النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠
عن نفسه، والتصنّع من صلاته، وقد تقدَّم في ((النساء))(١) دواء الرياء من قول لقمان،
وأنَّه كتمان العمل.
وروى الترمذيُّ الحكيم (٢): حدَّثنا أبي رحمه الله تعالى قال: أَنبأنا الحِمَّاني
قال: أنبأنا جرير، عن ليث، عن شيخ، عن مَعْقِل بنِ يَسَار قال: قال أبو بكر وشَهِدَ به
على رسول الله ﴾، قال: ذكَر رسولُ اللـه ◌َ﴾ الشِّرْكَ، قال: ((هو فيكم أخفى من دبيب
النمل، وسأدلُّك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللَّهمَّ
إنِّي أَعوذ بك أن أشرك بك وأنا أَعلم، وأَستغفركَ لما لا أَعلم، تقولها ثلاث مرات)).
وقال عمر بن قيس الكندي: سمعتُ معاويةً تلا هذه الآيةَ على المنبر ﴿فَن كَانَ
يَرَجُواْ لِقَّةَ رَيِّهِ ﴾ فقال: إنَّها لآخِرُ آيةٍ نزلت من السماء(٣). وقال عمر: قال النبيُّ ﴾:
(أُوحيَ إليَّ أنَّه من قرأ: ﴿فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَليَعْمَلْ عَمَلًا صَئِحًا﴾ رُفعَ له نورٌ ما بين
عدن إلى مكّة، حَشْوه الملائكة يصلُّون عليه ويستغفرون له))(٤).
وقال معاذ بن جبل: قال النبيُّ#: ((من قرأ أوَّل سورة الكهف وآخِرها، كانت له
نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلَّها، كانت له نوراً من الأرض إلى السماء)»(٥).
(١) ٢٩٩/٦ .
(٢) في نوادر الأصول ص ٤٠٠ بدون إسناد، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٦)، والمروزي في
مسند أبي بكر برقم (١٨) من طريق ليث، به.
وأخرجه أيضاً المروزي في مسند أبي بكر (١٧)، وأبو يعلى (٥٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة
(٢٨٦) من طريق ليث، عن أبي محمد، عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق بنحوه مطولاً. ووقع عند ابن
السني: أبي مجلز، بدل: أبي محمد، وفي إسنادهما: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، والراوي عنه،
وهو مجهول.
(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٤١ - ٤٤٢، والطبراني في الكبير ٣٩٢/١٩ (٩٢١).
(٤) أخرجه البزار (٢٩٧). وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٢٣٦٠) وقال: رواه البزار، ورواته ثقات
إلا أن أبا قرَّة الأسدي لم يروِ عنه - فيما أعلم - غير النضر بن شميل.
(٥) أخرجه أحمد (١٥٦٢٦)، والطبراني في الكبير ١٩٧/٢٠ (٤٤٣)، والبغوي في شرح السنة (١٢٠٥)
عن معاذ بن أنس ﴾. وفي إسناده: زبَّان بن فائد الحمراوي، وهو ضعيف.
٤٠٢
سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠
وعن ابن عباس أنَّه قال له رجل: إنِّي أُضمر أن أقومَ ساعةً من الليل فيغلبني
النوم، فقال: إذا أردتَ أن تقوم أيَّ ساعةٍ شِئْتَ من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ﴾ إلى آخِرِ السورة، فإنَّ اللهَ تعالى يُوقِظك متى شئتَ
من الليل، ذكر هذه الفضائل الثعلبيُّ ﴾.
وفي ((مسند الدارمي))(١) أبي محمد، أخبرنا محمد بنُ كثير، عن الأوزاعيِّ، عن
عبدة، عن زرِّ بن حبيش، قال: من قرأ آخِر سورة الكهف لساعة يُريد أن يقوم من
الليل، قامها، قال عبدة: فجرَّبناه، فوجدناه كذلك. قال ابن العربي(٢): كان شيخنا
الُرْطُوشيُّ الأكبر يقول: لا تذهب بكم الأزمانُ في مصاولة الأقران، ومواصلة
الإخوان، وقد ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله: ﴿فَتَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
صَلِمًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدَا﴾.
تمَّت سورةُ الكهف، والحمد لله وحده،
والصلاةُ والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعدَه.
(١) برقم (٣٤٠٩).
(٢) في أحكام القرآن ١٢٣٧/٣
تفسير سورة مريم عليها السلام
وهي مكيةٌ بإجماع، وهي تسعونَ وثمانِ آيَاتٍ
ولمَّا كانت وقعةُ بدر، وقتلَ الله فيها صناديدَ الكفار، قال كفار قريش: إنَّ تأركم
بأرض الحبشة، فأَهدُوا إلى النجاشي، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيِكم لعلَّه
يعطيكم مَنْ عندَه من قريش، فتقتلونهم بمَن قُتِل منكم ببدر، فبعثَ كفارُ قريش عمرو بنَ
العاص وعبد الله بنَ أبي ربيعة، فسمعَ رسولُ اللـه:﴿ ببعثهما، فبعثَ رسولُ الله ◌ِ﴾.
عمرَو بنَ أُمية الضَّمْريَّ، وكتب معه إلى النجاشي، فقَدِمَ على النجاشي، فقرأْ كتابَ
رسولِ الله ◌ِ﴾، ثم دعا جعفرَ بنَ أبي طالب والمهاجرين، وأَرسل إلى الرهبان
والقسيسين فجمَعهم، ثم أمر جعفرَ أن يقرأَ عليهم القرآن، فقرأ سورةً مريم
(كهيعص))، وقاموا تفيضُ أعينهم من الدَّمع، فهم الذين أنزلَ الله تعالى فيهم:
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىنَ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]. وقرأ إلى قوله: ﴿الشَّهِدِينَ﴾.
ذكره أبو داود(١). وفي ((السيرة))(٢): فقال النجاشي: هل معك ممَّا جاء به عن اللهِ
شيءٌ؟ قال جعفرُ: نعم، فقال له النجاشي: اقرأه عليَّ. قال: فقرأ (كهيعص)) فبكى
واللهِ النجاشيُّ حتى أَخضَل لحيته، وبكت أساقفتُهم حتى أَخضَلوا لِحَاهم حين سمعوا
ما يُتلى عليهم، فقال النجاشي: هذا والذي جاءَ به موسى(٣) لَيخرجُ من مِشكاةٍ
واحدة، انطلقا فواللهِ لا أُسلمُهم إليكما أبداً، وذكرَ تمامَ الخبر.
(١) أخرجه ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص١٣٤ من طريق أبي داود، وليس هو في
سنن أبي داود كما يوهم كلام المصنف، وسلف ٨/ ١٠٧ - ١٠٨ .
(٢) سيرة ابن هشام ٣٣٦/١، والنقل من الدرر لابن عبد البر ص ١٤٠ - ١٤١.
