النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ ٠٠٠ قال: ألم تعلمْ أنهم كانوا يُنهون عن هذا، أو يُنهَى عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرتُ حينَ مددتني. ورَوى أيضاً (١) عن عدي بنٍ ثابت الأنصاري قال: حدَّثني رجلٌ أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأُقيمتِ الصلاة فتقدَّم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناسُ أسفلُ منه، فتقدَّم حذيفةُ فأخذَ علی یدیه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله # يقول: ((إذا أَمَّ الرجلُ القوم، فلا يقمْ في مكانٍ أرفعَ من مقامِهم» أو نحو ذلك؟ فقال عمَّار: لذلك اتبعتُك حين أَخذتَ على يدي. قلت: فهؤلاء ثلاثةٌ من الصحابةِ قد أَخبروا بالنَّهي عن ذلك، ولم يحتجَّ أحدٌ منهم على صاحبه بحديث المنبرِ، فدل على أنه منسوخٌ. ومما يدلُّ على نسخِه أنَّ فيه عملاً زائداً في الصلاةِ، وهو النزولُ والصعودُ، فَنُسِخ كما نُسخ الكلامُ والسلامُ. وهذا أَولى ممَّا اعتذرَ به أصحابُنا من أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان معصوماً من الكِبْر؛ لأنَّ كثيراً من الأئمةِ يوجد لا كِبْرَ عندهم، ومنهم مَن علَّله بأنَّ ارتفاعَ المنبرِ كان يسيراً. والله أعلم (٢). الثالثة: قولُه تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال الكلبي وقتادةُ وابنُ منبِّه: أَوحى إليهم: أشار(٣). القتبي(٤): أَوماً. مجاهد: كتبَ على الأرض(٥). عكرمة: كتبَ في كتاب. والوحي في كلام العرب: الكتابةُ (٦)؛ ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ: (١) أي أبو داود في السنن (٥٩٨)، وقال المنذري في مختصر السنن ٣٠٩/١: في إسناده رجل مجهول. (٢) المفهم ٢/ ١٥٤ . (٣) ذكر قول الكلبي الماورديُّ في النكت والعيون ٣٥٩/٣، وذكر قول قتادة وابن منبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/٤ ، وأخرج الطبري ١٥/ ٤٧١ - ٤٧٢ قول ابن منبه فقط. (٤) في تفسير غريب القرآن ص٢٧٣ . (٥) أخرجه عنه الطبري ١٥/ ٤٧٢، وهو في تفسير مجاهد ٣٨٤/١ بلفظ: أشار إليهم. (٦) الصحاح (وحى). ٤٢٢ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ بَقِيَّةُ وَخْي في بُطونِ الصَّحَائِف(١) سوى الأربعِ الدُّهْم اللَّواتي كأنَّها وقال عَنْترة: فأَهداها لأَعجم ◌ِمْطِمِيٍّ (٢) كوحي صحائفٍ من عهدٍ كسرى و((بكرة وعشيًّا)» ظرفان، وزعم الفراءُ أنَّ العشيَّ يُؤنث، ويجوزُ تذكيرُه إذا أَبْهَمْتَ؛ قال: وقد يكونُ العشيُّ جمعَ عشيّة(٣). الرابعة: قد تقدَّم الحكمُ في الإشارة في ((آل عمران» (٤). واختلف علماؤنا فيمَن حلف ألَّا يكلم إنساناً فكتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً، فقال مالك: إنه يحنث إلا أن ينويّ مشافهتَه، ثم رجع فقال: لا يُنَوَّى في الكتابٍ ويحنثُ إلا أن يرتجعَ الكتابَ قبل وصولِه. قال ابنُ القاسم: إذا قرأ كتابَه حنث، وكذلك لو قرأ الحالفُ كتابَ المحلوف عليه. وقال أشهب: لا يحنثُ إذا قرأَه الحالف، وهذا بَيِّن؛ لأنه لم يكلِّمْه ولا ابتدأَه بكلام، إلا أن يريدَ ألا يعلمَ معنى كلامِه، فإنَّه يحنثُ وعليه يُخرجُ قولُ ابن القاسم، فإنْ حلفَ ليكلمنَّه، لم يَبرَّ إلا بمشافهتِهِ، وقاله(٥) ابن الماجشون. وإن حلفَ: لَئِنِ عَلِمَ كذا ليُعلِمِنَّه أو ليُخبِرِنَّه، فكتبَ إليه أو أرسلَ إليه رسولاً بَرَّ، ولو علماه جميعاً لم يبر، حتى يُعلِمَه؛ لأنَّ علمهما مختلفٌ. الخامسة: واتفق مالكٌ والشافعيُّ والكوفيون أنَّ الأخرسَ إذا كتبَ الطلاقَ بيده (١) الديوان ١٦٢٢/٣، وفيه: أللأربع الدهم. (٢) الديوان ص٧٨ ، ورجلٌ طِمِطِمِيٍّ: في لسانه عجمة. القاموس (طمم). (٣) المذكر والمؤنث للفراء ص ٣٠، ونقل عنه المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٩/٣. (٤) ١٢٣/٥ وما بعدها. (٥) في (م): وقال، والمثبت من (ظ) و(د)، وكلام ابن الماجشون وما قبله في النوادر والزيادات ١٢٥/٤ - ١٢٧، وكلام مالك في المدونة ١٣٠/٢ - ١٣١. ٠٠ ٤٢٣ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ لزمه(١)، قال الكوفيون: إلا أن يكونَ رجل أُصمِت أياماً فكتبَ لم يجزْ من ذلك شيءٌ. قال الطحاوي(٢): الخَرسُ مخالفٌ للصمتِ العارض، كما أنَّ العجزَ عن الجماع العارضٍ لمرضٍ ونحوه يوماً أو نحوه مخالفٌ للعجزِ المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في بابٍ خيار المرأةِ في الفرقةِ. قوله تعالى: ﴿يَيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّمْ﴾ في الكلامِ حذفٌ، المعنى: فُلِد له ولدٌ، وقال الله تعالى للمولود: ((يا يحيى خذ الكتب بقوّة)). وهذا اختصار يدلُّ الكلام عليه. و((الكتاب)) التوراةُ بلا خلاف(٣). ((بقوّة)) أي: بجد واجتهادٍ، قاله مجاهد(٤). وقيل: العلمُ به، والحفظُ له، والعملُ به، وهو الالتزامُ لأوامرٍه، والكفُّ عن نواهيه، قاله زيدُ بن أسلم(٥)، وقد تقدّم في (البقرة)) (٦). ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ قيل: الأحكام والمعرفة بها. وروى معمر أنَّ الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للَّعِب خُلِقت. فأنزلَ الله تعالى: ((وآتيناه الحكم صبِيًّا))(٧). وقال قتادةُ: كان ابنَ سنتين أو ثلاثٍ سنين. وقال مقاتل: كان ابنَ ثلاث سنين(٨). و((صبيًّا)) نصب على الحال(٩). وقال ابنُ عباس: مَن قرأ القرآنَ قبل أن يحتلمَ؛ فهو ممَّن أُوتي الحكم صبيًّا(١٠). (١) مالك في المدونة ٢٤/٣، والشافعي في الأم ٢٢٧/٥، والكوفيون في مختصر اختلاف العلماء للجصَّاص ٢/ ٤٥١ . (٢) في مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٤٥١، وما قبله منه. (٣) المحرر الوجيز ٤/ ٧. (٤) في التفسير ١/ ٣٨٤، وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤. (٥) النكت والعيون ٣/ ٣٦٠ . (٦) ٢ /١٦٥ . (٧) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٤، وتفسير الطبري ١٥/ ٤٧٤ . (٨) زاد المسير ٢١٣/٥، ونقل قول مقاتل فقط الماوردي في النكت والعيون ٣٦٠/٣. (٩) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٩. (١٠) المحرر الوجيز ٧/٤، وزاد المسير ٢١٣/٥ . ٤٢٤ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ ورُوي في تفسير هذه الآية من طريقِ عبدِ الله بن عمرو(١)، عن النبيِّ﴾ قال: ((كلُّ بني آدمَ يأتي يومَ القيامة وله ذَنْبٌ إلا ما كان من يحيى بنِ زكريا))(٢). وقال قتادة: إنَّ يحيى عليه السلام لم يعصِ الله قطُّ بصغيرةٍ ولا كبيرةٍ ولا هَمَّ بامرأةٍ(٣). وقال مجاهد: وكان طعامُ يحيى عليه السلامُ العشبَ، وكان للدمع في خدَّيه مجارٍ ثابتةٌ (٤). وقد مضى الكلامُ في معنى قوله: ((وَسَيِّداً وَحَصُوراً)) في ((آل عمران))(٥). قولُه تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِن لَُّنَ﴾: ((حنانا)) عطفٌ على ((الحكم))(٦). ورُوي عن ابنٍ عباس أنه قال: والله ما أَدري ما ((الحنان))؟. وقال جمهورُ المفسرين: الحنانُ: الشفقةُ والرحمة والمحبة، وهو فعلٌ من أفعالِ النفس(٧). النحاس: وفي معنى الحنانِ عن ابن عباس قولان: أحدهما: قال: تَعظُّفُ اللهِ عزَّ وجلَّ عليه بالرحمةِ. والقولُ الآخر ما أُعطيهُ من رحمةِ الناس حتى يخلّصهم من الكفر والشرك (٨). وأصلُه من حنين الناقةِ على ولدها(٩). ويقال: حنانك وحنانيك، قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: حنانيك تثنية الحنان(١٠). وقال أبو عبيدة: والعرب تقول: حنانَك ياربُّ، وحنانيكَ (١) في النسخ: عمر، والمثبت من المحرر الوجيز ٨/٤، والكلام منه. (٢) لم نقف عليه من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه الطبري ٣٧٧/٥ - ٣٧٨، والحاكم ٣٧٣/٢ و ٢٤٤/٤ ، من حديث عمرو بن العاص. وأخرجه الطبري ٣٧٨/٥ ، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إمَّا عبد الله وإمَّا أبوه -: ما أحد .. ، فذكره من قوله، ولم يرفعه. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٢/ ٦، ومن طريقه الطبري ١٥/ ٤٨١، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﴾: ما من أحد .. ، فذكره. (٣) تفسير الطبري ١٥/ ٤٨١، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٥/٢، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﴿ قال: ما أذنب يحيى بن زكريا ذنباً، ولا هَمَّ بامرأة. (٤) المحرر الوجيز ٨/٤، وما قبله منه. (٥) ١١٦/٥ وما بعدها. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٩/٣. (٧) المحرر الوجيز ٧/٤ - ٨. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٩/٣. (٩) تفسير السمر قندي ٣٢٠/٢. (١٠) المحرر الوجيز ٤/ ٧. ٤٢٥ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ ياربُّ بمعنى واحد (١)، تريد رحمتك. وقال امرؤ القيس(٢): مَعِيزَهُمُ حَنَانكَ ذا الحنَانِ ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بِنِ جَرْمٍ وقال طرفة(٣) : أبا مُنْذٍ أَفنيتَ فاستبقِ بَعضَنَا حَنَانَيْك بعضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بَعْضٍ وقال الزمخشري(٤): ((حناناً)) رحمةً لأبويه وغيرِهما وتعطفاً وشفقة؛ وأنشد سيبويهِ(٥) : فقالتْ حَتَانٌ ما أَتَى بكَ هَاهُنَا أَذُونَسَبِ أَمْ أنت بالحيِّ عارفُ قال ابنُ الأعرابي: الحنَّان من صفةِ الله تعالى مشدّداً: الرحيمُ. والحنَان مخففٌ: العطف والرحمة. والحَنان: الرزقُ والبركة(٦). ابنُ عطية: والحنانُ في كلامِ العربِ أيضاً ما عُظّم من الأمور في ذاتِ الله تعالى، ومنه قولُ زيد بنِ عمرو بنٍ نُفَيل في حديثٍ بلالٍ: واللهِ لئن قتلتم هذا العبدَ لأتخذنَّ قبرَه حَنَاناً(٧). وذكرَ هذا الخبرَ الهرويُّ، فقال: وفي حديثٍ بلال: ومرَّ عليه ورقةُ بنُ نوفل وهو يُعذّب فقال: والله لئن قَتلتموه لأَتخذنَّه حَنَاناً، أي: لأَتمسحنَّ به(٨). وقال الأزهريُّ: معناه لأَّتعطفنَّ عليه ولأَترحمنَّ عليه؛ لأنَّه من أهلِ الجنة. قلتُ: فالحنانُ العطفُ، وكذا قال مجاهدٌ. و((حناناً)) أي: تَعطّفاً منَّا عليه، أو منه (١) الكلام بنحوه في الطبري ١٥/ ٤٧٨ . (٢) في ديوانه ص ١٤٣، وسلف ٩/ ٧٨ . (٣) في ديوانه ص٦٦، وسلف ١٤٨/٥ . (٤) في الكشاف ٢/ ٥٠٤ . (٥) في الكتاب ٣٢٠/١ و٣٤٩، وهو المنذر بن درهم الكلبي كما في خزانة الأدب ١١٤/٢. (٦) تهذيب اللغة ٤٤٦/٣ . (٧) المحرر الوجيز ٧/٤ - ٨. (٨) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٤٨/١، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٤٠/١٠ - ٤٤١ و ٢٥/٦٣، وابن حجر في تغليق التعليق ٢٦٨/٣، من حديث عروة بن الزبير قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال ... وأورده الذهبي في السير ١٢٩/١ وقال: هذا مرسل. وورقة لو أدرك هذا لعُدَّ من الصحابة، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة كما في الصحيح. ٤٢٦ سورة مريم: الآيات ١ - ١٥ على الخلقِ؛ قال الحطيئةُ (١): تَحَّنْ عليَّ هَدَاكَ الملِيك فإنَّ لكلِّ مقامِ مَقَالا عكرمة: محبة(٢). وحَنَّةُ الرجلِ: امرأتُهُ(٣)؛ لتوادِّهما؛ قال الشاعر: فقالتْ حنانٌ ما أَتَى بكَ هاهنا أَذو نسبِ أم أنتَ بالحيِّ عارفُ (٤) قولُه تعالى: ﴿وَزَّكَوَةٌ﴾ الزكاةُ: التطهيرُ والبركةُ والتنمية في وجوهِ الخير والبر(٥)، أي: جعلناه مباركاً للناس يهديهم. وقيل: المعنى: زكَّيناه بحسنِ الثناءِ عليه كما تُزِّي الشهودُ إنساناً(٦). وقيل: ((زكاة) صدقةً به على أبويه؛ قاله ابنُ قتيبة(٧). ﴿وَكَانَ تَفِيًّا﴾ أي: مطيعاً لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئةً ولم يُلمَّ بها(٨). قوله تعالى: ﴿وَبَرَّ بِوَلِدَيْهِ﴾ البَرُّ بمعنى البار: وهو الكثيرُ البِرِّ(٩). و﴿ِجَارًا﴾ متكبراً، وهذا وصفٌ ليحيى عليه السلام بلينِ الجانبِ وخفضٍ الجناح. قولُه تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ قال الطبري(١٠) وغيرُه: معناه: أمانٌ. ابنُ عطية: والأظهرُ عندي أنها التحيةُ المتعارفةُ فهي أشرفُ وأَنبهُ من الأمان؛ لأنَّ الأمان مُتحصَّلٌ له بنفي العصيانِ عنه وهي أقلُّ درجاتِهِ، وإنَّما الشرفُ في أن سلَّم اللهُ عليه، وحيَّه في المواطن التي الإنسانُ فيها في غايةِ الضَّعفِ والحاجةِ، وقلةِ الحيلة والفقرِ إلى الله تعالى، وعظيم الهول(١١). (١) في ديوانه ص٢٢٢ . (٢) أخرجه الطبري ١٥ / ٤٧٧ . (٣) تهذيب اللغة ٤٤٨/٣ . (٤) سلف آنفاً. (٥) المحرر الوجيز ٨/٤ . (٦) النكت والعيون ٣٦٠/٣ . (٧) في تفسير غريب القرآن ص٢٧٣، ونقله عنه المصنف بواسطة النكت والعيون ٣٦١/٣ . (٨) الوسيط ١٧٨/٣. (٩) الوسيط ١٧٩/٣، والمحرر الوجيز ٨/٤. (١٠) في التفسير ١٥/ ٤٨١ . (١١) في (م) و(د): عظيم الحول، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٨/٤، والكلام منه، وقد سقط هذا الموضع من (ز) و(ف) و(خ). ٤٢٧ سورة مريم: الآيات ١ - ٢٦ قلت: وهذا قولٌ حسن، وقد ذكرنا معناه عن سفيانَ بنِ عيينة في سورة سبحان(١) عند قتلٍ یحیی. وذكر الطبريُّ عن الحسن، أنَّ عيسى ويحيى التقيا - وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى: ادعُ الله لي؛ فأنتَ خيرٌ مني. فقال له عيسى: بل أنت ادعُ الله لي؛ فأنتَ خير مني؛ سلَّم الله عليك وأَنا سلَّمت على نفسي(٢). فانتزعَ بعضُ العلماء من هذه الآية في التسليمٍ فضلَ عيسى، بأن قال: إدلالُهُ(٣) في التسليم على نفسِه، ومكانتُه من الله تعالى التي اقتضتْ ذلك حين قُدِّر(٤) وحُكي في محكم التنزيلِ أعظمُ في المنزلةِ من أن يُسلِّم عليهِ. قال ابنُ عطية (٥): ولكلِّ وجهٌ. قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُّرْ فِى الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (٧) قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَفِيًّا (٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ﴿﴿ قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (١٥) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّاً وَكَانَ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴿﴿ فَحَمَلَتْهُ فَأَنَبَذَتْ بِهِ، مَكَانَا فَصِيًّا (٣). فَنَادَتِهَا مِن تَّخِهَاً ◌ِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ( أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا ﴿ وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٥) فَكُلِى وَأَشْرِى وَقَرِى عَيْثٌ فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ (٢٦) لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا قولُه تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ مَرْيَمَ﴾ القصة إلى آخرها. هذا ابتداءُ قصةٍ ليست (١) ص٢٧ من هذا الجزء. (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤/٢، والطبري ٤٨٢/١٥، ونقله المصنف بواسطة المحرر الوجيز ٨/٤. (٣) في (د): إذلالهٍ، وهي كذلك في المحرر الوجيز ٨/٤، والكلام منه، ومعنى إدلاله: ثقته، من قولهم: فلانٌ يُدِلَّ بفلان، أي: يثق به، كما في الصحاح (دلل). (٤) في (م): قرر. (٥) في المحرر الوجيز ٨/٤، والكلام بنحوه عند الرازي ١٩٤/٢١. ٤٢٨ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ من الأُولى، والخطابُ لمحمدٍ ﴾(١)، أي: عَرِّفهم قصتَها ليعرفوا كمالَ قدرتِنا . ﴿إِذِ اُنْتَبَذَتْ﴾ أي: تَنجَّت وتباعدت. والنبذُ: الطرحُ والرمي، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ﴿مِّنْ أَهْلِهَاً﴾ أي: ممَّن كان معها. و((إذ)) بدل من ((مريم)) بدل اشتمال؛ لأنَّ الأحيان مشتملةٌ على ما فيها، والانتباذُ: الاعتزالُ والانفراد(٢). واختلف الناسُ لم انتبذت؟ فقال السُّدِّيُّ: انتبذتْ لتَطَّهَّر من حيضٍ(٣). وقال غيره: لتعبدَ الله، وهذا حسنٌ؛ وذلك أنَّ مريمَ عليها السلامُ كانت وقفاً على سدانةِ المعبدٍ وخدمتِه والعبادةِ فيه، فتنخَّت من الناسِ لذلك، ودخلت في المسجدِ إلى جانبٍ المحراب في شرقيِّه لتخلو للعبادةِ، فدخل عليها جبريل عليه السلام. فقوله: ﴿مَكَانَا شَرْقِيًّا﴾ أي: مكاناً من جانب الشرقِ. والشَّرْقُ بسكون الراء: المكانُ الذي تُشرق فيه الشمسُ. والشَّرَقُ بفتح الراء: الشمسُ(٤). وإنَّما خُصَّ المكان بالشرق؛ لأنهم كانوا يُعظمون جهةَ المشرق، ومن حيثُ تطلع الأنوار، وكانت الجهاتُ الشرقية من كل شيء أفضلَ من سواها، حكاه الطبري(٥). وحكى عن ابنِ عباس أنه قال: إني لأعلمُ الناسِ لِمَ اتخذ النَّصارى المشرقَ قبلةً؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: ((إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً)) فاتخذوا ميلادَ عيسى عليه السلام قبلة، وقالوا: لو كان شيءٌ من الأرض خيراً من المشرق لوضعت مريمُ عيسى عليه السلام فيه. واختلف الناس في نبؤَّةٍ مريم، فقيل: كانت نبيَّة بهذا الإرسال والمحاورة للملك. وقيل: لم تكن نبيَّة، وإنما كلَّمها مثالُ بشر، ورؤيتها للملك كما رُئِيَ جبريلُ (١) المحرر الوجيز ٨/٤. (٢) الكشاف ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥ . (٣) بعدها في (م) و(د): أو نفاس، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٩/٤ والكلام منه، وقد سقط هذا الموضع من بقية النسخ. (٤) تهذيب اللغة ٣١٦/٨ . (٥) في التفسير ٤٨٤/١٥ - ٤٨٥، وقول ابن عباس الآتي فيه. ٤٢٩ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ في صفة دِخْية حين سؤاله عن الإيمان والإسلام. والأولُ أظهر (١). وقد مضى الكلامُ في هذا المعنى مستوفى في ((آل عمران)»(٢) والحمدُ لله. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآَ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قيل: هو روحُ عيسى عليه السلام؛ لأنَّ الله تعالى خلق الأرواحَ قبل الأجساد، فرَّب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها. وقيل: هو جبريلُ، وأُضيف الروحُ إلى الله تعالى تخصيصاً وكرامةً(٣). والظاهرُ أنَّه جبريلُ عليه السلام؛ لقوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾ أي: تمثل الملكُ لها ﴿بَشَرًا﴾ تفسير أو حالٌ (٤) ﴿سَوِيًّا﴾ أي: مستوي الخلقة؛ لأنَّها لم تكن لتطيقَ أن(٥) تنظر جبريلَ في صورته. ولمَّا رأتْ رجلاً حسن الصورة في صورةٍ البشر قد خرق عليها الحجاب ظنَّت أنه يريدها بسوء، فـ ﴿قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا﴾ أي: ممَّن يتقي الله. البِكَالي: فنكصَ جبريلُ عليه السلام فزعاً من ذكرِ الرحمن تبارك وتعالى. الثعلبي: كان رجلاً صالحاً فتعوَّذت به تعجباً. وقيل: تقي فعيل بمعنى مفعول، أي: كنت ممَّن يُتَّقى منه. في ((البخاري)): قال أبو وائل: علمتْ مريمُ أنَّ التقي ذو نُهْيةٍ حين قالت: ((إن كنت تقيًّا))(٦). وقيل: تقي: اسمُ فاجرٍ معروف في ذلك الوقت، قاله وهب بن منبه، حكاه مكي وغيرُه. ابنُ عطية(٧): وهو ضعيفٌ ذاهبٌ مع الشَّخرُّص. فقال لها جبريلُ عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَيِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا زَكِيًّا﴾ جعلَ الهبةَ من قِبَله لما كان الإعلامُ بها من قِبَله. وقرأ ورش، عن نافع: (لِيَهَبَ لَكِ))(٨) على معنى: أرسلني الله ليهبَ لك. وقيل: معنى: ((لأهب)) بالهمز (١) المحرر الوجيز ٩/٤ . (٢) ١٢٦/٥ وما بعدها. (٣) النكت والعيون ٣٦٢/٣، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٢٢/٣، والمحرر الوجيز ٩/٤. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٠. (٥) في (د) و(م): أو، والمثبت من (ظ)، وسقط هذا الموضع من (ف) و(ز) و(خ). (٦) صحيح البخاري قبل حديث (٤٧٣٠)، وأخرجه الطبري ١٥ / ٤٨٧ . (٧) في المحرر الوجيز ٩/٤ ، وما قبله منه. (٨) التيسير ص١٤٨، والبغوي ١٩١/٣، وزاد المسير ٢١٧/٥، والرازي ١٩٨/٢١. : : ٤٣٠ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ محمولٌ على المعنى، أي: قال: أَرسلتُه لأهبَ لك. ويحتمل («ليهب)) بلا همزٍ أن يكونَ بمعنى المهموزِ ثم خُفِّفتِ الهمزة. فلما سمعت مريمُ ذلك من قولِه، استفهمت عن طريقِه فـ ﴿قَالَتْ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمُ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ﴾ أي: بنكاح، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ أي: زانيةً، وذكرت هذا تأكيداً؛ لأنَّ قولَها: لم يمسسني بشرٌ، يشملُ الحلالَ والحرام. وقيل: ما استبعدتْ من قدرةِ الله تعالى شيئاً، ولكن أرادتْ كيفَ يكونُ هذا الولد؟ من قِبَل الزوجِ في المستقبلِ أم يخلقه اللهُ ابتداءً (١)؟ وروي أنَّ جبريل عليه السلام حينَ قال لها هذه المقالةَ نفخَ في جيبٍ درعِها وكمها؛ قاله ابن جريج(٢). ابنُ عباس: أخذَ جبريل عليه السلام رُدْنَ قميصِها بإصبعِه فنفخَ فيه، فحملت من ساعتِها بعيسى(٣). قال الطبري(٤): وزعمتِ النَّصارى أنَّ مريم حملت بعيسى ولها ثلاثَ عشرةَ سنة، وأنَّ عيسى عاش إلى أن رُفِع اثنتين وثلاثين سنة وأياماً، وأنَّ مريمَ بقيت بعد رفعه ستَّ سنين، فكان جميعُ عمرِها نيفاً وخمسين سنة. وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ متعلقٌ بمحذوف، أي: ونخلقه لنجعلَه ﴿ءَايَةٌ﴾ دلالةً على قدرتِنا عجيبة ﴿وَرَحْمَةُ﴾ لمن آمنَ به ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مقدراً في اللوحِ مسطوراً(٥). قوله تعالى: ﴿فَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي: تنخَّت بالحملِ إلى مكانٍ بعيد، قال ابنُ عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيتٍ لحم بينَه وبينَ إيلياء أربعةُ أميال، وإنَّما بَعُدت فراراً من تعييرِ قومِها إياها بالولادةِ من غير زوجٍ(٦). قال ابنُ عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحالِ(٧). وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الانتباذَ عقبَ الحمل(٨). وقيل غيرُ ذلك على ما يأتي. (١) تفسير الطبري ١٥/ ٤٨٨ - ٤٨٩ . (٢) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٩١ . (٣) الوسيط ١٨٠/٣. (٤) في التاريخ ١ / ٥٨٥ . (٥) الكشاف ٢/ ٥٠٥ . (٦) الوسيط ٣/ ١٨٠، والمحرر الوجيز ١٠/٤. (٧) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٩٧ . (٨) زاد المسير ٢١٩/٥. ٤٣١ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ قوله تعالى: ﴿فَجَءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ((أجاءَهَا)) اضطرها، وهو تعدیةُ جاء بالهمز(١). يقال: جاء به وأَجاءه إلى موضع كذا، كما يقال: ذهبَ به وأَذهبه(٢). وقرأ شبيل ورويت عن عاصم: (فاجأها)) من المفاجأةَ. وفي مصحف أُبيِّ: ((فلما أجاءها المخاض)). وقال زهير: وَجَارٍ سَارَ معتمداً إِلينَا أَجَاءتْهُ المِخافَةُ والرَّجَّاءُ وقرأ الجمهورُ: ((المخَاضُ)) بفتح الميم، وابنُ كثير فيما رُوي عنه بکسرها وهو الطَّقُ وشدَّة الولادةِ وأوجاعُها(٣). مَخِضت المرأةُ تَمخَض مَخَاضاً ومِخَاضاً، وناقةٌ ماخض، أي: دنا وِلادُها (٤). ((إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ)) كأنَّها طلبت شيئاً تستندُ إليه وتتعلقُ به، كما تتعلقُ الحامل لشدَّةِ وجع الطلق. والجذعُ: ساقُ النخلةِ اليابسة في الصحراءِ الذي لا سعفَ عليه ولا غصنَ، ولهذا لم يقل: إلى النخلةِ (٥). ﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِى مِنُ قَبْلَ هَذَا﴾ تَمنَّت مريمُ عليها السلام الموتَ من جهة الدِّين لوجهين: أحدهما: أنَّها خافت أن يُظَن بها الشرُّ في دينها وتُعيَّر فيفتنها ذلك(٦). الثاني: لئلا يقع قومٌ بسببها في البهتان والنسبةِ إلى الزنى، وذلك مهلك(٧). وعلى هذا الحدِّ يكون تمني الموت جائزاً، وقد مضى هذا المعنى مبيناً في سورة يوسف(٨). علیه السلام. والحمد لله. قلت: وقد سمعتُ أنَّ مريمَ عليها السلام سمعت نداءً من يقول: اخرجْ يا مَن (١) المحرر الوجيز ٤ /١٠. (٢) شرح دیوان زهیر ص٧٧ . (٣) المحرر الوجيز ١٠/٤، وبيت زهير في شرح ديوانه ص ٧٧ . (٤) تهذيب اللغة ٧/ ١٢٢ . (٥) الكلام بنحوه عند البغوي ٣/ ١٩٢ . (٦) المحرر الوجيز ٤/ ١٠ . (٧) زاد المسير ٢٢٠/٥ . (٨) ٢٦٩/٩ وما بعدها. ٤٣٢ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ يُعبَد من دونِ الله، فحزنت لذلك، و﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ النِّسي في كلام العرب: الشيءُ الحقير الذي شأنُه أن يُنسى ولا يُتألم لفقده كالوتدِ والحبلِ للمسافر ونحوه(١). وحُكي عن العربِ أنَّهم إذا أرادوا الرحيلَ عن منزلٍ قالوا: احفظوا أَنساءَكم (٢). الأنساء جمع نِسي: وهو الشيءُ الحقيرُ يُغفَل فيُنسى. ومنه قولُ الکمیت(٣) ﴾. أتجعلنا جِسْراً لكلبِ قُضَاعَةٌ ولستُ بنِسْي في مَعَدٍّ ولا دَخل وقال الفراء(٤): النِّسيُّ: ما تُلقيه المرأةُ من خِرَقِ اعتلالِها، فقولُ مريم: ((نسياً منسيًّا))، أي: حيضة مُلقاة، وقُرِئ (نَسْياً)) بفتح النون(٥)، وهما لغتان مثل: الحِجْر والحَجْر، والوِثْر والوَثْر. وقرأ محمدُ بن كعب القرظي بالهمزِ: ((نِسْئاً)) بكسرِ النون، وقرأ نوفٌ البِكَاليُّ: (نَسْئاً)) بفتح النون من: نسأ اللهُ تعالى في أجلِه، أي: أخّره، وحكاها أبو الفتح والدَّاني عن محمد بنِ كعب. وقرأَ بكر بنُ حبيب (نَسَّا)) بتشديدِ السين وفتحِ النون دونَ همز (٦). وقد حكى الطبريُّ(٧) في قصصها أنَّها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضاً أختُها بيحيى، فجاءتها أختُها زائرةً فقالت: يا مريمُ، أَشعرتِ أنتِ أني حَملت؟ فقالت لها: وإني أَجِد ما في بطني يسجدُ لِما في بطنِك، فذلك أنَّه روى أنَّها أحسَّت بجنينها يخرُّ برأسِه إلى ناحيةٍ بطنٍ مريم، قال السدي: فذلك قوله: «مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ (١) المحرر الوجيز ١٠/٤. (٢) الكشاف ٥٠٦/٢ . (٣) في ديوانه ص٢٦٢ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ١٦٤ - ١٦٥. (٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي بكسر النون. وقرأ حمزة وحفص بالفتح، واختلف عن عاصم. السبعة ص٤٠٨، والتيسير ص١٤٨ . (٦) المحتسب ٤٠/٢، والمحرر الوجيز ١٠/٤ - ١١ وفي المحتسب أنَّ قراءة بكر بن حبيب السهمي: نَسئاً بفتح النون مهموزة. (٧) في التاريخ ٥٩٩/١ . ٤٣٣ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَِّياً مِنَ الصَّالِحِينَ)). وذكر أيضاً(١) من قصصها أنها خرجت فارَّةً مع رجلٍ من بني إسرائيل يقال له يُوسف النجار، كان يخدمُ معها في المسجدِ، وطَوَّل في ذلك. قال الكلبي: قيل ليوسف، وكانت سُميت له: إنها حملتْ من الزنى، فالآن يقتلُها الملك، فهربَ بها، فهمَّ في الطريق بقتلها، فأتاه جبريلُ عليه السلام وقال له: إنه من روح القدس(٢). قال ابنُ عطيةٍ (٣): وهذا كلُّه ضعيف، وهذه القصةُ تقتضي أنها حملت، واستمرَّت حاملاً على عرفِ النساء، وتظاهرتِ الرواياتُ بأنَّها ولدته لثمانيةِ أشهر. قاله عكرمة؛ ولذلك قيل: لا يعيشُ ابنُ ثمانية أشهرٍ حفظاً لخاصةٍ عيسى. وقيل: ولدته لسبعةٍ(٤). وقيل: لستةٍ. وما ذكرناه عن ابنِ عباس أصحُ وأظهرُ. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَادَتْهَا مِنْ تَّخَِّا﴾ قُرِئ بفتح الميمِ وكسرها(٥). قال ابنُ عباس: المرادُ بـ ((من)) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومَها؛ وقاله علقمةُ والضَّحاكُ وقتادة، ففي هذا لها آيةٌ وأمارةٌ أنَّ هذا من الأمورِ الخارقة للعادةِ التي لله فيها مرادٌ عظيم(٦). وقوله: ﴿أَلَّا تَخْزَنِ﴾ تفسيرُ النداءِ، ((وأَنْ)) مفسِّرة بمعنى أي، المعنى: فلا تحزني بولادتك . ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِئًا﴾ يعني عيسى. والسريُّ من الرجالِ العظيمُ الخصالِ السيِّدُ. قال الحسن: كان واللهِ سريًّا من الرجال. ويقال: سَرِي فلانٌ على فلان، أي: تكرم، وفلانٌ سَرِيٌّ من قومٍ سَرَاة. وقال الجمهورُ: أشارَ لها إلى الجدولِ (١) أي الطبري في التاريخ ٥٩٥/١. (٢) عرائس المجالس ص٣٨٦ . (٣) في المحرر الوجيز ٤/ ١٠ - ١١. (٤) في (م): لتسعة، والمثبت من (ظ) و(د)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ١١/٤، وذكر الماورديُّ في النكت والعيون ٣٦٢/٣ أربعة أقوال في مدة حملها وهي: تسعة أشهر، وستة أشهر، ويوماً واحداً، وثمانية أشهر. (٥) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وشعبة بفتح الميم، والباقون بكسرها. السبعة ص٤٠٨-٤٠٩، والتيسير ص١٤٨ . (٦) المحرر الوجيز ١١/٤، وفي (د) و(ظ): عكرمة بدل علقمة. ٤٣٤ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ الذي كان قريب جذع النخلة(١). قال ابنُ عباس: كان ذلك نهراً قد انقطعَ ماؤه، فأجراه الله تعالى لمريم (٢)، والنهرُ يسمَّى سَرِيًّا؛ لأنَّ الماءَ يسري فيه، قال الشاعر: إذا يَعُجُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرَا(٣) سَلْمٌ تَرَى الدَّالِيَّ منه أَزْوَرَا وقال لبید : فَتَوسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةٌ مُتَجَاوِراً قُلَامُهَا(٤) وقيل: ناداها عيسى، وكان ذلك معجزةً وآيةً وتسكيناً لقلبها، والأولُ أَظهر(٥). وقرأَ ابنُ عباس: ((فناداها ملك مِن تحتها)) قالوا: وكان جبريلُ عليه السلام في بقعةٍ من الأرض أخفضَ من البقعة التي كانت هي عليها. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنْيًّا فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَننّ﴾ فیه أربعُ مسائل : الأولى: قولُه تعالى: ((وَهُزِّي)) أَمرَها بهزّ الجذع اليابس لترى آيَةً أخرى في إحياء مواتِ الجذع، والباء في قوله: ((بجذع)) زائدةٌ مؤكِّدةٌ(٦) كما يقال: خذ بالزمام، وأعطِ بيدك؛ قال الله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] أي: فليمدد سبباً(٧). (١) المحرر الوجيز ١١/٤، والنكت والعيون ٣٦٥/٣ - ٣٦٦، وزاد المسير ٢٢٢/٥، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٢٥/٣ . (٢) أخرجه الطبري ٥٠٦/١٥ - ٥٠٧ بنحوه. (٣) البيت في معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٢٥/٣، والكامل للمبرد ١١٤٥/٣، وتهذيب اللغة ٣٦١/٥ بدون نسبة، وفي (م): ((يعبُّ)) بدل ((يعج))، والمثبت من النسخ الخطية والكامل ومعاني القرآن، وفي الكامل فقط الدالج بدل الدالي، وخطَّأ المبردُ رواية الدالي، وقال: السَّلْم: الدلو الذي له عروة واحدة، وهو دلو السَّقائين، والدالج: الذي يمشي بالدلو بين البئر والحوض. (٤) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٧، وقال شارحه: عرض: ناحية، السري: نهر صغير: مسجورة: مملوءة يعني عيناً، القلَّام: نبت، وقيل: هو القصب. (٥) الوسيط ١٨١/٣، والنكت والعيون ٣٦٤/٣، وزاد المسير ٢٢١/٥. (٦) المحرر الوجيز ٤/ ١١ - ١٢. (٧) معاني القرآن للفراء ١٦٥/٢، والوسيط ١٨١/٣، والكشاف ٥٠٧/٢، وزاد المسير ٢٢٢/٥. ٤٣٥ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ وقيل: المعنى: وهزي إليك رطباً على جذع النخلة. و((تَسَّاقَظْ)) أي: تتساقط فأدغمَ التاءَ في السين. وقرأ حمزةُ: ((تَسَاقَظْ)) مخففاً، فحذفَ التي أَدغمها غيرُه. وقرأ عاصم في رواية حفص: ((تُسَاقِظْ)) بضمِّ التاءِ مخففاً وكسر القاف (١). وقرئ: ((تَتَسَاقِظْ)) بإظهارِ التاءين و: ((يَسَّافَظْ)) بالياء وإدغام التاء: و((تُسْقِط)) و((يُسْقِط)) و((تَسقط)) و ((يَسقط)) بالتاءِ للنخلة وبالياءِ للجذع، فهذه تسعُ قراءات ذكرها الزمخشري(٢) رحمةٌ الله تعالى عليه. ((رطباً)) نُصِب بالهزّ(٣)، أي: إذا هَززتِ الجِذعَ هززتِ بهزِّه ((رطباً جنياً)). وعلى الجملةِ فـ ((رطباً)) يختلفُ نصبُه بحسبٍ معاني القراءات، فمرةً يستندُ الفعلُ إلى الجذع، ومرةً إلى الهزّ، ومرةً إلى النخلةِ. ((وجنيًّا)) معناه: قد طابت وصلحتْ للاجتناء، وهي من جنيتُ الثمرةً(٤). ويُروى عن ابن مسعود - ولا يصحُّ - أنَّه قرأ: ((تُساقط عليك رطباً جنيًّا بَرْنيًّا))(٥). وقال مجاهد: ((رطباً جنِيًّا)) قال: كانت عجوة(٦). وقال عباس بنُ الفضل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله: ((رطباً جنياً)) فقال: لم يَذْوِ (٧). قال: وتفسيره: لم يجف ولم بيبسْ ولم يبعد عن يدي مُجتنيه، وهذا هو الصحيحُ. قال الفراء (٨): الجَنِيُّ والمَجنيُّ واحدٌ. يذهبُ إلى أنهما بمنزلةِ القتيل والمقتولِ والجريحِ والمجروح. وقال غيرُ الفراء: الجَنيُّ: المقطوعُ من نخلةٍ واحدة(٩)، والمأخوذُ من مكانٍ نشأته، وأنشدوا : (١) السبعة ص٤٠٩، والتيسير ص١٤٩. (٢) في الكشاف ٢/ ٥٠٧ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣/٣. وقال أيضاً ١٢/٣، والزجاج في معاني القرآن ٣٢٦/٣: إنها منصوبة على التمييز، وقال الزمخشري ٢/ ٥٠٧، والرازي ٢٠٦/٢١: رطباً تمييز أو مفعول. (٤) المحرر الوجيز ٤/ ١٢ . (٥) لم نقف عليها عند غير المصنف، والبَرْنيُّ: ضَربٌ من التمر. الصحاح (برن). (٦) النكت والعيون ٣٦٧/٣، وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٥١٢ . (٧) الكلام بنحوه في النكت والعيون ٣٦٧/٣ . (٨) في معاني القرآن ١٦٦/٢ . (٩) ذكر نحو هذا الطبريُّ ١٥/ ٥١٤ - ٥١٥. ٤٣٦ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ وطيبُ ثمارٍ في رياضٍ أرِيضةٍ وأغصانُ أشجارٍ جناها على قُربٍ(١) يريدُ بالجَنَى ما يُجنَى منها، أي: يُقطع ويُؤخذ. قال ابنُ عباس: كان جِذعاً نخراً (٢)، فلمَّا هَزَّت نظرتْ إلى أعلى الجِذع فإذا السَّعَفُ(٣) قد طلع، ثم نظرتْ إلى الطلعِ قد خرجَ من بينِ السَّعَف، ثم اخضرَّ فصار بلحاً، ثم احمرَّ فصار زَهْواً، ثم رُطباً، كلُّ ذلك في طرفةٍ عين، فجعلَ الرطبُ يقعُ بين يديها لا ينشدخُ (٤) منه شيءٌ. الثانية: استدلَّ بعضُ الناسِ من هذه الآية على أنَّ الرزقَ وإن كان محتوماً، فإنَّ الله تعالى قد وَكَل ابنَ آدم إلى سعيٍ ما فيه؛ لأنه أَمرَ مريم بهزِّ النخلةِ لترى آيةٌ، وكانت الآيةُ تكونُ بَلَّا تَهُوَّ(٥). الثالثة: الأمرُ بتكليفِ الكسب في الرزقِ سنةُ الله تعالى في عبادِه، وإنَّ ذلك لا يقدحُ في التوكل، خلافاً لما تقولُه جُهالُ المُتزهدة، وقد تقدَّم هذا المعنى والخلافُ فيه. وقد كانت قبلَ ذلك يأتيها رزقُها من غير تكسبٍ كما قال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكِيًّا الْمِحَْابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ الآية [آل عمران: ٣٧]، فلما وَلدتْ أُمِرت بهزِّ الجِذع. قال علماؤنا: لمَّا كان قلبُها فارغاً، فرَّغ اللهُ جارحتَها عن النصبِ، فلمَّا وَلدت عيسى وتعلَّق قلبُها بحبه، واشتغلَ سِرُّها بحديثِهِ وأَمْرِهِ، وَكَلها إلى كسبِها، وردّها إلى العادةِ بالتعلقِ بالأسباب في عبادِه(٦). وحكى الطبريُّ عن ابنِ زيدٍ، أنَّ عيسى عليه السلام قالَ لها: لا تحزني، فقالت له: وكيفَ لا أَحزنُ وأنتَ معي؟! لا ذات زوجٍ ولا مملوكة! أَيُّ شيءٍ عُذري عندَ (١) البيت لبعض الأعراب كما في الأضداد لابن الأنباري ص٢١٩، وهو أيضاً في ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي ص١٢٨، وزهر الآداب للقيرواني ٩٩٩/٢ . (٢) أخرجه بنحوه الطبري ١٥/ ٥١١ بلفظ: كان جذعاً يابساً، فقال لها: هُزِّيه تساقط عليك رطباً جنًّا. (٣) السَّعَف: جمع سَعَفَة وهي غصن النخل. الصحاح (سعف). (٤) الشَّدْخُ: كسرُ الشيء الأجوف. الصحاح (شدخ). (٥) المحرر الوجيز ٤/ ١٢ . (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٤٠. ٤٣٧ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ الناس؟! ((يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نسْياً مَنْسِيًّا)) فقال لها عيسى: أَنا أَكفيك الكلامَ(١). الرابعة: قال الربيعُ بنُ خُثَيم: ما للنفساءِ عندي خيرٌ من الرُّطبِ (٢) لهذهِ الآية، ولو علم اللهُ شيئاً هو أفضلَ من الرطبِ للنفساءِ لأَطعمَه مريمَ، ولذلك قالوا: التمرُ عادةٌ للنفساءِ من ذلك الوقت، وكذلك التَّحنيكُ. وقيل: إذا عَسُر ولادُها لم يكن لها خيرٌ من الرطبٍ، ولا للمريضِ خيرٌ من العسلِ؛ ذكره الزمخشري (٣). قال ابنُ وهب: قال مالكٌ: قال الله تعالى: ﴿رُطّبًا جَنِيًّا﴾ الجَنيُّ من التمرِ ما طابَ من غيرِ نَقْشٍ ولا إفسادٍ. والنَّقْشُ أن يُنقَش من أسفلِ البسرةِ حتى تُرطِبَ، فهذا مكروه. يعني مالكٌ أنَّ هذا تعجيلٌ للشيء قبلَ وقته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يفعله، وإن فَعله فاعلٌ ما كانَ ذلك مُجوِّزاً لبيعه، ولا حُكْماً بطيبِهِ، وقد مضى هذا القولُ في (الأنعام)»(٤). والحمد لله. عن طلحة بن سليمان ((جِنِيًّا)) بكسر الجيم للإتباع، أي: جمعنا(٥) لكِ في السريِّ والرطبٍ فائدتين: إحداهما: الأكلُ والشربُ، الثانيةُ: سَلوةُ الصدرِ؛ لكونهما معجزتين، وهو [في معنى] قولِه تعالى: ﴿فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا﴾ أي: فكُلي من الجَنْيِّ، واشربي من السَّريِّ، وقَرِّي عيناً برؤيةِ الولدِ النبيِّ. وقُرئ بفتحِ القاف وهي قراءةُ الجمهورِ. وحكى الطبريُّ قراءةَ: ((وَقِرِّي)) بكسرِ القافِ وهي لغةُ نجد (٦). يقال: قَرَّ عيناً يَقُرُّ ويَقِر بضمِّ القافِ وكسرِها، وأقرَّ اللهُ عينَه فقرَّت. وهو مأخوذٌ من القُرِّ (١) تفسير الطبري ٥٠٥/١٥ و٥١٨، ونقل عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٢/٤. (٢) تفسير السمر قندي ٣٢٢/٢، والبغوي ١٩٣/٣. (٣) في الكشاف ٢/ ٥٠٧ . (٤) ٤٧٦/٨، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤١/٣ . (٥) في (د) و(م): جعلنا، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الكشاف ٥٠٧/٢ ، والكلام منه، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٦) تفسير الطبري ٥١٦/١٥ . ٤٣٨ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ والقِرَّة وهما البَرْد. ودمعةُ السرورِ باردةٌ، ودمعةُ الحُزنِ حارةٌ. وضَعَّف فرقةٌ هذا وقالت: الدمعُ كلُّه حارٌّ، فمعنى أقرَّ الله عينه، أي: سَكَّن الله عينَه بالنظرِ إلى مَن يُحبُّه حتى تقرَّ وتسكن، وفلانٌ قُرةُ عيني، أي: نفسي تسكنُ بقربِهِ. وقال الشَّيباني: ((وقرِّي عيناً)) معناه: نامي، حضَّها على الأكلِ والشربِ والنومِ. قال أبو عمرو: أقرَّ اللهُ عينَه، أي: أنامَ عينَه، وأذهبَ سهره. و((عيناً)) نُصِب على التمييزِ؛ كقولك: طب نفساً. والفعلُ في الحقيقةِ إنَّما هو للعين، فتُقل ذلك إلى ذي العين، ويُنصبُ الذي كان فاعلاً في الحقيقةِ على التفسير. ومثلُه: طبتُ نفساً، وتَفقَّأْتُ شحماً، وتَصببتُ عرقاً، ومثلُه