النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة مريم: الآيتان ٦٤ - ٦٥
تزورنا أكثر ممَّا تزورنا)) قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا تَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكٌ﴾ إلى آخر
الآية. قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه البخاريُّ: حدَّثنا خلاد بن يحيى،
حدَّثنا عمر بن ذرِّ قال: سمعتُ أبي يحدِّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّ
النبيَّ﴾ قال لجبريل: ((ما يمنعك أن تزورنا أكثرَ مما تزورنا)) فنزلت: ﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا
◌ِأَمْرٍ رَبٌِّ﴾ الآية. قال: كان هذا الجواب لمحمَّد﴾(١).
وقال مجاهد: أبطأ الملَك على رسول اللـه ﴾ ثم أَتاه، فقال: ((ما الذي أبطأك))
قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصُّون أظفاركم، ولا تأخذون من شواربكم، ولا تُنَقُّون
رَوَاجِبَكم، ولا تستاكون، قال مجاهد: فنزلت الآية في هذا. وقال مجاهد أيضاً
وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبي: احتبس جبريلُ عن النبيِّ# حين سأله
قومه عن قصّة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يَدْرِ ما يجيبهم، ورجا أن
يأتيه جبريلُ بجواب ما سألوا عنه. قال عكرمة: فأبطأَ عليه أربعين يوماً. وقال
مجاهد: اثنتي عشرة ليلةً. وقيل: خمسة عشر يوماً. وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: ثلاثة
أيام، فقال النبيُّ ﴾: ((أبطأت عليَّ حتى ساء ظنِّي واشتقت إليك)) فقال جبريل عليه
السلام: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست،
فنزلت الآية: ﴿وَمَا نَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ﴾ وأنزل ﴿وَالضُّحَى. وَالَتْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَذَّعَكَ رَبُّكَ
وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١-٣]. ذكره الثعلبيُّ والواحديُّ والقشيريُّ وغيرهم(٢).
وقيل: هو إخبار من أهل الجنّة أنَّهم يقولون عند دخولها: وما نتنزل هذه الجنان
(١) الترمذي (٣١٥٨)، والبخاري (٧٤٥٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٤٣).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٣١٠، وذكره عنهم ابن أبي حاتم ٢٤١٤/٧ (١٣١٧٢) و(١٣١٧٠)، وذكر
ابن الجوزي في زاد المسير ٢٤٩/٥ أقوال إبطاء جبريل عن النبي #، إلا أنه ذكر خمسة وعشرين يوماً،
بدل: ثلاثة عشر يوماً. وورد في أسباب النزول: براجمكم، بدل: رواجبكم. قال الجوهري في الصحاح
(رجب): والراجبة في الإصبع: واحدة الرواجب، وهي مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم
البراجم، ثم الأشاجع اللاتي يلين الكف.

٤٨٢
سورة مريم: الآيتان ٦٤ - ٦٥
إلا بأمر ربك(١). وعلى هذا تكون الآية متّصلة بما قبل. وعلى ما ذكرنا من الأقوال
قيل: تكون غير متصلة بما قبلها، والقرآن سور، ثم السور تشتمل على جمل، وقد
تنفصل جملة عن جملة.
﴿وَمَا نَزَّلُ﴾ أي: قال الله تعالى: قل يا جبريل: ((وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ)). وهذا
يحتمل وجهين: أحدهما: إنَّا إذا أُمرنا نَزَلنا عليك. الثاني: إذا أَمرك ربُّك نزَّلنا
عليك، فيكون الأمر على الأوَّل متوجّهاً إلى النزول، وعلى الوجه الثاني متوجِّهاً إلى
التنزيل(٢).
وقوله تعالى: ﴿لَهُ﴾ أي: لله. ﴿مَا بَيْنَ أَيَدِينَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا ﴿وَمَا خَلْفَنَا
وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال ابن عباس وابن جريج: ما مضى أمامنا من أَمْرِ الدنيا، وما يكون
بعدَنا من أمرها وأمر الآخرة، ((وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ)): من البَرْزخ(٣).
وقال قتادة ومقاتل: ((له ما بين أيدينا)): من أمر الآخرة، ((وما خلفنا)): ما مضى
من الدنيا، ((وما بين ذلك)): ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة (٤).
الأخفش(٥): ((ما بين أيدينا)): ما كان قبل أن نخلق، ((وما خلفنا)»: ما يكون بعد
أن نموت، ((وما بين ذلك)): ما يكون منذ خلقنا إلى أن نموت.
وقيل: ((ما بين أيدينا)): من الثواب والعقاب وأمور الآخرة. ((وما خلفنا)): ما
مضى من أعمالنا في الدنيا. ((وما بين ذلك)): أي ما يكون من هذا الوقت إلى يوم
القيامة(٦).
(١) زاد المسير ٢٥٠/٥.
(٢) النكت والعيون ٣٨٢/٣.
(٣) النكت والعيون ٣٨٢/٣ ونسبه للطبري، وأخرجه الطبري ٥٨٣/١٥ عن ابن جريج.
(٤) النكت والعيون ٣٨٢/٣، وتفسير البغوي ٢٠٢/٣ .
(٥) في معاني القرآن ٦٢٦/٢ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٣ .

٤٨٣
سورة مريم: الآيتان ٦٤ - ٦٥
ويحتمل خامساً: ((ما بين أيدينا)): السماء، ((وما خلفنا)): الأرض، ((وما بين
ذلك)): أي: ما بين السماء والأرض.
وقال ابن عباس في رواية: ((له ما بين أيدينا)): يريد الدنيا إلى الأرض، ((وما
خلفنا)): يريد السماوات - وهذا على عكس ما قبله ــ ((وما بين ذلك)): يريد الهواء،
ذكر الأوّل الماورديُّ(١) والثاني القشيريُّ. الزمخشريُّ(٢): وقيل ما مضى من أعمارنا
وما غبَر منها، والحال التي نحن فيها. ولم يقل: ما بين ذينك؛ لأنَّ المرادَ ما بين ما
ذكرنا، كما قال: ﴿لَّا فَارِضٌّ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: بين ما ذكرنا.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أي: ناسياً، إذا شاء أن يُرسِل إليك أَرسل. وقيل: المعنى:
لم يَنْسَكَ وإن تأخّر عنك الوحي(٣). وقيل: المعنى أنَّه عالِم بجميع الأشياء متقدّمها
ومتأخِّرها، ولا ينسى شيئاً منها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَنَهُمَا﴾ أي: ربُّهما وخالقهما وخالقُ ما
بينهما، ومالكهما ومالك ما بينهما، فكما إليه تدبير الأزمان، كذلك إليه تدبير الأعيان.
﴿فَأَعْبُدُهُ﴾ أي: وحِّده لذلك. وفي هذا دلالة على أنَّ اكتسابات الخَلْق مفعولةٌ لله
تعالى، كما يقوله أهل الحقِّ، وهو القول الحقُّ؛ لأنَّ الربَّ في هذا الموضع لا يُمكن
حمله على معنى من معانيه إلا على المالك، وإذا ثبت أنَّه مالك ما بين السماء
والأرض، دخل في ذلك اكتساب الخَلْق، ووجبت عبادته؛ لما ثبت أنَّه المالك على
الإطلاق، وحقيقة العبادة الطاعة بغاية الخضوع، ولا يستحقها أحدٌ سوى المالك
المعبود.
﴿وَأَضْطَِّرْ لِنَذٌَِ﴾ أي: لطاعته، ولا تحزن لتأخير الوحي عنك، بل اشتغل بما
أمرت به. وأصل اصطبر: اصتبر، فثقل الجمع بين التاء والصاد لاختلافهما، فأبدل
(١) في النكت والعيون ٣٨٢/٣ .
(٢) في الكشاف ٥١٦/٢ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٣٣٧/٣ بنحوه.

