النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ ويتحصَّن الناسُ منهم في حصونهم، فَيَرْمُون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدمُ الذي اجْفَظَ(١) فيقولون: قَهرنا أهلَ الأرض وعَلَونا أهلَ السماء، فيبعث الله تعالى عليهم نغَفاً في أقفائهم فيقتلهم بها)) قال رسول الله ﴾: ((والذي نفسي بيده، إنَّ دوابَّ الأرض لتسمن وتَشْكَر شَكّراً من لحومهم))(٢). قال الجوهريُّ(٣): شَكِرت الناقةُ تَشكّر شَكَّراً فهي شكِرة، وأَشكر الضرع: امتلأ لبناً. وقال وهب بن منبِّه: رآهم ذو القرنين، وطول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منَّا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع، وأَحناك كأَحناك الإبل، وهم هُلْبٌ، عليهم من الشعر ما يُواريهم، ولكلٍّ واحد منهم أُذُنان عظيمتان، يَلتحِف إحداهما ويفترش الأخرى، وكل واحد منهم قد عرف أَجَلَه، لا يَموتُ حتى يخرج له من صلبه ألف رجل إن كان ذكراً، ومن رحمها ألف أنثى إن كانت أنثى(٤). وقال السُّدِّيُّ والضحَّاك: الترك: شِرْذمة من يأجوج ومأجوج خرجت تُغِيرُ، فجاء ذو القرنين فضرب السَّدَّ، فبقيت في هذا الجانب(٥). قال السُّدِّيُّ: بُنِي السَّدُّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلةٌ واحدة دون السَّدِّ، فهم الُّرك. وقاله قتادة. (١) في النسخ: أحفظ. وكذا في شرح السندي لابن ماجه ٢/ ٥١٧ حيث قال: لعل هذا من كلام الراوي بتقدير: هذا الذي أحفظه. اهـ والمثبت من سنن ابن ماجه (٤٠٨٠) وشرحه مصباح الزجاجة ٢٠١/٢ . قال السيوطي في شرحه على سنن ابن ماجه ٢٩٩/١: الذي اجْفَظَّ: أي ملأها، أي: ترجع السهم عليهم حال كون الدم محفوفاً وممتلئاً عليها، فكأن قوله: عليها الدم احفظً: جملة حالية من قوله: فترجع. فلفظ: حفظ، من باب احمرَّ من الحفظ. وفي القاموس (حفظ): الجفيظ: المقتول المنتفخ، والجَفْظ : الملء. (٢) ابن ماجه (٤٠٨٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٠٦٣٢)، والترمذي (٣١٥٣)، والحاكم ٤٨٨/٤، قال الترمذي: حديث حسن غريب وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. (٣) في الصحاح (شكر)، وفيه: واشتكر الضرع، بدل: وأشكر الضرع. (٤) سلف ص٣٧١ من هذا الجزء. (٥) زاد المسير ١٩٠/٥ . ٣٨٢ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ قلت: وإذا كان هذا، فقد نعت النبيُّ # التُّركَ كما نعت يأجوج ومأجوجَ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوم الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون التُّركَ، قوماً وجوهُهم كالمجانِّ المُطْرَقَة، يلبسون الشَّعر ويمشون في الشّعر)» في رواية: ((ينتعلون الشَّعر)) خرَّجه مسلم وأبو داود وغيرهما (١). ولما عَلِمَ النبيُّ # عددهم وكثرتَهم وحِدَّة شوكتهم قال عليه الصلاة والسلام: (اتركوا التُّركَ ما تركوكم))(٢). وقد خرج منهم في هذا الوقت أُمم لا يُحصيهم إلا اللهُ تعالى، ولا يردَّهم عن المسلمين إلا اللهُ تعالى، حتى كأنَّهم يأجوج ومأجوج أو مُقدِّمتهم. وروى أبو داود(٣) عن أبي بَكْرة أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((ينزل ناس من أمَّتي بغائط يسمُّونه البصرة عند نهر، يقال له: دِجْلة، يكون عليه جِسْر، يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين)) قال ابنُ يحيى: قال أبو معمر: ((وتكون من أمصار المسلمين فإذا كان في آخر الزمان، جاء بنو قنطوراء عِراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شاطئ النهر، فيتفرَّق أهلُها ثلاث فِرَق، فِرْقة يأخذون أذناب البقر والبرِّيَّة وهلكوا، وفِرْقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفِرْقة يجعلون ذراريهم خَلْف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء)). الغائط: المُطمئنُّ من الأرض. والبصرة : الحجارة الرخوة، وبها سمِّيت البصرة. وبنو قنطوراء: هم التُّرك. يقال: إنَّ قنطوراء اسمُ جارية كانت لإبراهيمَ صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولاداً جاء من نَسْلهم الترك(٤). (١) الرواية الأولى عند مسلم (٢٩١٢): (٦٥)، وأبي داود (٤٣٠٣)، والنسائي في المجتبى ٤٤/٦ - ٤٥، وهي عند البخاري (٢٩٢٨)، وأحمد (٧٢٦٣) بنحوه، والثانية عند مسلم (٢٩١٢): (٦٣)، وأبي داود (٤٣٠٤). (٢) أخرجه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي في المجتبى ٤٣/٦ - ٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٧٦/٩ عن رجل من أصحاب النبي %. (٣) في سنته برقم (٤٣٠٦). (٤) معالم السنن ١٦٨/٦. ٣٨٣ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيْنَهُمْ سَنَّا﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرًْا﴾ استفهام على جهة حُسْن الأدب(١). (خَرْجاً)): أي: جُعْلاً. وقُرئ: ((خراجاً))(٢) والخرج أخصُّ من الخراج. يقال: أَدِّ خَرْج رأسك وخَرَاج مدينتك. وقال الأزهريُ(٣): الخراج يقع على الضريبة، ويقع على مال الفيء، ويقع على الجزية، وعلى الغلَّة. والخراج: اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال. والخرج: المصدر (٤). وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَّْعَلَ بَيْنَا وَيْتَهُمْ سَذًا﴾ أي: ردماً، والرَّدم: ما جعل بعضه على بعض حتى يتَّصل. وثوب مردَّم، أي: مرقَّع، قاله الهرويُّ(٥). يقال: رَدَمْتُ الثُّلْمة أردِمها بالكسر ردماً، أي: سددتها. والردم أيضاً الاسم، وهو السَّدُّ (٦). وقيل: الردم أَبلغ من السَّدِّ، إذ السَّدُّ: كلُّ ما يسدُّ به، والردم: وَضْع الشيء على الشيء، من حجارة