كثيرٌ(١). قولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قولُ تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ﴾ الأصلُ في ((تَرِنَ)): ((تَرْأَيِين))، فحُذِفت الهمزةُ كما حُذِفت من ((ترى))، ونُقِلت فتحتُها إلى الراء فصارَ ((تريين))، ثم قُلِيت الياءُ الأولى ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمعَ ساكنان الألفُ المنقلبةُ عن الياءِ وياءُ التأنيث، فحُذِفت الألفُ؛ لالتقاء الساكنين، فصار (تَرَيْنَ)) ثم حُذِفت النونُ علامةٌ للجزم؛ لأنَّ ((إن)) حرفُ شرطٍ و((ما)) صلةٌ فبقي تَرَى، ثم دخله نونُ التوكيدِ وهي مثقلةٌ، فكُسِر ياءُ التأنيثِ؛ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ النونَ المثقلة بمنزلةِ نونين الأولى ساكنةٌ، فصار تَرَينَ (٢). وعلى هذا النحوِ قولُ ابنِ دُريد: إِمَّا تَرَيْ رأسِيَ حَاكَى لونُهُ(٣) وقولُ الأَفوهِ: إِمَّا تَرَيْ رأسيَ أَزْرَى به(٤) (١) المحرر الوجيز ١٢/٤، وإعراب القرآن للنحاس ١٣/٣، وتهذيب اللغة ٢٧٦/٨، وما بعدها. (٢) البيان لابن الأنباري ١٢٣/٢، والمحرر الوجيز ١٢/٤ - ١٣، وأمالي ابن الشجري ٤٨٩/٢، وما بعدها. (٣) شرح مقصورة ابن دريد للتبريزي ص٣ ، وعجزه: طُرةُ صبحٍ تحت أذيالِ الدُّجى. (٤) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢/٤، والمعري في رسالة الملائكة ص١٣، وعجزه: مأسُ زمان ذي انتکاس مؤوس. وقال المعري: مَأَسَ بين القوم إذا أفسدَ بينهم. ٤٣٩ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٦ وإنَّما دخلتِ النونُ هنا بتوطِئة ((ما)) كما يوطّئ لدخولِها أيضاً لامُ القسم، وقرأَ طلحةُ وأبو جعفر وشيبةُ: (تَرَيْنَ)) بسكونِ الياءِ وفتح النون خفيفة، قال أبو الفتح(١): وهي شاذةٌ. الثانية: قولُه تعالى: ((فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ)) هذا جوابُ الشرطِ وفيه إضمارٌ، أي: فسألَكِ عن ولدكِ ((فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً)) أي: صَمْتاً(٢)؛ قاله ابنُ عباس وأنسُ بن مالك(٣). وفي قراءةٍ أُبيِّ بنِ كعب: ((إِنِّي نَذَرْتُ لِلرحمنِ صَوْماً صَمْتاً». وروي عن أنس (٤). وعنه(٥) أيضاً ((وصمتاً)) بواو، واختلافُ اللفظين يدلُّ على أنَّ الحرفَ ذُكِر تفسيراً لا قرآناً، فإذا أَتت معه واوٌ فممكنٌ أن يكونَ غيرَ الصوم، والذي تتابعتْ به الأخبارُ عن أهلِ الحديث ورواةِ اللغةِ (٦) أنَّ الصومَ هو الصَّمتُ؛ لأنَّ الصومَ إمساكٌ، والصمتَ إمساكٌ عن الكلام. وقيل: هو الصومُ المعروفُ، وكان يلزمُهم الصمتُ يومَ الصومِ إلَّا بالإشارةِ(٧)، وعلى هذا تُخرجُ قراءةُ أنسٍ: ((وصمتاً)) بواو، وأن الصمتَ كان عندَهم في الصومِ ملتزماً بالنذرِ، كما أنَّ مَن نذرَ منا المشيّ إلى البيتِ اقتضى ذلك الإحرامَ بالحج أو العمرة. ومعنى هذه الآيةِ أنَّ الله تعالى أمرها على لسانِ جبريل عليه السلام - أو ابنِها على الخلافِ المتقدم - بأن تمسكَ عن مخاطبةٍ البشرِ، وتحيلَ على ابنِها في ذلك؛ ليرتفعَ عنها خجلُها، وتتبينَ الآيةُ فيقومَ عذرُها. وظاهرُ الآيةِ أنَّها أُبيحَ لها أن تقولَ هذه الألفاظَ التي في الآية، وهو قولُ الجمهور. (١) في المحتسب ٢/ ٤٢، والكلام من المحرر الوجيز ١٢/٤ - ١٣. (٢) تفسير البغوي ٣/ ١٩٣، والوسيط ١٨١/٣. (٣) أخرجه عنهما الطبري ١٥/ ٥١٦ - ٥١٧ . (٤) النكت والعيون ٣٦٧/٣، والكشاف ٥٠٧/٢، وزاد المسير ٢٢٥/٥. (٥) أي: عن أنس بن مالك ه، وأخرجه الطبري ٥١٧/١٥، وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٤ . (٦) كما في الصحاح (صوم)، وتهذيب اللغة ٢٥٩/١٢ - ٢٦٠ . (٧) الكلام بنحوه في الطبري ٥٢٠/١٥، وتفسير السمر قندي ٣٢٢/٢. ٤٤٠ سورة مريم: الآيات ١٦ - ٢٨ وقالت فرقة: معنى ((قولي)) بالإشارةِ لا بالكلام(١). الزمخشريُّ: وفيه أنَّ السكوتَ عن السفيهِ واجب، ومِن أَذلِّ الناسِ سفيهٌ لم يجدْ مُسافهاً (٢). الثالثة: مَنِ التزمَ بالنذر ألا يكلم أحداً من الآدميين، فيحتملُ أن يقال: إنَّه قُربةٌ فيَلزَمُ بالنذرِ، ويحتمل أن يقالَ: ذلك لا يجوزُ في شرعِنا لما فيه من التضييقِ وتعذيبٍ النفس، كنذرِ القيام في الشمس ونحوه. وعلى هذا كان نذرُ الصمتِ في تلكَ الشريعةِ لا في شريعتنا، وقد تقدَّم(٣). وقد أَمرَ ابنُ مسعود مَن فعل ذلك بالنطقِ بالكلام(٤)، وهذا هو الصحيحُ؛ لحديثِ أبي إسرائيل، خرَّجه البخاريُّ(٥) عن ابنِ عباس. وقال ابنُ زيد والسُّديُّ: كانت سنةُ الصيامِ عندهم الإمساكَ عن الأكلِ والكلامِ(٦). قلتُ: ومِن سنتِنا نحنُ في الصيامِ الإمساكُ عن الكلامِ القبيح، قال عليه الصلاةُ والسلام: ((إذا كان أحدُكم صائماً، فلا يَرفُثْ ولا يجهلْ، فإنِ امرؤٌ قاتله أو شاتمه؛ فليقل: إني صائم))(٧). وقال عليه الصلاةُ والسلام: ((مَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به؛ فليسَ لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامه وشرابه))(٨). قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلُهُ، قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٨)﴾ قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ روي أنَّ مريمَ لمَّا اطمَأنَّت بما رأتْ من (١) المحرر الوجيز ١٣/٤. (٢) الكشاف ٢/ ٥٠٧ (٣) ٢٣٦/٣ - ٢٣٧ . (٤) المحرر الوجيز ١٣/٤. (٥) البخاري (٦٧٠٤)، وسلف ٢٣٧/٣. (٦) المحرر الوجيز ١٣/٤ . (٧) أخرجه أحمد (٧٣٤٠)، ومسلم (١١٥١)، من حديث أبي هريرة. (٨) أخرجه البخاري (١٩٠٣)، من حديث أبي هريرة، وسلف ١٢٣/٣.