(٣) في سيرة ابن هشام: جاء به عيسى.
٤٠٤
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿كَهِيعَصَ ﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّ ﴾ إِذْ نَادَى
رَبَُّ نِدَآءُ خَفِيًا ﴿ قَالَ رَبٍّ إِنِى وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ
أَكُنُ بِدُعَِّكَ رَبٍ شَفِيًّا ﴿ وَإِنِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى
حَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ﴿ يَرِثْنِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ وَاجْعَلْهُ رَبِّ
رَضِيًّا ﴿ يَذَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ اسْمُهُمْ يَحْبَى لَمْ نَّجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
قَالَ رَبٍ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
٧
اُلْكِبَرِ عِنِيًّاً ﴾ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ
وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِيّ ءَابَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
ثَلَكَثَ لَيَالٍ سَوِبًّا (٣) ◌َجَ عَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا
بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١ يَخِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَمَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا (١٧) وَحَنَانًا مِّن
وَسَلَمُ عَلَيْهِ
لَّدُنَا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرَّا بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١)
يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَّوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (٥)
قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ تقدَّم الكلامُ في أوائل السور(١). وقال ابنُ عباس في
((كهيعص)): إنَّ الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم، والعين من علیم،
والصاد من صادق؛ ذكره ابنُ عُزيز(٢) القُشيري عن ابنِ عباس معناه: كافٍ لخلقه،
هادٍ لعباده، يدُه فوق أيديهم، عالمٌ بهم، صادقٌ في وعدِه(٣)؛ ذكره الثعلبي عن
الكلبي والسُّدِّي، ومجاهد والضحاك. وقال الكلبي أيضاً: الكافُ من كريمٍ وكبيرٍ
(١) ٢٣٧/١ وما بعدها.
(٢) في نزهة القلوب ص٥٨، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٣/٢.
(٣) الوسيط ١٧٥/٣ .
٤٠٥
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
وكافٍ، والهاءُ من هادٍ، والياءُ من رحيم، والعينُ من عليم وعظيم، والصادُ من
صادق(١). والمعنى واحد. وعن ابنِ عباس أيضاً: هو اسمٌ من أسماءِ الله تعالى. وعن
عليٍّ ﴾: هو اسمُ اللهِ عزَّ وجلَّ وكان يقول: يا كهيعص، اغفرْ لي(٢)؛ ذكره الغَزنوي.
السُّديُّ: هو اسمُ اللهِ الأعظم الذي إذا سُئِل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب. قتادةُ: هو
اسمٌ من أسماءِ القرآنِ؛ ذكره عبدُ الرزاقٍ، عن مَعْمَرٍ، عنه(٣). وقيل: هو اسمٌ
للسورةِ (٤)، وهو اختيارُ القشيري في أوائلِ الحروف.
وعلى هذا قيل: تمامُ الكلامِ عندَ قوله: ((كهعيص)) كأنه إعلامٌ باسم السورة، كما
تقول: كتابُ كذا أو بابُ كذا ثم تَشرعُ في المقصودِ. وقرأ ابنُ جعفر هذه الحروفَ
متقطعةً، ووصلَها الباقون، وأَمالَ أبو عمروٍ الهاءَ وفتحَ الياء، وابنُ عامر وحمزةٌ
بالعكس، وأَمالهما جميعاً الكسائيُّ وأبو بكر وخلف، وقرأَهما بينَ اللفظين أهلُ
المدينةِ نافعٌ وغيرُه، وفتحهما الباقون(٥). وعن خارجةَ أنَّ الحسنَ کان یضمُّ کاف،
وحَكَى غيرُه أنه كان يضمُّ ها، وحكى إسماعيل بنُ إسحاق أنه كان يضمُّ يا. قال أبو
حاتم: ولا يجوزُ ضُّ الكافِ والهاءِ والياء؛ قال النَّحاسُ (٦): قراءةُ أهلِ المدينة من
أحسن ما في هذا، والإمالةُ جائزةٌ في هَا ويَا.
وأمَّا قراءةُ الحسن؛ فأشكلت على جماعةٍ حتى قالوا: لا تجوزُ، منهم أبو حاتم،
والقولُ فيها ما بَّنه هارون القارئ، قال: كان الحسنُ يُشِمُّ الرفعَ، فمعنى هذا أنَّه كان
يُومئ، كما حكى سيبويهِ، أنَّ من العرب مَن يقول: الصلاةُ والزكاةُ يُومئ إلى الواو،
(١) نسبه البغوي في التفسير ١٨٨/٣ لابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه الطبري ٤٥١/١٥ - ٤٥٢، عن ابن عباس وعلي ﴾.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٣/٢، وأخرجه الطبري أيضاً ١٥/ ٤٥٢.
(٤) النكت والعيون ٣٥٢/٣ - ٣٥٣، وزاد المسير ٢٠٥/٥ - ٢٠٦.
(٥) التيسير ص ١٤٧-١٤٨، والسبعة ص٤٠٦، والمحرر الوجيز ٣/٤ - ٤، وتفسير السمر قندي ٣١٧/٢.
(٦) في إعراب القرآن ٣/٣، وما قبله منه.
٤٠٦
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
ولهذا كتبها في المصحفِ بالواو(١). وأَظهرَ الدالَ من هجاءِ ((ص)) نافعٌ وابنُ كثير،
وعاصمٌ ويعقوب، وهو اختيارُ أبي ◌ُبيد، وأَدغمها الباقون(٢).
قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًّا﴾
فيه ثلاثُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَيْكَ﴾ في رفع ((ذكر)) ثلاثةُ أقوال: قال
الفراء(٣): هو مرفوعٌ بـ ((كهيعص)). قال الزَّجاجُ(٤): هذا محالٌ؛ لأنَّ ((كهيعص)) ليس
هو ممَّا أَنبأنا اللهُ عزَّ وجلَّ به عن زكريا، وقد خَبَّر اللهُ تعالى عنه وعن ما بُشِّر به،
وليس ((كهيعص)) من قصته. وقال الأخفشُ(٥): التقديرُ: فيما نَقُصُّ(٦) عليكم ذكرُ
رحمةٍ ربك. والقول الثالث: أنَّ المعنى: هذا الذي يتلُوه عليكم ذكرُ رحمةٍ ربك(٧).
وقيل: ((ذكرَ رحمة ربك)) رُفِع بإضمارٍ مبتدٍ، أي: هذا ذكرُ رحمةٍ ربك(٨). وقرأَ
الحسنُ: (ذَكَر رحمةَ ربِّكَ)) أي: هذا المتلوُّ من القرآنِ ذَكَر رحمةً ربك. وقُرِئ: ((ذَكِّرْ))
على الأمرِ(٩). ((ورحمة)) تكتب ويُوقف عليها بالهاء، وكذلك كلُّ ما كان مثلَها، لا
اختلافَ فيها بين النَّحْويين، واعتلُّوا في ذلك أنَّ هذه الهاءَ لتأنيثِ الأسماءِ فرقاً بينها
وبينَ الأفعال(١٠).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٤.