أو تراب أو نحوه، حتى يقوم من ذلك حجاب منیع. ومنه: ردَّم ثوبَه، إذا رقَعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض. ومنه قول عنترة: هل غادَر الشعراءُ من مُتَرَدَّمِ أي: من قول يُرَّب بعضه على بعض(٧). وقُرئ: ((سَدًّا)): بالفتح في السين، فقال الخليل وسيبويه: الضَّمُّ هو الاسم، والفتح المصدر. وقال الكسائي: الفتح والضمُّ لغتان بمعنى واحد. وقال عكرمة وأبو (١) المحرر الوجيز ٥٤٢/٣ . (٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة ص ٤٠٠، والتيسير ص١٤٦ . (٣) في تهذيب اللغة ٧/ ٤٧ - ٥٥ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٧٣. (٥) في غريب الحديث ٤٣٧/٣ - ٤٣٨ . (٦) الصحاح (ردم)، وفيه: تردَّم ثوبَه. (٧) المحرر الوجيز ٥٤٢/٣، والبيت في ديوان عنترة ص١٥، وتمامه: أم هل عرفتَ الدار بعد توهُّم ٣٨٤ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ عمرو بن العلاء وأبو عبيدة (١): ما كان من خِلْقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضَّمِّ، وما كان من صُنْع البشر، فهو بالفتح. ويَلزم أهلَ هذه المقالة أن يقرؤوا ((سَدًّا)) بالفتح، وقبله ((بين السُّدَّيْنِ)) بالضَّمِّ، وهي قراءة حمزة والكسائيّ(٢). وقال أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكسَ ما قال أبو عبيدة. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سُدٌّ، بالضمِّ، وما لا ترى فهو سَدٌّ، بالفتح. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على اتّخاذ السجون، وحبس أهلِ الفساد فيها، ومنعهم من التصرُّف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضرباً ويحبسون أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر . قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِهِ رَبِ خَيْرٌ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ﴾ المعنى: قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من القُدْرة والملك خيرٌ من خَرْجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوّة الأبدان، أي: برجال وعمل منكم بالأبدان(٣)، والآلة التي أَبني بها الردمَ، وهو السَّدُّ. وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة، فإنَّ القومَ لو جمعوا له خرجاً لم يعنه أحدٌ ولَوَكَلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل، وربَّما أَربى ما ذكروه له على الخرج. وقرأ ابن كثير وحده: ((مَا مَكَّنَتِي)) بنونين، وقرأ الباقون: ((مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي))(٤). الثانية: في هذه الآية دليل على أنَّ الملِك فرضٌ عليه أن يقوم بحماية الخَلْق في (١) في مجاز القرآن ٤١٤/١، ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤١/٣ وما قبله منه، وقرأ بالفتح حمزة والكسائي. السبعة ص٣٩٩ ، والتيسير ص١٤٦ . (٢) السبعة ص٣٩٩، والتيسير ص١٤٥، وحجة القراءات للفارسي ١٧١/٥، والكلام من المحرر الوجيز ٥٤١/٣ وما بعده منه أيضاً. (٣) المحرر الوجيز ٥٤٢/٣ . (٤) السبعة ص ٤٠٠، والتيسير ص١٤٦ . ٣٨٥ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ حفظ بيضتهم، وسدٍّ فرجتهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزنتهم تحت يده ونظره، حتى لو أَكلتها الحقوق، وأَنفدتها المؤن، لكان عليهم جَبْرُ ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروط : الأول: ألا يستأثر عليهم بشيء. الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث: أن يسوِّي في العطاء بينهم على قَدْر منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صُفْراً فَأَطلعتِ الحوادثُ أمراً، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغْنِ ذلك فأموالهم تُؤخَذ منهم على تقدير، وتُصْرَف بتدبير، فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكفَّ عنهم ما يحذرونه من عاديَة يأجوج ومأجوج، قال: لستُ أحتاج إليه، وإنَّما أحتاج إليكم ﴿فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ﴾ أي: اخدموا بأنفسكم معي، فإنَّ الأموال عندي والرجال عندكم، ورأى أنَّ الأموالَ لا تغني عنهم، فإنَّه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه، فيعود بالأَجر عليهم، فكان التطوُّع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمر أنَّه لا يحلُّ مالُ أحدٍ إلا لضرورة تَعرِض، فيؤخذ ذلك المال جهراً لا سرًّا، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر، والله تعالى الموفّق للصواب(١). قوله تعالى: ﴿َاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدٌ﴾ أي: أعطوني زُبَر الحديد وناولونيها. أَمرَهم بنقل الآلة، وهذا كلُّه إنَّما هو استدعاء العطيّة التي بغير معنى الهبة، وإنَّما هو استدعاء للمناولة؛ لأنَّه قد ارتبط من قوله: إنَّه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبقَ إلا استدعاء المناولة، وأعمال الأبدان(٢). (١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٦/٣. (٢) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣. ٣٨٦ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ و((زُبَرَ الْحَدِيدِ)): قِطَع الحديد. وأصل الكلمة: الاجتماع، ومنه: زُبْرة الأَسد؛ لما اجتمع من الشعر على كاهله. وزبرتُ الكتابَ، أي: كتبته وجمعت حروفه(١). وقرأ أبو بكر والمفضَّل: ((ردماً ايتوني))(٢) من الإتيان الذي هو المجيء، أي: جيئوني بزُبَر الحديد، فلما سقط الخافض انتصب الفعل، على نحو قول الشاعر: أَمَرْتُكَ الخيرَ ... حذف الجار فنصب الفعل(٣). وقرأ الجمهور: ((زُبَرَ)) بفتح الباء. وقرأ الحسن: بضمِّها، وكلُّ ذلك جمع زُبْرة، وهي القطعة العظيمة منه (٤). قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا سَاوَى﴾ يعني: البناء، فحذف لقوَّة الكلام عليه. ﴿بَيْنَ الصَّلَفيْنِ﴾ قال أبو عبيدة(٥): هما جانبا الجبل، وسُمِّيا بذلك؛ لتصادفهما، أي: لتلاقيهما. وقاله الهرويُّ(٦) وابن عباس(٧)، كأنَّه يُعرِض عن الآخر، من الصدوف، قال الشاعر: كلَا الصَّدَفَيْنِ يَنْفُذُهُ سَنَاهَا تَوقَّد مثلَ مِصباحِ الظَّلامِ(٨) ويقال للبناء المرتفع: صدف، تشبيه بجانب الجبل. وفي الحديث: كان إذا مرَّ (١) تهذيب اللغة ١٩٦/١٣ - ١٩٨، والصحاح (زبر). (٢) قراءة أبي بكر في السبعة ص٤٠١، والتيسير ص١٤٦. (٣) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، والبيت لعمرو بن معديكرب وهو في ديوانه ص٣٥، وسلف ١٢٣/٤ وهو بتمامه: فقد تركتك ذا مال وذا نشب أمرتك الخیر فاصنع ما أمرت به (٤) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، والقراءة في البحر المحيط ١٦٤/٦. (٥) في مجاز القرآن ٤١٤/١ . (٦) في (ز) و(د) و(ف): الزهري، والمثبت من (ظ) وزاد المسير ١٩٣/٥، والكلام في تهذيب اللغة ١٤٦/١٢. (٧) أخرجه عنه الطبري ٤٠٦/١٥ . (٨) النكت والعيون ٣٤٣/٣ ونسبه لعمرو بن شاش. ٣٨٧ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ بصدف مائل أسرع المشيَ. قال أبو عبيد (١): الصدف والهدف: كلُّ بناء عظيم مرتفع. ابن عطيّة: الصَّدَفان: الجبلان المتناوِحان(٢)، ولا يقال للواحد: صَدف، وإنَّما يقال: صَدَفان، للاثنين؛ لأنَّ أحدَهما يصادف الآخَرَ. وقرأ نافع وحمزة والكسائيُّ: (الصَّدَفَيْنِ)): بفتح الصاد وشدِّها وفتح الدال، وهي قراءةُ عمر بن الخطاب ﴾ وعمر ابن عبد العزيز، وهي اختيار أبي عبيدة؛ لأنَّها أشهر اللغات. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ((الصُّدُفين)): بضمِّ الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((الصُّدْفَيْنِ)): بضمِّ الصاد وسكون الدال، نحو الجُرْف والجُرُف. فهو تخفيف. وقرأ ابن الماجشون: بفتح الصاد وضمِّ الدال. وقرأ قتادة: ((بين الصَّدْفَين)) بفتح الصاد وسكون الدال، وكلُّ ذلك بمعنى واحد، وهما الجبلان المتناوِحان(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنفُخُواْ﴾ إلى آخر الآية، أي: على زُبَر الحديد بالأكیار، وذلك أنَّه كان يأمر بوضع طاقة من الزُّبُر والحجارة، ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تَحمى، والحديد إذا أُوقد عليه صار كالنار، فذلك قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً)» ثم يُؤتَى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسَب الخلاف في القطر، فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأَم واشتدَّ ولصق البعض بالبعض، استأنف وَضْع طاقةٍ أُخرى، إلى أن استوى العمل فصار جبلاً صَلْداً (٤). قال قتادة: هو كالبُرْد المحبَّر، طريقةٌ سوداءُ، وطريقةٌ حمراءُ(٥). ويُروى أنَّ رسولَ اللهِ﴾ جاءه رجل فقال: يا رسولَ الله! إنِّي رأيت سَدَّ يأجوج (١) في غريب الحديث ١/ ٧٧ - ٧٨، وما قبله منه، والحديث أورده ابن الأثير في النهاية (صدف). (٢) التناوح: التقابل. القاموس (نوح)، والكلام من المحرر الوجيز ٥٤٣/٣ وما بعده منه. (٣) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، وينظر مجاز القرآن ٤١٤/١، والسبعة ص٤٠١، والتيسير ص١٤٦، وزاد المسير ١٩٢/٥ - ١٩٣. (٤) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣ . (٥) الوسيط ١٦٨/٣، وتفسير البغوي ١٨٢/٣. ٠ ٣٨٨ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ ومأجوج، قال: ((كيف رأيته)) قال: رأيته كالبُرْد المحبّر، طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء، فقال رسول الله ﴾: ((قد رأيتَه)) (١). ومعنى ﴿حََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي: كالنار. ومعنى ﴿مَاتُونِ أُفْرِغْ عَيْهِ فِظّرًا﴾ أي: أعطوني قِظراً أُفرغ عليه، على التقديم والتأخير. ومن قرأ: ((ائتوني)) فالمعنى عنده: تعالوا أُفرغ عليه نحاساً. والقِظْر عند أكثر المفسرين: النحاس المذاب(٢)، وأصله من القَطْر؛ لأنَّه إذا أُذيب، قَطَرَ كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القِطْر: الحديد المذاب(٣). وقالت فرقة منهم ابن الأنباري: الرصاص المذاب. وهو مشتقٌّ من قَطَر يَقطُر قَطْراً(٤). ومنه: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُمْ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢]. قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يَعلُوه ويَصعدوا فيه؛ لأنَّه أملسُ مستوٍ مع الجبل، والجبل عالٍ لا يُرام(٥). وارتفاع السَّدِّ مئتا ذِراع وخمسون ذِراعاً (٦). روي في طوله ما بين طَرَفي الجبلين مئة فَرْسَخ، وفي عرضه خمسون فرسخاً(٧)، قاله وهب بن منبِّه. (١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٧٥٨)، وابن حجر في تغليق التعليق ١٢/٤ عن أبي بكرة الثقفي. قال ابن حجر: هذا إسناد صحيح إلى قتادة، فإن كان سمعه من هذا الرجل فهو حديث صحيح، لأن عدم معرفة اسم الصحابي لا تضر عند الجمهور لأن كلهم عدول، ولكن قد اختلف فيه على قتادة ... اهـ وأخرجه الطبري ٤٠٤/١٥ عن قتادة مرسلاً. (٢) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، وأخرجه الطبري ٤٠٩/١٥ ونسبه لابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. (٣) منهم أبو عبيدة في مجاز