النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة مريم: الآيتان ٢٧ - ٢٨
الآيات، وعلمت أنَّ الله تعالى سَيبينُ عذرَها، أتتْ به تحملُه من المكانِ القصي الذي
كانت انتبذتْ فيه (١). قال ابنُ عباس: خرجتْ من عندِهم حين أشرقتِ الشمس،
فجاءتهم عندَ الظهرِ ومعها صبيٌّ تحملُه، فكان الحملُ والولادةُ في ثلاثٍ ساعاتٍ من
النهار(٢). وقال الكلبي: ولدت حيثُ لم يشعرُ بها قومُها، ومكثت أربعينَ يوماً
للنفاس، ثم أتت قومَها تحمله، فلما رأَوها ومعها الصبيُّ حزنوا وكانوا أهلَ بيتٍ
صالحين، فقالوا منكِرين: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فِيًّا﴾ أي: جئتِ بأمرٍ عظيم كالآتي
بالشيء يفتريه(٣). قال مجاهد: ((فريًّا)) عظيماً (٤). وقال سعيدُ بنُ مسعدة: أي: مختلقاً
مفتعلاً، يقال: فَرَيْتَ وأَفريتَ بمعنى واحد(٥). والولدُ من الزنى كالشيءِ المفترَى. قال
الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: بولدٍ
بقصدِ إلحاقه بالزوجِ وليس منه. يقال: فلانٌ يفرِي الفَرِيَّ، أي: يعملُ العمل البالغ،
وقال أبو عبيدة (٦): الفَريُّ العجيبُ النادر، وقاله الأخفشُ(٧). قال: فريًّا عجيباً.
والفَرْي: القطعُ، كأنَّه مما يخرقُ العادةَ، أو يقطعُ القول بكونِهِ عجيباً نادراً(٨). وقال
قطرب: الفري: الجديدُ من الأسقية، أي: جئت بأمرٍ جديد بديعٍ لم تُسبقي إليه. وقرأ
أبو حيوة: ((شَيْئاً فَرْياً)) بسكون الراء(٩). وقال السُّديُّ ووهبُ بنُ منبه: لمَّا أتتْ به
قومَها تحملُه، تسامعَ بذلك بنو إسرائيل، فاجتمعَ رجالُهم ونساؤهم، فمدَّت امرأةٌ
(١) المحرر الوجيز ٤/ ١٣ .
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧، والطبري ١٥/ ٤٩٧، بلفظ: ليس إلا أن حملته ثم وضعت.
(٣) الوسيط ١٨٢/٣ .
(٤) تفسير مجاهد ٣٨٦/١، وأخرجه عنه الطبري ٥٢١/١٥ - ٥٢٢ .
(٥) الذي في الصحاح، ومقاييس اللغة (فرى)، وتهذيب اللغة ٢٤٢/١٥: أنَّ أَفْرَيت الأديم: قطعته على
جهة الإفساد، وفريته: قطعته على جهة الإصلاح.
(٦) في مجاز القرآن ٢/ ٧ .
(٧) نقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٣٦٨/٣ .
(٨) الكلام بنحوه في مقاييس اللغة (فري).
(٩) المحرر الوجيز ١٣/٤، وذكر قول قطرب السابق دون نسبة.

٤٤٢
سورة مريم: الآيتان ٢٧ - ٢٨
يدَها إليها لتضربَها، فأَجفَّ الله شطرَها فَحُمِلت كذلك. وقال آخر: ما أَراها إلا
زَنتْ، فأَخرسَه الله تعالى، فتحامَى الناسُ من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمةً
تُؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القولَ ويلينون، فقالوا: ((يا مريم لقد جئت شيئاً
فريًّا))، أي: عظيماً؛ قال الراجز:
قد أَطعَمتْنِي دَقَّلاً حَوْلِيًّا مُسوِّساً مُدَوِّداً حَجْرِيًّا
قد كنتِ تَفْرِين بِهِ الفرِيًّا(١)
أي: [تُعظّمينه](٢).
قوله تعالى: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ اختلف الناسُ في معنى هذه الأُخوةِ، ومَن هارونُ؟
فقيل: هو هارون أخو موسى؛ والمرادُ: مَن كثَّا نظُّها مثلَ هارونَ في العبادةِ تأتي
بمثل هذا. وقيل: على هذا كانت مريمُ من ولد هارون أخي موسى، فنُسبت إليه
بالأُخوة؛ لأنها مِن ولده، كما يقالُ للتميمي: يا أَخا تميم، وللعربي: يا أخا
العرب(٣). وقيل: كان لها أخٌ من أبيها اسمُه هارون؛ لأنَّ هذا الاسمَ كان كثيراً في
بني إسرائيل تبركاً باسمٍ هارون أخي موسى، وكان أمثلَ رجلٍ في بني إسرائيل؛ قاله
الكلبي(٤). وقيل: هارونُ هذا رجلٌ صالح في ذلك الزمان تَبع جنازتَه يومَ مات أربعون
(١) الرجز لزرارة بن صعب كما في اللسان (دود) (سوس) (فرا)، وهي دون نسبة في الاقتضاب ص٣٨٥
- ٣٨٦، وذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب ص ٣٩٠ الأول والثاني، وذكر الفراء في معاني القرآن
١٦٧/٢، والطبري ٥٢١/١٥، والأزهري في تهذيب اللغة ٢٤١/١٥ الأول والثالث فقط.
وقال ابن السيد البطليوسي في الاقتضاب ص٣٨٦: والدقل نوع من التمر رديء، وحجري منسوب إلى
حجر وهي قصبة اليمامة، وقوله: قد كنت تفرين به الفريا، أي: قد كنت تكثرين فيه القول وتعظمين
أمره.
(٢) في (ظ) و(د): تطعمينه، ولم يرد هذا الموضع في (ف) و(ز)، والمثبت من (م)، وينظر تهذيب اللغة
٢٤١/١٥، والاقتضاب ص٣٨٦.
(٣) نسبه الطبري ٥٢٥/١٥، والماوردي في النكت والعيون ٣٦٩/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٥٪
٢٢٧ إلى السُّدي.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ١٩٤ .