(٢) السبعة ص٤٠٦، والتيسير ص١٤٨، والنشر ١٧/٢، والمحرر الوجيز ٤/٤.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٦١.
(٤) في معاني القرآن وإعرابه ٣١٨/٣.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٦٢٤ .
(٦) في (م) و(د): يقص، والمثبت من (ظ) و(ف) ومعاني القرآن للأخفش ٢/ ٦٢٤ .
(٧) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٣١٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤/٣.
(٨) ذكره الفراء في معاني القرآن ٢/ ١٦١ .
(٩) المحرر الوجيز ٤/ ٤ .
(١٠) إعراب القرآن للنحاس ٤/٣ .
٤٠٧
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
الثانية: قوله تعالى: ﴿عَبْدَهُ﴾ قال الأخفش(١): هو منصوبٌ بـ ((رحمة)). ((زكريا))
بدلٌ منه(٢)، كما تقول: هذا ذكرُ ضربٍ زيدٍ عمراً، فـ ((عمراً)) منصوبٌ بالضرب، كما
أنَّ («عبده)) منصوبٌ بالرحمة. وقيل: هو على التقديم والتأخير، معناه: ذِكرُ ربِّك عبده
زكريا برحمة (٣)، فـ ((عبده) منصوبٌ بالذكر؛ ذكره الزجاج والفراء(٤). وقرأ بعضُهم:
((عَبْدُهُ زكرِيا)) بالرفع، وهي قراءةُ أبي العالية(٥). وقرأ يحيى بن يعمر: ((ذَكَرَ)) بالنصب
على معنى هذا القرآنُ ذَكرَ رحمةً عبده زكريا(٦). وتقدَّمت اللغاتُ والقراءةُ في ((زكريا))
في ((آل عمران))(٧).
الثالثة: قولُه تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًّا﴾ مثلُ قولِهِ: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَثُقْيَةُ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وقد تقدّم(٨). والنداءُ: الدعاءُ والرغبةُ،
أي: ناجَى ربَّه بذلك في محرابِه. دليلُه قولُه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَبِمٌ يُصَلّى فِىِ
اُلْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] فبيَّن أنه استجابَ له في صلاتِه، كما نادى في الصلاة.
واختُلِف في إخفائِه هذا النداء، فقيل: أَخفاه من قومِه؛ لئلا يُلامَ على مسألةِ الولدِ
عند كبرِ السن؛ ولأنه أمرٌ دنيوي، فإنْ أُجيب فيه، نالَ بغيتَه، وإنْ لم يُجبْ، لم يعرفْ
بذلك أحدٌ. وقيل: مخلصاً فيه لم يَطَّلع عليه إلا اللهُ تعالى. وقيل: لمَّا كانت الأعمالُ
الخفية أفضلَ وأبعدَ من الرياء، أَخفاه. وقيل: ((خَفِيًّا)» سِرًّا من قومه في جوفٍ
الليل(٩)، والكلُّ محتملٌ والأوّلُ أظهر. والله أعلم. وقد تقدَّم أنَّ المستحبَّ من الدعاء
(١) في معاني القرآن ٢/ ٦٢٤ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٥/٣.
(٣) تفسير الطبري ١٥/ ٤٥٣ .
(٤) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٦١ .
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٣ إلى يحيى بن يعمر.
(٦) المحرر الوجيز ٤/ ٤ .
(٧) ٥/ ١٠٧ .
(٨) ٩ / ٢٤٤ .
(٩) المحرر الوجيز ٤/٤، والنكت والعيون ٣٥٤/٣، والكشاف ٥٠٢/٢ .
/
٤٠٨
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
الإخفاءُ في سورة الأعراف(١)، وهذه الآيةُ نصٍّ في ذلك؛ لأنه سبحانه أَثنى بذلك
على زكريا. وروى إسماعيل قال: حدَّثنا مسددٌ قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن
أسامة بن زيد، عن محمد بنِ عبد الرحمن وهو ابنُ أبي كبشة، عن سعد بن أبي
وقاص، عن النبي ﴿ قال: ((إنَّ خيرَ الذكر الخفيُّ، وخيرَ الرزقِ ما يكفي))(٢) وهذا
عامٌّ. قال يونسُ بنُ عبيد: كان الحسنُ يرى أن يدعوَ الإمامُ في القنوتِ، ويُؤَمنَ مَن
خلفَه من غيرِ رفع صوتٍ، وتلا يونسُ : ((إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا)). قال ابنُ العربي(٣):
وقد أَسرَّ مالكٌ القنوتَ وجهرَ به الشافعي، والجهرُ به أفضلُ؛ لأنَّ النبيَّ # كان يدعو
به جهراً.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّى وَهَنَ الْعَظْهُ مِ﴾ فيه مسألتان(٤):
الأولى: قولُه تعالى: ((قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ)) قرئ ((وَهَنَ)) بالحركاتِ الثلاث، أي:
ضَعُف، يقال: وَهَن يَهِن وَهْناً، إذا ضَعُف فهو واهرٌ(٥). وقال أبو زيد: يقال: وَهَن
يَهِن ووَهِن يَوْهَن. وإنَّما ذكرَ العظمَ؛ لأنَّه عمودُ البدن، وبه قوامُه، وهو أَصلُ بنائه،
فإذا وَهنَ تداعى وتساقَط سائرُ قوته؛ ولأنه أشدُّ ما فيه وأَصلبُه، فإذا وهنَ كان ما
وراءَه أَوهنَ منه، ووَحَّده؛ لأنَّ الواحدَ هو الدالُّ على معنى الجنسية، وقصده إلى أنَّ
هذا الجنسَ الذي هو العمودُ والقوام، وأشدُّ ما ترَّب منه الجسدُ قد أصابه الوهنُ،
ولو جَمَع لكان قَصَد إلى معنّى آخر، وهو أنَّه لم يهنْ منه بعضُ عظامِه ولكن كلُّها.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّْسُ شَيْبًا﴾ أَدغمَ السينَ في الشين أبو عمرو (٦).
وهذا من أحسنِ الاستعارة في كلام العرب. والاشتعالُ: انتشارُ شعاعِ النار، شبَّه به
(١) ٩ / ٢٤٤ .
(٢) سلف ٢٤٤/٩.
(٣) في أحكام القرآن ١٢٣٨/٣.
(٤) كذا في النسخ، وقد ذكر المصنف ثلاث مسائل لا ثنتين.
(٥) تهذيب اللغة ٦/ ٤٤٤، ومقاييس اللغة ١٤٩/٦ (وهن).
(٦) الكشاف ٢/ ٥٠٢، وما قبله منه.
