النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
قال علماؤنا: وحاصل ما تضمَّنه هذا الحديثُ أنَّه عليه الصلاة والسلام أَخبر قبل
موته بشهر أنَّ كلَّ من كان من بني آدم موجوداً في ذلك الوقت لا يزيد عمرُه على مئة
سنة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما من نفس مَنْفوسة)) وهذا اللفظ لا يتناول الملائكةَ
ولا الجنَّ؛ إذ لم يصحَّ عنهم أنَّهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل؛ لقوله: ((ممَّن هو
على ظهر الأرض أحدٌ)) وهذا إنَّما يقال بأصل وَضْعه على من يعقل، فتعيَّن أنَّ المرادَ
بنو آدم. وقد بيَّن ابنُ عمر هذا المعنى، فقال: يريد بذلك أن يَنْخرم ذلك القَرْن. ولا
حجَّة لمن استدل به على بطلانٍ قول من يقول: إنَّ الخضر حيٍّ؛ لعموم قوله: ((ما من
نفس منفوسة)) لأنَّ العمومَ وإن كان مؤكّد الاستغراق، فليس نَصَّا فيه، بل هو قابلٌ
للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام، فإنَّه لم يمت ولم يقتل، فهو حيٍّ
بنصِّ القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجّالَ مع أنَّه حيٍّ؛ بدليل حديث الجَسّاسة، فكذلك
لم يتناول الخضر عليه السلام وليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر
ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله(١).
وقد قيل: إنَّ أصحابَ الكهف أحياءٌ ويحجُّون مع عيسى عليه الصلاة والسلام،
كما تقدَّم. وكذلك فتى موسى في قول ابنِ عباس كما ذكرنا. وقد ذكر أبو إسحاق
الثعلبي في كتاب ((العرائس))(٢) له: والصحيح أنَّ الخضر نبيٌّ مُعمَّر محجوب عن
الأبصار، وروى محمد بن المتوكل، عن ضمرة(٣)، عن عبد الله بن سوَّار قال:
الخضر عليه السلام من وَلَدِ فارس، وإلياس من بني إسرائيل، يلتقيان كلَّ عام في
الموسم. وعن عمرو بن دينار قال: إنَّ الخضر وإلياس لا يزالان حيَّين في الأرض ما
دام القرآن على الأرض، فإذا رُفع، ماتا.
(١) المفهم ٦/ ٤٩٠، وحديث الجساسة أخرجه مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله
عنها.
(٢) ص٢٢٦ - ٢٢٧ .
(٣) ليست في (د).

٣٦٢
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللَّخمي
في ((شرح الرسالة)) له للقشيري حكاياتٍ كثيرةً عن جماعة من الصالحين والصالحات
بأنَّهم رأوا الخضر عليه السلام ولَقوه، يفيد مجموعها غايةَ الظَّنِّ بحياته مع ما ذكره
النقّاش والثعلبيُّ وغيرهما.
وقد جاء في ((صحيح مسلم)) (١): ((أنَّ الدجّالَ ينتهي إلى بعض السِّباخ التي تلي
المدينةَ، فيخرج إليه يومئذٍ رجلٌ هو خير الناس، أو: من خير الناس)) الحديث، وفي
آخره قال أبو إسحاق: يعني أنَّ هذا الرجلَ هو الخضرُ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا في كتاب ((الهواتف))(٢) بسند يوقفه إلى عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾
أَنَّه لَقِيَ الخضرَ وعلَّمه هذا الدعاء، وذكر أنَّ فيه ثواباً عظيماً ومغفرةً ورحمة لمن قاله
في إثر كل صلاة، وهو: يا من لا يَشغله سمعٌ عن سمع، ويا من لا تَغلطه المسائل،
ويا من لا يتبرَّم من إلحاح الملحِّين، أذقني بَرْد عفوك، وحلاوةَ مغفرتك.
وذكّر أيضاً عن عمر بن الخطاب ﴾ في هذا الدعاء بعينه نحواً مما ذكر عن عليٍّ
ابنِ أبي طالب ﴾ في سماعِه من الخضر(٣). وذكر أيضاً اجتماعَ إلياس مع النبيِّ عليه
الصلاة والسلام(٤). وإذا جاز بقاءُ إلياس إلى عهد النبيِّ# جاز بقاءُ الخضر، وقد ذكر
أنَّهما يجتمعان عند البيت في كلِّ حول، وأنَّهما يقولان عند افتراقهما: ما شاء الله ما
شاء الله، لا يَصرِف السوءَ إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمةٍ فمن
الله، ما شاء الله ما شاء الله، توكَّلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل(٥). وأما خبر
(١) برقم (٢٩٣٨).
(٢) ص٥٢، وفي إسناده صالح بن أبي الأسود، قال عنه الذهبي: واهٍ.
(٣) الهواتف ص٥٧ .
(٤) الهواتف ص ٧٨ - ٧٩، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك ٢/ ٦١٧، قال الذهبي في التلخيص:
موضوع، قبَّح الله من وضعه. وسيأتي مطولاً في الصافات (١٢٣).
(٥) من قوله: وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الهواتف ... إلى هنا نقله من التعريف والإعلام ص ١٠٧ .