القرآن ٤١٥/١ . (٤) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣. (٥) معاني القرآن للزجاج ٣١٢/٣. (٦) النكت والعيون ٣٤٤/٣ . (٧) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣ . ٣٨٩ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ ﴿وَمَا أُسَتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا﴾ لُبُعْد عَرْضه وقوَّته، وروي في ((الصحيح))(١) عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ قال: ((فُتح اليوم من رَدْمٍ يأجوج ومأجوج مثلُ هذه)) وعقَد وهب بن منبِّه بيده تسعين - وفي رواية - وحَلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها، وذكر الحديث. وذكر يحيى بن سلَّام، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه #: ((إنَّ يأجوج ومأجوجَ يخرقون السَّدَّ كلَّ يوم، حتى إذا كادوا يَرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً، فيعيده الله كأشدِّ ما كان حتى إذا بلغت مُدَّتهم وأراد اللهُ أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه ويخرجون على الناس)) الحديث وقد تقدَّم(٢). قوله تعالى: ((فَمَا اسْطَاعُوا)) بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور. وقيل: هي لغة بمعنى استطاعوا. وقيل: بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاءَ فقالوا: اسطاعوا. وحذف بعضهم منه الطاءَ فقال: استاع يستيع، بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة. وقرأ حمزة وحده: ((فما اسطاعوا)) بتشديد الطاء، كأنَّه أراد: استطاعوا، ثم أدغم التاء في الطاء فشدَّدها، وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو عليٍّ: هي غير جائزة. وقرأ الأعمش: ((فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً) بالتاء في الموضعين(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ﴾ القائل: ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم، (١) البخاري (٣٣٤٧)، ومسلم (٢٨٨١) واللفظ له. (٢) ص ٣٨٠ من هذا الجزء. (٣) المحرر الوجيز ٥٤٥/٣، وقراءة حمزة في السبعة ص٤٠١، والتيسير ص١٤٦، وكلام أبي علي في الحجة ١٧٨/٥ . ٣٩٠ سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨ والقوّة عليه، والانتفاع به في دَفْع ضرر يأجوج ومأجوج. وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((هذِهِ رَحْمَةٌ مِنْ ربي)»(١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآَمَ وَعَدُ رَبٍ﴾ أي: يوم القيامة. وقيل: وقت خروجهم (٢). وَجَعَلَهُ ذَكٌَّ﴾ أي: مستوياً بالأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ [الفجر: ٢١] قال ابن عرفة: أي: جعلت مستويةً لا أَكّمة فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال اليزيدي: أي: مستوياً، يقال: ناقة دّاء: إذا ذهب سنامها. وقال القتبيُّ(٣): أي: جعله مدكوكاً ملصقاً بالأرض. وقال الكلبيُّ: قِطَعاً متكسِّراً، قال: هل غيرُ غادٍ دَكَّ غاراً فانهدم(٤) وقال الأزهريُّ: يقال: دككته، أي: دققته. ومن قرأ: ((دَّاءَ)) أراد جعل الجبلَ أرضاً دّاء: وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلاً، وجمعها دكاوات(٥). وقرأ حمزة وعاصم والكسائيُّ ((دكاء)) بالمدِّ على التشبيه بالناقة الدكّاء، وهي التي لا سنامَ لها، وفي الكلام حذف، تقديره: جعله مثل دكاء، ولا بدَّ من تقدير هذا الحذف؛ لأنَّ السَّد مذكَّر فلا يوصف بدَّاء. ومن قرأ: ((دَكًا)) فهو مصدر دََّ يدك، إذا هَدم ورَضٌ، ويحتمل أن يكون ((جعل)) بمعنى خَلَق. وينصب ((دًَّا)) على الحال. وكذلك النصب أيضاً في قراءة من مدَّ يحتمل الوجهين(٦). (١) المحرر الوجيز ٥٤٤/٣. (٢) المصدر السابق. (٣) في غريب القرآن ص٢٧١ . (٤) النكت والعيون ٣٤٥/٣، ونسب البيت لأغلب. (٥) ينظر الصحاح (دكك)، وتهذيب اللغة ٤٣٦/٩ - ٤٣٨ . (٦) المحرر الوجيز ٥٤٤/٣، والقراءة في السبعة ص٤٠٢، والتيسير ص١٤٦، والحجة ١٨٢/٥-١٨٣. ٣٩١ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ قوله تعالى: ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَثُفِخَ فِي الصُّورِ لَعْتَهُمْ جَمْعًا وَعَضْنَا جَهَنَّمَ يَؤْمَيِدٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعُْهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيّ أَوْلِيَ إِنَّا اُلَِّينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِی ١٠٣ أَعْنَدْنَا جَهَنَّمَ لِلَكَفِنَ نُ ﴿ قُلْ هَلْ تُبِّئُكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَيِّهِمْ اْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (3) وَلِقَّبِهِ، ◌َخِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا (9ِ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَّخَذُوَاْ ءَيَتِى وَرُسُلِى هُزُوًّا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَنَتْ لَمُمْ جَنَّتُ خَلِينَ فِهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴿ قُل لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا آلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا (3) قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِّ فَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِمًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (٥)﴾ قوله تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوُ فِى بَعْضٍ﴾ الضمير في ((تركنا)) لله تعالى، أي: تركنا الجنَّ والإنسَ يوم القيامة يَموج بعضهم