٤٠٩
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
انتشارَ الشيبِ في الرأس(١)، يقول: شِختُ وضَعُفْت، وأضافَ الاشتعالَ إلى مكان
الشعر ومَنْبِته وهو الرأسُ، ولم يُضِف الرأسَ اكتفاءً بعلم المخاطبِ أنَّه راسُ زکریا
عليه السلام(٢). ((وشيباً)) في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مصدرٌ؛ لأنَّ معنى اشتعل
شاب؛ وهذا قولُ الأخفش(٣). وقال الزجاج(٤): وهو منصوبٌ على التمييز.
النحاسُ(٥): قولُ الأخفشِ أولى؛ لأنَّه مشتقٌّ من فعلٍ، فالمصدرُ أولى به. والشيبُ
مخالطةُ الشعرِ الأبيضِ الأسودَ.
الثالثة: قال العلماءُ: يُستحبُّ للمرء أن یذکرَ في دعائه نِعمَ الله تعالی علیه وما
يلِيق بالخضوع؛ لأنَّ قولَه تعالى: ((وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)) إظهارٌ للخضوع، وقوله: ((وَلَمْ
أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)) إظهارٌ لعاداتِ تَفضُّلِه في إجابتِه أدعيتَه(٦)، أي: لم أكن
بدعائي إياك شقيًّا، أي: لم تكنْ تُخيِّب دعائي إذا دَعوتُك، أي: إنك عَوَّدتني الإجابةَ
فيما مضى (٧). يقال: شَقي بكذا، أي: تعبَ فيه ولم يُحَصِّل مقصودَه. وعن بعضِهم أنَّ
محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أَحسنتَ إليه في وقت كذا، فقال: مرحباً بمن تَوسَّل بنا
إلينا، وقضى حاجته(٨).
قوله تعالى: ﴿وَإِّ خِفْتُ اٌلْمَوَالِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن
لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ فيه سبعُ مسائل:
الأولى: قولُه تعالى: ((وإِني خِفْتُ الموالِيَ)) قرأ عثمانُ بن عفان، ومحمدُ بن
(١) الوسيط ١٧٥/٣، والنكت والعيون ٣٥٥/٣ .
(٢) الكشاف ٢/ ٥٠٢ .
(٣) في معاني القرآن ٦٢٤/٢.
(٤) في معاني القرآن وإعرابه ٣١٩/٣ .
(٥) في إعراب القرآن ٣/ ٥ .
(٦) أحكام القرآن للهراسي ٤/ ٢٦٩ .
(٧) تفسير البغوي ١٨٨/٣.
(٨) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٩/٣، والكشاف ٢/ ٥٠٢ .
٤١٠
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
علي، وعلي بنُ الحسين رضي الله تعالى عنهم، ويحيى بن يعمر: ((خَفَّتٍ)) بفتح الخاءِ
وتشديدِ الفاء وكسرٍ التاء وسكونِ الياء من ((الموالي)) لأنه في موضعٍ رفعٍ بـ ((خَفَّت))
ومعناه: انقطعت بالموتِ(١). وقرأ الباقون: ((خِفْتُ)) بكسرِ الخاء وسكونِ الفاء وضمِّ
التاء ونصبٍ الياء من ((الْمَوَالِيّ))؛ لأنه في موضعٍ نصبٍ بـ ((خفت)). و ((الموالي)) هنا
الأقاربُ وبنو العم والعصبةُ الذين يلونَه في النسبٍ(٢)، والعربُ تُسمي بني العم
المواليَ؛ قال الشاعر:
مَهْلاً بَني عمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينَا لا تَنْبُشُوا بَيْئَنَا ما كان مَدْفُونا(٣)
قال ابنُ عباس ومجاهدٌ وقتادة: خاف أن يَرثوا مالَه، وأن تَرِئه الكلالةُ، فأشفقَ
أن يرثه غيرُ الولد (٤). وقالت طائفة: إنَّما كان مواليه مُهمِلين للدين، فخافَ بموتِه أن
يضيع الدين، فطلبَ وليًّا يقوم بالدين بعده؛ حكى هذا القولَ الزجاج(6)، وعليه: فلم
يَسَلْ مَن يرثُ ماله؛ لأن الأنبياءَ لا تُورَث. وهذا هو الصحيحُ من القولين في تأويل
الآية(٦)، وأنه عليه الصلاةُ والسلام أرادَ وِراثةَ العلم والنبوةِ لا وراثةَ المال؛ لِمَا ثبتَ
عن النبي ﴿ أنه قال: ((إنَّا معشرَ الأنبياء لا نُورَث ما تركنا صدقةٌ))(٧) وفي ((كتاب)) أبي
داود: ((إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا ديناراً ولا درهماً، ورَّثُوا
العلم)»(٨). وسيأتي في هذا مزيدُ بيانٍ عند قوله: ((يرثني)).
(١) الكشاف ٥٠٢/٢ دون ذكر يحيى بن يعمر، وذكر الطبري ١٥/ ٤٥٧ عثمان فقط، وذكر قراءة ابن يعمر
ابن عطية في المحرر الوجيز ٥/٤ .
(٢) زاد المسير ٢٠٧/٥ .
(٣) البيت للأخضر اللهبي، وهو الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، والبيت في
الكامل للمبرد ١٤١٠/٣، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٤١، ومعجم الشعراء للمرزباني ص١٧٨ .
(٤) أخرجه عنهم الطبري ١٥/ ٤٥٥ - ٤٥٧ .
(٥) في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٢٠، وقول الزجاج وما قبله في المحرر الوجيز ٤/ ٤-٥ .
(٦) زاد المسير ٢٠٩/٥ .
(٧) أخرجه البخاري (٦٧٢٥) و(٦٧٢٦) و(٦٧٢٧)، ومسلم (١٧٥٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها،
دون قوله: إنا معشر الأنبياء.
(٨) سنن أبي داود (٣٦٤١)، وهو عند الترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، من حديث أبي الدرداء ﴾.