٤٨٤
سورة مريم: الآيات ٦٤ - ٧٢
من التاء طاء، كما تقول من الصوم: اصطام(١).
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّ﴾ قال ابن عباس: يريد هل تعلم له ولداً، أي: نظيراً، أو
مِثْلاً، أو شبيهاً يستحقُّ مثل اسمه الذي هو الرحمن. وقاله مجاهد. مأخوذ من
المساماة (٢).
وروى إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هل تعلم له أحداً
سُمِّي الرحمن. قال النخَّاس(٣): وهذا أجلُّ إسناد علمته روي في هذا الحرف، وهو
قول صحيح، لا يقال الرحمن إلا لله. قلت: وقد مضى هذا مبيّناً في البسملة (٤)
والحمد لله، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ((هل تعلم له سمِيًّا)) قال: مِثْلاً.
ابن المسيب: عدلاً(٥). قتادة والكلبي: هل تعلم أحداً يُسمَّى الله تعالى غير
الله(٦)، أو يقال له: الله، إلا الله. و((هل)) بمعنى ((لا))، أي: لا تعلم. والله تعالى
أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنَنُ أَوِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٨) أَوَلَا يَذْكُرُ
اُلْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ
لَنَحْضِرَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِيًا ٨َ ثُمَّ لَنَزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحَْنِ
عِيًّاً ( ثُمَّ ◌َنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا كَانَ عَى
(٨ ثُمَّ تَّجِ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا ◌ِيًّاً
رَبِّكَ حَثْمًا مَّقْضِيًّا
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ اُلْإِنَنُ أَمِذَا مَا مِتُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّ﴾ الإنسان هنا أبيُّ بن
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٣/٣ .
(٢) النكت والعيون ٣٨٢/٣، وأخرجه عنهما الطبري ٥٨٥/١٥ - ٥٨٦ .
(٣) في معاني القرآن ٣٤٤/٤ وما قبله منه.
(٤) ١٥٩/١ وما بعدها.
(٥) تفسير البغوي ٣/ ٢٠٣ ونسبه لا بن جبير.
(٦) النكت والعيون ٣٨٢/٣.

٤٨٥
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
خَلَف، وجد عظاماً باليةً ففتَّها بيده، وقال: زعم محمد أنَّا نبعث بعد الموت، قاله
الكلبي. ذكره الواحديُّ(١) والثعلبيُّ والقشيريُّ. وقال المهدويُّ: نزلت في الوليد بنٍ
المغيرة وأصحابه، وهو قول ابنِ عباس(٢).
واللام في: ((لسوف أُخرج حيًّ)) للتأكيد. كأنَّه قيل له: إذا ما مثَّ لسوف تُبعَث حيًّا
فقال: ((أئذا ما متُّ لسوف أُخرج حيًّا))! قال ذلك منكراً؛ فجاءت اللام في الجواب
كما كانت في القول الأول، ولو كان مبتدئاً لم تدخل اللام؛ لأنَّها للتأكيد والإيجاب
وهو مُنكِر للبعث.
وقرأ ابن ذكوان: ((إذا ما مِتُّ)) على الخبر، والباقون بالاستفهام على أصولهم
بالهمز (٣). وقرأ الحسن وأبو حيوة: (لَسَوْفَ أَخْرُجُ حَيًّا))(٤)، قاله استهزاء؛ لأنَّهم لا
يُصدِّقون بالبعث، والإنسان هاهنا الكافر.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ﴾ أي: أَوَلا يذكر هذا القائل ﴿أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن
قَبْلُ﴾ أي: من قبل سؤاله وقولِه هذا القول ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فالإعادة مثل الابتداء، فلم
یناقض.
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً، وأهل مكّة وأبو عمرو وأبو جعفر: ((أَوَلَا يَذَّكَّرُ)).
وقرأ شيبة ونافع وعاصم: ((أَوَلَا يَذْكُرُ)) بالتخفيف - والاختيار التشديد، وأصله يتذكَّر؛
لقوله تعالى: ﴿إِّ يَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾ [الرعد: ١٩] وأخواتها - وفي حرف أبيٍّ: ((أَوَلَا
يَتَذَكَّرُ)) وهذه القراءة على التفسير، لأنَّها مخالفة لخطّ المصحف: ومعنى ((يَتَذَكَّرُ)):
يتفكّر، ومعنى ((يَذْكُرُ)): يتنبّه ويَعلم، قاله النَّاس(٥).
(١) في أسباب النزول ص ٣١٠ .
(٢) الوسيط ١٩٠/٣.
(٣) التيسير ص١٤٩.
(٤) المحرر الوجيز ٢٥/٤، والقراءة في القراءات الشاذة ص ٨٥.
(٥) في إعراب القرآن ٢٣/٣ إلا ما بين معترضتين فمن الطبري ٥٨٧/١٥ بنحوه، والقراءة في السبعة
ص٤١٠، والتيسير ص١٤٩، وتحرفت لفظة: شيبة، في مطبوع إعراب القرآن للنحاس إلى: شعبة.