٤٤٣
سورة مريم: الآيتان ٢٧ - ٢٨
ألفاً كلُّهم اسمُه هارون(١). وقال قتادة(٢): كان في ذلك الزمانِ في بني إسرائيل عابدٌ
منقطعٌ إلى الله عزَّ وجلَّ يُسمَّى هارون فنسبوها إلى أُخوتِه من حيثُ كانت على طريقتِهِ
قبلُ؛ إذ كانت موقوفةً على خدمة البِيّع، أي: يا هذه المرأةُ الصالحةُ، ما كُنتِ أهلاً
لذلك. وقال كعبُ الأحبار بحضرةٍ عائشةً أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: إنَّ مريمَ ليست
بأختِ هارونَ أخي موسى. فقالت له عائشةُ: كَذبتَ. فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، إن
كان رسولُ اللهِ ﴾ قالَه؛ فهو أَصدقُ وأَخبر، وإلَّ فإني أَجدُ بينَهما من المدَّةِ ستَّ مئةٍ
سنةٍ. قال: فَسكتت(٣). وفي ((صحيح)) مسلم عن المغيرةِ بنِ شعبة قال: لمَّا قدِمتُ
نجرانَ سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: ((يا أخت هارون)) وموسى قبلَ عيسى بكذا
وكذا، فلمَّا قدِمتُ على رسولِ الله ﴾ سأَلتُه عن ذلك، فقال: ((إنَّهم كانوا يُسمُّون
بأنبيائهم والصالحين قبلَهم»(٤). وقد جاء في بعضٍ طرقِه في غيرِ الصحيح، أنَّ
النصارى قالوا له: إنَّ صاحبَك يزعمُ أنَّ مريم هي أختُ هارون وبينَهما في المدَّةِ ستُّ
مئة سنة؟! قال المغيرةُ: فلم أَدرِ ما أقول(٥)، وذكر الحديث. والمعنى: أنَّه اسمٌ وافقَ
اسماً (٦). ويُستفاد من هذا جوازُ التسميةِ بأسماء الأنبياء، والله أعلم.
قلت: فقد دلَّ الحديثُ الصحيح أنه كان بينَ موسى وعيسى وهارون زمانٌ مدید.
الزمخشري: كان بينَهما وبينَه ألفُ سنةٍ أو أكثر (٧). فلا يُتخيَّل أنَّ مريم كانت أختَ
موسى وهارون، وإن صحَّ فكما قال السُّدي: لأنها كانت من نسلِه، وهذا كما تقول
للرجل من قبيلة: يا أخا فلان. ومنه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ أخا صُدَاء قد
(١) الكشاف ٥٠٨/٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٧/٢ - ٨، ومن طريقه الطبري ٥٢٣/١٥.
(٣) أخرجه الطبري ٥٢٣/١٥ - ٥٢٤، وأورده ابن كثير في تفسير هذه الآية، وقال: وفي هذا التاريخ نظر.
(٤) صحيح مسلم (٢١٣٥)، وهو عند أحمد (١٨٢٠١).
(٥) أخرجه الطبري ٥٢٤/١٥، دون ذكر المدة بينهما.
(٦) أخرجه الطبري ٥٢٤/١٥، عن ابن زيد، والكلام من المحرر الوجيز ١٣/٤.
(٧) الكشاف ٢/ ٥٠٨ .

٤٤٤
سورة مريم: الآيات ٢٧ - ٣٣
أَذَّن، فمَنْ أَذَّنَ فهو يُقيم))(١) وهذا هو القولُ الأوَّل. ابنُ عطية(٢): وقالت فرقةٌ: بل
كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجر اسمُه هارون فنسبوها إليه على جهةِ التعبير والتوبيخِ؛
ذكره الطَّبري(٣) ولم يُسمِّ قائلَه.
قلت: ذكره الغَزنويُّ عن سعيد بن جبير، أنَّه كان فاسقاً مَثَلاً في الفجورِ، فنُسبت
إليه (٤). والمعنى: ما كان أبوكِ ولا أمك أهلاً لهذه الفعلةِ، فكيف جئتِ أنتِ بها؟!(٥)
وهذا من التعريضِ الذي يقومُ مقامَ التصريح، وذلك يُوجبُ عندنا الحدَّ، وسيأتي في
سورة النور (٦) القولُ فيه إن شاءَ الله تعالى. وهذا القولُ الأخيرُ يردُّه الحديثُ
الصحيح، وهو نصُّ صريح فلا كلامَ لأحدٍ معه، ولا غبار عليه. والحمد لله. وقرأ
عمرُ بنُ لجأ التَّيْمِي: ((مَا كَانَ أَبَاكِ امْرُؤُ سَوْءٍ))(٧).
قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٍ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا (49) قَالَ
إِنِّيِ عَبْدُ الَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نِيًّا (٣٥) وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى
بِالصَّلَوْقِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ ﴾ وَبَرَّ بِوَالِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَفِيًّا
٣٣
وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَبَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
فيه خمسُ مسائل :
الأولى: قولُه تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكِمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾
التزمت مريمُ عليها السلام ما أُمِرت به من تركِ الكلام، ولم يردْ في هذه الآيةِ أنَّها
(١) سلف ٦٩/٨، والكلام من المحرر الوجيز ١٣/٤.
(٢) في المحرر الوجيز ١٤/٤.
(٣) في التفسير ٥٢٥/١٥ .
(٤) ونسبه ابن الجوزي أيضاً في زاد المسير ٢٢٧/٥ إلى سعيد بن جبير.
(٥) المحرر الوجيز ١٤/٤.
(٦) في تفسير الآية (٤) و(٥) في المسألة الخامسة.
(٧) الكشاف ٥٠٨/٢، والقراءات الشاذة ص ٨٥ .

٤٤٥
سورة مريم: الآيات ٢٩ - ٣٣
نطقت بـ ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وإنَّما وردَ بأنها أشارت، فيَقوَى بهذا
قولُ مَن قال: إنَّ أَمرَها بـ ((قولي)) إنَّما أُريد به الإشارةُ.
ويُروى أنَّهم لمَّا أشارت إلى الطفلِ قالوا: استخفافُها بنا أشدُّ علينا من زناها، ثم
قالوا لها على جهةِ التقريرِ: ﴿كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ و((كان)) هنا ليسَ
يرادُ بها الماضي؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد كان في المهدِ صبيًّا، وإنَّما هي في معنى هو (١).
وقال أبو عبيدة: ((كان)) هنا لغو(٢)، كما قال:
وجِيرانٍ لنا كانوا كرام(٣)
وقيل: هي بمعنى الوجود والحدوث(٤) كقوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ﴾
[البقرة: ٢٨٠] وقد تقدّم(٥). وقال ابنُ الأنباري: لا يجوزُ أن يقالَ: زائدةٌ، وقد نَصبتْ
(صبيًّا))، ولا أن يقال: ((كان)) بمعنى حَدث؛ لأنه لو كانت بمعنى الحدوثِ والوقوعِ؛
لاستغنى فيه عن الخبرِ، تقول: كان الحَرُّ وتكتفي به (٦). والصحيحُ أنَّ ((من)) في معنى
الجزاء، و((كان) بمعنى يكن، التقديرُ: مَن يكن في المهدِ صبيًّا، فكيفَ نُكلِّمه؟! كما
(١) المحرر الوجيز ١٤/٤، وبعدها في (م): الآن.
(٢) نقله عنه الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٣٢٨/٣، وذكر أبو عبيدة في مجاز القرآن ٧/٢ - ٨ عدة
مواضع لـ «کان)).
(٣) عجز بيت للفرزدق في ديوانه ص ٢٩٠، وصدره: فكيف إذا رأيت ديار قوم، وسلف ٢٦٠/٥ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٢٨/٣ .
(٥) ٤ /٤١٨ .
(٦) كذا هنا، وقال أبو البركات ابن الأنباري في البيان ٢/ ١٢٥: كان فيها ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون
بمعنى حدث ووقع، فيكون ((صبيًّا)) منصوباً على الحال من الضمير في ((كان)). والثاني: أن يكون بمعنى
صار، فيكون ((صبيًّ)) منصوباً؛ لأنه خبر صار. والثالث: أن تكون ((كان)) زائدة، و((صبيًّا)) منصوبٌ على
الحال، والعامل فيها على هذا الاستقرار. ولا يجوز أن تكون ((كان)) ههنا الناقصة؛ لأنه لا اختصاص
لعيسى في ذلك؛ لأنه ما من أحد إلا كان صبيًّا في المهد يوماً من الأيام، وإنما تعجبوا من كلام من
وُجد وصار في حال الصبي في المهد.
وقال أبو بكر الأنباري في الأضداد ص ٦٢: وقول أبي عبيدة: ((كان)) زائدة في قوله تبارك وتعالى ﴿وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ ليس بصحيح؛ لأنها لا تُلغى مبتدأةً ناصبة للخبر.