٣٦٣
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
إلياس فيأتي في ((والصافات))(١) إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر بن عبد البر في
كتاب ((التمهيد))(٢) عن عليٍّ﴾ قال: لما توفي النبيُّ ﴾ وسُجِّي بثوب، هتف هاتفٌ
من ناحية البيت يسمعون صوتَه ولا يرونَ شخصه: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ
وبركاته، السلامُ عليكم أهلَ البيت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]،
إنَّ في الله خَلَفاً من كلِّ هالك، وعِوضاً من كلِّ تالف، وعَزاء من كلِّ مصيبة، فبالله
فئقوا، وإيَّاه فارجوا، فإنَّ المصابَ من حُرِمِ الثوابَ. فكانوا يرون أنَّه الخضر عليه
الصلاة والسلام، يعني: أصحاب النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
والألف واللام في قوله: ((على الأرض))(٣) للعهد لا للجنس، وهي أرض
العرب، بدليل تصرُّفهم فيها وإليها غالباً، دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزر
الهند والسند مما لا يقرع السمعَ اسمُه، ولا يُعلَم علمه. ولا جواب عن الدجّال.
قال السهيليُّ(٤): واختلف في اسم الخضر اختلافاً متبايناً، فعن ابنٍ منبِّه أنَّه قال:
إيليا بن مَلْكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: هو ابن عاميل بن
سمالجين بن أريا بن علقما بن عيصو بن إسحاق، وأنَّ أباه كان مَلِكاً، وأنَّ أُمَّه كانت
بنت فارس واسمها ألها، وأنَّها ولدته في مغارة، وأنَّه وجد هنالك وشاة ترضعه في كلِّ
يوم من غنم رجل من القرية، فأخذه الرجل فربَّاه، فلما شَبَّ وطلب الملِكُ - أبوه -
كاتباً وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصُّحف التي أُنزلت على إبراهيم وشيث،
كان ممَّن أَقدم عليه من الكتَّاب ابنُه الخضرُ وهو لا يعرفه، فلما استحسن خطَّه
ومعرفته، وبحث عن جليّة أمره، عرف أنَّه ابنُه، فضمَّه لنفسه، وولَّاه أمر الناس، ثم
إنَّ الخضرَ فرَّ من الملك لأسباب يَطول ذكرها إلى أن وجد عينَ الحياة فشرب منها،
(١) عند الآية (١٢٣).
(٢) ١٦٢/٢، والمؤلف نقله عن ابن عبد البر بواسطة السهيلي في التعريف والإعلام ص ١٠٦ - ١٠٧.
(٣) في قوله#: ((أريتكم ليلتكم هذه ... )) الحديث المتقدم قريباً، والكلام من المفهم ٦/ ٤٩٠ .
(٤) في التعريف والإعلام ص١٠٣ - ١٠٤، وفيه: عمائيل، بدل: عاميل.

٣٦٤
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٩١
فهو حيٍّ إلى أن يَخرج الدجَّالُ، وأنَّه الرجلُ الذي يقتله الدجّالُ ويقطعه، ثم يحييه اللهُ
تعالى. وقيل: لم يدرك زمنَ النبيِّ ﴾، وهذا لا يصحُّ. وقال البخاريُّ وطائفة من أهل
الحديث منهم شيخنا أبو بكر بنُ العربي رحمه الله تعالى: إنَّه مات قبل انقضاءِ المئة،
من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إلى رأس مئة عام لا يَبقى على هذه الأرض ممن هو
عليها أحدٌ))(١) يعني: من كان حيًّا حين قال هذه المقالة. قلت: قد ذكرنا هذا الحديثَ
والكلامَ عليه، وبَيَّنا حياةَ الخضر إلى الآن، والله أعلم.
الخامسة: قيل: إنَّ الخضرَ لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني. قال:
كن بَسَّاماً ولا تكن ضَحَّاكاً، ودع اللَّجاجة، ولا تمشٍ في غير حاجة، ولا تَعِبْ على
الخطَّائين خطاياهم، وابْكِ على خطيئتك يا ابنَ عمران(٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ إِذَا
مَكَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًّا (﴾ فَأَنْعَ سَبَبًا ﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ
الشَمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَا قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ
وَإِمَّا أَنْ نَّخِذَ فِهِمْ حُسْنَا ﴾ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ
عَذَابًا تُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُ جَزَآءَ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرَّأَ
حَّةٍ إِذَا بَلَغَ مَطَلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا نَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم
ثُمَّ أَنْبَ سَبَبًّا
M
٩١
﴾
مِّن دُونِهَا سِتْرًا ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ قال ابن
إسحاق(٣): وكان من خبر ذي القرنين أنَّه أُوتِيَ ما لم يؤتَ غيرُه، فمدَّت له الأسباب
حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغارِبها، لا يطأ أرضاً إلا سُلِّط على
أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخَلْق. قال ابن
(١) سلف تخريجه قريباً.
(٢) تفسير أبي الليث ٢/ ٣١٠، والتعريف والإعلام ص ١٠٦.
(٣) السيرة النبوية ٣٠٧/١ - ٣٠٨.