٤٨٦
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ﴾ أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنَّه يَحشرهم من
قبورهم إلى المَعاد كما يحشر المؤمنين . ﴿ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي: ولنحشرنَّ الشياطين قرناءَ
لهم. قيل: يُحشر كلُّ كافر مع شيطان في سلسلة (١)، كما قال: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلُواْ
وَأَزْوَجَهُمْ﴾. الزمخشري(٢): والواو في: ((والشَّيَاطِين)) يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى
(مع))، وهي بمعنى ((مع)) أوقع. والمعنى أنَّهم يُحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين
أَغووهم، يقرنون كلَّ كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت: هذا إذا أُريد بالإنسان
الكَفَرة خاصة، فإن أُريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرُهم مع الشياطين؟
قلت: إذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكَفَرة مقرونين بالشياطين، فقد
حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكَفَرة.
فإن قلت: هلَّا عُزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عُزلوا عنهم في الجزاء؟
قلت: لم يفرق بينهم في المحشر، وأُحضروا حيث تجائوا حول جهنّم، وأُوردوا
معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجَّاهم الله منها وخلَّصهم، فيزدادوا لذلك
غبطةً، وسروراً إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم، فتزداد مَساءتهم
وحسرتهم، وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم (٣).
فإن قلت: ما معنى إحضارهم جِئيًّا؟ قلت: أمَّا إذا فُسِّر الإنسان بالخصوص
فالمعنى أنَّهم يعتلون (٤) من المحشر إلى شاطئ جهنّم عَثْلاً على حالهم التي كانوا
عليها في الموقف، جثاة على رُكَبِهم غير مشاة على أقدامهم. وذلك أنَّ أهل الموقف
وصفوا بالجثوِّ، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُِّ جَائِيَّةٌ﴾ [الجاثية: ٢٨] على الحالة
(١) الوسيط ٣/ ١٩٠.
(٢) في الكشاف ٥١٩/٢ .
(٣) الكشاف ٥١٩/٢ ، وما بعده منه.
(٤) في الكشاف ٥١٩/٢: يقبلون. قال الأزهري في تهذيب اللغة ٢/ ٢٧٠: وقال الليث: العَثْل: أن تأخذ
بتلبيب الرجل فتعتِلَه، أي: تجرّه إليك وتذهب به إلى حبس أو بليَّة.

٤٨٧
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات(١)، من تجاثي أهلها على الرُّكَب، لما
في ذلك من الاستيفاز(٢) والقَلَق، وإطلاق الحُبَى(٣)، وخلاف الطمأنينة، أو لما
يَدهمهم من شدَّة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على رُكبهم
جثواً (٤). وإن فُسِّر بالعموم فالمعنى أنَّهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنّم. على أنَّ
((جِئِيًّا)) حال مقدَّرة كما كانوا في الموقف متجاثين؛ لأنَّه من توابع التواقف للحساب،
قبل التواصل إلى الثواب والعقاب.
ويقال: إنَّ معنى ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ أي: جِئيًّا على رُكّبهم، عن مجاهد
وقتادة(٥)، أي: إنَّهم لشدَّة ما هم فيه لا يقدرون على القيام.
و ((حول جهنّم)) يجوز أن يكون: داخلها، كما تقول: جلس القوم حول البيت،
أي: داخله مطيفين به(٦). فقوله: ((حول جهنّم)) على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول،
ويجوز أن یکون قبل الدخول.
و((جِئْيًّا)) جمع جاثٍ. يقال: جثا على رُكْبتيه يَجْثو ويَجْثِي جُثُوًّا وجُئِيًّا على فُعُول
فيهما. وأَجثاه غيرُه. وقوم جُئيٍّ أيضاً، مثل جلس جلوساً وقوم جلوس، وجِئي أيضاً
بكسر الجيم لما بعدها من الكسر (٧).
وقال ابن عباس: ((جئيًّا)): جماعات. وقال مقاتل: جمعاً جمعاً، وهو على هذا
التأويل جمع جُثْوة وجَثْوَة وجِثْوة، ثلاث لغات، وهي الحجارة المجموعة والتراب
(١) في (د) و(ظ): والمثاقلات.
(٢) قال الجوهري في الصحاح (وفز): قعد مستوفزاً: أي: غير مطمئن.
(٣) الحَبْوة: الثوب الذي يحتبى به، والجمع: حِّى وحُبِى. متن اللغة (حبو).
(٤) في الكشاف: فيحبون على ركبهم حبواً.
(٥) الوسيط ١٩٠/٣ عن مجاهد، والمحرر الوجيز ٢٦/٤ عن قتادة.
(٦) الوسيط ١٩٠/٣.
(٧) الصحاح (جثا).
:

٤٨٨
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
المجموع (١)، فأهل الخمر على حِدَة، وأهل الزنى على حِدَة، وهكذا، قال طرفة(٢):
صفائحُ صُمٌّ من صفيحِ مُنَضَّدٍ
تَرَى جُثْوتين من تُرابٍ عليهما.
وقال الحسن والضَّخَّاك: جائية على الركب(٣). وهو على هذا التأويل جمع جاثٍ
على ما تقدَّم. وذلك لضيق المكان، أي: لا يمكنهم أن يجلسوا جلوساً تامًا. وقيل:
جئيًّا على رُكَبهم للتخاصم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْفِيَةِ عِندَ رَيْكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾
[الزمر: ٣١]. وقال الگميت:
هم تَركُوا سَرَاتَهُمُ جثيًّا.
وهم دون السَّراةِ مقرَّنينَا(٤)
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَفْرِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: لنستخرجنَّ من كلِّ أُمَّة وأهل دين
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الَّحْمَنِ عِنْيًا﴾ النخَّاس(٥): وهذه آية مُشكِلة في الإعراب؛ لأنَّ القرَّاء
كلَّهم يقرؤون: ((أيُّهم)) بالرفع إلا هارون القارئ الأعور، فإنَّ سيبويه حكى عنه: ((ثم
التنزِعِنَّ مِن كلِّ شِيعةٍ أَيَّهُمْ)) بالنصب أَوقع على ((أيهم)) لنزعنَّ(٦).
قال أبو إسحاق(٧): في رفع «أُّھم)) ثلاثة أقوال، قال الخليل بن أحمد - حكاه
عنه سيبويه (٨) -: إنَّه مرفوع على الحكاية، والمعنى: ثم لننزعنَّ من كلِّ شيعة الذي
يقال من أجل عتوِّه أَيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا، وأنشد الخليل، فقال(٩):
(١) الوسيط ١٩٠/٣.
(٢) في ديوانه ص٣٣ .
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٢٠٣ .
(٤) دیوان الكميت ص٤٥٨ وعجزه فيه هكذا: وما دون السراة مغربلينا
(٥) في إعراب القرآن ٢٣/٣ - ٢٤ .
(٦) الكتاب ٣٩٩/٢، ونسبها هارون إلى الكوفيين، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ إلى
معاذ الهراء وطلحة بن مصرف.
(٧) في معاني القرآن ٣٩٩/٣، ونقله عنه القرطبي بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٤/٣ .
(٨) في الكتاب ٣٩٩/٢ .
(٩) القائل هو الأخطل، والبيت في ديوانه ص ٨٤ .