٤٤٦
سورة مريم: الآيات ٢٩ - ٣٣
تقول: كيف أُعطي مَن كان لا يقبلُ عطيةً، أي: مَن يكن لا يقبل. والماضي قد يُذكر
بمعنى المستقبلِ في الجزاء(١)؛ كقولِه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًاً مِّن
ذَلِكَ جَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفرقان: ١٠] أي: إن يشأُ يجعل. وتقول: مَن كان
إليَّ منه إحسانٌ كان إليهِ مني مثلُه، أي: مَن يكن منه إليَّ إحسانٌ يكن إليه مني مثلُه.
و((المهد)) قيل: كان سريراً كالمهد. وقيل: ((المهد)) هاهنا حِجرُ الأم(٢). وقيل:
المعنى: كيف نكلمُ مَن كان سبيلُه أن ينوَّم في المهدِ لصغرِهِ، فلمَّا سمع عيسى عليه
السلام كلامَهم، قالَ لهم من مرقدِهِ: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ وهي:
الثانية: فقيل: كان عيسى عليه السلام يرضعُ، فلما سمع كلامَهم تركَ الرضاعةَ
وأقبل عليهم بوجهه، واتكاً على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و((قَالَ إِنِّي
عَبْدُ اللهِ))(٣) فكان أوَّلُ ما نطق به الاعترافَ بعبوديته لله تعالى وربوبيته، ردًّا على مَن
غلا مِن بعده في شأنه(٤). والكتابُ: الإنجيلُ(٥)، قيل: آتاه في تلك الحالةِ الكتاب،
وفهمَه وعلمه، وآتاه النبوَّة كما علَّم آدَمَ الأسماءَ كلَّها، وكان يصومُ ويصلي. وهذا في
غايةِ الضعفِ على ما نبينُه في المسألةِ بعد هذا. وقيل: أي: حكم لي بإيتاءِ الكتابِ
والنبوةِ في الأزلِ، وإن لم يكنِ الكتابُ منزلاً في الحال(٦)، وهذا أصحُ. ﴿وَجَعَنِى
مُبَارَكًا﴾ أي: ذا بركاتٍ ومنافعَ في الدين والدعاء إليه ومعلِّماً له. التُّسْتَرِيُّ: وجعلني
آمرُ بالمعروف، وأَنهى عن المنكر، وأُرشدُ الضال، وأَنصرُ المظلوم، وأغيثُ
الملهوف، ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ﴾ أي: لأؤدِّيهما إذا أدركني التكليفُ، وأمكنني
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣٢٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٥/٣، والوسيط ١٨٢/٣ - ١٨٣، وزاد
المسير ٢٢٨/٥.
(٢) النكت والعيون ٣٦٩/٣ - ٣٧٠، وأخرج القول الثاني الطبري ٥٢٧/١٥، عن قتادة.
(٣) الكشاف ٥٠٨/٢، والبغوي ٣/ ١٩٤، والمحرر الوجيز ١٤/٤.
(٤) الوسيط ١٨٣/٣، والنكت والعيون ٣٧٠/٣، وزاد المسير ٢٢٨/٥.
(٥) الكشاف ٥٠٨/٢ .
(٦) الوسيط ١٨٣/٣، والبغوي ١٩٤/٣.

٤٤٧
سورة مريم: الآيات ٢٩ - ٣٣
أداؤُهما (١)، على القولِ الأخيرِ الصحيح، ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ في موضعِ نصبٍ على
الظرف(٢)، أي: دوام حياتي.
﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ﴾ قال ابنُ عباس: لما قال: ((وَبَرَّا بِوَالِدَتِي)) ولم يقل: بوالديَّ، عُلِمَ
أنه شيءٌ من جهةِ الله تعالى، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَّارًا﴾ أي: متعظماً متكبراً يقتلُ ويضرب
على الغضب(٣). وقيل: الجبارُ الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقًّا قظُ، ﴿شَفِيًّا﴾ أي:
خائباً من الخير. ابن عباس: عاقًّا. وقيل: عاصياً لربه (٤). وقيل: لم يجعلني تاركاً
لأمرِه فأَشقَى كما شقي إبليسُ لمَّا تركَ أمرَه.
الثالثة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أَشدَّها على أهلِ
القدر! أخبرَ عيسى عليه السلام بما قُضِي من أمرِهِ، وبما هو كائنٌ إلى أن يموت. وقد
روي في قصصٍ هذه الآية عن ابنِ زيدٍ وغيره أنهم لمَّا سمعوا كلامَ عيسى أَذعنوا
وقالوا: إنَّ هذا الأمر(٥) عظيمٌ. ورُوي أنَّ عيسى عليه السلام إنَّما تكلم في طفولَتِهِ
بهذه الآية، ثم عادَ إلى حالة الأطفالِ، حتى مشى على عادةِ البشر إلى أن بلغَ مبلغ
الصبيان، فكان نطقُه إظهارَ براءةٍ أمه لا أنَّه كان ممَّن يعقلُ في تلك الحالة، وهو كما
يُنطِقُ الله تعالى الجوارحَ يومَ القيامة. ولم يُنقَل أنَّه دامَ نطقُه، ولا أنه كان يصلي وهو
ابنُ يومٍ أو شهر، ولو كان يدومُ نطقُه وتسبيحُه، ووعظُه وصلاتُه في صغره من وقت
الولادةٍ؛ لكان مثلُه ممَّا لا ينكتم، وهذا كلُّه مما يدلُّ على فسادِ القولِ الأول، ويصرحُ
بجهالةِ قائله. ويدلُّ أيضاً على أنه تكلم في المهد خلافاً لليهود والنصارى. والدليلُ
على ذلك إجماعُ الفِرقِ على أنَّها لم تُحَدَّ. وإنَّما صحَّ براءتُها من الزنى بكلامِه في
المهد.
=
(١) الكلام بنحوه في تفسير البغوي ١٩٥/٣.
(٢) البيان لابن الأنباري ٢/ ١٢٥ .
(٣) الوسيط ١٨٣/٣، ومعاني القرآن للفراء ١٦٧/٢.
(٤) زاد المسير ٢٣٠/٥ .
(٥) في (د) و(م): لأمر، والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز ١٥/٤، والكلام منه.