٣٦٥
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
إسحاق: حدَّثني من يسوق الأحاديثَ عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين
أنَّ ذا القرنين كان من أهل مصر، اسمه مَرْزبان بنُ مَرْدبة اليونانيُّ من ولد يونان بنِ
يافث بن نوح(١).
قال ابنُ هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندريّة فنُسبت إليه. قال
ابن إسحاق: وقد حدَّثني ثورُ بنُ يزيد، عن خالد بن مَعْدان الكَلَاعيِّ - وكان خالدٌ
رجلاً قد أدرك الناس - أنَّ رسول اللـه : # سُئلَ عن ذي القرنين فقال: ((مَلِكٌ مسح
الأرضَ من تحتها بالأسباب)). وقال خالد: وسمع عمرُ بنُ الخطّاب ﴾ رجلاً يقول:
يا ذا القرنين، فقال: اللهمَّ غَفْراً، أما رضيتم أن تُسمُّوا بأسماء الأنبياء حتى تسمَّيتم
بأسماء الملائكة؟!(٢) قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان؟ أقال رسولُ الله ﴾
ذلك أم لا؟ والحقُّ ما قال.
قلت: وقد روي عن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾ مثلَ عمر، سمع رجلاً يدعو آخَرَ : یا
ذا القرنين، فقال عليٍّ: أما كفاكم أن تسمَّيتم بأسماءِ الأنبياء حتى تسمَّيتم بأسماء
الملائكة؟! وعنه: أنه عَبْد ملِك - بكسر اللام - صالح، نصح اللهَ فأيَّدَه(٣). وقيل: هو
نبيٌّ مبعوثٌ فتح الله تعالى على يدَيْه الأرض. وذكر الدارقطنيُّ في كتاب ((الأخبار)) أن
مَلَكاً يقال له: رباقيل كان ينزل على ذي القرنين، وذلك المَلَك هو الذي يطوي
الأرضَ يوم القيامة وينقضها، فتقع أقدامُ الخلائقِ كلِّهم بالساهرة، فيما ذكر بعضُ
أهل العلم.
وقال السهيليُّ: وهذا مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرضَ مشارقَها
ومغاربها، كما أنَّ قصةً خالد بن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملَك الموثَّل
بها، وهو مالِكٌ عليه السلام وعلى جميع الملائكة أجمعين.
(١) أخرجه الطبري ٣٨٩/١٥ - ٣٩٠، وأبو الشيخ في العظمة (٩٨٥)، وفيهما أن اسمه: مرزبا بن مردبه.
(٢) أخرجه الطبري ٣٩٠/١٥، وأبو الشيخ في العظمة (٩٨٥) و(٩٨٦).
(٣) المحرر الوجيز ٥٣٨/٣.

٣٦٦
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
ذكر ابنُ أبي خَيْئَمة في كتاب ((البدء)) له خالدَ بنَ سِنان العبسيَّ، وذكر نبوَّته، وذكر
أنَّه وُكِّلَ به من الملائكة مالكٌ خازن النار، وكان من أعلام نبوَّته أنَّ ناراً يقال لها : نار
الحدثان، كانت تخرج على الناس من مغارةٍ فتأكلُ الناسَ ولا يستطيعون ردَّها، فردَها
خالدُ بن سنان فلم تَخرُج بعد(١).
واختلف في اسم ذي القرنين، وفي السبب الذي سُمِّيَ به بذلك اختلافاً كثيراً:
فأمَّا اسمه فقيل: هو الإسكندر الملِك اليوناني المقدوني، وقد تُشدَّد قافُه فيقال:
المقدوني(٢). وقيل: اسمه هرمس. ويقال: اسمه هرديس. وقال ابن هشام: هو
الصعب بنُ ذي يزن الحميريُّ من ولد وائل بنٍ حمير (٣)، وقد تقدَّم قولُ ابنِ إسحاق.
وقال وهب بن منّبِّه: هو روميٍّ. وذكر الطبريُّ حديثاً عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنَّ
ذا القرنين شابٌّ من الروم. وهو حديثٌ واهي السَّند، قاله ابن عطيّة(٤). قال
السُّهيليُّ(٥): والظاهر من عِلْم الأخبار أنَّهما اثنان: أحدهما: كان على عهد إبراهيمَ
عليه السلام، ويقال: إنَّه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر
السبع بالشام. والآخر: أنَّه كان قريباً من عهد عيسى عليه السلام. وقيل: إنَّه أفريدون
الذي قتل بيوراسب بن أروانداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام، أو
قبله بزمان.
وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به، فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شَعَر
فسمِّي بهما، ذكره الثعلبيُّ وغيره(٦). والضفائر: قرون الرأس، ومنه قول الشاعر(٧):
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٩٨/١١ (١١٧٩٣)، والحاكم في المستدرك ٥٩٩/٢ - ٦٠٠ عن ابن
عباس، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٢) المحرر الوجيز ٥٣٨/٣.
(٣) التعريف والإعلام ص١٠٨، وفيه: من ولد واثل بن حمیر.
(٤) في المحرر الوجيز ٥٣٨/٣، والخبر عند الطبري ٣٩٠/١٥ .
(٥) في التعريف والإعلام ص ١٠٨، وجاء فيه: بيوراسف بن أندراسف.
(٦) المحرر الوجيز ٥٣٨/٣، وعرائس المجالس ص ٣٦٢.
(٧) القائل عمر بن أبي ربيعة، والبيت في ديوانه ص ٤٣ .

٣٦٧
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْد ماءِ الحَشْرَجِ
فَلَثَمْتُ فَاهَا آخذاً بِقُرُونِها
وقيل : إنَّه رأى في أوَّل ملكه كأنَّه قابضٌ على قرني الشمس، فقصَّ ذلك، ففسِّر
أنَّه سيغلِب ما ذرت عليه الشمسُ، فسمِّي بذلك ذا القرنين. وقيل: إنَّما سُمِّيَ بذلك؛
لأنَّه بلغ المغربَ والمشرقَ، فكأنَّه حاز قرني الدنيا. وقالت طائفة: إنَّه لما بلغ مطلعَ
الشمس كشف بالرؤية قرونَها، فسمِّي بذلك ذا القرنين، أو قرني الشيطان بها. وقال
وهب بن منِّه: كان له قرنان تحت عمامته(١).
وسأل ابنُ الكَوَّاء علياً ﴾ عن ذي القرنين أنبيًّا كان أم ملِكاً؟ فقال: لاذا ولاذا،
كان عبداً صالحاً، دعا قومه إلى الله تعالى، فشجُّوه على قرنه، ثم دعاهم، فشجُوه
على قرنه الآخرَ، فسمِّي ذا القرنين(٢).
واختلفوا أيضاً في وقت زمانه، فقال قوم: كان بعد موسى. وقال قوم: كان في
الفَتْرة بعد عيسى. وقيل: كان في وقتٍ إبراهيم وإسماعيل، وكان الخضر عليه السلام
صاحبَ لوائه الأعظم، وقد ذكرناه في ((البقرة))(٣). وبالجملة فإنَّ اللهَ تعالى مكَّنه
وملَّكه ودانت له الملوك، فرُوي أنَّ جميعَ ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وکافران،
فالمؤمنان: سليمان بن داود وإسكندر، والكافران: نمروذ وبختنصر(٤)، وسيملكها
من هذه الأمة خامسٌ؛ لقوله تعالى: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ﴾ وهو المهديُّ. وقد
قيل: إنَّما سُمِّيَ ذا القرنين؛ لأنَّه كان كريمَ الطرفين من أهل بيت شريف من قِبَل أبيه
وأمِّه. وقيل: لأنَّه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حيٍّ. وقيل: لأنَّه كان إذا قاتل
قاتل بيديه وركابيه جميعاً. وقيل: لأنَّه أُعطيَ عِلْم الظاهر والباطن. وقيل: لأنَّه دخل
الظلمة والنور. وقيل: لأنَّه مَلك فارس والروم(٥).
(١) المحرر الوجيز ٥٣٨/٣.
(٢) أخرجه الطبري ١٥/ ٣٧٠، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧٠) بنحوه.
(٣) ٢٩٥/٤ - ٢٩٦.
(٤) المحرر الوجيز ٥٣٨/٣، وذكر الخبر أبو الليث في التفسير ٣١٠/٢ ونسبه إلى مجاهد.
(٥) عرائس المجالس ص ٣٦٢ -٣٦٣، وزاد المسير ١٨٣/٥ - ١٨٤.

٣٦٨
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال عليٍّ ﴾: سخّر له السحاب، ومُدَّت له
الأسباب، وبُسط له في النور، فكان الليلُ والنهارُ عليه سواء(١). وفي حديث عقبة بنِ
عامر أنَّ النبيَّ ﴾ قال لرجال من أهل الكتاب سألوه عن ذي القرنين فقال: ((إنَّ أوَّلَ
أمره كان غلاماً من الروم فأُعطي ملكاً، فسار حتى أتى أرضَ مصر فابتنى بها مدينة
يقال لها: الإسكندرية، فلما فرغ أتاه مَلَك فعرج به فقال له: انظر ما تحتك؟ قال:
أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها. فقال له الملك: تلك الأرض كلُّها وهذا السواد
الذي تراه محيطاً بها هو البحر، وإنَّما أراد اللهُ تعالى أن يُريَك الأرضَ، وقد جعل
لك سلطاناً فيها، فَسِرْ في الأرض فعلِّم الجاهلَ وثبّت العالم)) الحديث(٢).
قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبًا﴾ قال ابن عباس: من كلِّ شيء علماً يتسبَّب
به إلى ما يريد. وقال الحسن: بلاغاً إلى حيث أراد(٣). وقيل: من كل شيء يحتاج إليه
الخَلْقِ. وقيل: من كلِّ شيء يستعين به الملوك، من فَتْح المدائن وقهر الأعداء(٤).
وأصل السبب: الحبل، فاستعير لكلِّ ما يتوصَّل به إلى شيء(٥).
﴿فَعَ سَبِيبًا﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ((فَأَتْبَعَ سَبَباً)» مقطوعة
الألف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو: ((فَاتَّبَعَ سَبَباً)) بوَصْلها(٦)، أي: اتَّبع سبباً من
الأسباب التي أوتيها. قال الأخفش: تَبعته وأَتبعته بمعنى، مثل ردِفته وأَردفته(٧)، ومنه
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْتَعَهُم ◌ِشِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ومنه الإتباع في
(١) الوسيط ١٦٤/٣، وتفسير البغوي ١٧٨/٣، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٦٩).
(٢) أخرجه الطبري ٣٦٨/١٥ - ٣٦٩، وأبو الشيخ في العظمة (٩٧٦)، والبيهقي في دلائل النبوة ٢٩٥/٦
- ٢٩٦
(٣) تفسير البغوي ١٧٨/٣، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٣٧١/١٥.
(٤) النكت والعيون ٣٣٨/٣ .
(٥) تفسير الرازي ١٦٥/٢١ .
(٦) السبعة ص٣٩٧ - ٣٩٨، والتيسير ص ١٤٥.
(٧) الصحاح (تبع).