٤٨٩
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
فأَبِيتُ لا حرِجٌ ولا مَحْرومُ
ولقد أَبيتُ من الفتاة بمنزلٍ
أي: فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حَرِجٌ ولا مَحرومُ. وقال أبو جعفر
النخَّاس(١): ورأيت أبا إسحاق(٢) يختار هذا القولَ ويستحسنه، قال: لأنَّه معنى قول
أهل التفسير. وزعم أنَّ معنى ((ثم لننزعنَّ من كلِّ شيعة)): ثم لننزعنَّ من كلِّ فرقة
الأَعتى فالأعتى. كأنَّه يبتدأ بالتعذيب بأشدِّهم عتيًّا ثم الذي يليه، وهذا نصُّ كلام أبي
إسحاق في معنى الآية. وقال يونس: ((لننزعنَّ)) بمنزلة الأفعال التي تُلغى، ورفع
((أيهم)) على الابتداء.
المهدويُّ: والفعل الذي هو ((لننزعنَّ)) عند يونس معلَّق، قال أبو عليٍّ (٣): معنى
ذلك أنَّه يعمل في موضع ((أيهم أشدُّ)) لا أنَّه ملغَى. ولا يعلَّق عند الخليل وسيبويه مثل
(لنزعنَّ))، إنَّما يعلّق بأفعال الشَّكِّ وشِبْهها ما لم يتحقَّق وقوعه.
وقال سيبويه: ((أيُّهم)) مبنيٍّ على الضمِّ؛ لأنَّها خالفت أخواتها في الحذف؛ لأنَّك
لو قلت: رأيتُ الذي أفضلُ، ومَنْ أفضلُ، كان قبيحاً، حتى تقول: من هو أفضلُ،
والحذف في ((أیھم)» جائز.
قال أبو جعفر(٤): وما علمتُ أحداً من النَّخْويِّين إلا وقد خطَّأَ سيبويه في هذا،
وسمعت أبا إسحاق يقول: ما يتبيَّن لي أنَّ سيبويه غَلِطَ في كتابه إلا في موضعين هذا
أحدهما، قال: وقد علمنا أنَّ سيبويه أَعرب ((أيًّا)) وهي مفردة؛ لأنَّها تُضاف، فكيف
يَبْنيها وهي مضافة؟! ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمتُ إلا هذه الثلاثة الأقوال. أبو
عليٍّ: إنَّما وجب البناء على مذهب سيبويه؛ لأنَّه حذف منه ما يتعرَّف به وهو الضمير
مع افتقار إليه، كما حذف في (مِن قَبْلُ)) و((مِن بَعْدُ)) ما يتعرَّفان به مع افتقار المضاف
(١) في إعراب القرآن ٢٤/٣ .
(٢) أي: الزجاج، وكلامه في معاني القرآن ٣٤٠/٣ .
(٣) نقله عنه القرطبي بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٦/٤ .
(٤) في إعراب القرآن ٢٤/٣، وما قبله منه.

٤٩٠
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
إلى المضاف إليه؛ لأنَّ الصلة تبيِّن الموصولَ وتوضِّحه، كما أنَّ المضاف إليه يبيِّن
المضاف ويخصِّصه. قال أبو جعفر: وفيه أربعة أقوال سوى هذه الثلاثة التي ذكرها أبو
إسحاق، قال الكسائيُّ: (لننزعنَّ)) واقعة على المعنى، كما تقول: لبستُ من الثياب،
وأكلتُ من الطعام، ولم يقع (لننزعنَّ)) على ((أيهم)) فينصبها.
زاد المهدويُّ: وإنَّما الفعل عنده واقع على موضع ((من كلِّ شيعة)) وقوله: ((أيهم
أشدُّ)) جملة مستأنفة مرتفعة بالابتداء، ولا يرى سيبويه زيادة ((من)) في الواجب.
وقال الفرَّاء(١): المعنى: ثم لننزعنَّ بالنداء، ومعنى (لننزعن)): لننادينَّ.
المهدوي: و((نادى)) فعل يعلّق إذا كان بعده جملة، كظننت فتعمل في المعنى ولا
تعمل في اللفظ. قال أبو جعفر (٢): وحكى أبو بكر بن شقير أنَّ بعضَ الكوفيين يقول
في ((أيهم)) معنى الشرط والمجازاة، فلذلك لم يعمل فيها ما قبلها، والمعنى: ثم
لننزعنَّ من كلِّ فرقة إن تشايعوا أو لم يتشايعوا، كما تقول: ضربت القومَ أيَّهم
غَضِبَ، والمعنى: إن غضبوا، أو لم يغضبوا. قال أبو جعفر(٣): فهذه ستّة أقوال،
وسمعت عليّ بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد قال: ((أيهم)) متعلّق بـ ((شيعة)) فهو
مرفوع بالابتداء، والمعنى: ثم لننزعنَّ من الذين تشايعوا أيهم، أي: من الذين
تعاونوا فنظروا أيهم أشدّ على الرحمن عتيًّا، وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائيُّ أنَّ
التشايعَ التعاون. و((عتيًّا)) نصب على البيان.
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِلَّذِيْنَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِيًّا﴾ أي: أحقُّ بدخول النار. يقال: صَلَى يَضْلِي
صِليًّا، نحو مضى الشيء يمضي مُضِيًّا: إذا ذهب، وهوى يهوي هُوِيًّا. وقال
(١) نقله عنه المصنف بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢٥/٣.
(٢) في إعراب القرآن ٢٥/٣، وما قبله منه.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٢٥، وتنظر المسألة بتمامها في الكتاب لسيبويه ٣٩٨/٢ - ٤٠٢، وإعراب
القرآن لمكي بن أبي طالب ٤٥٨ - ٤٦٠، والبيان ١٣٠/٢ - ١٣٣، والإنصاف ٧٠٩/٢ - ٧١٦ لابن
الأنباري.