٤٤٨
سورة مريم: الآيات ٢٩ - ٣٣
ودلَّت هذه الآيةُ على أنَّ الصلاةَ والزكاةَ وبرَّ الوالدين كان واجباً على الأمم
السالفةِ (١)، والقرون الخاليةِ الماضية، فهو ممَّا يثبتُ حكمُه، ولم يُنسَخ في شريعة
أمرُه. وكان عيسى عليه السلام في غايةِ التواضع؛ يأكلُ الشجر، ويلبسُ الشَّعر،
ويجلسُ على التراب، ويأوي حيثُ جَنَّه الليل، لا مسكنَ له، ﴾(٢).
الرابعة: الإشارةُ بمنزلةِ الكلام، وتُفهِم ما يُفهِم القولُ. كيف لا، وقد أَخبر الله
تعالى عن مريم فقال: ((فأشارت إليه)) وفَهِم منها القومُ مقصودَها وغَرَضها، فقالوا :
((كيف نكلم)) وقد مضى هذا في ((آل عمران))(٣) مستوفى.
الخامسة: قال الكوفيون: لا يصحُّ قذفُ الأخرس ولا لعانُه(٤). ورُوي مثلُه عن
الشعبي، وبه قال الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاق(٥)، وإنَّما يصحُّ القذف عندهم بصريحٍ
الزنى دون معناه، وهذا لا يصحُّ من الأخرسِ ضرورةً، فلم يكن قاذفاً، ولا يتميزُ
بالإشارة الزنى(٦) من الوطءِ الحلالِ والشبهةِ. قالوا: واللعانُ عندنا شهاداتٌ، وشهادةٌ
الأخرسِ لا تقبلُ بالإجماع. قال ابنُ القصار: قولُهم: إنَّ القذفَ لا يصحُّ إلا
بالتصريحِ فهو باطلٌ بسائرِ الألسنة ما عدا العربية، فكذلك إشارةُ الأخرس. وما ذكروه
من الإجماعِ في شهادةِ الأخرسِ فغلطٌ. وقد نصَّ مالك أنَّ شهادتَه مقبولةٌ إذا فُهِمت
إشارتُه(٧)، وأنها تقوم مقامَ اللفظِ بالشهادة، وأمَّا مع القدرة باللفظ؛ فلا تقعُ منه إلا
باللفظ. قال ابنُ المنذر: والمخالفونَ يُلزِمون الأخرسَ الطلاقَ والبيوع وسائرَ
الأحكام، فينبغي أن يكونَ القذفُ مثلَ ذلك. قال المهلبُ: وقد تكونُ الإشارة في کثیرٍ
من أبوابِ الفقه أقوى من الكلام، مثلُ قولِه عليه الصلاة والسلام: ((بُعثت أنا والساعة
(١) في (ظ): السابقة.
(٢) المحرر الوجيز ٤ / ١٥.
(٣) ١٢٣/٥ وما بعدها.
(٤) المبسوط ٤٢/٧، وبدائع الصنائع ٤٦/٥ .
(٥) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٥٠٨/٢ - ٥٠٩، والمغني ١٢٧/١١ - ١٢٨، والإشراف ٢٦٦/٤ .
(٦) في (م): بالزنى.
(٧) المدونة ١١٧/٣ .

٤٤٩
سورة مريم: الآيات ٢٩ - ٤٠
كهاتين))(١) نعرفُ قربَ ما بينهما بمقدارٍ زيادة الوسطى على السَّبابة. وفي إجماع
العقولِ على أنَّ العِيان أقوى من الخبرِ دليلٌ على أنَّ الإشارةَ قد تكون في بعضٍ
المواضع أقوى من الكلام.
﴿وَالسَّلَمُ عَلَىّ﴾ أي: السلامة عليَّ من الله تعالى(٢). قال الزَّجاج (٣): ذُكِرَ السلامُ
قبل هذا بغيرِ ألفٍ ولام، فحَسُنَ في الثانية ذِكرُ الألف واللام. وقوله: ﴿يَوْمَ وُلِدِتُّ﴾
يعني: في الدنيا. وقيل: مِن هَمز الشيطان كما تقدَّم في ((آل عمران))(٤). ﴿وَيَوْمَ
أَمُوتُ﴾ يعني: في القبر، ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ يعني: في الآخرة؛ لأنَّ له أحوالاً
ثلاثةً: في الدنيا حيًّا، وفي القبرِ ميتاً، وفي الآخرةِ مبعوثاً، فسَلَّم في أحوالِه كلها،
وهو معنى قولِ الكلبي. ثم انقطعَ كلامُه في المهدِ حتى بلغَ مبلغَ الغِلمان(٥). وقال
قتادةُ: ذُكِر لنا أنَّ عيسى عليه السلام رأته امرأةٌ يُحيي الموتى، ويُبرئُ الأَكْمَه والأبرص
في سائرٍ آياته، فقالت: طُوبَى للبطنِ الذي حَملك، والثدي الذي أَرضعك، فقال لها
عيسى عليه السلام: طُوبَى لمن تلا كتابَ الله تعالى، واتبعَ ما فيه وعَمِل به(٦).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَّرُونَ (٣) مَا كَانَ
لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَوْ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (
وَإِنَّ اللَّهَ
٣٥
فَأَخْتَلَفَ اُلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
رَِ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ()
كَفَرُواْ مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمِ (٧) أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ النَّالِمُونَ أَلْيَوْمَ فِ
(٣٩)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
ضَلَلٍ مُّبِينٍ (
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ﴾ أي: ذلك الذي ذكرناه عیسی ابنُ مریم،
(١) سلف ٢٦٨/١٢.
(٢) الوسيط ١٨٣/٣.
(٣) في معاني القرآن وإعرابه ٣٢٩/٣ .
(٤) ٥/ ١٠٣ - ١٠٤، والكلام في النكت والعيون ٣٧١/٣.
(٥) النكت والعيون ٣٧١/٣ - ٣٧٢ .
(٦) أخرجه الطبري ١٥/ ٥٣٣ .

٤٥٠
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
فكذلك اعتقدوه، لا كما تقولُ اليهود: إنَّه لغير رَشْدَة، وأنه ابنُ يوسف النجار، ولا
كما قالت النصارى: إنَّه الإلهُ أو ابنُ الإله (١) ﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ قال الكسائي: «قَوْلُ
الْحَقِّ)) نعتٌ لعيسى (٢)، أي: ذلك عيسى ابنُ مريم [قولُ الحق](٣). وسُمِّي قولَ الحق
كما سُمي كلمةَ الله (٤)، والحقُّ هو اللهُ عزَّ وجلَّ. وقال أبو حاتم: المعنى: هو قولُ
الحق. وقيل: التقديرُ: هذا الكلامُ قولُ الحق(٥). قال ابنُ عباس: يريدُ هذا كلامُ
عيسى # قولُ الحقِّ ليس بباطلٍ، وأُضيف القولُ إلى الحقِّ كما قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِى كَانُواْ يُؤْعَدُونَ﴾ (٦) [الأحقاف: ١٦] أي: الوعد الصدق. وقال: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾
[يوسف: ١٠٩]، أي: وللدَّارُ(٧) الآخرةُ. وقرأَ عاصمٌ وعبدُ الله بنُ عامر: ((قَوْلَ الْحَقِّ))
بالنصب(٨) على الحال، أي: أقولُ قولاً حقًّا، والعاملُ معنى الإشارةِ في ((ذلك)).
الزجاج: هو مصدرٌ، أي: أقولُ قولَ الحق؛ لأنَّ ما قبلَه يدلُّ عليه(٩). وقيل:
مدح(١٠). وقيل: إغراء.
وقرأَ عبدُ الله: ((قَالُ الحقِّ))(١١). وقرأَ الحسنُ: ((قُولُ الحقِّ)) بضمِّ القاف، وكذلك
(١) النكت والعيون ٣٧٢/٣، والوسيط ١٨٣/٣، والطبري ٥٣٤/١٥ - ٥٣٥، وقوله: لغير رَشْدة، أي:
لِزَنية، كما في القاموس (رشد).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٦/٣ .
(٣) زيادة يقتضيها السياق، وينظر الطبري ٥٣٥/١٥.
(٤) الكشاف ٢/ ٥٠٩ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٦/٣.
(٦) تفسير الطبري ٥٣٥/١٥، والبغوي ١٩٥/٣، دون ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٧) في (د) و(م): ولا الدار، والمثبت من (ظ)، وقد سقط هذا الموضع من (ف) و(ز)، والكلام في معاني
القرآن للفراء ١٦٨/٢.
(٨) إعراب القرآن للنحاس ١٦/٣، والتيسير ص١٤٩.
(٩) معاني القرآن وإعرابه ٣٢٩/٣، ونقل عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٦/٣ - ١٧.
(١٠) الكشاف ٥٠٩/٢ .
(١١) تفسير الطبري ٥٣٥/١٥، والمحرر الوجيز ١٥/٤، والقراءات الشاذة ص ٨٤.