٤١١
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
الثانية: هذا الحديثُ يدخلُ في التفسير المسند لقولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدِّ﴾
[النمل: ١٦] وعبارةٌ عن قولٍ زكريا: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلٍ
يَعْقُوبَ)) وتخصيصٌ للعموم في ذلك، وأنَّ سليمان لم يرثْ من داود مالاً خلَّفه داودُ
بعده، وإنَّما ورثَ منه الحكمةَ والعلم، وكذلك ورثَ يحيى من آلٍ يعقوب، هكذا قال
أهلُ العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلَّا ما رُوي عن الحسنِ أنه قال: ((يرثني))
مالاً، ((ويرث من آل يعقوب)) النبوّة والحكمة(١). وكلُّ قولٍ يخالفُ قولَ النبي ﴿ فهو
مدفوعٌ مهجور؛ قاله أبو عمر(٢). قال ابن عطية: والأكثر من المفسرين على أنَّ زكريا
إنَّما أرادَ وِراثةَ المال، ويحتملُ قولُ النبيِ ﴾: «إنا معشر الأنبياء لا نُورَث)) ألَّا يريدَ به
العموم، بل على أنه غالبُ أمرِهم، فتأَملْه، والأظهرُ الأليقُ بزكريا عليه السلام أن
يريدَ وراثةَ العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارةً، ألا ترى أنَّه لما طلب وليًّا ولم
يُخصِّص ولداً بلَّغه الله تعالى أملَه على أكملِ الوجوه. وقال أبو صالح وغيرُه: قوله
((من آل يعقوب)) يريدُ العلم والنبوة(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِن وَرَآءِى﴾ قرأ ابنُ كثير بالمدِّ والهمزِ وفتح الياء(٤)، وعنه
أنَّه قرأَ أيضاً مقصوراً مفتوح الياء مثل: عصايَ. الباقون بالهمزِ والمدِّ وسكون الياء(٥).
والقُراءُ على قراءةِ ((خِفْتُ)) مثل: نِمت إلّا ما ذكرنا عن عثمان (٦)، وهي قراءةٌ شاذة
بعيدة جدًّا، حتى زعمَ بعض العلماءِ أنها لا تجوز. قال: كيف يقول: خَفَّتِ الموالي
مِن بعدي، أي: من بعدٍ موتي وهو حيٍّ؟ !. النحاس(٧): والتأويلُ لها أَلَّا يعني بقوله:
(١) أخرجه الطبري ٤٥٩/١٥ بلفظ: نبوته وعلمه.
(٢) في التمهيد ٨/ ١٧٥ .
(٣) المحرر الوجيز ٥/٤ .
(٤) تفسير البغوي ١٨٨/٣ .
(٥) السبعة ص ٤٠٧، والكشاف ٥٠٢/٢ ، والمحرر الوجيز ٥/٤ .
(٦) في المسألة الأولى من هذه الآية.
(٧) في إعراب القرآن ٥/٣ ، وما قبله منه.
٤١٢
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
((من ورائي)) أي: من بعد موتي، ولكن من ورائي في ذلك الوقت، وهذا أيضاً بعيدٌ
يحتاج إلى دليلٍ أنَّهم خَقُّوا في ذلك الوقت وقُلُّوا، وقد أخبرَ الله تعالى بما يدلُّ على
الكثرةِ حين قالوا: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤]. ابن عطية(١): ((من ورائي)) من
بعدي في الزمن، فهو الوراءُ على ما تقدَّم في ((الكهف))(٢).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ آمْرَأَنِى عَاقِرًا﴾ امرأتُه هي إشياع بنت فاقود(٣) بن
قبيل، وهي أختُ حَنَّةَ بنتِ فاقود؛ قاله الطبريُّ(٤)، وحَنةُ هي أمُّ (٥) مريم حسبَ ما
تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٦). وقال القتبي: امرأةُ زكريا هي إشياع بنتُ عمران، فعلى
هذا القولِ يكونُ يحيى ابنَ خالةٍ عيسى عليهما السلام على الحقيقةِ، وعلى القولِ
الآخر يكون ابنَ خالة أمِّه، وفي حديثِ الإسراء: قال عليه الصَّلاة والسلام: «فلقيتُ
ابنَي الخالةِ يحيى وعيسى))(٧) شاهداً للقولِ الأوّل(٨). والله أعلم (٩). والعاقرُ التي لا
تلدُ لكبرٍ سنِّها، وقد مضى بيانُه في ((آل عمران)»(١٠). والعاقرُ من النساءِ أيضاً التي لا
تلدُ من غيرٍ كبر (١١). ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠].
وكذلك العاقرُ من الرجالِ، ومنه قولُ عامر بن الطفيل :
(١) في المحرر الوجيز ٥/٤ .
(٢) ص٣٤٩ من هذا الجزء.
(٣) في (م): إيشاع بنت فاقوذا، والمثبت من النسخ الخطية ومن التعريف والإعلام ص ١١٠، وفي (ف):
کافودا بدل فاقود.
(٤) في التاريخ ٥٨٥/١، ونقل المصنف عنه بواسطة التعريف والإعلام ص ١١٠.
(٥) في (د) و(ظ): أخت.
(٦) ٩٩/٥ .
(٧) أخرجه أحمد (١٧٨٣٥)، والبخاري (٣٤٣٠)، ومسلم (١٦٢)، من حديث مالك بن صعصعة
(٨) أي: قول القتبي.
(٩) التعريف والإعلام ص١١٠.
(١٠) ١٢١/٥.
(١١) المحرر الوجيز ٥/٤ .
٤١٣
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
جباناً فما عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَخْضَرٍ(١)
لبئسَ الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقراً
الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ سؤالٌ ودعاء، ولم يُصرِّح
بولد؛ لِما عَلِم من حالِهِ وبُعدِه عنه بسببِ المرأة. قال قتادة: جرى له هذا الأمرُ وهو
ابنُ بضعٍ وسبعين سنة. مقاتل: خمس وتسعين سنة، وهو أَشبه؛ فقد كان غَلب على
ظنِّه أنه لا يولد له لكبرِه (٢)؛ ولذلك قال: ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبرِ عِيًّا)). وقالت طائفة:
بل طَلبَ الولدَ، ثم طلبَ أن تكون الإجابةُ في أن يعيشَ حتى يرثه، تَحفُّظاً من أن تقعَ
الإجابةُ في الولدِ ولكن يُخْتَرمُ، ولا يَتحصَّل منهُ الغرضُ(٣).
السادسة: قال العلماء: دعاءُ زكريا عليه السلام في الولد إنَّما كان لإظهارِ دينه،
وإحياءٍ نبوَّته، ومضاعفة لأجره لا للدنيا، وكان ربه قد عَوَّده الإجابة، ولذلك قال:
((ولَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا))، أي: بدعائي إياك، وهذه وسيلةٌ حسنة أن يَتشفَّع إليه
بنعَمِه، يَستدِرُّ فضلَه بفضله، يُروى أنَّ حاتمَ الجودِ لَقيَهُ رجل فسأله، فقال له حاتم:
مَن أنت؟ قال: أنا الذي أحسنتَ إليه عامَ أول، فقال: مرحباً بمَن تَشفَّع إلينا بنا (٤).
فإن قيل: كيف أَقدمَ زكريا على مسألةِ ما يَخرِقُ العادةَ دون إذن؟ فالجواب أنَّ
ذلك جائزٌ في زمانِ الأنبياء، وفي القرآنِ ما يكشفُ عن هذا المعنى؛ فإنه تعالى قال:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِنَّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن ◌َةُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فلمَّا رأى خارقَ العادة، استحكمَ
طمعُه في إجابةِ دعوتِه، فقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَا رَبٍَّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِنْ لَّدُنكَ
(١) الديوان ص٩٩ .
