأحبَّتك آسيةُ بنتُ مُزَاحم فتبتَتَك(٥). ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾ قال ابن عباس: يريد: إنَّ ذلك بعيني حيث جُعلتَ في التابوت، وحيث أُلقي التابوتُ في البحر، وحيث التقطكَ جواري امرأةٍ فرعون؛ فأردنَ أنْ يفتَحن التابوتَ لينظرن ما فيه، فقالت منهنَّ واحدة: لا تَفتحْنه حتى تأتينَ به (١) الكلام بنحوه في عرائس المجالس ص ١٧٢ . (٢) في (م): ابن عطية. (٣) تفسير البغوي ٢١٧/٣، وزاد المسير ٢٨٤/٥ . (٤) أخرجه الطبري ٥٨/١٦ (٥) النكت والعيون ٤٠٢/٣ . ٥٩ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ سيِّدَتَكنَّ، فهو أحظى لَكُنَّ عندها، وأجدرُ بألَّا تَتَّهمَكُنَّ بأنكنَّ وجدتنَّ فيه شيئاً فأخذتنَّه لأنفسكنّ. وكانت امرأةٌ فرعونَ لا تشرب من الماء إلَّا ما استقينه أولئك الجواري. فذهبنَ بالتابوت إليها مُغلَقاً، فلما فتحته رأتْ صبيًّا لم يُرَ مثلُه قطّ، وأُلقِيَ عليها محبَّته، فأخذته، فدخلت به على فرعون، فقالت له: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكِ﴾ قال لها فرعون: أمَّا لكِ فَنَعَم، وأما لي فلا. فبلغَنا أنَّ رسولَ الله : ﴿ قال: ((لو أنَّ فرعون قال: نَعَم، هو قُرَّةُ عينٍ لي ولك، لَآمن وصدَّق))؛ فقالت: هَبْه لي ولا تقتلْه؛ فوهبه لها(١). وقيل: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ﴾ أي: تُربَّى وتُغذّى على مرأى مني؛ قاله قتادة(٢). قال النخَّاس: وذلك معروفٌ في اللغة، يقال: صنعت الفرسَ وصنَّعته(٣): إذا أحسنتَ القيامَ عليه. والمعنى: ((ولِتصنع على عيني)) فعلتُ ذلك. وقيل: اللام متعلّقةٌ بما بعدها مِن قوله: ﴿إِذْ تَمْشِّ لُنْتُكَ﴾ على التقديم والتأخير، فـ ((إذ)) ظرفُ (لِتُصنع)). وقيل: الواو في ((ولتصنع)) زائدة. وقرأ ابنُ القَعْقَاعِ: ((وَلْتُصْنعْ)) بإسكان اللام على الأمر(٤)، وظاهرُه للمخاطَب، والمأمورُ غائب. وقرأ أبو نُهَيك: ((ولِتَصْنَعَ)) بفتح التاءُ(٥). والمعنى: ولِتكونَ حركتُك وتصرُّفك بمشيئتي وعلى عينٍ مني. ذكره المهدوي(٦). ﴿إِذْ تَمْشِىّ لُمْتُكَ﴾ العامل في ((إِذ تَمْشِي)): ((أَلْقَيْتُ)) أو: ((تُصْنَعَ))، ويجوز أن يكون بدلاً من ((إِذْ أَوْحَيْنَا)). وأختُه اسمُها مريم(٧). (١) أخرجه بنحوه مطولاً النسائي في الكبرى (١١٢٦٣)، والطبري ١٦/ ٦٤ - ٦٩. (٢) أخرجه الطبري ٥٩/١٦ (٣) في (ظ): واصطنعته، وفي (م): وأصنعته، والمثبت من باقي النسخ. (٤) النشر ٢/ ٣٢٠ . وابن القعقاع: هو أبو جعفر من العشرة. (٥) تفسير الطبري ١٦/ ٦٠ . (٦) نسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤/٤، الثعلب. (٧) الكشاف ٢/ ٥٣٧. ٦٠ سورة طه: الآيات ٣٦ - ٤٢ ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ وذلك أنها خرجت متعرفة خبره، وكان موسى لما وهبه فرعون لامرأته طلبت له المراضع، وكان لا يأخذ من أحدٍ، حتى أقبلت أختُه، فأخذته ووضعته في حِجْرها وناولته ثديَها، فمصَّه وفَرِحَ به. فقالوا لها: تُقيمين عندنا، فقالت: إنه لا لبنَ لي، ولكن أَدلُّكم على مَن يَكْفُله وهم له ناصحون. قالوا : ومن هي؟ قالت: أمي: فقالوا: لها لبنٌ؟ قالت: لبنُ أخي هارون(١). وكان هارون أكبرَ من موسى بسنة. وقيل: بثلاث. وقيل: بأربع، وذلك أنَّ فرعون رَحِمَ بني إسرائيل فرفع عنهم القتلَ أربعَ سنين، فَؤُلِدَ هارونُ فيها؛ قاله ابنُ عباس. فجاءت الأمُّ فقبل ثديَها. فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ﴾. وفي مصحف أُبيّ: ((فرددناك)). ﴿كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ﴾ وروى عبد الحميد عن ابن عامر: ((كَيْ تَقِرَّ عَيْنُهَا)) بكسر القاف (٢). قال الجوهري: وقرِرتُ به عيناً، وقرَرْتُ به قُرَّةً وقُروراً فيهما، ورجلٌ قریرُ العين، وقد قرَّت عينُه تَقِرُّ وَقَرّ: نقيض سَخُنتْ. وأقرَّ اللهُ عينه، أي: أعطاه حتى تَقَرَّ، فلا تطمحُ إلى مَن هو فوقَه، ويقال: حتى تَبْرُدَ ولا تسخُن. فللسُّرور دمعةٌ باردة، وللحزن دمعةٌ حارَّة، وقد تقدَّم هذا المعنى في ((مريم)»(٣). ((وَلَا تَحْزَنَ)) أي: على فقدك. ﴿وَقَثَلْتَ نَفْسًا﴾ قال ابن عباس: قتل قِبْطيًّا كافراً. قال كعب: وكان إذ ذاك ابنَ اثنتي عشرةَ سنة(٤). في ((صحيح)) مسلم (٥): وكان قتله خطأ؛ على ما يأتي. (١) الوسيط للواحدي ٢٠٦/٣، وزاد المسير ٢٨٥/٥ . (٢) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥/٤ هذه القراءة دون نسبة، وقراءة ابن عامر المشهورة عنه كقراءة الجماعة وعبد الحميد هو ابن بكار، أبو عبد الله الكلاعي الدمشقي، نزيل بيروت. قرأ القرآن بحرف ابن عامر على أيوب بن تميم الداري. غاية النهاية لابن الجزري ١/ ٣٦٠، وتهذيب الكمال ٤٠٨/١٦-٤٠٩ . (٣) ٤٣٧/١٣ - ٤٣٨. (٤) تفسير البغوي ٢١٧/٣ - ٢١٨ . (٥) برقم (٢٩٠٥): (٥٠) من قول سالم بن عبد الله بن عمر ﴾.