٤٥١
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
في ((الأنعام)) ﴿قَوْلُهُ الْحَقّ﴾ [الأنعام: ٧٣]. والقَوْلُ والقَالُ والقُولُ بمعنى واحد، كالرَّهْب
والرَّهَب والرُّهْبِ(١)، ﴿الَّذِى﴾ من نعتِ عيسى، ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، أي: يَشْكُون(٢)،
أي: ذلك عيسى ابنُ مريم الذي فيه يمترون القولَ الحقَّ. وقيل: ((يمترون)) يختلفون(٣).
ذكر عبدُ الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ
مَنْيٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمعَ بنو إسرائيلَ، فأخرجوا منهم أربعةً
نفر، أَخرج كلُّ قومٍ عالمهم، فامترَوا في عيسى حينَ رُفع، فقال أحدهم: هو اللهُ
هَبَط إلى الأرضِ فأَحيا مَن أحيا، وأَمات مَن أمات، ثم صَعِد إلى السماءِ. وهم
اليعقوبيةُ، فقالت الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فیه، قال: هو ابن
الله. وهم النُّسطُورية، فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحدُ الاثنين للآخر: قل فيه،
فقال: هو ثالثُ ثلاثة، اللهُ إلهٌ، وهو إله، وأمُّه إلهٌ، وهم الإسرائيليةُ ملوكُ النَّصارى.
قال الرابع: كذبت، بل هو عبدُ الله ورسولُه وروحُه وكلمته. وهم المسلمون، فكان
لكلِّ رجلٍ منهم أتباعٌ، على ما قال، فاقتَتلوا فَظُهِر على المسلمين، فذلك قولُ الله
تعالى: ﴿وَيَقْتُّلُونَ الَّذِينَ بَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]. وقال
قتادةُ: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَدْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]،
اختلفوا فيه فَصاروا أحزاباً(٤).
فهذا معنى قولِه: ((الذي فيه تمترون)) بالتاءِ المعجمةِ من فوق، وهي قراءةُ أبي
عبد الرحمن السُّلَميِّ وغيرِه(٥). قال ابنُ عباس: ففرّ(٦) بمريم ابنُ عمِّها ومعها ابنُها
إلى مصرَ، فكانوا فيها اثنتي عشرةَ سنة حتى ماتَ الملكُ الذي كانوا يخافونه؛
(١) الكشاف ٥٠٩/٢ .
(٢) الوسيط ١٨٣/٣.
(٣) النكت والعيون ٣٧٢/٣.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٨/٢، وأخرجه من طريقه الطبري ١٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨.
(٥) المحرر الوجيز ١٥/٤، وهي قراءة علي بن أبي طالب كما في الكشاف ٥٠٩/٢ .
(٦) في (م) و(ظ) و(د): فمرَّ، وسقط هذا الموضع من (ف) و(ز)، والمثبت من النكت والعيون ٣٧٣/٣.

٤٥٢
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
ذكره الماوردي.
قلت: ووقعَ في ((تاريخ مصرَ)) فيما رأيتُ: وجاءَ في الإنجيلِ (١): الظاهرُ أنَّ
السيدَ المسيحَ لمَّا وُلد في بيتٍ لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكاً، وأنَّ الله
تعالى أَوحى إلى يوسفَ النجار في الحُلم وقال له: قم فخذِ الصبيَّ وأمَّه، واذهب إلى
مصرَ، وكن هناك حتى أقولَ لك، فإنَّ هيرودس مُزمعٌ أن يطلبَ عيسى لِيُهلكه، فقام
من نومه: وامتثل أمرَ ربِّه، وأخذ السيدَ المسيح ومريمَ أمَّه وجاءَ إلى مصر(٢)، وفي
حالٍ مجيئِه إلى مصر نزلَ ببئرِ الْبَلَسان(٣) التي بظاهرِ القاهرة، وغَسلتْ ثيابَه على ذلك
البئر، فالبَلَسانُ لا يطلعُ ولا ينبت إلا في تلك الأرض، ومنه يخرجُ الدهنُ الذي
يخالطُ الزيتَ الذي تُعمِّدُ به النصارى، ولذلك كانت قاروةٌ واحدة في أيامِ المصريين
لها مقدارٌ عظيم، وتقع في نفوسٍ ملوك النصارى مثل ملكِ القُسْطَنطينيَّة، وملكِ
صِقِلّية(٤)، وملكِ الحبشة، وملك الُّوبة، وملك الفِرَنْجة، وغيرهم من الملوكِ عندما
يهاديهم به ملوكُ مصرَ موقعاً جليلاً جدًّا، وتكون أحبَّ إليهم من كل هديةٍ لها قدرٌ،
وفي تلك السَّفْرةِ وصل السيدُ المسيح إلى مدينةِ الأُشمونين(٥) وقسقام المعروفة الآن
بالمحرقة(٦)، فلذلك يُعظمها النصارى إلى الآن، ويحضرون إليها في عيد الفصح
(١) إنجيل متى ص٣٧ - ٣٩.
(٢) الكلام بنحوه في تاريخ الطبري ٦٠٥/١ .
(٣) البَلَسانُ: شجر صغار كشجر الحناء لا ينبت إلا بعين شمس ظاهر القاهرة، يُتنافس في دهنها. القاموس
(بلس).
(٤) القُسطنطينية: اصطنبول، وهي دار ملك الروم، وصقلية، بكسرات مشددة اللام: أكبر جُزر البحر
الأبيض المتوسط. معجم البلدان ٣٤٧/٤، ودائرة معارف البستاني ٧٤٥/١٠ .
(٥) الأُشمونين: مدينة قديمة أزلية عامرة آهلة وهي قصبة كورة من كُوَر الصعيد الأدنى غربي النيل ذات
بساتين ونخل كثير، سُميت باسم عامرها، وهو أشمن بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح. معجم البلدان
٢٠٠/١.
(٦) وهي ديرُ المُحَرَّق في غربي النيل بمصر على رأس جبل من الصعيد الأدنى. معجم البلدان ٥٣٢/٢
- ٥٣٣ ، وتعرف اليوم باسم الدير المحرق، وهي تابعة لمركز منفلوط.
١