٣٦٩
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
الكلام، مثل حَسَنٌ بَسَنٌ، وقَبِيح شَقِيح. قال النخَّاس(١): واختار أبو عبيد قراءةَ أهلِ
الكوفة قال: لأنَّها من السَّيْر، وحكى هو والأَضْمَعيُّ أنَّه يقال: تَبِعه واتَّبعه، إذا سار
ولم يلحقه، وأتبعه إذا لحقه، قال أبو عبيد: ومثله: ﴿فَأَتْبَعُهُمْ مُشْرِفِينَ﴾
[الشعراء: ٦٠]. قال النخَّاس(٢): وهذا التفريق وإن كان الأصمعي قد حكاه، لا يُقبَل
إلا بعلَّة أو دليل. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَتْبَعُهُمْ تُشْرِقِينَ﴾ ليس في الحديث أنَّهم
لحقوهم، وإنَّما الحديث: لما خرج موسى عليه السلام وأصحابه من البحر، وحصَّل
فرعونَ وأصحابَه، انطبق عليهم البحرُ. والحقُّ في هذا أن تبعَ واتَّبع وأَتبع لغات بمعنى
واحد، وهي بمعنى السَّيْر، فقد يجوز أن يكون معه لَحَاق، وألَّا يكون.
﴿حَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة
والكسائي: ((حامِيةٍ)) أي: حارَّة. الباقون: ﴿حَمِئَةٍ﴾ أي: كثيرة الحمأة، وهي الطينة
السوداء(٣)، تقول: حَمَأْتُ البئرَ حَمْأً - بالتسكين - إذا نزعت حَمْأَتها. وحَمِئت البئرُ
حَمَأَ - بالتحريك - كثرت حَمْأَتها. ويجوز أن تكون: ((حامِيةٍ)) من الحمأة، فخفّفت
الهمزة وقُلبت ياء. وقد يُجمَع بين القراءتين فيقال: كانت حارَّة وذات حَمْأة (٤). وقال
عبد الله بنُ عمرو: نظر النبيُّ:﴿ إلى الشمس حيث غَربت، فقال: ((نارُ اللهِ الحاميةُ،
لولا ما يَزَعُها من أَمْرِ الله لأَحرقت ما على الأرض))(٥). وقال ابن عباس: أَقْرَأَنِيْها
أُبَيِّ كما أَقرأَه رسولُ اللـه لَ﴾: ((في عين حَمِثَة)) (٦)، وقال معاوية: هي ((حامية))، فقال
عبد الله بنُ عمرو بن العاص: فأَنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعباً بينهم حَكَماً
(١) في إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠ .
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠.
(٣) السبعة ص٣٩٨، والتيسير ص ١٤٥، وحجة القراءات ١٦٩/٥ - ١٧٠ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣٠٨/٣ .
(٥) أخرجه أحمد (٦٩٣٤)، والطبري ٣٧٨/١٥، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣١/٨: رواه أحمد،
وفيه راوٍ لم يسمَّ، وبقية رجاله ثقات.
(٦) أخرجه أبو داود (٣٩٨٦)، والترمذي (٢٩٣٤)، والطبري ٣٧٨/١٥ .

