النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ وقيل: إعظاماً لذلك الموضع؛ كما أن الحرَمَ لا يُدْخَلُ بنعلين إعظاماً له(١). قال سعيد بن جُبير: قيل له: طَأِ الأرضَ حافياً كما تدخل الكعبة حافياً (٢). والعُرف عند الملوك أن تُخلعَ النِّعال، ويبلغَ الإنسانُ إلى غاية التواضع، فكأن موسى عليه السلام أُمر بذلك على هذا الوجه، ولا يُبَالَى(٣) كانت نَعْلاه من ميتة أو غيرها. وقد كان مالكٌ لا يرى لنفسه ركوبَ دابَّةٍ بالمدينة بِرًّا بتربتها المحتوية على الأَعْظُم الشريفة، والجُثَّة الكريمة (٤). ومن هذا المعنى قولُه عليه الصلاة والسلام لبشير ابن الخَصَاصِيّة وهو يمشي بين القبور بنعليه: ((إذا كنتَ في مثل هذا المكان فاخْلَعْ نعليك)). قال: فخلعتُهما(٥). وقول خامس: إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد. وقد يعبّر عن الأهل بالنعل. وكذلك هو في التعبير: من رأى أنه لا بسٌ نعلين، فإنه يتزوَّج(٦). وقيل: لأن الله تعالى بسطً له بساطً النور والهُدى، ولا ينبغي أن يطأ على بساط ربِّ العالمين بنعله(٧). وقد يَحتمِلُ أن يكون موسى أُمِر بخلع نعليه، وكان ذلك أوّلَ فرض عليه، كما كان أوّل ما قيل لمحمد #: ﴿قُرْ فَذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِرْ. وَثِيَكَ فَطَفِرْ. وَاُلُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٨) [المدثر: ٢-٥]، والله أعلم بالمراد من ذلك. (١) تفسير الرازي ٢٢/ ١٧ . (٢) أخرجه الطبري ٢٩/١٦ . (٣) في (ز) و(م): ولا تبالى، وفي المحرر الوجيز ٣٩/٤ (والكلام منه): ولا نبالي. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٤/٣ . (٥) أخرجه بهذا اللفظ ابن عبد البر في التمهيد ٧٨/٢١، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٠٧٨٧)، وأبو داود (٣٢٣٠)، والنسائي ٩٦/٤ . (٦) تفسير الرازي ١٧/٢٢ . (٧) لطائف الإشارات ٤٤٨/٢ . (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٥/٣ . ٢٢ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ الثانية: في الخبر أنّ موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي(١). وقال أبو الأحوص: زار عبدُ الله أبا موسى في داره، فأقيمت الصلاة(٢) ، فقال أبو موسى لعبد الله: تقدَّم. فقال عبد الله: تقدَّم، أنت في دارك. فتقدَّم وخلع نعليه، فقال عبد الله: أَبالوادي المقدَّس أنت؟!(٣). وفي ((صحيح)) مسلم: عن سعيد بن يزيد قال: قلت لأنسٍ: أَكان رسولُ الله ◌ِ﴾ يصلِّي في نعلين؟ قال: نعم (٤). ورواه النَّسائيّ(٥) عن عبد الله بن السَّائب: أن النبيَّ ﴾ صلَّى يومَ الفتح، فوضَع نعلَيه عن يساره. وروى أبو داود(٦) من حديث أبي سعيد الخدريِّ﴾ قال: بينما رسولُ الله ﴾ يُصلِّي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلمَّا رأى ذلك القومُ خلعوا(٧) نعالَهم، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﴿ صلاتَه قال: ((مَن حَمَلَكم على إلقائكم نعالَكم؟» قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالَنا. فقال رسولُ الله﴾: ((إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قَذَراً)). وقال: ((إذا جاءكم أحدُكم المسجدَ فَلْينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وَلْيُصلِّ فيهما)). صحَّحه أبو محمد عبد الحق(٨). وهو يجمع بين الحديثين قبلَه، ويرفع بينهما التعارض. ولم يختلف العلماء على جواز (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥٣١/٢ . (٢) بعدها في (د) و(م): فأقام أبو موسى. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٥٠٧)، وابن أبي شيبة ٤١٨/٢، وأخرجه من طريق آخر عن ابن مسعود أحمد (٤٣٩٧)، وفيه قول ابن مسعود بعد ذلك: لقد رأيتُ رسول الله # يصلي في الخفين والنعلین. (٤) صحيح مسلم (٥٥٥)، وأخرجه أحمد (١١٩٧٦)، والبخاري (٣٨٦). (٥) في المجتبى ٢/ ٧٤، وفي الكبرى (٨٥٤)، وهو عند أحمد (١٥٣٩٢)، وأبي داود (٦٤٨). (٦) في سننه (٦٥٠)، وأخرجه أحمد (١١١٥٣) بنحوه. (٧) في (م) وسنن أبي داود: ألقوا. (٨) في الأحكام الشرعية الصغرى ١٩٦/١ . ٢٣ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ الصلاة في النعال(١) إذا كانت طاهرةً من ذَكيّ(٢)، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاةَ فيهما أفضلُ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمٌ عِندَ كُلِّ مَسْچٍ﴾ على ما تقدّم(٣). وقال إبراهيم النَّخَعي في الذين يَخلعون نعالَهم: لَوَدِدْتُ أن محتاجاً جاء فأخذها(٤). الثالثة: فإنْ خلعتَهما فاخْلَعهما بين رجليك، فإن أبا هريرة قال: قال رسولُ الله ﴾: (إذا صلَّى أحدُكم فَلْيجعل(٥) نعليه بين رجليه))(٦). وقال أبو هريرة للمقبري: اخلعهما بين رجليك، ولا تُؤذٍ بهما مسلماً(٧). وما رواه عبدُ الله بن السائب ﴾ أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن يساره (٨). فإنه كان إماماً، فإن كنتَ إماماً أو وحدَك؛ فافعل ذلك إنْ أحببت، وإن كنتَ مأموماً في الصف فلا تُؤذٍ بهما مَن على يسارِك، ولا تضَعْهما بين قدميك فتشغلاك، ولكن قُدَّامَ قدميك. وروي عن جُبير بن مُطْعِم أنه قال: وضعُ الرَّجلِ نعليه بين قدميه بدعةٌ(٩). الرابعة: فإن تحقَّق فيهما نجاسةٌ مُجمَع على تنجيسها؛ كالدم والعَذِرة من بول بني آدم؛ لم يُطهِّرها إلا الغَسل بالماء عند مالك والشافعي وأكثرِ العلماء، وإن كانت النجاسة مُختَلَفاً فيها؛ كبول الدوابّ وأروائها الرطبة؛ فهل يُطهِّرها المَسْحُ بالتراب من (١) في (م): النعل. (٢) المفهم ٢/ ١٦١. (٣) ٩ / ١٩٣ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤١٦/٢ . (٥) في (د) و(م): فَلْيخلع. (٦) أخرجه ابن شيبة ٢/ ٤١٨ ، وأخرجه أبو داود (٦٥٥) بنحوه. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٤١٨/٢ . (٨) سلف في المسألة السابقة. (٩) أخرجه ابن أبي شيبة ٤١٨/٢ عن نافع بن جبير بن مطعم. ٢٤ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ النعل والخُفّ أوْ لا؟ قولان عندنا. وأَطلقَ الإجزاء بمسح ذلك بالتراب مِن غير تفصيل الأوزاعيُّ وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يُزيله إذا ييس الحكُّ والفركُ، ولا يُزيل رطبَه إلا الغسل؛ ما عدا البول، فلا يُجزئ عنده فيه إلا الغَسْل. وقال الشافعيُّ: لا يطهِّر شيئاً من ذلك كلِّه إلا الماء. والصحيح قول مَن قال: بأن المسحَ يُطَهِّره من الخفّ والنعل؛ لحديث أبي سعيد(١). فأمَّا لو كانت النعل والخُفّ من جلد ميتة فإن كان غيرَ مدبوغ فهو نَجِسٌ باتفاق(٢)، ما عدا ما ذهب إليه الزُّهريُّ والليث، على ما تقدَّم بيانُه في سورة النحل(٣). ومضى في سورة براءة القولُ في إزالة النجاسة، والحمد لله(٤). الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ كُوَّى﴾ المقدَّس: المطهّر. والقُدْس: الطهارة، والأرض المقدَّسة، أي: المطهّرة(٥)؛ سُمِّيت بذلك لأن الله تعالى أخرج منها الكافرين وعَمَرها بالمؤمنين(٦). وقد جعل اللهُ تعالى لبعض الأماكن زيادةً فضلٍ على بعض، كما قد جعل لبعض الأزمان زيادةً فضلٍ على بعض، ولبعض الحيوان كذلك. وللهِ أن يُفَضِّل ما شاء. وعلى هذا فلا اعتبار بكونه مقدَّساً بإخراج الكافرين وإسکان المؤمنين، فقد شاركه في ذلك غیرُه. و(طُوّى)): اسم الوادي؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٧). وقال الضحاك: هو وادٍ عميقٌ مستدير مثل الطَِّيِّ(٨). (١) سلف في المسألة الثانية. (٢) إكمال المعلم ٤٨٨/٢، والمفهم ٢/ ١٦١ - ١٦٢ . (٣) ٣٩٨/١٢، ومذهب الزهري والليث جواز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ. فيما ذكره المصنف ثمة. (٤) ١٠/ ٣٨٢ وما بعدها. (٥) الصحاح (قدس). (٦) فضائل القدس لابن الجوزي ص ٦٧ . (٧) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٨ عنهما. (٨) تفسير البغوي ٢١٣/٣، والطِّيّ: البئر المطويَّة بالحجارة. اللسان (طوى). ٢٥ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ وقرأ ◌ِكْرمة: ((طِوَى))(١). الباقون: ((طُوّى))(٢). قال الجوهري: و((طُوى)) اسم موضع بالشام، تُكسر طاؤه وتُضَمّ، ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله اسمَ وادٍ ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله [اسم] بلدة وبقعة وجعله معرفةً. وقال بعضهم: ((طُوّى)) مثل ((طِوَى))، وهو الشيء المَثْنيُّ، وقالوا في قوله: ((الْمُقَدَّسِ طُوَى)): طُويَ مرتين، أي: قُدِّس. وقال الحسن: ثُنيتْ فيه البركة والتقديس مرَّتين(٣). وذكر المهدوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قيل له: ((طُوى)) لأنَّ موسى طواه بالليل إذ مرَّ به، فارتفع إلى أعلى الوادي، فهو مصدرٌ عمل فيه ما ليس من لفظه، فكأنه قال: ((إِنك بِالوادِ المقدسِ)) الذي طويتَه ◌ُطُوّى، أي: تجاوزتَه فطويتَه بسيرك (٤). الحسنُ: معناه: أنه قُدِّسَ مرتين(٥)، فهو مصدر من طويته طُوّى أيضاً. قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ﴾ أي: اصطفيتُك للرسالة. وقرأ أهلُ المدينة وأبو عمرو وعاصمٌ والكسائيُّ: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ)). وقرأ حمزة: ((وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ))(٦)، والمعنى واحد، إلا أنَّ ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ)) هاهنا أولى من جهتين: إحداهما: أنها أشبهُ بالخط، والثانية: أنها أولى بنسق الكلام؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَمُوسَى إِنَّ أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ﴾، وعلى هذا النَّسق جَرَت المُخاطبةُ، قاله النحاس(٧). (١) نسبها أبو حيان في البحر ٢٣١/٦ للحسن والأعمش وأبي حيوة وابن أبي إسحاق وأبي السمّال وابن محیصن. (٢) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ((طُوَّى)) بضم الطاء والتنوين، والباقون من السبعة بضمها من غير تنوين. السبعة ص ٤١٧ ، والتيسير ص ١٥٠ . (٣) الصحاح (طوي)، وما بين حاصرتين منه. (٤) تفسير الطبري ١٦/ ٢٧، وفيه قول ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) أخرجه الطبري ١٦/ ٢٤ . (٦) قرأ الجميع: ﴿وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ﴾ إلا حمزة، السبعة ص ٤١٧، والتيسير ص١٥١. (٧) في إعراب القرآن ٣/ ٣٤ . ٢٦ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ﴾ فيه مسألة واحدة: قال ابن عطية(١): وحدثني أبي - رحمه الله - قال: سمعتُ أبا الفضل الجوهريَّ رحمه الله تعالى يقول: لمَّا قيل لموسى صلوات الله وسلامه عليه: ((فاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)) وقَف على حَجَر، واستند إلى حجر، ووضع يمينَه على شماله، وألقى ذَقَتَه على صدره، ووقف يستمع، وكان كلُّ لباسه صوفاً. قلت: حُسنُ الاستماع كما يجب قد مَدَحَ الله عليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَئُهُمُ اللّهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وذمَّ على خلاف هذا الوصف، فقال: ﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٧] الآية. فمدح المُنصِتَ لاستماع كلامِه مع حضور العقل، وأمرَ عبادَه بذلك أَدَباً لهم، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقال هاهنا: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ لأن بذلك يُنال الفهم عن الله تعالی. رُوي عن وَهْب بن مُنَبِّه أنه قال: مِن أدب الاستماع سكونُ الجوارح، وغَضُّ البصر، والإصغاءُ بالسمع، وحضورُ العقل، والعزمُ على العمل، وذلك هو الاستماع كما يُحبُّ الله تعالى، وهو أن يكفَّ العبدُ جوارحَه، ولا يَشغلها. فيشتغلَ قلبُه عما يسمع، ويغضَّ طرفَه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحصُر عقله فلا يُحدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهمَ، فيعمل بما يفهم. وقال سفيان بن عُيينَة: أوّل العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحِفظ، ثم العمل، ثم النَّشر(٢)؛ فإذا استمع العبدُ إلى كتاب اللهِ تعالى وسنة نبيِّه عليه الصلاة والسلام بنيةٍ صادقة على ما يحبُّ الله؛ أفهمه كما يحبّ، وجعل له في قلبه نوراً. قوله تعالى: ﴿إِنَّبِىّ أَنَ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَ فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ فيه سبعُ مسائل : (١) في المحرر الوجيز ٣٩/٤. (٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٧٦١). ٢٧ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ الأولى: اختلف في تأويل قوله: ((لِذِكرِي))؛ فقيل: يَحتمِل أن يريدَ: لتذكُرني فيها، أو يريدُ: لأَذْكرك بالمدح في عِلِّيِّين بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافةً إلى الفاعل وإلى المفعول(١). وقيل: المعنى: أي: حافِظُ بعد التوحيد على الصلاة. وهذا تنبيهٌ على عظم قدر الصلاة؛ إذْ هي تضرٌُّ إلى الله تعالى، وقيامٌ بين يديه، وعلى هذا فالصلاةُ هي الذِّكر. وقد سمَّى الله تعالى الصلاةَ ذِكراً في قوله: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقيل: المرادُ: إذا نسيتَ فتذكَّرت فصلِّ، كما في الخبر ((فَلْيصلِّها إذا ذَكَرِها))(٢). أي: لا تَسقط الصلاةُ بالنسيان. الثانية: روى مالكٌ وغيره أن النبيَّ:﴿ قال: ((مَن نام عن صلاة أو نَسِيَها؛ فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرِها؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىَ﴾))(٣). وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد، من حديث حجَّاج بن حجَّاج - وهو حجّاج الأحول(٤) الذي روى عنه يزيد بن زُرَيع - قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، قال: سُئل رسولُ الله :﴿ عن الرجل يَرْقُد عن الصلاة ويغفل عنها؛ قال: ((كفارتُها أن يُصلِّيَها إذا ذكرها)). تابعه إبراهيم بن طَهْمان عن حجَّاج، وكذا يروي همَّام بن يحيى عن قتادة(٥). وروى الدار قطنيُّ (٦) عن أبي هريرة، عن النبي ﴾، قال: ((من نَسي صلاةً فَوَقتُها (١) المحرر الوجيز ٣٩/٤. (٢) سيأتي في المسالة التالية. (٣) هو بنحوه عند مالك في الموطأ ١٣/١ - ١٤، عن سعيد بن المسيب مرسلاًضمن حديث، ووصله مسلم (٦٨٠) عن أبي هريرة . وقد ساق المصنف لفظه من أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٦/٣ . (٤) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): الأول، والمثبت من (خ). وهو حجاج بن حجاج الباهلي، البصري، الأحول، الحافظ. توفي سنة (١٣١هـ). السير ٦/ ١٥١ . (٥) أخرجه النسائي ٥٩/٢ وابن ماجه (٦٩٥) من طريق يزيد بن زريع عن حجاج، به. وأخرجه أحمد (١٣٨٤٨)، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من طريق همام بن يحيى عن قتادة، به. (٦) في شنته (١٥٦٥). ٢٨ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ إذا ذكرها)). فقوله: ((فليصلِّها إذا ذكرها)) دليلٌ على وجوب القضاء على النائم والغافل، كثرت الصلاة أو قَلَّت، وهو مذهبُ عامَّة العلماء. وقد حُكي خلافٌ شاذٌّ - لا يُعتدُّ به؛ لأنه مخالفٌ لنصِّ الحديث - عن بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات: أنه لا يَلزمه قضاء(١). قلت: أمَرَ اللهُ تعالى بإقامة الصلاة، وَنَصَّ على أوقاتٍ معيَّنة، فقال: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية، وغيرها من الآي. ومن أقام بالليل ما أُمر بإقامته بالنهار، أو بالعكس؛ لم يكن فِعْلُه مطابقاً لِما أُمِرَ به، ولا ثوابَ له علی نِعْله، وهو عاصٍ؛ وعلى هذا الحدّ كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته. ولولا قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ نامَ عن صلاة أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرها)) لم ينتفِعْ أحدٌ بصلاةٍ وقعت في غير وقتها، وبهذا الاعتبار كان قضاءً لا أداء؛ لأن القضاء بأمر مُتجدّد وليس بالأمر الأول. الثالثة: فأمَّا مَن ترك الصلاةَ متعمداً، فالجمهور أيضاً على وجوب القضاء عليه، وإن كان عاصياً، إلا داود. ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي(٢)، حكاه عنه ابن القصَّار. والفرق بين المُتعمِّد والناسي والنائم، حظُ المَأْثَم، فالمُتعمِّد مأثومٌ، وجميعهم قاضون. والحُجَّة للجمهور قوله تعالى: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولم يُفرِّق بين أن يكون في وقتها أو بعدها. وهو أمرٌ يقتضي الوجوب. وأيضاً فقد ثبت الأمرُ بقضاء النائم والناسي، مع أنهما غير مُؤَثَّمَيْن(٣)، فالعامدُ أولى. وأيضاً قوله: ((من نام عن صلاة أو نسيها)) والنِّسيان: الترك، قال الله تعالى: (١) المفهم ٣٠٩/٢ . (٢) المفهم ٣٠٩/٢، وينظر إكمال المعلم ٢ / ٦٧٠ . (٣) في (خ) و(د) و(ف) و(م): مأثومين، والمثبت من (ظ) والمفهم ٣٠٩/٢ والكلام منه .. ٢٩ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ ﴿فَسُواْ اللَّهُ فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] و﴿فَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، سواء كان مع ذهول أو لم يكن؛ لأن الله تعالى لا يَنْسى، وإنما معناه: تركهم وقال: ﴿مَا نَنْسَخ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَاهَا﴾(١) [البقرة: ١٠٦] أي: نتركها. وكذلك الذِّكر يكون بعد نسيان وبعد غيره. قال الله تعالى: ((مَن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي))(٢). وهو تعالى لا ينسى فيكون ذكره بعد نسيان، وإنما معناه: عَلِمتُ. فكذلك يكون معنى قوله: ((إذا ذكرها)) أي: عَلِمَها. وأيضاً؛ فإن الديون التي للآدميين إذا كانت متعلِّقةً بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقطْ قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما يُسقِطُها الإبراءُ كان في ديون الله تعالى ألا يصحَّ فيها الإبراءُ أولى ألا يسقط قضاؤها إلا بإذنٍ منه(٣). وأيضاً؛ فقد اتفقنا أنه لو ترك يوماً من رمضان متعمداً بغير عذر؛ لوجب قضاؤه، فكذلك الصلاة. فإن قيل: فقد رُوي عن مالك: من ترك الصلاة متعمداً لا يقضي أبداً(٤). فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود، أو يكون كلاماً خرج على التغليظ، كما رُوي عن ابن مسعود وعليٍّ: أن مَن أفطر في رمضان عامداً لم يكفِّره صيام الدهر وإن صامه(٥). ومع هذا فلابدَّ من توفية التكليف حقَّه بإقامة القضاء مقامَ الأداء، وإتباعه بالتوبة، ويفعل اللهُ بعدَ ذلك ما يشاء. وقد روى أبو المُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # أنه قال: ((مَن (١) هي قراءة شاذة، ذكرها أبو حيان في البحر ٣٤٣/١ . (٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٨٦٥٠) من حديث أبي هريرة ﴾، وأخرجه أحمد (٧٤٢٢)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) عنه مطولاً بلفظ ((يقول الله عزَّ وجلَّ: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ... » اللفظ للبخاري. (٣) المفهم ٢/ ٣١٠ بنحوه. (٤) قال ابن العربي في أحكام القرآن ١٢٤٦/٣ (والكلام منه): نسبوا ذلك إلى مالك، وحاشاه من ذلك. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦ عنهما، وعلقه البخاري قبل الحديث (١٩٣٥) عن ابن مسعود﴾. ٣٠ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ أفطر يوماً من رمضان مُتعمِّداً لم يجزِه صيامُ الدهر وإنْ صامه)). وهذا يَحتمِلُ أن لو صحَّ كان معناه التغليظ، وهو حديثٌ ضعيفٌ خرجه أبو داود(١). وقد جاءت الكفارة بأسانيد(٢) صحاح، وفي بعضها قضاءُ اليوم، والحمد للهِ تعالی. الرابعة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ نامَ عن صلاة أو نَسِيَها)) الحديث، يُخصص عمومَ قوله عليه الصلاة والسلام: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى یستیقظ))(٣) والمراد بالرفع هنا رفعُ المائَمِ، لا رفع الفرض عنه، وليس هذا من باب قوله: ((وعن الصبيٍّ حتى يحتلمَ)) (٤) وإن كان ذلك جاء في أثرٍ واحد، فَقِفْ على هذا (٥) الأصل(٥). الخامسة: اختلف العلماءُ من(٦) هذا المعنى فيمن ذكّر صلاةً فائتةً وهو في آخر وقت صلاة، أو ذكر صلاةً وهو في صلاة، فجملةُ مذهبٍ مالك: أنَّ من ذكَر صلاةً وقد حضَر وقتُ صلاةٍ أُخرى، بدأ بالتي نَسِيَ إذا كان خمسَ صلواتٍ فَأَدنى، وإن فات وقتُ هذه. وإن كان أكثرَ من ذلك بدأ بالتي حضر وقتُها، وعلى نحو هذا مذهبُ أبي حنيفة والثوريِّ والليث، إلا أن أبا حنيفة وأصحابَه قالوا: الترتيبُ عندنا واجبٌ (١) برقم (٢٣٩٦)، وأخرجه أحمد (٩٠١٤)، والترمذي (٧٢٣)، والنسائي