٤٩١
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
الجوهريُّ(١): ويقال: صَلَيْتُ الرجلَ ناراً، إذا أدخلته النار وجعلته يَصلاها، فإن
ألقيته فيها إلقاءً كأنَّك تريد الإحراقَ قلت: أَصْلَيْتُه، بالألف، وصَلَّيتُه تصليةً. وقرئ:
(ويُصَلَّى سَعِيراً))(٢) [الانشقاق: ١٢]، ومن خفَّف فهو من قولهم: صَلِي فلانٌ بالنار
- بالكسر - يَصْلَى صِلِيًّا: احترق، قال الله تعالى: ﴿هُمْ أَوْلَى بِهَا صِيًّا﴾. قال
العجَّاج(٣):
واللهِ لولا النارُ أن نَصْلاها
ويقال أيضاً: صَلِيَّ بالأمر: إذا قاسى حرَّه وشدَّته. قال الظُّهَوِي(٤):
وَلَا تَبْلَى بَسَالَتُهُمْ وإِنْ هُمْ صَلُوا بالحرب حِيناً بعد حينٍ
واصطليتُ بالنار وتصلَّيتُ بها. قال أبو زُبَيد:
وقد تَصلَّيت حَرَّ حَرْبِهمُ كمَا تَصلَّى المقْرورُ من قَرَسِ(٥)
وفلانٌ لا يُصطَلَى بناره: إذا كان شجاعاً لا يُطاق.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ((وَإِنْ مِنْكُمْ)) هذا قسَم، والواو يتضمَّنه(٦). ويفسِّره حديث
النبيِّ ﴾: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثةٌ من الولد فتمسّه النار إلا تَحِلَّة القسم)»
(١) في الصحاح (صلا).
(٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وعامر والكسائي. السبعة ص٦٧٧ ، والتيسير ص٢٢١ .
(٣) الصحاح (صلا)، ولم نقف عليه عند العجَّاج، ونسبه ابن قتيبة في المعاني الكبير ٤٧٥/١ لرؤية، ولم
نقف عليه أيضاً، وذكر الصغاني في التكملة والذيل والصلة ٣٥٣/٦ أن الجوهريَّ نسبه للعجاج،
والأزهريَّ لرؤبة، وكلاهما غلط، وإنما هو للزَّفَيان. اهــ والزَّفَيان هو عطاء بن أسيد. معجم الشعراء
للمرزباني ص١٥٩ .
(٤) أمالي القالي ٢٦٠/١، وبهجة المجالس ٥١٨/٢، والطُّهَوي: ذو الخِرَق، واسمه: ذو الخرق بن
قرط من بني طُهيّة. المؤتلف والمختلف ص١٧٢ .
(٥) طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦١١، ودرة الغواص ص٢٤٦، وأبو زبيد هو: حرملة بن المنذر الطائي،
والمقرور: الذي أصابه القُرُّ، وهو البَرْد. والقرس: البرد الشديد. القاموس (قرر) و(قرس).
(٦) المحرر الوجيز ٤/ ٢٧ .

٤٩٢
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
قال الزهريُّ: كأنَّه يريد هذه الآية: ((وإن مِنكم إلا واردها)) ذكره أبو داود
الطيالسي(١)، فقوله: ((إلا تحِلة القسم)) يخرج في التفسير المسند؛ لأنَّ القسم
المذكور في هذا الحديث معناه عند أهل العلم قوله تعالى: ((وإن مِنكم إلا
وارِدها))(٢). وقد قيل: إنَّ المراد بالقسَم قوله تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرَوَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ
تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الِيْنَ لَوَفِعٌ﴾ [الذاريات: ١-٥] والأوَّل أشهر، والمعنى متقارب.
الثانية: واختلف الناس في الورود، فقيل: الورود: الدخول، روي عن جابر بن
عبد الله قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقول: ((الورود: الدخول، لا يبقى بَرُّ ولا فاجر
إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ
أَتَّقَواْ وَنَذَرُ الظَّالِمِنَ فِيهَا حِيًّا﴾)) أسنده أبو عمر في كتاب ((التمهيد))(٣). وهو قول ابن
عباس(٤) وخالد بن معدان(٥) وابن جريج(٦) وغيرهم. وروي عن يونس أنَّه كان يقرأ:
((وإن منكم إلا واردها)) الورود: الدخول، على التفسير للورود، فغلط فيه بعض الرواة
فألحقه بالقرآن.
وفي ((مسند الدارمي))(٧) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((يَرِدُ
الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم فمنهم كَلَمْح البصر، ثم كالريح، ثم كحُضْر (٨)
الفرس، ثم كالراكب المجِدّ في رَحْله، ثم كشدِّ الرَّجُلِ في مشيته)».
(١) في مسنده (٢٤٢٣)، وهو عند أحمد (٧٢٦٥)، والبخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢).
(٢) الاستذكار ٣٢٦/٨.
(٣) ٣٥٥/٦ - ٣٥٦، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٥٢٠).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١/٢، وهناد في الزهد (٢٢٩)، والطبري ٥٩٠/١٥ - ٥٩١ .
(٥) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٠٧)، وابن أبي شيبة ٥٦١/١٣، وهناد في الزهد (٢٣١)، والطبري
١٥/ ٠٥٩٢
(٦) تفسير الطبري ١٥/ ٥٩١، وأخرجه أيضاً عن ابن مسعود ﴾.
(٧) برقم (٢٨١٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤١٢٨)، والترمذي (٣١٥٩) وقال: هذا حديث حسن. اهـ
(٨) قال ابن الأثير في النهاية (حضر): الحُضْر بالضم: العَدْو، وأحضر يُحْضِر فهو محضر: إذا عدا.

٤٩٣
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
وروي عن ابن عباس أنَّه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجيّ: أما أنا
وأنت فلابُدَّ أن نردها، أما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنُّه ينجيك؛
لتكذيبك(١). وقد أَشفق(٢) كثيرٌ من العلماء من تحقّق الورود والجهل بالصَّدَر، وقد
بيَّنَّه في ((التذكرة))(٣).
وقالت فرقةٌ: الورود: الممرُّ على الصراط. وروي عن ابنِ عباس(٤) وابنٍ مسعود (٥)
وكعب الأحبار(٦) والسدي(٧)، ورواه السدي عن ابنٍ مسعود عن النبيِّ ﴾(٨)، وقاله
الحسن أيضاً، قال: ليس الورود الدخول، إنَّما تقول: وردت البصرة ولم أَدخلها.
قال: فالورود أن يمرُّوا على الصراط(٩). قال أبو بكر الأنباري: وقد بنى على مذهب
الحسن قوم من أهل اللغة، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] قالوا: فلا يَدخل النار من ضمن اللهُ أن
يبعده منها. وكان هؤلاء يقرؤون (ثَمَّ) بفتح الثاء (١٠) ((نُنجي الَّذِينَ اتَّقَوْا)). واحتج عليهم
الآخرون أهل المقالة الأولى بأنَّ معنى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ عن العذاب
فيها، والإحراق بها. قالوا: فمن دخلها وهو لا يشعر بها، ولا يحسُّ منها وجعاً ولا
ألماً، فهو مبعد عنها في الحقيقة. ويستدلون بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُنَجِى الَّذِينَ أُنَّقَواْ﴾ بضمٌ
الثاء، فـ ((ثم)) تدلُّ على نجاء بعد الدخول.
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١١/٢، وهناد في الزهد (٢٢٩)، والطبري ١٥/ ٥٩٠، ٥٩٨.
(٢) في (د) و(ظ): اشتق.
(٣) ص٣٣٣ - ٣٣٦.
(٤) التمهيد ٣٥٦/٦، والاستذكار ٣٢٧/٨ .
(٥) أخرجه الطبري ٥٩٥/١٥، والطبراني في الكبير (٩٠٨٤).
(٦) أخرجه أبو الليث في التفسير ٣٣٠/٢ - ٣٣١.
(٧) التمهيد ٣٥٦/٦، والاستذكار ٣٢٧/٨.
(٨) تقدم تخريجه قريباً.
(٩) معاني القرآن للزجاج ٣٤١/٣ بنحوه.
(١٠) قرأ بها ابن عباس والجحدري وابن أبي ليلى. القراءات الشاذة ص٨٦ .