٣٧٠
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
وقالوا: يا كعبُ كيف تَجِدُ هذا في التوراة؟ فقال: أَجدها: تغرب في عين سوداء،
فوافق ابنَ عباس(١). وقال الشاعر وهو تُبَّع اليمانيُّ:
مَلِكاً تدينُ له الملوك وتَسْجُدُ
قد كان ذو القرنين قبلي مُسْلِماً
أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرْشِدٍ
بَلَغَ المغاربَ والمشارقَ يَبتغِي
في عين ذِي خُلُبٍ وَثَأُطِ حِرْمَدِ
فرأى مغِيبَ الشَّمسِ عند غروبِها
الخُلُب: الطين. والثّأُط: الحمأة. والحِرْمِد: الأسود(٢).
وقال القفَّال: قال بعض العلماء: ليس المراد أنَّه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً
حتى وصل إلى جِرْمها ومسَّها؛ لأنَّها تدور مع السماء حولَ الأرض من غير أن تلتصقَ
بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عينٍ من عيون الأرض، بل هي أكبر من
الأرض أضعافاً مضاعفةً، بل المراد أنَّه انتهى إلى آخِر العمارة من جهة المغرب ومن
جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عينٍ حمئة، كما أنَّا نشاهدها في
الأرض الملساء كأنَّها تدخل في الأرض، ولهذا قال: ((وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمِ لَمْ
نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً)) ولم يُرد أنَّها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد
أنَّهم أولُ من تطلع عليهم.
وقال القتبيُّ: ويجوز أن تكون هذه العينُ من البحر، ويجوز أن تكون الشمس
تغيب وراءَها أو معها أو عندها، فيقام حرفُ الصفة مقامَ صاحبه، والله أعلم.
﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا﴾ أي: عند العين، أو عند نهاية العين، وهم أهل جَابَرْس،
ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، يسكنها قومٌ من نسلٍ ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح،
ذكره السُھیليّ(٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤١١/١، والطبري ٣٧٥/١٥، والواحدي في الوسيط ١٦٤/٣ - ١٦٥،
والثعلبي في عرائس المجالس ص٣٦٦ .
(٢) غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٧٠، ومعاني القرآن للنحاس ٢٨٧/٤، وعرائس المجالس ص٣٦٦.
(٣) في التعريف والإعلام ص١٠٨.

٣٧١
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
وقال وهب بن منبِّه: كان ذو القرنين رجلاً من الروم، ابن عجوز من عجائزهم
ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله
تعالى: يا ذا القرنين! إنِّي باعثك إلى أمم الأرض وهم أُمم مختلفةٌ ألسنتهم، وهم أُمم
جميع الأرض، وهم أصناف: أُمَّتان بينهما طول الأرض كله، وأُمَّتان بينهما عَرْض
الأرض كلّه، وأُمم في وسط الأرض منهم الجنُّ والإنسُ ويأجوج ومأجوج، فأمَّا
اللتان بينهما طولُ الأرض فأمَّة عند مغرب الشمس يقال لها: ناسك، وأمَّا الأُخرى
فعند مطلعها ويقال لها: منسك. وأمَّا اللتان بينهما عَرْض الأرض، فأمَّة في قطر
الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، وأمَّا الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال
لها: تاويل. فقال ذو القرنين: إلهي! قد ندبتني لأمرٍ عظيم لا يَقدر قَدْره إلا أنت،
فأخبرني عن هذه الأُمم بأي قوَّة أُكاثرهم؟ وبأي صبر أُقاسيهم؟ وبأي لسان أُناطقهم؟
فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوَّة؟ فقال الله تعالى: سأظفرك(١) بما حملتك،
أَشرحُ لك صدرَك فتسمع كلَّ شيء، وأثبت لك فهمَك فتفقه كلَّ شيء، وأُلبسك الهيبةَ
فلا يروعك شيء، وأُسخّر لك النور والظلمة فيكونان جنداً من جنودك، يهديك النورُ
من أمامك، وتحفظك الظلمةُ من ورائك.
فلما قيل له ذلك، سار بمن اتَّبعه، فانطلق إلى الأمَّة التي عند مغرب الشمس؛
لأنَّها كانت أقربَ الأمم منه وهي ناسك، فوجد جموعاً لا يحصيها إلا الله تعالى،
وقوَّة وبأساً لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأهواءً مُتشتِّتة، فكاثرهم بالظّلمة،
فضرب حولهم ثلاثَ عساكر من جند الظلمة قَدْر ما أحاط بهم من كلِّ مكان، حتى
جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليه بالنور، فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته،
فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر وصدَّ عنه، فأدخل على الذين تَولَّوا الظلمةَ،
فغشيتهم من كلِّ مكان، فدخلت إلى أفواههم وأنوفِهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من
كلِّ مكان، فتحيَّروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا، فعجُّوا(٢) إلى الله تعالى بصوت
(١) في عرائس المجالس ص٣٦٥: سأطوقك. والكلام منه.
(٢) في عرائس المجالس ص٣٦٦ : ضجوا. والكلام منه.