(٢) المحرر الوجيز ٥/٤ - ٦، دون ذكر مقاتل، وذكر غير ذلك الزجاج في معاني القرآن ٣١٩/٣،
والزمخشري في الكشاف ٢/ ٥٠٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٥/٤ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٩/٣، وقد ذكر هذه الحادثة في المسألة الثالثة عند تفسير قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبٍّ إِى وَهَنَ اٌلْعَظِمُ مِنِ وَأَشْتَعَلَ الْرَأْسُ شَيْبًا﴾.
٤١٤
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
ذُرِّيَّةٌ لَيِّبَةٌ﴾ الآية(١) [آل عمران: ٣٨].
السابعة: إن قال قائلٌ: هذه الآيةُ تدل على جوازِ الدعاء بالولد، والله سبحانه
وتعالى قد حذَّرنا من آفاتِ الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك،
فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وقال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ
وَأَوَدِكُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. فالجوابُ أنَّ الدعاءَ بالولد معلومٌ من
الكتاب والسنة حسبَ ما تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٢).
ثم إنَّ زكريا عليه السلام تحرَّز فقال: ((ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)) وقال: ((وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)»،
والولدُ إذا كان بهذه الصفةِ نفعَ أبويه في الدنيا والآخرة، وخَرَج من حدِّ العداوةِ
والفتنة إلى حدِّ المسرةِ والنعمة. وقد دعا النبيُّ﴾ لأَنسٍ خادمِه فقال: ((اللهمَّ أَكثِرْ مالَه
وولدَه، وبارك له فيما أَعطيته))(٣) فدعا له بالبركةِ تحرزاً ممَّا يؤدِّي إليه الإكثارُ من
الهلكة. وهكذا فليتضرع العبدُ إلى مولاه في هدايةٍ ولدِه، ونجاته في أُولاه وأُخراه
اقتداءً بالأنبياء عليهم الصلاةُ والسلام والفضلاءِ؛ وقد تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٤).
قولُه تعالى: ﴿يَرِثِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ وَاَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ فيه أربعُ مسائل:
الأولى: قولُه تعالى: ((يَرِثُنِي)) قرأَ أهلُ الحرمين والحسنُ، وعاصم وحمزة:
(يَرِثُنِي ويَرِثُ)) بالرفع فيهما. وقرأَ يحيى بنُ يعمر وأبو عمرو ويحيى بنُ وَّاب
والأعمش والكسائيُّ بالجزم فيهما(٥)، وليس هما جوابَ ((هب)) على مذهب سيبويه،
إنَّما تقديرُه: إن تَهِبْه يَرِثْني ويرث، والأوَّل أصوبُ في المعنى؛ لأنه طلبَ وارثاً
موصوفاً (٦)، أي: هبْ لي من لدنك الوليَّ الذي هذه حالُه وصفتُه؛ لأنَّ الأولياء منهم
(١) أحكام القرآن للهراسي ٤/ ٢٧٠ .
(٢) ١١٠/٥.
(٣) سلف ١١١/٥ و ١١٢ .
(٤) ٥/ ١١١ - ١١٢ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٦/٣. وقراءة أبي عمرو والكسائي في السبعة ص ٤٠٧، والتيسير ص١٤٨.
(٦) المحرر الوجيز ٥/٤ .
٤١٥
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
مَن لا يرث، فقال: هبْ لي الذي يكون وارثي؛ قاله أبو عبيد، وردَّ قراءةَ الجزم،
قال: لأنَّ معناه: إن وهبتَ وَرِث، وكيف يخبرُ اللهَ عزَّ وجلَّ بهذا وهو أعلمُ به منه؟!
النحاس(١): وهذه حجةٌ مستفيضة(٢)؛ لأنَّ جوابَ الأمرِ عند النحويين فيه معنى
الشرطِ والمجازاة؛ تقول: أَطع الله يُدخلك الجنة، أي: إن تُطعْه يُدخلْك الجنة.
الثانية: قال النحاس(٣): فأمَّا معنى ((يرثني ويرث من آل يعقوب)) فللعلماءِ فيه
ثلاثةُ أجوبة: قيل: هي وراثةُ نبؤَّة. وقيل: هي وراثةُ حكمة. وقيل: هي وراثةُ مال.
فأمَّا قولُهم: وراثةُ نبوَّةٍ فمُحَال؛ لأنَّ النبوَّة لا تُورَث، ولو كانت تورثُ لقالَ
قائل: الناسُ ينتسبون إلى نوح عليه السلام وهو نبيٌّ مرسل.
ووراثةُ العلمِ والحكمة مذهبٌ حسن، وفي الحديثِ: ((العلماءُ ورثةُ الأنبياء)).
وأمَّا وِراثةُ المالِ فلا يمتنع، وإن كان قومٌ قد أنكروه؛ لقولِ النبيِّ ◌َ﴾: ((لا نُورَث
ما تركنا صدقة))(٤) فهذا لا حجةَ فيه؛ لأنَّ الواحدَ يُخبر عن نفسه بأخبار الجمع، وقد
يُؤوَّل هذا بمعنى: لا نُورَث، الذي تركنا صدقة؛ لأنَّ النبيَّ ﴾ لم يُخلِّف شيئاً يُورَث
عنه، وإنَّما كان الذي أَباحه الله عزَّ وجلَّ إياه في حياتِه بقوله تبارك اسمه: ﴿وَأَعْلَمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] لأنَّ معنى (الله) لسبيلِ الله،
ومِن سبيل الله ما يكونُ في مصلحةِ الرسولِ ﴿ ما دام حيًّا.
فإن قيل: ففي بعضٍ الراويات ((إنَّا معاشرَ الأنبياءَ لا نُورَث ما تركنا صدقة)) ففيه
التأويلان(٥) جميعاً، أن يكون ((ما)) بمعنى الذي. والآخر لا يُورَث مَن كانت هذه
حاله(٦).
(١) في إعراب القرآن ٦/٣ - ٧.
(٢) في (م): متقصاة، وفي إعراب النحاس: مقتصاة، والمثبت من النسخ الخطية.
(٣) في إعراب القرآن ٦/٣ - ٧.
(٤) سلف هذا الحديث والذي قبله في المسألة الأولى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ﴾.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): التأويلات، وسقطت من (ف).
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٦/٣ - ٧.
٤١٦
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
وقال أبو عمر (١): واختلف العلماءُ في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا
نُورَث ما تركنا صدقة)) على قولين: أحدهما - وهو الأكثرُ وعليه الجمهورُ - أنَّ النبي
* لا يُورَث وما تركَ صدقةٌ. والآخر: أنَّ نبيَّنا عليه الصلاة والسلام لم يُورَث؛ لأنَّ
الله تعالى خصَّه بأن جعلَ ماله كلَّه صدقةً زيادةً في فضيلته، كما خُصَّ في النكاح
بأشياءَ أَباحها له وحرَّمها على غيره، وهذا القولُ قالَه بعضُ أهل البصرةِ منهم ابنُ
عُلَية، وسائرُ علماءِ المسلمين على القولِ الأوَّل.