٤٩٤
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
قلت: وفي ((صحيح مسلم))(١): ((ثم يُضرَبُ الجسر عل جهنّم وتَحِلُّ الشفاعة
فيقولون: اللَّهُمَّ سَلِّم سَلِّم)) قيل: يا رسول الله وما الجِسرُ؟ قال: ((دَخْضِّ مَزَلَّةٌ فيه
خَطَاطيفُ وكَلَاليبُ وحَسَكٌ تكون بنجد فيها شُوَيْكَة يقال لها: السَّعْدان، فيمرُّ
المؤمنون كطَرْف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب،
فناج مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مُرْسَل، ومَكْدُوس في نار جهنم)) الحديث. وبه احتج من قال:
إنَّ الجواز على الصراط هو الورود الذي تضمَّنته هذه الآية لا الدخول فيها.
وقالت فرقة: بل هو ورودُ إشراف واطّلاع وقُرب. وذلك أنَّهم يحضرون موضع
الحساب وهو بقرب جهنّم، فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله
الذين اتقوا مما نظروا إليه، ويصار بهم إلى الجنة. ﴿وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ﴾ أي: يؤمر بهم
إلى النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] أي: أشرف عليه لا
أنَّه دخله(٢). وقال زهير:
فَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُهُ وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخيِّم (٣)
وروت حفصة أنَّ رسول اللـه﴾ قال: «لا يدخل النارَ أحدٌ من أهل بدر
والحديبية)) قالت: فقلت: يا رسولَ الله وأين قولُ الله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
فقال رسول الله﴾: ((فَمَه ﴿ثُمَّ نُنَِّى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيَهَا جِيًا﴾)). أخرجه
مسلم من حديث أم مُبَشِّر، قالت: سمعتُ النبيَّ # يقول عند حفصة. الحديث(٤).
ورجّح الزجَّاج(٥) هذا القولَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ
عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وقال مجاهد(٦): وُرود المؤمنين النارَ: هو الحمى التي تصيب المؤمن
(١) برقم (١٨٣)، وهو عند البخاري (٧٤٣٩)، وأحمد (١١١٢٧).
(٢) التذكرة ص ٣٣٥ .
(٣) ديوان زهير ص١٣ - ١٤، قال شارحه: الجمام: ما اجتمع من الماء. وَضَعْنَ عِصِيَّ: أي أَقَمْنَ.
(٤) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٧٠٤٢)، وهو عند مسلم (٢٤٩٦) بنحوه.
(٥) في معاني القرآن ٣٤١/٣ .
(٦) أخرجه الطبري ٥٩٧/١٥، وابن عبد البر في التمهيد ٣٥٨/٦.

٤٩٥
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
في دار الدنيا، وهي حظّ المؤمن من النار فلا يردها.
روى أبو هريرة أنَّ رسولَ الله ﴾ عاد مريضاً من وَعك به، فقال له النبيُّ ﴾.
(«أَبشر فإنَّ الله تبارك وتعالى يقول: هي ناري أُسلِّطها على عبدي المؤمن لتكون حظّه
من النار)) أسنده أبو عمر قال: حدَّثنا عبد الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسم بنُ
أَصبغ، قال: حدَّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا
عبد الرحمن بنُ يزيد بن جابر، عن إسماعيل بنِ عبيد الله [ عن أبي صالح]
الأشعري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َ# عاد مريضاً فذكره(١). وفي الحديث: ((الحُمَّى
حَظُّ المؤمن من النار))(٢).
وقالت فرقة: الورود: النظر إليها في القبر، فينجَّى منها الفائز، ويَصلاها من قدر
عليه دخولها، ثم يخرج منها بالشفاعة أو بغيرها من رحمة الله تعالى. واحتجوا
بحديث ابن عمر: ((إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ)) الحديث(٣).
وروى وكيع، عن شعبةً، عن عبد الله بنِ السائب، عن رجل، عن ابنِ عباس أنَّه
قال في قول الله تعالى: ((وإِن مِنكم إلا واردها)) قال: هذا خطابٌ للكفار. وروي عنه
أنَّه كان يقرأ: ((وإن مِنهم)) ردًّا على الآيات التي قبلها في الكفار: قوله ((فَوَرَبِّكَ
(١) التمهيد ٣٥٩/٦، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٠٨٨)، وابن ماجه (٣٤٧٠)، وأحمد (٩٦٧٦)، والحاكم
في المستدرك ٣٤٥/١ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. اهـ وما بين
حاصرتين سقط من التمهيد والنسخ، واستدركناه من مصادر التخريج.
(٢) ورد هذا الحديث عن عدد من الصحابة منهم: عائشة وأخرجه عنها البزار (٧٦٥ كشف الأستار) قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٦/٢: وإسناده حسن. اهـ
وأبو أمامة وأخرجه عنه أحمد (٢٢١٦٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢١٦)، وابن عبد البر
في التمهيد ٣٥٩/٦ .
وأنس وأخرجه عنه الطبراني في الأوسط (٧٥٣٦).
قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٧ : وكلها ضعيفة.
(٣) التذكرة ص٣٣٤، والحديث أخرجه البخاري (٦٥١٥)، ومسلم (٢٨٦٦) واللفظ له، وهو عند أحمد
(٤٦٥٨).