٣٧٢
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
واحد: إنَّا آمنا، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوةً، ودخلوا في دعوته، فجنَّد من أهل
المغرب أمماً عظيمة، فجعلهم جنداً واحداً، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم
وتحرسه مِن خلفه، والنور أمامَهم يقودُه ويدلُّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى
يريد الأمَّةَ التي في قطر الأرض الأيمن وهي هاويل، وسخّر الله تعالى يدَه وقلبه
وعقله ونظره فلا يُخطئ إذا عمل عملاً، فإذا أتوا مخاضة أو بحراً، بنى سفناً من
ألواح صغار مثل النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميعَ من معه من تلك
الأُمم، فإذا قطعَ البحار والأنهار، فتَقَها ودفع إلى كلِّ رجل لوحاً، فلا يكترث
بحمله، فانتهى إلى هاويل وفَعل بهم كفعله بناسك فآمنوا، ففرغ منهم، وأَخذ
جيوشَهم وانطلق إلى ناحية الأرض الأُخرى حتى انتهى إلى منسك عند مَظْلع
الشمس، فعمل فيها وجنَّد منها جنوداً كفعله في الأُولى، ثم كَرَّ مقبلاً حتى أخذ ناحيةً
الأرض اليسرى يريد تاويل، وهي الأمَّة التي تقابل هاويل بينهما عَرْض الأرض،
ففعل فيها كفعله فيما قبلها.
ثم عطَف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنِّ والإنس ويأجوج ومأجوج،
فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع التُّرك من المشرق، قالت له أمَّة صالحة من
الإنس: يا ذا القرنين! إنَّ بين هذين الجبلين خَلْقاً من خلق الله تعالى كثيراً ليس لهم
عدد، وليس فيهم مشابهة من الإنس، وهم أَشباه البهائم، يأكلون العشبَ، ويفترسون
الدوابَّ والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون حشراتِ الأرض كلها من الحيَّات
والعقارب والوزغ وكلِّ ذي روح مما خَلَق الله تعالى في الأرض، وليس لله تعالى
خَلْق ينمو نماءَهم في العام الواحد، فإن طالت المدَّة فسيملؤون الأرضَ، ويُجلون
أهلها، فهل نجعل لك خَرْجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ وذكر الحديث(١)،
وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوعٌ منهم ما فيه كفاية.
(١) عرائس المجالس ص٣٦٤ - ٣٦٨، وأخرجه الطبري ٣٩٠/١٥ - ٣٩٨، وأبو الشيخ في العظمة
(٩٧٣).

٣٧٣
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ﴾ قال القشيريُّ أبو نصر: إن كان نبيًّا فهو وحيٍّ،
وإن لم يكن نبيًّا فهو إلهام من الله تعالى.
﴿إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَنْ نَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ قال إبراهيم بن السريّ(١): خَيَّره بين هذين،
كما خَيَّر محمَّداً ﴿ فقال: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]
ونحوه.
وقال أبو إسحاق الزجَّاج: المعنى أنَّ اللهَ تعالى خيَّره بين هذين الحكمين.
قال النخَّاس (٢): وردَّ عليُّ بنُ سليمان عليه قولَه؛ لأنَّه لم يصحَّ أنَّ ذا القرنين نبيٍّ
فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربِّه عزَّ وجلَّ: «ثم يُردُّ إلى ربِّه))؟ وكيف يقول: ((فسوف
نعذِّبه)) فيخاطب بالنون؟ قال: التقدير: قلنا يا محمَّد، قالوا: يا ذا القرنين. قال أبو
جعفر النخَّاس: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيءٌ. أمَّا قوله: ((قلنا يا ذا
القرنين)) فيجوز أن يكون الله عزَّ وجلَّ خاطبه على لسان نبيٍّ في وقته، ويجوز أن
يكون قال له هذا كما قال النبيِّه: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءٌ﴾ [محمد: ٤]، وأمَّا إشكال:
((فسوف نعذِّبه ثم يردُّ إلى ربِّهِ)) فإنَّ تقديرَه أنَّ الله تعالى لما خَيَّره بين القَتْل في قوله:
((إمَّا أَنْ تُعَذِّبَ)) وبين الاستبقاء في قوله جلَّ وعزَّ: ((وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)) قال
لأولئك القوم: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: أقام على الكُفْر منكم: ﴿فَوْفَ تُعَذِّبُهُ﴾ أي:
بالقتل ﴿ ثُمَّ يُدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَيُعَذِّبُ عَذَابًا تُكْرًا﴾ أي: شديداً في جهنم
﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ أي: تاب من الكفر ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ قال أحمد بن يحيى: ((أن)) في
موضع نصب في ((إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً)) قال: ولو رُفعت كان
صواباً، بمعنى: فإمَّا هو، كما قال:
فِيْرا فإمَّا حاجةٌ تقضيانها
وإما مقيلٌ صالحٌ وصديقُ(٣)
(١) وهو أبو إسحاق الزجاج، وكلامه في معاني القرآن ٣٠٩/٣، وما بعده منه.
(٢) في إعراب القرآن ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٧١/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٥٨/٢، وتفسير الطبري ١٠٩/١٦،
والتدوين في أخبار قزوين ٤١٦/٢ .