٤٥٣
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
من كل مكان؛ لأنها نهايةُ ما وصلَ إليها من أرضٍ مصر، ومنها عادَ إلى الشام.
والله أعلم.
قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾، أي: ما ينبغي له ولا يجوز ﴿أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ ((من))
صلةٌ للكلام، أي: أن يتخذَ ولداً (١). و((أن)) في موضع رفع اسم ((كان))(٢)، أي: ما
كان لله أن يتخذَ ولداً، أي: ما كان من صفتِه اتخاذُ الولد، ثم نَزَّه نفسَه تعالى عن
مقالتهم فقال: ﴿سُبْحَنَةٍ﴾(٣) أن يكون له ولدٌ، ﴿إِذَا قَضَوْ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
تقدم في ((البقرة))(٤) مستوفى.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبِّكُمْ﴾ قرأَ أهلُ المدينة، وابنُ كثير، وأبو عمرو بفتح ((أن))، وأهلُ
الكوفة ((وإِن)) بكسر الهمزة على أنه مستأنف(٥)، تدلُّ عليه قراءةُ أُبيِّ: ((كُنْ فَيَكُون. إنَّ
اللهَ» بغير واوٍ (٦) على العطف على: ((قَالَ إِنِّي عبدُ اللهِ)).
وفي الفتح أقوالٌ: فمذهبُ الخليلِ وسيبويه أنَّ المعنى: ولأنَّ الله ربي وربُّكم،
وكذا ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] فـ ((أن)) في موضع نصب عندهما. وأجاز الفراءُ
أن يكونَ في موضعٍ خفضٍ على حذف اللام، وأجاز أن يكون أيضاً في موضعِ خفضٍ
بمعنى: وأَوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيًّا، وبأنَّ الله ربي وربكم. وأجازَ
الكسائيُّ أن يكون في موضعِ رفعٍ بمعنى: والأمرُ أنَّ الله ربي وربُّكم. وفيها قولٌ
خامس حكى أبو عبيد أنَّ أبا عمرو بنَ العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى: وقضى أنَّ
الله ربي وربكم(٧)، فهي معطوفةٌ على قوله: ((أمراً» من قوله: ((إِذَا قَضَى أَمْراً)»
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣٢٩/٣، والبيان ١٢٦/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١٧/٣، والطبري ٥٣٨/١٥.
(٣) الوسيط ٣/ ١٨٣.
(٤) ٣٣٦/٢ وما بعدها.
(٥) السبعة ص ٤١٠، والتيسير ص١٤٩، والطبري ١٥/ ٥٣٩ - ٥٤٠ .
(٦) الطبري ٥٤٠/١٥، ومعاني القرآن للفراء ١٦٨/٢، والكشاف ٥٠٩/٢، والمحرر الوجيز ١٦/٤،
وهي قراءة شاذة.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١٧/٣ - ١٨.

٤٥٤
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
والمعنى: إذا قضى أمراً وقضى أنَّ الله. ولا يبتدأ بـ ((أن)) على هذا التقدير، ولا على
التقديرِ الثالث، ويجوز الابتداءُ بها على الأوجه الباقية، ﴿فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ
مُستَقِيمٌ﴾ أي: دینٌ قویم لا اعوجاجَ فيه.
قوله تعالى: ﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِمْ﴾ ((من)) زائدة، أي: اختلفَ الأحزاب
بينهم(١). وقال قتادة: أي: ما بينهم. فاختلفت الفرقُ من أهل الكتاب في أمر عيسى
عليه السلام، فاليهودُ بالقدح والسحر. والنَّصارى قالت النُّسطوريةُ منهم: هو ابنُ الله.
والملكانيةُ: ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله، فأفرطتِ النصارى وغَلَت،
وفرَّطتِ اليهودُ وقصَّرت(٢). وقد تقدَّم هذا في ((النساء))(٣). وقال ابنُ عباس: المرادُ
من الأحزابِ الذين تَحَّبوا على النبي :﴿ وكذَّبوه من المشركين. ﴿فَوَيِّلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
مَّشْهَدٍ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: من شهودٍ يوم القيامة (٤)، والمشهدُ بمعنى المصدر، والشهودُ
الحضورُ، ويجوزُ أن يكونَ الحضور لهم، ويضاف إلى الظرفِ لوقوعِه فيه، كما
يقال: ويلٌ لفلانٍ من قتال يوم كذا، أي: من حضورِه ذلك اليوم. وقيل: المشهد
بمعنى الموضع الذي يشهدُه الخلائقُ(٥)، كالمحشر للموضع الذي يُحشَر إليه الخلقُ.
وقيل : فويلٌ للذين كفروا من حضورِهم المشهدَ العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور،
فأَجمعوا على الكفرِ بالله، وقولِهم: إنَّ الله ثالثُ ثلاثة(٦).
قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ قال أبو العباس: العربُ تقولُ هذا في
(١) الوسيط ١٨٤/٣.
(٢) تفسير السمر قندي ٣٢٤/٢، والكشاف ٥٠٩/٢، وزاد المسير ٢٣٢/٥ - ٢٣٣. والنسطورية:
أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمن المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه. والملكانية:
أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها، ومعظم الروم ملكانية. واليعقوبية: أصحاب
يعقوب، وهذه الفرق كبار فرق النصارى. الملل والنحل ٢٢٢/١ - ٢٢٥ .
(٣) ٢٣٠/٧ - ٢٣٥ .
(٤) المحرر الوجيز ١٦/٤، ومعاني القرآن وإعرابه ٣٣٠/٣.
(٥) تهذيب اللغة ٦ / ٧٥ .
(٦) الكلام بنحوه في الكشاف ٥٠٩/٢ .

٤٥٥
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٤٠
موضعِ التعجب، فتقول: أسمعْ بزيد وأبصرْ بزيد، أي: ما أَسمعه وأَبصره(١). قال:
فمعناه أنه عَجَّب نبيَّه منهم. قال الكلبي: لا أحدَ أسمعُ منهم يومَ القيامة ولا أبصرُ،
حين يقولُ الله تبارك وتعالى لعيسى: ﴿،َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونٍ
اللِّ﴾ (٢) [المائدة: ١١٦]. وقيل: ((أسمع)) بمعنى الطاعة، أي: ما أَطوعهم لله في ذلك
اليوم، ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ يعني: في الدنيا(٣) ﴿فِ ضَلِ تُّبِينٍ﴾ وأَيُّ ضلالٍ أبينُ من
أن يعتقدَ المرءُ في شخصٍ مثلِه حَملته الأرحامُ، وأكل وشربَ، وأحدثَ واحتاجَ أنَّه
إله؟! ومَن هذا وصفُه، فهو أصمُّ أعمى ولكنه سيبصرُ ويسمع في الآخرة إذا رأى
العذاب، ولكنَّه لا ينفعه ذلك؛ قال معناهُ قتادةُ وغيره(٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمَّ﴾ رُوي عن عبدِ الله بن مسعود أنه
قال: ما من أحدٍ يدخل النارَ إلا وله بيتٌ في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: تقع الحسرةُ
إذا أُعطي كتابَه بشماله(٥). ((إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ)) أي: فُرِغ من الحساب، وأُدخِل أهلُ الجنة
الجنةَ، وأهلُ النار النار. وفي ((صحيح)) مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ قال:
قال رسول اللـه﴾: ((إذا دخلَ أهلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النارِ النار يُجاء بالموتِ يومَ
القيامة كأنه كبشٌ أَمْلَحُ، فيوقفُ بين الجنةِ والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفونَ
هذا؟ فيَشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ثم يقال: يا أهل النار،
هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيُؤمر به
فيذبحُ، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهلَ النار، خلودٌ فلا موت. ثم
قرأَ رسولُ اللهِ ◌َ#: ﴿وَأَنَذِرْهُوْ يَوْمَ الَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾))(٦)
(١) ذكر نحو هذا الكلام في المقتضب ١٨٣/٤.
(٢) تفسير البغوي ١٩٦/٣ .
(٣) الطبري ١٥/ ٥٤٤ .
(٤) أخرجه عنه الطبري ٥٤٣/١٥، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣٧٣/٣ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٨/٣.
(٦) صحيح مسلم (٢٨٤٩): (٤٠) (٤١)، وهو عند أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠). والأملح : =

٤٥٦
سورة مريم: الآيات ٣٤ - ٥٠
خرَّجه البخاري بمعناه عن ابنِ عمر(١)، وابنُ ماجه من حديث أبي هريرة(٢)،
والترمذي(٣) عن أبي سعيدٍ يرفعُه وقال فيه: حديثٌ حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في
كتابٍ ((التذكرة)»(٤) وبيَّنا هناكَ أنَّ الكفار مخلَّدون بهذه الأحاديثِ والآي ردًّا على مَن
قال: إنَّ صفةَ الغضب تنقطع، وإنَّ إبليسَ ومَن تبعه من الكفرة كفرعون وهامانَ
وقارونَ وأَشباهِهم يدخلون الجنةَ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نُميت سكانَها فنرتُها(٥)، ﴿وَإِلَيْنَا
يُرْجَعُونَ﴾ يومَ القيامةِ فنجازي كلَّ بعمله، وقد تقدَّم هذا في ((الحجرِ))(٦) وغيرِها.
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَّهُ كَنَ صِدِّيقًا نِيًّا (٨ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ
يَأَبَتِ إِنِّ قَدْ جَآءَنِ مِنَ
لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئاً
الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَِّعْنِىَ أَهْدِلَ صِرَطًا سَوِيًّا (﴿ يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانِّ إِنَّ
يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
٤٤
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا !
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ﴿ قَالَ أَرَغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى بَإِنْزَهِيمٌ لَبِنْ لَّمْ تَنْتَهِ
قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ
لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٨)
حَفِيًّا ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَى أَلَّ أَكُنَ بِدُعَاءِ
فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُنْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ وَكَّ
٤٨
رَبِى شَقِيًّا
وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَيِّنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (@)
جَعَلْنَا نَبِيًّا ()
قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ المعنى: واذكر في
: = الذي بياضُه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. النهاية في غريب الحديث (ملح).
(١) صحيح البخاري (٦٥٤٨)، وهو عند أحمد (٥٩٩٣)، ومسلم (٢٨٥٠).
(٢) سنن ابن ماجه (٤٣٢٧)، وهو عند أحمد (٧٥٤٦).
(٣) في السنن (٢٥٥٨).
(٤) ص٤٣٥ وما بعدها.
(٥) الوسيط ١٨٥/٣.
(٦) ٢٠٠/١٢.

٤٥٧
سورة مريم: الآيات ٤١ - ٥٠
الكتاب الذي أُنزِلَ عليك - وهو القرآن - قصةً إبراهيم وخبرَه(١). وقد تقدَّم معنى
الصِّدِّيق في ((النساء))(٢)، واشتقاق الصدق في ((البقرة))(٣) فلا معنى للإعادة. ومعنى
الآية: اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمرَ إبراهيم، فقد عرفوا أنَّهم من ولده، فإنَّه كان
حنيفاً مسلماً وما كان (٤) يتَّخِذُ الأنداد، فهؤلاء لِمَ يتخذون(٥) الأنداد؟! وهو كما
قال: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ﴾ وهو آزر، وقد تقدَّم(٦): ﴿يَأَبَتِ﴾ قد تقدَّم القولُ فيه
في ((يوسف))(٧) ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ أي: لأيِّ شيءٍ تعبد ﴿مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ
شَيْئًا﴾ يريد الأصنام(٨).
﴿يَأَبَتِ إِِّ قَدْ جَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ أي: من اليقين والمعرفة بالله وما
يكون بعد الموت، وأنَّ مَنْ عِبَدَ غيرَ الله عُذِّب ﴿فَتَّبِعْنِىَ﴾ إلى ما أدعوكَ إليه. ﴿أَهْيِكَ
صِرَطًا سَوِيًا﴾ أي: أُرشِدُكَ إلى دينٍ مستقيم فيه النجاة(٩).
﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانِّ﴾ أي: لا تُطِعْه فيما يأمرك به من الكفر، ومَن أطاع شيئاً
في معصية فقد عبَدَه(١٠). ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ((كان)) صلة زائدة. وقيل:
بمعنى صار (١١). وقيل: بمعنى الحال(١٢)، أي: هو للرحمن. وعصيًّا وعاصٍٍ بمعنى
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٣١/٣.
(٢) ٦ / ٤٤٩ .
(٣) ٣٥١/١.
(٤) كلمة ((كان)) ليست في النسخ الخطية، وهي في (م).
(٥) في النسخ الخطية: يتخذوا، وفي (م) على الصواب.
(٦) ٨/ ٤٣٣.
(٧) ١١/ ٢٤٥ .
(٨) معاني القرآن للزجاج ٣٣٢/٣.
(٩) الوسيط ١٨٥/٣.
(١٠) معاني القرآن للنحاس ٣٣٤/٤، ومجمع البيان ٤٢/٢١ .
(١١) تقدم هذا المعنى في سورة البقرة ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣.
(١٢) تفسير البغوي ٣/ ١٩٧.