في الكبرى (٣٢٦٥)، وعلّقه البخاري قبل الحديث (١٩٣٥) فقال: ويذكر عن أبي هريرة، رفعه: ((من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)). قال الترمذي: حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمعت محمداً ((يعني البخاري)) يقول: أبو المطوِّس اسمه يزيد بن المطوس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٦١/٤ : .. فيه ثلاث علل: الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوِّس، والشك في سماع أبيه من أبي هريرة. (٢) في (ظ): بأحاديث. والكلام من التمهيد ١٧٣/٧ . (٣) أخرجه أحمد (٢٤٦٩٤)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي ١٥٦/٦ من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أحمد (٩٤٠) من حديث علي ـ (٤) قطعة من الحديث السالف. (٥) التمهيد ٣٩٧/٦ - ٣٩٨. (٦) في (د) و(م): في، والمثبت من (خ) و(ز) و(ف)، وفي (ظ): قال العلماء في هذا المعنى .. ٣١ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ في اليوم والليلة إذا كان في الوقت سَعةٌ للفائتة ولصلاة الوقت. فإن خَشِيَ فواتَ [صلاة] الوقت بدأ بها، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم. وقد رُويَ عن الثوريِّ وجوب الترتيب، ولم يفرِّق بين القليل والكثير. وهو تحصيلُ مذهب الشافعي. قال الشافعيُّ: الاختيارُ أن يبدأ بالفائتة ما لم يَخَفْ فواتَ هذه، فإن لم يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه. وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجبٌ في صلاة ستين سنة وأكثر. وقال: لا ينبغي لأحدٍ أن يُصلِّي صلاةٌ وهو ذاكرٌ لِما قبلها لأنها تفسد عليه(١). وروى الدَّارَقُطْنيُّ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا ذكر أحدُكم صلاةٌ وهو في صلاة مكتوبة فليبدَأُ بالتي هو فيها، فإذا فَرَغَ منها، صلَّى التي نَسِيّ)). وعمرُ بن أبي عمر مجهول(٢). قلت: وهذا لو صحَّ كانت حُجَّةً للشافعي في البُداءة بصلاة الوقت. والصحيح ما رواه أهلُ الصحيح(٣) عن جابر بن عبد الله: أنَّ عمر بن الخطاب يومَ الخندق جعل يَسبُّ كفارَ قريش، وقال: يا رسولَ اللهِ، واللهِ ما كدتُ أن أصليَ العصرَ حتى كادت أن تغربَ الشمسُ(٤)، فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((فواللهِ، إنْ صَلَّيتُها)). فنزلنا بُطحانَ، فتوضأ رسولُ اللـه ◌ِ﴾، وتوضَّأنا، فصلَّى رسولُ اللـه ﴿ العصرَ بعد ما غَرَبَتِ الشمسُ، ثم صلَّى بعدها المغربَ. وهذا نصٌّ في البُداءة بالفائتة قبل الحاضرة، ولا سيَّما والمغرب وقتُها واحدٌ (١) التمهيد ٤٠٤/٦، وما بين حاصرتين منه. (٢) سنن الدارقطني (١٥٥٨)، ولفظه عنده: ((إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة .. )) وعمر بن أبي عمر - وهو الگلاعي - أحد رجال الإسناد. (٣) صحيح البخاري (٥٩٦) و(٩٤٥)، ومسلم (٦٣١)، وسلف ١٠٥/٧ . (٤) في (د) و(ظ) و(م): حتى كادت الشمس تغرب، والمثبت من (خ) و(ز) و(ف)، هو الموافق لصحيح مسلم، واللفظ له. ٣٢ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ مضيَّق غير ممتدٍ في الأشهر عندنا وعند الشافعي كما تقدَّم. وقد روى الترمذيُّ عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: أنَّ المشركين شغَلوا رسولَ اللهِ ﴿ عن أربع صلواتٍ يومَ الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء اللهُ تعالى، فأَمَر بالأذان بلالاً فقَام فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهْرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ثم أقام فصلَّى المغربَ، ثم أقام فصلَّى العشاء(١). وبهذا استدلَّ العلماء على أنَّ مَن فاتته صلوات(٢)؛ قضاها مرتَّبةً كما فاتته إذا ذكرها في وقتٍ واحد. واختلفوا إذا ذكّر فائتةً في ضيق(٣) وقتٍ حاضرة على ثلاثة أقوال: يبدأ بالفائتة وإنْ خرَج وقتُ الحاضرةِ، وبه قال مالكٌ والليث والزهريُّ وغيرهم كما قدَّمناه. الثاني: يبدأ بالحاضرة، وبه قال الحسن والشافعيُّ وفقهاء أصحاب الحديث والمحاسبي وابن وهبٍ من أصحابنا. الثالث: يَتخيَّر فيقدِّم أيتَهما شاء، وبه قال أشهب(٤). وجه الأول: كثرة الصلوات، ولا خلافَ أنه يبدأ بالحاضرة مع الكَثْرة؛ قاله القاضي عياض(٥). واختلفوا في مقدار اليسير؛ فعن مالك: الخمس فدون، وقد قيل: الأربع فدون لحديث جابر. ولم يختلف المذهب أن السِّتَّ کثیرٌ. السادسة: وأما مَن ذكّر صلاةً وهو في صلاة، فإن كان وراء الإمام فكلُّ مَن قال (١) سنن الترمذي (١٧٩)، وهو عند أحمد (٣٥٥٥)، والنسائي ١٧/٢ - ١٨ قال الترمذي: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ﴾ عند أحمد (١١١٩٨)، والنسائي ٢/ ١٧ . (٢) في (د) و(م): صلاة. (٣) في (د) و(م): مضيق. (٤) المفهم ٢/ ٢٥٧ دون ذكر المحاسبي. (٥) في إكمال المعلم ٥٩٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة المفهم ٢٥٧/٢، والكلام منه إلى آخر المسألة. ٣٣ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ بوجوب الترتيب ومن لم يقل به، يقول: يتمادَى مع الإمام حتى يُكمل صلاتَه (١). والأصل في هذا ما رواه مالكٌ والدارقطني(٢)، عن ابن عمر قال: إذا نَسِيَ أحدُكم صلاةً فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام؛ فَلْيُصلِّ مع الإمام، فإذا فرغَ من صلاته، فليصلِّ الصلاةَ التي نَسِيَ، ثم ليعِدْ صلاته التي صلَّى مع الإمام. لفظ الدار قطني؛ وقال: قال موسى بن هارون: وحدثناه أبو إبراهيم التَّرْجُمانيُّ، قال: حدثنا سعيد [به] ورفعه إلى النبي ﴿ ووَهِمَ في رفعه، فإن كان قد رجَع عن رَفْعه فقد وفّق للصواب. ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يُصلِّي التي ذكر، ثم يُصلِّي التي صلَّى مع الإمام إلا أن يكون بينهما أكثرُ من خمس صلوات، على ما قدمنا ذِكْره عن الكوفيين. وهو مذهب جماعةٍ من أصحاب مالك المدنيين . وذكر الخِرَقِيُّ عن أحمد بن حنبل أنه قال: من ذكر صلاةً وهو في أخرى أنه يُتُمُّها ويقضي المذكورةَ، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت مُبقى(٣)، فإن خشيَ خروجَ الوقت وهو فيها أَعتقدُ ألَّا يُعيدُها، وقد أجزأته، ويقضي التي عليه. وقال مالك: من ذكر صلاةً وهو في صلاة قد صلَّى منها ركعتين سَلَّم من ركعتيه، فإن كان إماماً انهدمت عليه وعلى من خلفه وبطلت. هذا هو الظاهر من مذهب مالك، وليس عند أهل النظر من أصحابه كذلك؛ لأن قوله: فيمن ذكر صلاةً في صلاة قد صلى منها ركعة أنه يُضيف إليها أُخرى ويُسلِّم. ولو ذكرها في صلاة قد صلى منها ثلاث ركعات أضاف إليها رابعة وسلَّم، وصارت نافلة غير فاسدة، ولو انهدمت عليه كما ذكر وبطلت لم يُؤمَر أن يضيف إليها أخرى، كما لو أحدث بعد ركعة لم يُضِفْ إليها أخرى(٤). (١) التمهيد ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦. (٢) الموطأ ١٦٨/١، وسنن الدار قطني (١٥٥٩) و(١٥٦٠)، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) في (د) و(م): واسعاً، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للتمهيد ٤٠٦/٦، والكلام منه. (٤) الكافي ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤ . ٣٤ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ السابعة: روى مسلمٌ عن أبي قتادة قال: خطبنا رسولُ اللـه﴾. فذكر حديثَ المِيْضأة بطوله، وقال فيه: ثم قال: ((أَمَا لكم فيَّ أُسوة)). ثم قال: ((أَمَا إنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على مَن لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يَجيء وقتُ الصلاة الأُخرى، فمن فعل ذلك فَلْيصلِّها حين ينتبهُ لها، فإذا كان الغد فَلْيُصلِّها عند وقتها)). وأخرجه الدار قطنيُّ هكذا بلفظ مسلم سواء(١). فظاهره يقتضي إعادةَ المَقضية مرتين؛ عند ذكرها وحضورٍ مثلها من الوقت الآتي؛ ويعضد هذا الظاهرَ ما خرجه أبو داود من حديث عمران بن حُصَين، وذكر القصة وقال في آخرها : ((فمن أدركَ منكم صلاةَ الغَداة من غدٍ صالحاً فَلْيقضِ معها مثلَها))(٢). قلت: وهذا ليس على ظاهره، ولا تُعاد غير مرة واحدة؛ لِما رواه الدار قطنيُّ عن عمران بن حصين قال: سَرينا مع رسولِ اللهِ﴾ في غَزاةٍ - أو قال في سريّة - فلما كان وقتُ السَّحَر عَرَّسْنا، فما استيقظنا حتى أيقظَنا حَرُّ الشمسِ، فجعل الرَّجل منا يَئِب فَزِعاً دَهِشاً، فلما استيقظ رسولُ اللـه # أمرَنا فارتحلنا، ثم سِرنا حتى ارتفعت الشمسُ، فقضى القومُ حوائجهم، ثم أمر بلالاً فأذَّن، فصلَّينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلَّينا الغَداة، فقلنا: يا نبيَّ اللهِ، ألا نَقضيها لوقتها من الغد؟ فقال لهم رسولُ الله ◌ِ﴾: ((أينهاكم اللهُ عن الرِّبا ويقبلُه منكم؟))(٣). وقال الخطابي (٤): لا أعلمُ أحداً قال بهذا وجوباً، ويُشبه أن يكون الأمر به استحباباً لِيُحرِزَ فضيلةَ الوقتِ في القضاء. (١) صحيح مسلم (٦٨١)، وسنن الدار قطني (١٤٤٢)، وهو في مسند أحمد (٢٢٥٤٦). (٢) المفهم ٣١٦/٢، والحديث في سنن أبي داود (٤٣٨) من حديث أبي قتادة ﴾، أما حديث عمران بن حصين ﴾ عند أبي داود (٤٤٣) فليس فيه هذا اللفظ. (٣) سنن الدارقطني (١٤٤١)، وهو في مسند أحمد (١٩٩٦٤). (٤) في معالم السنن ١٣٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة المفهم ٣١٦/٢-٣١٧، والكلام منه. ٣٥ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ والصحيحُ ترك العملِ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أَينهاكم اللهُ عن الرِّبا ويقبلُه منكم)) ولأن الطّرق الصحاحَ من حديث عمران بن حُصَين ليس فيها من تلك الزيادة شيءٌ، إلا ما ذكر من حديث أبي قتادة وهو مُحتمِل كما بيناه. قلت: ذكر الكيا الطبريُّ في ((أحكام القرآن))(١) له أنَّ من السلف مَن خالف قولَه عليه الصلاة والسلام: ((مَن نَسِيَ صلاةٌ فَلْيصلِها إذا ذكرها، لا كفارةَ لها إلا ذلك))(٢) فقال: يصبر إلى مثل وقتِه فَلْيُصَلِّ، فإذا فات الصبحُ فليصل من الغد. وهذا قولٌ بعيد شاءٌ قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيَهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ آيَةٌ مشكلة؛ فُرُوي عن سعيد بن جُبير أنه قرأ: ((أَكَادُ أَخْفِيهَا)) بفتح الهمزة، قال: أُظهرها. ((لِتُجْزَى)) أي: الإظهارُ للجزاء؛ رواه أبو عُبيد، عن الكسائي، عن محمد بن سهل، عن وِقَاء ابن إياس، عن سعيد بن جُبير. وقال النحاس(٣): وليس لهذه الرواية طريقٌ غير هذا. قلت: وكذا رواه أبو بكر الأنباريُّ في كتاب ((الردّ»: حدثني أبي، حدثنا محمد ابن الجھم، حدثنا الفراء(٤)، حدثنا الکسائيُّ (ح) وحدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يوسف، حدثنا يحيى الحِمانيُّ، حدثنا محمد بن سهل. قال النحاس(٥): وأجودُ من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطّان، عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير أنه قرأ: ((أَكَادُ أُخْفيها)) بضم الهمزة. (١) ٣/ ٢٧٤. (٢) هو عند أحمد (١٣٨٤٨)، والبخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس ﴾، وقد أشار إليه المصنف في المسألة الثانية. (٣) في إعراب القرآن ٣٥/٣، وما قبله منه. وقراءة سعيد بن جبير ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٧ ، وابن جني في المحتسب ٢/ ٤٧ . (٤) معاني القرآن له ١٧٦/٢ . (٥) في إعراب القرآن ٣٥/٣. ٣٦ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ قلت: وأما قراءة ابنٍ جُبير ((أَخْفِيهَا)) بفتح الهمزة بالإسناد المذكور فقال أبو بكر الأنباري: قال الفراء (١): معناه: أُظهرها، من خَفيتُ الشيءَ أَخفيه: إذا أظهرتَه. وأنشد الفراء لامرئ القيس : فإنْ تَدفِئُوا الدَّاءَ لا نَخْفِهِ وإنْ تَبعثُوا الحربَ لا نَقعُدٍ (٢) أراد: لا نُظهره، وقد قال بعض اللغويين: يجوز أن يكون ((أُخْفِيهَا)) بضم الهمزة معناه: أُظهرها؛ لأنه يقال: خَفيتُ الشيء وأَخفيته: إذا أظهرتَه؛ فأخفته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار. وقال أبو عبيدة(٣): خَفيت وأخفيت بمعنى واحد. النحاس: وهذا حسن، وقد حكاه عن أبي الخَطَّاب، وهو رئيسٌ من رؤساء اللغةِ لا يُشُ في صدقه، وقد روى عنه سيبويه وأنشد: وإِنْ تَكتُّموا الداءَ لا نُخْفِهِ وإِنْ تَبعثُوا الحربَ لا نَقعُدٍ كذا رواه أبو عُبيدة، عن أبي الخطّاب بضم النون. وقال امرؤ القيس أيضاً: خَفَاهنَّ من أنفاقِهنَّ كأنما خَفَاهِنَّ وَدْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبٍ أي: أَظهرَ هُنَّ(٤). وروي: ((من سحاب مركَّب)) بدل: ((من عَشيٍّ مجلِّب))(٥). قال أبو بكر الأنباريُّ: وتفسيرٌ للآية آخرُ: ((إِنَّ الساعةَ آتيةٌ أكاد)) انقطع الكلام (١) في معاني القرآن ١٧٦/٢، وينظر الأضداد لابن الأنباري ص٩٦ . (٢) ديوان امرئ القيس ص١٨٦ . (٣) في مجاز القرآن ١٦/٢ بمعناه. وينظر الكلام الذي قبله فيه. (٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦/٢ - ١٧، والبيت في ديوان امرئ القيس ص٥١. قال شارحه: الوَذْق: المطر، وخص مطر العشيّ لأنه أغزر. والمُجلِّب: الذي تسمع له جَلَبة؛ لشدة وقعه. (٥) ذكر هذه الرواية الأزهري في تهذيب اللغة ٥٩٦/٧ . ٣٧ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ على ((أكاد)» وبعده مضمر: أكاد، آتي بها، والابتداء: ((أُخفيها لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ)). قال ضابئ البُرْجميُّ : هَمِمْتُ ولم أَفعلْ وكِدتُ ولیتَنِي تَركتُ على عثمانَ تَبْكي حَلَائِلُهْ أراد: وكدت أفعل(١)، فأضمر مع ((كدت)) فعلاً كالفعل المضمر معه في القرآن. قلت: هذا الذي اختاره النحاس(٢)، وزيَّف القولَ الذي قبله، فقال: يقال: خَفَى الشيءَ يَخفيه: إذا أَظهره، وقد حُكِيَ أنه يقال: أخفاه أيضاً: إذا أظهره، وليس بالمعروف، قال: وقد رأيتُ علي بنَ سليمان لمَّا أشكل عليه معنى ((أُخْفِيها)) عدَل إلى هذا القول، وقال: معناه کمعنی («أَخْفیھا)). قال النحاس: ليس المعنى على أُظهرها، ولا سيما و((أَخْفيها)) قراءةٌ شاذة، فكيف تردُّ القراءة الصحيحة الشائعةُ إلى الشاذة، ومعنى المُضمر أولى، ويكون التقدير: إن الساعةَ آتيةٌ أكاد آتي بها؛ ودلَّ ((آتية)) على آتي بها، ثم قال: ((أُخْفيها)) على الابتداء. وهذا معنى صحيحٌ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد أخفى الساعةَ التي هي القيامة، والساعةَ التي يموت فيها الإنسانُ؛ ليكون الإنسانُ يعمل والأمر عنه مبهمٌ، ولا يؤخّر التوبةً. قلت: وعلى هذا القول تكون اللام في ((لِتجزى)) متعلقةٌ بـ ((أُخفِيها)). وقال أبو علي (٣): هذا من باب السَّلب، وليس من باب الأضداد، ومعنى (أُخفِيها)): أُزيل عنها خفاءها، وهو سترها، كخِفاء الأخفية - وهي: الأكسية - والواحد خِفاء، بكسر الخاء: ما تُلَفُّ به القربة، وإذا زال عنها سترها ظهرت. ومن (١) الكلام بنحوه في الأضداد لابن الأنباري ص٩٦ - ٩٧ ، ونقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٣٩٧/٣، والبيت سلف ٣١١/١١. (٢) في إعراب القرآن ٣٥/٣ . (٣) ذكره عنه ابن جني في المحتسب ٢/ ٤٧، والطبرسي في مجمع البيان ١٦/ ٨٧ . ٣٨ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ هذا قولهم: أشكيته، أي: أَزلت شكواه، وأعديته، أي: قبلت استعداءه، ولم أُحوجه إلى إعادته. وحكى أبو حاتم عن الأخفش: أن ((كاد)» زائدة مُؤَكِّدة. قال: ومثله ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَمُ لَرْ يَكَّ يَرَهَا﴾ [النور: ٤٠]، لأن التُّلماتِ التي ذكرها اللهُ تعالى بعضُها يحول بين الناظر والمنظور إليه. ورويَ معناه عن ابن جُبير(١)، والتقدير: إنَّ الساعةَ آتيةٌ أُخفيها لِتُجزى كلُّ نفس بما تسعى. وقال الشاعر: سريعٌ إِلى الهيجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ فما إِنْ يَكادُ قِرْنُهُ يَتَنفَّسُ أراد: فما يَتَنفَّس(٢). وقال آخر : وألَّا أكادُ بالذي نِلتُ أَنجحُ وأَلَّا ألومُ النفسَ فيما أصابني معناه: وألا أنجحُ بالذي نِلتُ؛ فأكاد توكيدٌ للكلام(٣). وقيل: المعنى ((أَكَادُ أُخْفِيهَا)) أي: أُقارب ذلك؛ لأنك إذا قلت: كاد زيدٌ يقوم، جاز أن يكون قام، وأن يكون لم يقم. ودلَّ على أنه قد أخفاها بدلالةٍ غير هذه على هذا الجواب (٤). قال اللغويون: كِذْتُ أفعلُ، معناه عند العرب: قاربتُ الفعلَ ولم أفعل، وما كدت أفعل معناه: فعلت بعد إبطاءٍ. وشاهِدُه قولُ اللهِ عزّت عَظَمتُه: ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، معناه: وفعلوا بعد إبطاءٍ؛ لِتعذّر وُجدانِ البقرة عليهم. (١) ذكره السمين الحلبي في الدر المصون ٢٠/٨. (٢) ينظر تفسير الطبري ٣٩/١٦، والأضداد لابن الأنباري ص٩٧، والمحتسب ٤٨/٢، والبيت لزيد الخيل الطائي، وهو في ديوانه ص٧٤ . (٣) الأضداد لابن الأنباري ص ٩٧ - ٩٨ ، والبيت لتميم بن مقبل، وهو في ديوانه ص٢٤ ، وفيه: أفرح، بدل: أنجح، وفي الأضداد: أبجح. ومعناها: أفرح. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٣. ٣٩ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ وقد يكون: ما كدتُ أفعل بمعنى: ما فعلت ولا قاربت إذا أَّد الكلام بأكاد. وقيل: معنى ((أَكَادْ أُخْفِيها)): أُريد أُخفيها. قال الأنباري: وشاهدُ هذا قولُ الفصيح من الشعر: كادتْ وكِدتُ وتِلكَ خيرُ إِرادةٍ · لو عادَ من لَهْوِ الصَّبابةِ ما مَضَى معناه: أرادتْ وأردتُ(١). وقال ابن عباس(٢) وأكثرُ المفسرين فيما ذكر الثعلبي: إن المعنى أكاد أُخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أُبيِّ. وفي مصحف ابن مسعود: أكاد أُخفيها من نفسي، فكيف يَعلمها مخلوقٌ. وفي بعض القراءات: فكيف أُظهرها لكم؟. وهو محمولٌ على أنه جاء على ما جرتْ به عادةُ العرب في كلامها، من أن أحدَهم إذا بالغ في كِتمان الشيء قال: كِدتُ أُخفيه من نفسي. والله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ(٣)، قال معناه قطرب(٤) وغيره. وقال الشاعر: أيامَ تَصحبني هندٌ وأُخبرُهَا ما أَكتُم النفسَ من حَاجِي وأَسْرَارِي(٥) فكيف يُخبرها بما تكتُم نفسُه؟ ومن هذا الباب قولُهُ ﴾: ((ورجل تصدَّق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تُنفِقُ يمينُه))(٦). (١) الأضداد لابن الأنباري ص٩٨، وينظر الكلام الذي قبله فيه وفي تفسير الطبري ٣٩/١٦، وزاد المسير ٢٧٦/٥ . (٢) أخرجه الطبري ٣٥/١٦. (٣) تفسير البغوي ٣/ ٢٠٤، وقراءة أُبَيّ وابن مسعود رضي الله عنهما ذكرهما أيضاً الرازي في تفسيره ٢٢/٢٢. (٤) ذكره عنه الواحدي في الوسيط ٢٠٣/٣ . (٥) أورده أبو حيان في البحر ٢٣٣/٦، وعجز البيت عنده: ما كدتُ أكتمه عني من الخبر. (٦) أخرجه أحمد (٩٦٦٥)، والبخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة ، وهو قطعة من حديث: ((سبعة يُظلُّهم الله في ظِلِّه .. )). ٤٠ سورة طه: الآيات ٩ - ١٦ الزمخشريُ(١): وقيل: معناه: أكاد أُخفيها من نفسي، ولا دليلَ في الكلام على هذا المحذوف؛ ومحذوفٌ لا دليل عليه مُطَّرح، والذي غرَّهم منه أن في مصحف أُبَيّ: أكاد أُخفيها من نفسي؛ وفي بعض المصاحف: أكاد أُخفيها من نفسي، فكيف أُظهركم عليها؟. قلت: وقيل: إن معنى قولٍ من قال: أكاد أُخفيها من نفسي، أي: إنَّ إخفاءها كان من قِبَلي، ومن عندي، لا من قِبَل غيري. وروي عن ابن عباس أيضاً: أكاد أُخفيها من نفسي (٢)، ورواه طلحةُ بن عمرو عن عطاء. وروى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لا أُظهر عليها أحداً (٣). وروي عن سعيد بن جبير قال: قد أخفاها. وهذا على أن كاد زائدة. أي: إن الساعةَ آتيَةٌ أُخفيها، والفائدةُ في إخفائها التخويف والتهويل (٤). وقيل: تعلّق ((لِتُجزى)) بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾ فيكون في الكلام تقدیمٌ وتأخير، أي: أَقِم الصلاةَ لِتذكُرني ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: بِسعيها ﴿إِنَّ الشَاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَدُ أُغْفِيهَا﴾. واللهُ أعلم. وقيل: هي مُتعلِّقة بقوله: ((آتيةٌ))، أي: إنَّ الساعةَ آتيةٌ لِتُجزى(٥). ﴿فَلَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي: لا يصرفنَّك عن الإيمان بها والتصديق لها ﴿مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنِهُ﴾، ﴿فَتَرْدَى﴾ أي: فَتَهْلِكَ. وهو في موضع نصب بجواب النهي(٦). (١) الكشاف ٢/ ٥٣٢. (٢) سلف قريباً. (٣) أخرجه الطبري ٣٤/١٦. (٤) تفسير البغوي ٢٠٤/٣، وزاد المسير ٢٧٧/٥ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٦/٣ بمعناه. (٦) البيان لابن الأنباري ٢/ ١٤٠.