الثالثة: قولُه تعالى: ((مِنْ آلِ یَعْقُوب» قیل: هو یعقوبُ إسرائیل، وكان زکریا
متزوجاً بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبُها إلى يعقوب؛ لأنها من ولدٍ سليمان بن
داود وهو من ولدٍ يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولدٍ هارون أخي موسى، وهارون
وموسی من ولدٍ لا وي بن يعقوب، وكانت النبوّة في سبط يعقوب بن إسحاق. وقيل:
المعنيُّ بيعقوب هاهنا يعقوبُ بنُ ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم، أخوانٍ من
نسل سليمان بن داود عليهما السلام؛ لأنَّ يعقوب وعمران ابنا ماثان، وبنو ماثان
رؤساء بني إسرائيل؛ قاله مقاتلٌ وغيره. وقال الكلبي: وكان آلُ يعقوب أخواله، وهو
يعقوبُ بن ماثان، وكان فيهم الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي
موسى. وروى قتادةُ أنَّ النبي # قال: ((يرحمُ الله تعالى زكريا ما كان عليه من
ورثتِهِ))(٢). ولم يَنصرف يعقوبُ؛ لأنَّه أَعجمي(٣).
الرابعة: قولُه تعالى: ((واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)) أي: مرضيًّا في أخلاقِه وأفعالِه. وقيل:
راضياً بقضائك وقدرك. وقيل: رجلاً صالحاً ترضَى عنه. وقال أبو صالح: نبيًّا كما
جعلتَ أباه نبيًّا (٤).
(١) في التمهيد ١٦٠/٨ - ١٦١، والاستذكار ٣٨٥/٢٧.
(٢) النكت والعيون ٣٥٦/٣، والكشاف ٥٠٣/٢، وتفسير الرازي ١٨٤/٢١ - ١٨٥. والحديث أخرجه
عبد الرزاق في التفسير ٣/٢، ومن طريقه الطبري ١٥/ ٤٦٠ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٧/٣.
(٤) النكت والعيون ٣٥٦/٣، دون قوله: رجلاً صالحاً ترضى عنه، ولم ينسب القول الأخير لأبي صالح.
٤١٧
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
قوله تعالى: ﴿يَزَكَرِيَّا﴾ في الكلام حذفٌ، أي: فاستجابَ الله دعاءَه فقال:
﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ أَسْمُهُ يَحْيَى﴾(١) فتضمَّنت هذه البشرى ثلاثةً أشياءً:
أحدُها : إجابةُ دعائِه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولدَ وهو قوةٌ. الثالث: أن يُفرَد
بتسميتِه، وقد تقدَّم معنى تسميتِه في ((آل عمران))(٢). وقال مقاتل: سمَّاه يحيى؛ لأنَّه
حَييَ بين أبٍ شيخٍ وأمّ عجوز(٣)، وهذا فيه نظرٌ؛ لِمَا تقدَّم من أنَّ امرأته كانت عقيماً
لا تلد. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِنًا﴾ أي: لم نسمّ أحداً قبل يحيى بهذا
الاسم؛ قاله ابنُ عباس وقتادة، وابنُ أسلم والسُّدِّي(٤). ومَنَّ عليه تعالى بأنْ لم يَكِل
تَسميتَه إلى الأبوين(٥). وقال مجاهدٌ وغيره: ((سَمِيًّا)) معناه: مِثْلاً ونظيراً (٦)، وهو مثلُ
قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] معناه: مثلاً ونظيراً كأنَّه من المساماةِ
والسُّموِّ، وهذا فيه بعدٌ؛ لأنه لا يُفضَّل على إبراهيم وموسى، اللهمَّ إلَّا أن يُفضَّل في
خاصٌّ كالسُّؤدد والحصر(٧) حسبَ ما تقدَّم بيانُه في ((آل عمران)»(٨). وقال ابنُ عباسٍ
أيضاً: معناه: لم تلدِ العواقرُ مثلَه ولداً (٩). وقيل: إنَّ الله تعالى اشترطَ القَبْل؛ لأنَّه
أرادَ أن يخلقَ بعدَه أفضلَ منه وهو محمدٌ {﴾.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ وشاهدٌ على أنَّ الأسامي السُّنُعَ(١٠) جديرةٌ بالأَثرةِ، وإيَّاها
(١) البغوي ١٨٩/٣ .
(٢) ١١٥/٥.
(٣) النكت والعيون ٣٥٦/٣.
(٤) أخرجه الطبري ٤٦٢/١٥ - ٤٦٣ عن قتادة وابن أسلم والسدي، وقول ابن عباس ذكره الزجاج في
معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٢٠، وابن الجوزي في زاد المسير ٢١٠/٥.
(٥) الوسيط ١٧٦/٣.
(٦) تفسير مجاهد ٣٨٤/١، وتفسير الطبري ١٥/ ٤٦٢.
(٧) المحرر الوجيز ٦/٤ .
(٨) ١١٦/٥ وما بعدها.
(٩) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٦١ - ٤٦٢ .
(١٠) والسَّنَعُ: الجَمال. القاموس (سنع).
٤١٨
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
كانت العربُ تنتحي في التسميةِ؛ لكونها أَنبهَ وأنزَه عن النَّبزِ حتى قال قائل:
حُمْرٍ تَمَسُ الأرضَ بالهُدبِ
سُنُعُ الأسَامِي مُسْبِلي أُزُرٍ
وقال رؤيةُ للَّسابة البكريِّ وقد سألَه عن نَسبه: أنا ابنُ العَجَّاج، فقال: قَصَّرتَ
وعَرَّفتَ(١).