٤٥٨
سورة مريم: الآيات ٤١ - ٥٠
واحد. قاله الكسائي(١).
﴿يَأَبَتِ إِنَّ أَغَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: إن مِثَّ على ما أنت عليه(٢).
ويكون ((أخاف)) بمعنى أعلم(٣). ويجوز أن يكون ((أخاف)) على بابها، فيكون المعنى:
إني أخافُ أن تموت على كفرك فيمسَّكَ العذاب (٤). ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا﴾ أي:
قريناً في النار(٥).
﴿قَالَ أَرَغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى ◌َإِثْزَهِيمٌ﴾ أي: أترغب عنها إلى غيرها. ﴿لَيْنِ لَّ تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال الحسن: يعني بالحجارة. الضحاك: بالقول؛ أي: لأشتمنَّك(٦). ابن
عباس: لأضربنَّك(٧). وقيل: لأُظهرَنَّ أمرَك. ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾. قال ابن عباس: أي:
اعتزِلْني سالمَ العِرْضِ لا يُصِبْكَ مني مَعرَّةٍ(٨). واختاره الطبري(٩)، فقوله: ((مليًّا)) على
هذا حالٌ من إبراهيم. وقال الحسن ومجاهد: ((مليًّا)): دهراً طويلاً؛ ومنه قول
المهلهل:
فَتَصدَّعَتْ ضُمُّ الجبالِ لموته
وبَكَتْ عليه المُرْمِلاتُ مليًّا(١٠)
قال الكسائي: يقال: هجرتُه مليًّا ومَلْوةً ومُلْوةً ومَلَاوةً ومُلَاوةً(١١)، فهو على هذا
القول ظرف (١٢)، وهو بمعنى الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه.
(١) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ١٩/٣.
(٢) تفسير الطبري ١٥/ ٥٥١ .
(٣) معاني القرآن للفراء ١٦٩/٢.
(٤) تفسير الطبري ١٥/ ٥٥١، ومجمع البيان ٤٢/٢١ بمعناه.
(٥) الوسيط ١٨٥/٣، وتفسير البغوي ١٩٧/٣، وزاد المسير ٢٣٦/٥.
(٦) المحرر الوجيز ١٨/٤. وأخرج الطبري ٥٥٢/١٥ قول الضحاك.
(٧) تفسير البغوي ٣/ ١٩٧ .
(٨) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٣٥/٤ عن الضحاك. وكذلك أخرجه الطبري ٥٥٥/٥ .
(٩) في تفسيره ١٥/ ٥٥٥ .
(١٠) النكت والعيون ٣٧٤/٣ .
(١١) نقله عنه النحاس في معاني القرآن ٣٣٥/٤ .
(١٢) إملاء ما منَّ به الرحمن على هامش الفتوحات الإلهية ٥٥٨/٢، ومجمع البيان ٤١/١٦.

٤٥٩
سورة مريم: الآيات ٤١ - ٥٠
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ لم يُعارِضْه إبراهيم عليه السلام بسوء الردِّ؛ لأنَّه
لم يؤمَرْ بقتاله على كفره. والجمهور على أنَّ المرادَ بسلامه المسالمةُ التي هي المتاركةُ
لا التحية؛ قال الطبري: معناه: أمنةً مني لك، وعلى هذا لا يُبدَأ الكافرُ بالسلام.
وقال النقَّاش: حليمٌ خاطبَ سفيهاً، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾
[الفرقان: ٦٣]. وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق؛ وجوز تحية الكافر وأن
يبدأ بها(١). قيل لابن عُيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم؛ قال الله
تعالى: ﴿لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ الذِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُ مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَزُوهُمْ وَتُقْسِطُوّا
إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ فِىّ ◌ِنَزِهِيمَ﴾
الآية [الممتحنة: ٤]؛ وقال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَمُ عَلَيْكٌ﴾(٢).
قلت: الأظهرُ من الآية ما قاله سفيان بن عيينة، وفي الباب حديثان صحيحان؛
روى أبو هريرة أنَّ رسول الله ﴾ قال: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا
لقيتُم أحدَهم في الطريق فاضطرُّوه إلى أضيقِه)) خرَّجه مسلم(٣). وفي الصحيحين عن
أسامة بن زيد أنَّ النبيَّ :﴿ ركب حماراً عليه إكافٌ تحته قطيفةٌ فَدَكيَّةٌ، وأردف وراءه
أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة
بدر، حتى مرَّ في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عَبَدةِ الأوثان واليهودِ،
وفيهم عبد الله بن أُبيِّ ابنٍ سلول، وفي المجلس عبد الله بن رَوَاحة، فلما غشيتٍ
المجلسَ عجاجةُ الدابَّة، خَمَّرَ عبدُ الله بن أُبيِّ أنفَه بردائه، ثم قال: لا تُغيِّروا علينا.
فسلّم عليهم النبيُّ ◌َ﴾ .. الحديث(٤). فالأولُ يُفيد ترك السلام عليهم ابتداءً؛ لأنَّ ذلك
(١) المحرر الوجيز ١٩/٤.
(٢) عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٩/١١ إلى الطبري.
(٣) صحيح مسلم (٢١٦٧). ووقع في (د) و(م): خرجه البخاري ومسلم. والحديث أخرجه أحمد (٧٥٦٧).
(٤) صحيح البخاري (٥٦٦٣)، وصحيح مسلم (١٧٩٨). وأخرجه أحمد (٢١٧٦٧). قال السندي في حاشيته
على المسند: إكاف: هو للحمار كالسرج للفرس. فدكية: نسبة إلى فدك. عجاجة الدابة: غبارها الذي
يثيره مشي الدابة. خمَّر: غطى.

٤٦٠
سورة مريم: الآيات ٤١ - ٥٠
إكرام، والكافرُ ليس أهلَه. والحديث الثاني يُجَوِّزُ ذلك. قال الطبري: ولا يُعارَضُ ما
رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس في أحدهما خلافٌ للأخر؛ وذلك أنَّ حديثَ
أبي هريرة مَخرَجُه العموم، وخبر أسامةَ يُبيِّن أنَّ معناه الخصوص. وقال النَّخعَي: إذا
كانت لك حاجةٌ عند يهوديٍّ أو نصرانيٍّ فابدأه بالسلام. فبان بهذا أنَّ حديث أبي هريرة
((لا تبدؤوهم بالسلام)) إذا كان لغير سببٍ يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء
ذِمامٍ أو حاجةٍ تَعرُضُ لكم قِبَلَهم، أو حقِّ صحبةٍ أو جوارٍ أو سفر. قال الطبري: وقد
رُوي عن السَّلف أنَّهم كانوا يُسلِّمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقانٍ
صحِبَه في طريقه؛ قال علْقَمة: فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمن، أليس يُكرَهُ أن يُبدَؤوا
بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حقُّ الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمرُّ
بمسلم ولا نصرانيٍّ ولا صغيرٍ ولا كبيرٍ إلا سلَّمَ عليه، فقيل له في ذلك، فقال: أُمِرْنا
أن نُفشي السلام. وسُئِلَ الأوزاعيُّ عن مسلمٍ مَرَّ بكافرٍ فسلَّم عليه، فقال: إن سلَّمتَ
فقد سلَّمَ الصالحون قبلك، وإن تركت فقد تركَ الصالحون قبلك. ورُوي عن الحسن
البصريِّ أنه قال: إذا مررتَ بمجلسٍ فيه مسلمونَ وكفارٌ فسَلِّمْ عليهم.
قلت: وقد احتجَّ أهلُ المقالة الأولى بأنَّ السلام الذي معناه التحية إنَّما خُصَّ به
هذه الأمة؛ لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ الله تعالى أعطى
أمتي ثلاثاً لم يُعطِ (١) أحداً قبلهم السلام، وهي تحية أهل الجنة)) الحديث(٢). ذكره
الترمذيُّ الحكيم؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده(٣). وقد مضى الكلام في معنى قوله:
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ﴾. وارتفعَ السلامُ بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته؛ لأنه نكرةٌ
مُخصَّصةٌ، فقرنتِ المعرفة(٤).
(١) في (م): تُعط.
(٢) كلمة الحديث ليست في النسخ الخطية، وهي في (م).
(٣) نوادر الأصول ٢/ ١٨٥، وقد سلف ١/ ٢٠١ .
(٤) المحرر الوجيز ١٩/٤. وفيه: فقربت من المعرفة.