في بعض. وقيل: تركنا يأجوج ومأجوجَ ((يومئذ)) أي: وقت كمال السَّدِّ يموج بعضهم في بعض. واستعارة الموج لهم عبارةٌ عن الحيرة، وتردُّد بعضهم في بعض، كالمولهين من هَمٍّ وخوف، فشبَّههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض (١). وقيل: تركنا يأجوج ومأجوجَ يوم انفتاح السَّدِّ يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم(٢). قلت: فهذه ثلاثة أقوال، أظهرها أوسطها، وأبعدها آخرها، وحسن الأول؛ لأنَّه تقدَّم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِي))، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَنُغَ فِ الصُّورِ﴾ تقدَّم في ((الأنعام))(٣). ﴿لَعْتَهُمْ جَعًا﴾ يعني: الجنَّ (١) المحرر الوجيز ٦٥/٣. (٢) الوسيط ١٦٩/٣. (٣) ٤٣٠/٨. ٣٩٢ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ والإنسَ في عَرَصات القيامة. ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمْ﴾ أي: أبرزناها لهم(١). ﴿يَوْمَيِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَنَتْ أَعْيُهُمْ﴾ في موضع خفض، نعت (للكافرين)) .﴿فی غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى﴾ أي: هم بمنزلة من عينه مغطاة، فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى (٢). ﴿وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي: لا يطيقون أن يَسمعوا كلامَ الله تعالى، فهم بمنزلة مَنْ صَمَّ. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: ظنَّ. وقرأ عليٍّ وعكرمة ومجاهد وابن محيصن: ((أَفَحَسْبُ)) بإسكان السين وضمِّ الباء، أي: كَفَاهم . ﴿أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى﴾ يعني: عيسى والملائكة وعُزَيراً(٣). ﴿مِن دُونِيّ أَوْلِيَةٍ﴾ ولا أعاقبهم؟! ففي الكلام حذف. وقال الزجَّاج: المعنى: أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. ﴿إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَنَّمَ لِلَّكَفِنَ قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِئُكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَزْنَا﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً)) الآية، فيه دلالة على أنَّ مِن الناس مَن يعمل العمل وهو يظنُّ أنَّه محسن، وقد حَبِطَ سعيه، والذي يوجب إحباطَ السعي إما فسادُ الاعتقاد أو المراءاةُ، والمراد هنا الكُفْرِ (٤). روى البخاريُّ(٥) عن مصعب قال: سألت أبي: ﴿قُلْ هَلْ تُنِئُكُمْ بِلْأَخَْرِنَ أَعْمَلًا﴾ أهم الحَرُوريَّة؟ قال: لا ، هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذَّبوا محمداً ﴾، وأما النصارى فكفروا بالجنَّة، فقالوا: لا طعامَ فيها ولا شراب، والحروريَّة: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ (١) المحرر الوجيز ٥٤٤/٣. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٧٥ . (٣) المحرر الوجيز ٤٢٢/٣، والقراءة قرأ بها علي وابن عباس وابن يعمر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبي ليلى. القراءات الشاذة ص٨٢ ، والمحتسب ٣٤/٢. (٤) أحكام القرآن للهراسي ٢٦٨/٤ . (٥) في صحيحه برقم (٤٧٢٨). ٣٩٣ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ مِيثَقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وكان سعد يُسمِّيهم الفاسقين. والآية معناها التوبيخ، أي: قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غداً، فهم الأخسرون أعمالاً، وهم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْهُمْ فِي الْحَةِ الدُّنيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ سُنْعًا﴾ في عبادة من سواي. قال ابن عباس: يريد كفَّار أهل مكة. وقال عليٍّ: هم الخوارج أهلُ حروراء(١). وقال مَرَّة: هم الرهبان أصحابُ الصوامع (٢). وروي أنَّ ابنَ الكوَّاء سأله عن الأخسرين أعمالاً فقال له: أنت وأصحابُك(٣). قال ابن عطيّة(٤): ويضعف هذا كلَّه قولُه تعالى بعد ذلك: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقََّبِهِ. ◌َبَِّتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ وليس من هذه الطوائف من يَكفُر بالله ولقائه والبعث والنشور، وإنَّما هذه صفة مشركي مكّة عبدة الأوثان، وعليٍّ وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواماً أخذوا بحظّهم من هذه الآية. و((أعمالاً)) نصب على التمييز. و((حبطت)) قراءة الجمهور: بكسر الباء. وقرأ ابن عباس ((حبطت)): بفتحها. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَ نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ قراءة الجمهور: ((نقيم)) بنون العظمة. وقرأ مجاهد: بياء الغائب، يريد: فلا يقيم اللهُ عزَّ وجلَّ. وقرأ عبيد بن عمير: ((فلا يقوم))، ويلزمه أن يقرأ: ((وزنٌ))، وكذلك قرأ مجاهد: ((فَلَا يَقُومُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنٌ)(٥). قال عبيد بن عمير: يُؤتَى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة(٦). (١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤١٣/١، ومن طريقه الطبري ٤٢٦/١٥ - ٤٢٧. (٢) أخرجه الطبري ٤٢٣/١٥ - ٤٢٤، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١٩٥/١ - ١٩٦. (٣) أخرجه الطبري ٤٢٦/١٥ . (٤) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٤٥، وقراءة ابن عباس ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٦٧ . (٥) المحرر الوجيز ٥٤٦/٣ - ٥٤٧، والقراءة في القراءات الشاذة ص ٨٢، والبحر المحيط ١٦٧/٦، وذكرها العكبري في إملاء ما من به الرحمن ٣/ ٥٤١ دون نسبة. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٦٩/١٣ - ١٧٠، وابن أبي حاتم في التفسير ١٤٤٠/٥ (٨٢٢٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣/ ٢٧٠ . ٣٩٤ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ قلت: هذا لا يقال مثله من جهة الرأي، وقد ثبت معناه مرفوعاً في ((صحيحي البخاري ومسلم))(١) عن أبي هريرة، عن رسول اللـه ﴿ أنَّه قال: ((إنه ليأتي الرجلُ العظيم السمينُ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾)). والمعنى: أنَّهم لا ثوابَ لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنةَ لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنةً له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدريُّ: يُؤتَى بأعمال كجبال تِهامة، فلا تَزِنُ شيئاً. وقيل: يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنَّه قال: فلا قَدْرَ لهم عندنا يومئذ (٢)، والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه ذُّ السِّمن لمن تكلَّفه؛ لما في ذلك من تكلُّف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدلُّ على تحريم الأكل الزائد على قَدْرٍ الكفاية المبتغى به التَّرقُّه والسِّمن. وقد قال ﴾: ((إنَّ أبغضَ الرجال إلى الله تعالى الحبر السَّمين)). ومن حديث عمران بن حُصَين عن النبيِّ # قال: ((خيركم قرني، ثم الذين يَلُونهم - قال عمران: فلا أدري أَذَكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إنَّ من بعدكم قوماً یشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمن)) وهذا ذمُّ. وسبب ذلك أنَّ السِّمَنَ المكتسَب إنَّما هو من كثرة الأكل والشَّرَه، والدَّعَة والراحة والأَمن والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبدُ نفسه لا عبدُ ربِّه، ومن كان هذا حاله، وقَع لا محالةَ في الحرام(٣)، وكلُّ لحم تولَّد عن سُحتٍ، فالنار أولى به، وقد ذمَّ الله تعالى الكفّار بكثرة الأكل فقال: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَّمْ﴾ [محمد: ١٢] فإذا كان المؤمن يتشبّه بهم، ويتنغَّم بتنقُمهم في كلِّ أحواله وأزمانه، فأين حقيقةُ الإيمان، والقيام بوظائف (١) البخاري (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥). (٢) المحرر الوجيز ٥٤٥/٣ . (٣) المفهم ٣٥٩/٧ - ٣٦٠، والحديث الأول سلف ٨/ ٤٥٥، وحديث عمران أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥): (٢١٥). ٣٩٥ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ الإسلام؟! ومن کثر أَكله وشربه، كثر نَهَمُه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهارَه هائماً، وليلَه نائماً. وقد مضى في ((الأعراف)) هذا المعنى(١)، وتقدَّم فيها ذكر الميزان(٢)، وأن له كفَّتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة. وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حَمْش ساقٍ ابنٍ مسعود وهو يصعد النخلة: ((تضحكون من ساقٍ تُوزَن بعمل أهل الأرض)»(٣) فدلَّ هذا على أنَّ الأشخاص تُوزَن، ذكره الغزنويُّ. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ﴾ ((ذلك)) إشارة إلى تَرْك الوزن، وهو في موضع رفع بالابتداء، ((جزاؤهم)) خبره، و﴿جَهَنٌَّ﴾ بدل من المبتدأ الذي هو ((ذلك))، و((ما)) في قوله: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ مصدريَّة، والهزء: الاستخفاف والسُّخرية(٤)، وقد تقدَّم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ اٌلْفِرْدَوْسِ نُلًا﴾ قال قتادة: الفردوس رَبوة الجنّة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها(٥). وقال أبو أمامة الباهليُّ: الفردوس سُرَّة الجنَّة(٦). وقال كعب: ليس في الجنان جنَّة أَعلى من جنَّة الفردوس، (١) ٩ / ١٩٦ . (٢) ٩ /١٥٦. (٣) أخرجه أحمد (٩٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٣٧)، وأبو يعلى (٥٥٥)، والطبراني في الكبير (٨٥١٦) من حديث علي بن أبي طالب بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٨/٩ - ٢٨٩ بعد أن عزاه إلى أحمد وأبي يعلى والطبراني: رجالهم رجال الصحيح غير أم موسى، وهي ثقة. وأخرجه أيضاً أحمد (٣٩٩١)، والبزار (٢٦٧٨)، وأبو يعلى (٥٣١٠)، والطبراني في الكبير (٨٤٥٢)، وأبو نعيم في الحلية ١٢٧/١ من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٩/٩: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني من طرق ... وأمثل طرقها فيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. اهـ واستحمش الرجل حَمْشاً وحَمَشاً: صار دقيق الساقين. (٤) المحرر الوجيز ٥٤٦/٣ . (٥) أخرجه الطبري ٤٣١/١٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ١٦٧. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤٨/١٣، والطبري ١٥/ ٤٣١ . ٣٩٦ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر(١). وفي ((صحيح البخاري)) (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله﴾: ((من آمن بالله وبرسوله وأَقام الصلاةَ وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يُدخِله الجنَّة، جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها)) قالوا: يا رسول الله أفلا نبشِّر الناس؟ قال: ((إنَّ في الجنَّة مئةَ درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتَيْن كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوسَ، فإنَّه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه قال : - وفوقه عَرْشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّر أنهارُ الجنة)). وقال مجاهد: والفردوس: البستان بالروميَّة(٣). الفرَّاء(٤): هو عربي. والفردوس: حديقة في الجنَّة. وفردوس: اسمُ روضة دون اليمامة. والجمع فراديس، قال أميَّة بن أبي الصلت الثقفي: كانت منازلُهم إذ ذاك ظاهرةً فيها الفَرَاديسُ والغومانُ والبصلُ والفراديس: موضع بالشام. وكَرْمٌ مُفَرْدَس، أي: مُعرَّش(٥). ﴿ِخَالِدِينَ فِيهًا﴾ أي: دائمين. ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَولًا﴾ أي: لا يطلبون تحويلاً عنها إلى غيرها. والحول: بمعنى التحويل، قاله أبو عليٍّ. وقال الزجَّاج(٦): حال من مكانه حِوَلاً كما يقال: عَظُم عِظَماً. قال: ويجوز أن يكون من الحيلة، أي: لا يحتالون منزلاً غيرَها. قال الجوهريُّ(٧): التحوُّل: التنقُّل من موضع إلى موضع، والاسم: الحِول، ومنه قوله تعالى: ((خَالِدينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً)». (١) أخرجه الطبري ٤٣١/١٥، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٣٨٠/٥. (٢) برقم (٢٧٩٠). (٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٣٢ . (٤) في معاني القرآن ٢٣١/٢. (٥) الصحاح (فردس)، دون قول أمية، وهو في ديوانه ص٩٨ . (٦) في معاني القرآن ٣١٥/٣. (٧) في الصحاح (حول). ٣٩٧ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَعْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ نفد الشيءُ: إذا تمَّ وفرَغ، وقد تقدَّم. ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ أي: زيادةً على البحر عدداً أو وزناً. وفي مصحف أبيٍّ: ((مِدَاداً)) وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد(١). وانتصب ((مدداً)) على التمييز أو الحال(٢). وقال ابن عباس: قالت اليهود لما قال لهم النبيُّ #: ﴿وَمَآ أُوِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أُوتيَ التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً؟ فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَعْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَفِدَ الْبَحْرٌ﴾ الآية(٣). وقيل: قالت اليهود: إنَّك أُوتيت الحكمةَ، ومن أُوتِيَ الحكمةَ فقد أُوتِيَ خيراً كثيراً، ثم زعمت أنَّك لا عِلْم لك بالرُّوح؟! فقال اللهُ تعالى قل: وإن أُوتيت القرآنَ وأوتيتم التوراةَ، فهي بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلةٌ(٤). قال ابن عباس: ((كَلِمَاتُ رَبِّي)) أي: مواعظ ربِّي. وقيل: عنى بالكلمات الكلامَ القديمَ الذي لا غايةً له ولا منتهى، وهو وإن كان واحداً فيجوز أن يعبّر عنه بلفظ الجمع؛ لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنَّه ينوب منابَها، فجازت العبارةُ عنها بصيغة الجمع؛ تفخيماً، وقال الأعشى : ووجهٌ نقيُّ اللونٍ صافٍ يَزينُهُ مع الجِيدِ لَبَّاتٌ لها ومَعَاصِمُ (٥) فعبَّر باللَّبَّات عن اللَّبَّة. وفي التنزيل: ﴿َحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] و﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحِ، وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] وكذلك: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ (١) القراءات الشاذة ص ٨٢، والمحتسب ٣٥/٢، والبحر المحيط ١٦٩/٦، وذكرها الأخفش في معاني القرآن ٦٢٣/٢، وأبو الليث في التفسير ٣١٥/٢، والطبري ٤٣٨/١٥ . (٢) معاني القرآن للزجاج ٣١٦/٣ . (٣) أسباب النزول للواحدي ص٣٠٨، وتفسير البغوي ١٨٦/٣ . (٤) السيرة النبوية ٣٠٨/١، وتفسير أبي الليث ٣١٥/٢ بنحوه. (٥) ديوان الأعشى ص١٢٧، واللَّبَّة: المنحر. القاموس (لبب). ٣٩٨ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠] لأنَّه ناب منابَ أمَّة. وقيل: أي ما نفدت العبارات والدلالات التي تدلُّ على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى(١). وقال السُّدِّيُّ: أي: إن كان البحر مداداً لكلمات ربِّي لنفدَ البحر قبل أن تنفدَ صفاتُ الجنَّة التي هي دار الثواب. وقال عكرمة: لنفد البحرُ قبل أن ينفدَ ثوابُ من قال: لا إله إلا الله. ونظير هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللهِ ﴾ [لقمان: ٢٧]. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ)) بالياء؛ لتقدُّم الفعل(٢) .. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَّ﴾ أي: لا أَعلم إلا ما يعلِّمني الله تعالى، وعِلْم الله تعالى لا يحصى، وإنَّما أُمِرت بأن أبلِّغكم بأنَّه لا إله إلا الله. ﴿فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقََّ رَبِّهِ﴾ أي: يرجو رؤيته وثوابَه، ويخشى عقابه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّ أَحَدَا﴾ قال ابن عباس: نزلت في جُنْدَب بنِ زهير العامريِّ، قال: یا رسول الله إنِّي أَعمل العملَ لله تعالى، وأُريد وجهَ الله تعالى، إلَّ أنَّه إذا اطُلِع عليه سَرَّني، فقال النبي ﴾: ((إنَّ اللهَ طيِّبٌ ولا يَقبلَ إلا الطيِّبَ، ولا يَقبل ما شُورِكَ فيه)) فنزلت الآية. وقال طاوس: قال رجل: يا رسولَ الله! إنِّي أحبُّ الجهادَ في سبيل الله تعالى، وأُحبُّ أن يُرى مكاني، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجلٌ للنبيِّ ◌ِ﴾، فقال: يا رسولَ الله! إنِّي أَتصدَّق وأَصِلُ الرَّحِم ولا أَصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك منّي وأُحمَد عليه فيسرُّني ذلك وأُعجَب به، فسكت رسولُ الله ﴾ ولم يقل شيئاً، فأنزل الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِمًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ لَّمَدَأَ﴾(٣). قلت: والكلُّ مراد، والآية تعمُّ ذلك كلّه وغيره من الأعمال. وقد تقدَّم في سورة ((هود))(٤) حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أوَّل الناس. وقد (١) المحرر الوجيز ٥٤٧/٣ . (٢) السبعة ص ٤٠٢، والتيسير ص١٤٦ . (٣) أسباب النزول للواحدي ص٣٠٨ . (٤) ١١ / ٨٤ . ٣٩٩ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ تقدَّم في سورة النساء(١) الكلامُ على الرياء، وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية. وقال الماورديُّ(٢) وقال جميعُ أهل التأويل: معنى قوله تعالى: ((وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادِ رَبِّهِ أَحَداً» إنه لا يرائي بعمله أحداً. وروى الترمذيُّ الحكيم رحمه الله تعالى في ((نوادر الأصول))(٣) قال: حدَّثنا أبي رحمه الله تعالى قال: حدَّثنا مكيُّ بن إبراهيم قال: حدَّثنا عبد الواحد بنُ زيد، عن عبادة بن نُسَيٍّ، قال: أتيت شدادَ بنَ أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: حديثٌ سمعتُه من رسول الله # يوماً، إذ رأيت بوجهه أَمْراً ساءني فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله، ما الذي أَرى بوجهك؟ قال: ((أمراً أتخوَّفه على أمَّتي من بعدي)) قلت: ما هو يا رسولَ الله؟ قال: ((الشِّرك والشهوة الخفيَّة)) قلت: يا رسولَ الله! وتُشرِكُ أمَّتك مِن بعدك؟ قال: ((يا شدَّاد أما إنَّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حَجَراً ولا وَثَناً، ولكنَّهم يُراؤون بأعمالهم. قلت: والرياء شِرْك هو؟ قال: ((نعم)). قلت: فما الشهوة الخفيَّة؟ قال: ((يُصبح أحدُهم صائماً فتعرض له شهواتُ الدنيا فيفطر)). قال عبد الواحد: فلقيتُ الحسنَ، فقلت: يا أبا سعيدٍ! أَخبِرني عن الرياء أَشِرْك هو؟ قال: نعم، أما تقرأ: ﴿فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِمًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدَا﴾. وروى إسماعيل بن إسحاق قال: حدَّثنا محمد بن أبي بكر قال: حدَّثنا المعتمر ابنُ سليمان، عن ليث، عن شَهْرِ بن حوشب قال: كان عبادةُ بنُ الصامت وشدَّاد بن أوس جالسين، فقالا: إنَّا نتخوَّف على هذه الأمَّة من الشِّرْك والشهوة الخفيَّة، فأمَّا الشهوة الخفيَّة فمِن قِبَلِ النساء. وقالا: سمعنا رسولَ الله # يقول: ((من صلَّى صلاةً يُرائي بها فقد أَشركَ، ومن صام صياماً يُرائي به فقد أشرك)) ثم تلا: ﴿فَنَ كَانَ يَرْحُواْ لِقَآءَ (١) ٢٩٩/٦ . (٢) في النكت والعيون ٣٥٠/٣ . (٣) ص٤٠٠ بدون إسناد، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (٧١٤٤)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٠، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٨/١، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٠) من طرق، عن عبد الواحد بن زيد، به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: عبد الواحد بن زيد متروك. ٤٠٠ سورة الكهف: الآيات ٩٩ - ١١٠ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَأَ﴾(١). قلت: وقد جاء تفسير الشهوة الخفيَّة بخلاف هذا، وقد ذكرناه في ((النساء)) (٢). وقال سهل بن عبد الله: وسئل الحسنُ عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحبّ أن تُكتَم حسناتُك، ولا تحبَّ أن تُكتَم سيئاتُك، فإن أَظهر اللهُ عليك حسناتك تقول: هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَدَأْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَتَواْ﴾ الآية [المؤمنون: ٦٠]، يؤتون الإخلاصَ، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم، وأما الرياء: فطلب حظّ النفس من عملها في الدنيا، قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبينَ الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة، فهو رياء. وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم: وقد يُفضِي الرياء بصاحبه إلى استهزاءٍ الناس به، كما يُحكى أنَّ طاهرَ بنَ الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرْتَ إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلتُ العراقَ منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائمٌ. فقال: يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. وحكى الأصمعيُّ أنَّ أعرابيًّا صلَّى فأطال، وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسنَ صلاتك؟! فقال: وأنا مع ذلك صائم(٣). أين هذا من قول الأشعثِ بنِ قيس وقد صلَّى فخفّف، فقيل له: إنَّك خفَّفت. فقال: إنَّه لم يُخالِطها رياء(٤). فخلص من تنقُّصهم بنفي الرياء (١) أخرجه الطيالسي (١٢١٦)، وأحمد (١٧١٤٠)، والبزار (٣٤٨٢)، والطبراني في الكبير (٧١٣٩)، والحاكم في المستدرك ٣٢٩/٤، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٨/١ - ٢٦٩، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٤٤) من طرق، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن شداد بن أوس بنحوه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٠/١٠ - ٢٢١: رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب، وثّقه أحمد وغیر واحد، وبقية رجاله ثقات. (٢) ٦/ ٢٩٩ . (٣) البيان والتبيين ٣١٩/٢، والعقد الفريد ٢١٦/٣. (٤) البيان والتبيين ٣٣٤/٢، والعقد الفريد ٢١٦/٣، عن أشعب بن جبير، واسمه أشعث، وهو الذي يضرب به المثل في الطمع. سمط اللآلي ٩٥٨/٣ ، وفوات الوفيات ١/ ١٩٧.