٤٩٦
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ
أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًّا. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. وَإِنْ مِنْهُمْ)) وكذلك
قرأ عكرمة وجماعة (١). وعليها فلا شغب في هذه القراءة.
وقالت فرقة: المراد بـ ((منكم)) الكفَرة، والمعنى: قل لهم يا محمد(٢). وهذا
التأويل أيضاً سهل التناول، والكاف في ((منكم)) راجعة إلى الهاء في (لنحشرنهم
والشياطين. ثم لنحضرنَّهم حول جهنّم جئيًّا)) فلا ينكر رجوع الكاف إلى الهاء، فقد
عرف ذلك في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَيُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَّاءٍ وَكَانَ
سَعْيُكُم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١-٢٢] معناه: كان لهم، فرجعت الكاف إلى الهاء(٣).
وقال الأكثر: المخاطب العالم كلَّه، ولابُدَّ من ورود الجميع، وعليه نشأ
الخلاف في الورود(٤). وقد بينًا أقوال العلماء فيه. وظاهر الورود الدخول؛ لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((فتمسّه النار))(٥) لأنَّ المسيسَ حقيقته في اللغة المماسّة، إلا أنَّها
تكون بَرْداً وسلاماً على المؤمنين، وينجون منها سالمين. قال خالد بنُ معدان: إذا
دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ قالوا: ألم يقل ربنا: إنَّا نرد النار؟ فيقال: لقد وردتموها
فألفيتموها رماداً(٦).
قلت (٧): وهذا القول يجمع شتات الأقوال، فإنَّ من وردها ولم تُؤذِه بلهبها
وحرِّها، فقد أُبعد عنها ونُجِّي منها. نجَّانا الله تعالى منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن
وردها فدخلها سالماً، وخرج منها غانماً.
(١) التذكرة ص٣٣٥، وأخرج قول ابن عباس الطبري ٥٩٦/١٥، والقراءة في القراءات الشاذة ص٨٦ .
(٢) التذكرة ص٣٣٥، والمحرر الوجيز ٢٧/٤.
(٣) الاستذكار ٣٢٨/٨ - ٣٢٩ وعزاه إلى ابن الأنباري وغيره.
(٤) التذكرة ص٣٣٥ ، وما بعده منه.
(٥) سلف ص٤٩١ من هذا الجزء.
(٦) أخرجه الواحدي في الوسيط ٣/ ١٩١ - ١٩٢ بنحوه.
(٧) القائل هو القرطبي في التذكرة ص٣٣٥.

٤٩٧
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نُطلِقٍ هذا، ولكن نقول: إنَّ الخَلْق
جميعاً يردونها كما دلَّ عليه حديث جابر أوَّل الباب، فالعصاة يدخلونها بجرائمهم،
والأَولياء والسعداء لشفاعتهم، فبين الدخولَين بَوْنٌ.
وقال ابن الأنباري محتجًا لمصحف عثمان وقراءة العامة: جائز في اللغة أن
يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب، كما قال: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا
◌َهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَّاءَ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١-٢٢] فأَبدل الكاف من
الهاء(١). وقد تقدَّم هذا المعنى في ((يونس))(٢).
الثالثة: الاستثناء في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إلا تَحِلَّة القَسَم)) يحتمل أن
يكون استثناء منقطعاً: لكن تحلَّة القسم، وهذا معروف في كلام العرب، والمعنى ألا
تمسه النار أصلاً، وتمَّ الكلام هنا، ثم ابتدأ: ((إلا تحلة القسم)) أي: لكن تحلَّة القسم
لابُدَّ منها في قوله تعالى: ((وإن مِنكم إلا واردها)) وهو الجواز على الصراط، أو
الرؤية، أو الدخول دخولَ سلامة، فلا يكون في ذلك شيء من مسيس؛ لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((لا يموت لأحدكم ثلاثةٌ من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جُنَّة من
النار)) والجُنَّة: الوقاية والستر، ومن وُقي النارَ وسُتر عنها فلن تمسَّه أصلاً، ولو مسَّته
لما كان موقى(٣).
الرابعة: هذا الحديث يفسر الأوَّل؛ لأنَّ فيه ذكر الحِسْبة، ولذلك جعله مالك
بإثره مفسِّراً له. ويقيد هذا الحديث الثاني أيضاً ما رواه البخاريُّ(٤) عن أبي هريرة،
(١) الاستذكار ٣٢٨/٨ - ٣٢٩، والتمهيد ٣٥٧/٦.
(٢) ١٠ / ٤٧٤ .
(٣) التمهيد ٣٦١/٦ - ٣٦٢، والحديث أخرجه مالك في الموطأ ٢٣٥/١، وابن أبي عاصم في الآحاد
والمثاني (٢١٦٦)، من حديث أبي النضر السلمي. قال ابن عبد البر في التمهيد ٨٧/١٣: أبو النضر
هذا مجهول في الصحابة والتابعين. اهـ وأصل الحديث في الصحيحين كما مرَّ معنا.
(٤) معلّقاً في صحيحه، قبل حديث (١٣٨١)، وأخرجه مسنداً برقم (١٢٥٠) بنحوه، وهو عند مسلم
(٢٦٣٢): (١٥١)، وأحمد (٨٩١٦).

٤٩٨
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
عن النبيِّ﴾: ((من مات له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْث، كان له حجاباً من النار،
أو دخل الجنَّة)) فقوله عليه الصلاة والسلام: ((لم يبلغوا الحِنْث)): ومعناه عند أهل
العلم لم يبلغوا الحُلُم، ولم يبلغوا أنَّ يلزمهم حِنْث دليلٌ على أنَّ أطفال المسلمين في
الجنَّة، والله أعلم؛ لأنَّ الرحمةَ إذا نزلت بآبائهم استحال أن يُرحَموا من أجل
[من](١) ليس بمرحوم. وهذا إجماع من العلماء في أنَّ أطفال المسلمين في الجنَّة،
ولم يخالف في ذلك إلا فرقةٌ شذَّت من الجَبْريَّة فجعلتهم في المشيئة، وهو قول
مهجور، مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم
الغَلَط، إلى ما روي عن النبيِّ ﴾ من أخبار الآحاد الثقات العدول، وأنَّ قوله عليه
الصلاة والسلام: ((الشقيُّ من شقي في بطن أمِّه، والسعيد من سعد في بطن أمِّه، وأنَّ
الملَك ينزل فيكتب أجله وعمله ورزقه)) الحديث مخصوص، وأنَّ من مات من أطفال
المسلمين قبل الاكتساب فهو ممن سعد في بطن أمِّه ولم يَشْقَ؛ بدليل الأحاديث
والإجماع(٢).
وكذلك قوله :# لعائشة رضي الله تعالى عنها: ((يا عائشة إنَّ اللهَ خَلَق الجنَّة
وَخَلَق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَق النار وخَلَق لها أهلاً وهم في أصلاب
آبائهم)) ساقط ضعيف، مردود بالإجماع والآثار، وطلحة بن يحيى الذي يرويه ضعيف
لا يُحتَجُّ به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرَّج عليه(٣).
وقد روى شعبة، عن معاوية بنِ قُرَّة بن إياس المزني، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َ# أنَّ
(١) ما بين حاصرتين ليست في النسخ، واستدركناه من التمهيد ٣٤٨/٦ - ٣٤٩ والكلام منه.
(٢) التمهيد ٣٤٩/٦ - ٣٥٠، والحديث بشطره الأول أخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١٠٥٧)،
والبزار (٢١٥٠ كشف الأستار) عن أبي هريرة مرفوعاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٣ : رواه
البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح. اهـ وأخرجه الطبراني في الكبير (٣٠٤٠)
عن ابن مسعود من قوله، والشطر الثاني عند البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأحمد (٣٦٢٤)،
وينظر كشف الخفاء ٥٤٨/١ .
(٣) التمهيد ٣٥٠/٣ - ٣٥١، والحديث أخرجه مسلم (٢٦٦٢)، وأحمد (٢٤١٣٢)، وطلحة بن يحيى
مختلف فيه، وقد انتقى له مسلم هذا الحديث. تهذيب التهذيب ٢٤٤/٢ .