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَّ يَكُونُ لِ عُلَمٌ﴾ ليس على معنى الإنكارِ لِمَا أخبرَ الله
تعالى به، بل على سبيلِ التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولداً من امرأةٍ عاقر
وشيخٍ كبير (٢). وقيل غيرُ هذا ممَّا تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٣). ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
اُلْكِبَرِ عِيِّيًّا﴾ يعني: النهاية في الكبرِ واليبسِ والجفاف، ومثلُه العسِي، قال
الأصمعي: عَسَا الشيءُ يَعسُو عُسُوَّا وعَسَاء ممدودٌ، أي: يَبِس وصَلُب، وقد عسا
الشيخُ يعسو عُسِيًّا: وَلَّى وكَبِر مثل عَتَا، يقال: عَتَا الشيخُ يَعتو عُتِيًّا وعِتِيًّا كبر وولَّى،
وعتوتَ يا فلانُ تعتو عُتوًّا وعتِيًّا(٤). والأصلُ عُتوّ؛ لأنه من ذواتِ الواو، فأَبدلوا من
الواو ياء؛ لأنَّها أختُها وهي أخفُّ منها، والآياتُ على الياءات، ومَن قال: ((عِيًّا))
كره الضمةً مع الكسرةِ والياء(٥)، وقال الشاعر:
إنَّما يُعذَرُ الوليدُ ولا يُعــ ذَرُ مَن كان في الزمان عِتِيًّا(٦)
وقرأ ابنُ عباس: ((عُسِيًّا)) وهو كذلك في مصحفٍ أُبيِّ(٧). وقرأ يحيى بنُ وثَاب
وحمزةُ، والكسائي وحفص: ((عِيًّا)) بكسر العينِ وكذلك ((جِئْيًّا)) و((صِلِيًّا)) حيثُ كنَّ،
(١) الكشاف ٢/ ٥٠٣، والبيت لأبي نواس وهو في ديوانه ص ٧٧، وفيه: شنع.
(٢) الكلام بنحوه عند السمر قندي ٣١٩/٢، والرازي ٢١/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٣) ١٢٠/٥ وما بعدها.
(٤) الصحاح (عتو) و(عسو).
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٨/٣ .
(٦) البيت لإبراهيم بن هرمة في ديوانه ص٢٢٦، وفيه: ((عاش في الزمان) بدل ((كان في الزمان)).
(٧) النكت والعيون ٣٥٧/٣ - ٣٥٨، ومعاني الفراء ١٦٢/٢.
٤١٩
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
وضَمَّ حفصٌ (بُكِيًّا)» خاصةً، وكذلك الباقون في الجميع، وهما لغتان(١). وقيل:
((عِتِيًّا)) قَسِيًّا؛ يقالُ: مَلِكٌ عاتٍ إذا كان قاسيَ القلبِ.
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبِّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ أي: قال له الملَكُ: ((كذلك
قال ربك)) والكافُ في موضع رفعٍ، أي: الأمرُ كذلك(٢)، أي: كما قيل لك: ((هو
عليَّ هين)). قال الفراءُ(٣): خَلْقُه عليَّ هيِّنٌ. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل
يحيى(٤)، وهذه قراءةُ أهلِ المدينة والبصرةِ وعاصم، وقرأ سائرُ الكوفيين: ((وَقَدْ
خَلَقْنَاكَ)) بنونٍ وألف بالجمع على التعظيم(٥). والقراءةُ الأولى أَشبهُ بالشَّواد(٦)، ﴿وَلَّْ
تَكُ شَيْئًا﴾ أي: كما خلقَك الله تعالى بعدَ العدم ولم تكُ شيئاً موجوداً، فهو القادرُ
على خلقٍ يحيى وإيجادِه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل ◌ِّ ءَايَةٌ﴾ طلبَ آيةً على حَملِها بعد بشارة الملائكةِ
إياه(٧)، وبعدَ قولِه تعالى: ((وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً)) زيادةَ طمأنينةٍ، أي:
تَمم النعمةَ بأن تجعلَ لي آية، وتكونَ تلك الآيةُ زيادةَ نعمةٍ وكرامة. وقيل: طلب آيةً
تدلُّه على أنَّ البشرى منه بيحيى لا من الشيطان؛ لأنَّ إبليسَ أوهمه ذلك. قاله
الضحاك (٨) وهو معنى قول السُّدي، وهذا فيه نظرٌ؛ لإخبارِ الله تعالى بأن الملائكة
(١) التيسير ص١٤٨، والسبعة ص ٤٠٧، والكشاف ٢/ ٥٠٣، والمحرر الوجيز ٦/٤، والبغوي ١٨٩/٣.
(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٢١/٣، والكشاف ٥٠٣/٢، وتفسير الرازي ١٨٨/٢١.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٦٢.
(٤) البغوي ١٨٩/٣.
(٥) التيسير ص١٤٨، والسبعة ص٤٠٨، والكشاف ٢/ ٥٠٤، والمحرر الوجيز ٦/٤، وزاد المسير
٢١٢/٥.
(٦) في (م): بالسَّواد.
(٧) قال الرازي في التفسير ١٨٩/٢١: وهذا بعيد؛ لأنَّ بقول الله تعالى قد تحققت البشارة فلا يكون إظهار
الآية أقوى في ذلك من صريح القول.
(٨) النكت والعيون ٣٥٨/٣ .
٤٢٠
سورة مريم: الآيات ١ - ١٥
نادته حسب ما تقدَّم في ((آل عمران))(١). ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ
سَوِيًا﴾ تقدَّم في ((آل عمران)) بيانُه(٢) فلا معنى للإعادة.
قوله تعالى: ﴿لَخْرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بُكْرَةٌ وَعَشِيَّا﴾ فيه
خمسُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ)) أي: أشرفَ عليهم من
المصلى، والمحرابُ أرفعُ المواضع، وأشرفُ المجالس، وكانوا يتخذون المحاريب
فيما ارتفع من الأرض؛ دليلُه محرابُ داود عليه السلام على ما يأتي.
واختلف الناسُ في اشتقاقِه، فقال فرقةٌ: هو مأخوذٌ من الحَرْب كأنَّ ملازِمَه
يُحارب الشيطانَ والشهوات. وقالت فرقة: هو مأخوذٌ من الحَرَب بفتحِ الراء كأنَّ
ملازمَه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً (٣).
الثانية: هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ ارتفاعَ إمامِهم على المأمومين كان مشروعاً عندهم
في صلاتهم، وقد اختلفَ في هذه المسألة فقهاءُ الأمصار، فأجازَ ذلك الإمامُ أحمد
وغيره متمسكاً بقصةِ المنبر، ومنع مالكٌ ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعَلَّل
أصحابُه المنعَ بخوف الكِبْر على الإمامِ(٤).
قلت: وهذا فيه نظر، وأحسنُ ما فيه ما رواه أبو داود(٥)، عن همام، أنَّ حذيفة
أُمَّ الناس بالمدائنِ على دكانٍ، فأخذَ أبو مسعود بقميصِه فَجبذه، فلما فرغَ من صلاتِه
(١) ٥ / ١١٢ .
(٢) ١٢٣/٥ وما بعدها.
(٣) المحرر الوجيز ٤/ ٧.
(٤) المفهم ١٥٣/٢ - ١٥٤، والمراد بقصة المنبر ما أخرجه أحمد (٢٢٨٧١)، والبخاري (٤٤٨)
و(٢٠٩٤)، ومسلم (٥٤٤)، عن سهل بن سعد، عن النبي # ... ، فعمل المنبر ثلاث درجات، فأرسلَتْ
به إلى النبي #، فوضع في موضعه هذا الذي ترون، فجلس عليه أول يوم وضع، فكبّر وهو علیه، ثم
ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ ...
(٥) في السنن (٥٩٧).