٤٩٩
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٢
رجلاً من الأنصار مات له ابن صغير فَوَجد عليه، فقال له رسول اللـه لَ﴾: «أما يَسرُّك
ألا تأتي باباً من أبواب الجنَّة إلا وجدتَه يَستفتح لك)) فقالوا: يا رسول الله أله خاصَّة
أم للمسلمين عامة؟ قال: ((بل للمسلمين عامة)) قال أبو عمر (١): هذا حديث ثابت
صحیح، يعني ما ذکرناہ مع إجماع الجمهور، وهو يُعارِض حديث [طلحة بن] یحیی
ويَدْفعه. قال أبو عمر(٢): والوجه عندي في هذا الحديث وما أشبهه من الآثار أنَّها
لمن حافظ على أداء فرائضه، واجتنب الكبائر، وصبر واحتسب في مصيبته، فإنَّ
الخطاب لم يتوجّه في ذلك العصر إلا إلى قوم الأغلب من أمرهم ما وصفنا، وهم
الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكر النقَّاش عن بعضهم أنَّه قال: نَسَخَ قولَه تعالى: ((وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا))
قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنَّهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] وهذا
ضعيف، وهذا ليس موضع نَسْخ(٣). وقد بينا أنَّه إذا لم تمسَّه النار فقد أبعد عنها. وفي
الخبر: ((تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي)» (٤).
الخامسة: قوله تعالى: ((كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا)) الحَتْم: إيجاب القضاء،
أي: كان ذلك حتماً. ((مقضيًّا)) أي: قضاه الله تعالى عليكم. وقال ابن مسعود: أي:
قسماً واجباً(٥).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ أي: نخلصهم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حِيًّا﴾
وهذا مما يدل على أنَّ الورود الدخول؛ لأنَّه لم يقل: وندخل الظالمين. وقد مضى
(١) في التمهيد ٣٤٩/٦ - ٣٥١، وما قبله منه، وما بين حاصرتين ليست في النسخ واستدركناه من
التمهيد، والحديث أخرجه أحمد (١٥٥٩٥)، والنسائي في المجتبى ٢٢/٤ - ٢٣ بنحوه.
(٢) في التمهيد ٣٦٢/٦ .
(٣) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٣٤٥ - ٣٤٦ .
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٥٨/٢٢ (٦٦٨)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٣٩٠، وأبو نعيم في الحلية
٣٢٩/٩، والبيهقي في شعب الإيمان ٣٣٩/١ - ٣٤٠، وقال: تفرد به سليم بن منصور، وهو منكر.
(٥) أخرجه الطبري ١٥/ ٦٠٦ .

٥٠٠
سورة مريم: الآيات ٦٦ - ٧٥
هذا المعنى مستوفّی.
والمذهب أنَّ صاحب الكبيرة وإن دخلها فإنَّه يُعاقَب بقَدْر ذنبه ثم ينجو. وقالت
المرجئة: لا يدخل. وقالت الوعيديَّة: يُخلَّد. وقد مضى بيان هذا في غير موضع.
وقرأ عاصم الجحدريُّ ومعاوية بن قرَّة: ((ثُمَّ نُنْجِي)) مخفَّفة من أَنجى. وهي قراءة
حميد ويعقوب والكسائي. وثَقَّل الباقون. وقرأ ابن أبي ليلى: ((ثَمَّهْ)) بفتح الثاء، أي:
هناك. و(ثَمَّ)) ظرف إلا أنَّه مبنيٌّ؛ لأنَّه غيرُ محصَّل فبُنيَ كما بُنيَ ذا، والهاء يجوز أن
تكون لبيان الحركة فتحذف في الوصل، ويجوز أن تكون التأنيث البقعة فتثبت في
الوصل تاءً(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ
اَلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْذٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا وَرِهِيًّا
قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّاأَ حَقََّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ
وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ﴾ أي: على الكفار الذين سبق ذِكْرهم
في قوله تعالى: ((أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)). وقال فيهم: ((ونذر الظالمِين فِيها
جِثياً)) أي: هؤلاء إذا قُرِئَ عليهم القرآن تَعزَّزوا بالدنيا، وقالوا: فما بالنا - إن كنَّا على
باطل - أكثرَ أموالاً وأعزَّ نفراً. وغَرَضهم إدخال الشُّبهة على المستضعفين، وإيهامهم
أنَّ من كثر ماله دلَّ ذلك على أنَّه المحقُّ في دينه، وكأنَّهم لم يروا في الكفار فقيراً ولا
في المسلمين غنيًّا، ولم يعلموا أنَّ الله تعالى نَحَّى أولياءَه عن الاغترار بالدنيا، وفَرْطِ
المیل إلیھا.
و((بيناتٍ)) معناه: مرتَّلات الألفاظ، ملخّصة المعاني، مبيَّنات المقاصد، إما
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢٦/٣، وفيه أن عاصماً الجحدي ومعاوية بن قرة قرأا: بفتح الثاء، وقراءة
الكسائي في السبعة ص٤١١، والتيسير ص١٤٩، وقراءة يعقوب في النشر ٣١٨/٢، وقراءة ابن أبي
ليلى في القراءات الشاذة ص٨٦، وينظر البحر المحيط ٢١٠/٦ .