٣٧٤
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
﴿فَلَمُ جَزَّآءَ الْحُسْنَى﴾ قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم: ((فَلَهُ جَزاءُ الْحُسْنَى))
بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار. و((الحسنى)) في موضع خفض بالإضافة، ويحذف
التنوين للإضافة(١)، أي: له جزاء الحسنى عند الله تعالى في الآخرة وفي الجنة،
فأَضاف الجزاءَ إلى الجنَّة، كقوله: ﴿حَُّّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾
[يوسف: ١٠٩]، قاله الفرَّاء(٢). ويحتمل أن يريد: بـ ((الحسنى)) الأعمال الصالحة.
ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين، أي: أُعطيه وأتفضَّل عليه.
ويجوز أن يحذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين، ويكون ((الحسنى)) في موضع رفع
على البدل عند البصريين، وعلى الترجمة عند الكوفيين، وعلى هذا قراءة ابنٍ أبي
إسحاق: ((فَلَهُ جَزَاءٌ الْحُسْنَى)) إلا أنَّك لم تحذف التنوين، وهو أجود. وقرأ سائر
الكوفيين: ((فَلَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى)) منصوباً منوَّناً، أي: فله الحسنى جزاءً. قال الفرَّاء:
((جزاءً)) منصوب على التمييز. وقيل: على المصدر، وقال الزجَّاج: هو مصدر في
موضع الحال، أي: مجزياً بها جزاء(٣).
وقرأ ابنُ عباس ومسروق: ((فَلَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى)) منصوباً غيرَ منوَّن. وهي عند أبي
حاتم على حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين، مثل ((فَلَهُ جَزَاءُ الْحُسْنَى)) في أحد
الوجهين. النَّاس(٤): وهذا عند غيره خطأ؛ لأنه ليس موضعَ حذف تنوين؛ لالتقاء
الساكنين، ويكون تقديره: فله الثواب جزاءً الحسنى.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبِيًّا﴾ تقدَّم معناه أنَّ أتبع واتَّبع بمعنَى، أي: سلك طريقاً
ومنازل. ﴿حَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ وقرأ مجاهد وابن محيصن: بفتح الميم
(١) السبعة ص٣٩٨، والتيسير ص١٤٥، وإعراب القرآن للنحاس ٤٧١/٢.
(٢) في معاني القرآن ١٥٩/٢ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٧١/٢، وكلام الفراء في معاني القرآن ١٥٩/٢، وكلام الزجَّاج في معاني
القرآن ٣٠٩/٣ .
(٤) في إعراب القرآن ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢، وما قبله منه.

٣٧٥
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
واللام(١)، يقال: طَلَعت الشمسُ والكواكب طُلوعاً ومَظْلَعاً. والمطلَع والمطلِع أيضاً:
موضع طلوعها، قاله الجوهريُّ(٢). المعنى أنَّه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم
وبين مطلع الشمس أحدٌ من الناس، والشمس تَطلعُ وراءَ ذلك بمسافة بعيدة، فهذا
معنى قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُحُ عَلَى قَوْمٍ﴾.
وقد اختلف فيهم، فعن وهب بن منبِّه ما تقدَّم، وأنَّها أُمَّةٌ يقال لها: منسك، وهي
مقابلة ناسك، وقاله مقاتل. وقال قتادة: يقال لها: الزنج(٣). وقال الكلبيُّ: هم تارس
وهاويل ومنسك، حفاة عراة عماة عن الحقِّ(٤)، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون
تهارج الحمر.
وقيل: هم أهل جَابَلْق، وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم
بالسريانية: مرقيسا. والذين عند مغرب الشمس هم أهل جَابَرْس، ولكلِّ واحدة من
المدينتين عشرة آلاف باب، بين كلِّ بابين فرسخ، ووراء جَابَلْق أُمم، وهم: تافيل
وتارس، وهم يجاورون يأجوج ومأجوج. وأهل جَابَرْس وجَابَلْق آمنوا بالنبيِّ عليه
الصلاة والسلام، مرَّ بهم ليلةَ الإسراء، فدعاهم فأجابوه، ودعا الأمم الآخَرين فلم
يجيبوه، ذكره السهيليُّ(٥) وقال: اختصرت هذا كلَّه من حديثٍ طويل رواه مقاتل بنُ
حيَّان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيِّ﴾. ورواه الطبريُّ مسنداً إلى مقاتل
یرفعه، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ أي: حجاباً يَستترون منها عند طلوعها.
قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، كانوا في مكان لا يستقرُّ عليه بناء، وهم
(١) الكشاف ٤٩٨/٢، وزاد المسير ١٨٧/٥، والبحر المحيط ١٦١/٦.
(٢) في الصحاح (طلع).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤١٢/١، والطبري ٣٨٣/١٥.
(٤) عرائس المجالس ص٣٦٧، والوسيط ١٦٥/٣ .
(٥) في التعريف والإعلام ص١٠٩، والخبر أخرجه الطبري في تاريخه ٦٥/١ - ٧٥ .

٣٧٦
سورة الكهف: الآيات ٨٣ - ٩١
يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم
وحروثِهم(١)، يعني: لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنُّهم منها.
وقال أميَّة: وجدتُ رجالاً بسمرقند يحدِّثون الناسَ، فقال بعضهم: خرجتُ حتى
جاوزتُ الصينَ، فقيل لي: إنَّ بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرتُ رجلاً يرينيهم
حتى صبَّحتهم، فوجدتُ أحدَهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، وكان صاحبي
يُحسِن كلامَهم، فبتنا بهم، فقالوا: فيمَ جئتم؟ قلنا: جئنا ننظر كيف تَطلعُ الشمس،
فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصَّلصلة، فغشيَ عليَّ، ثم أفقتُ وهم يمسحونني
بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت، وإذا طرف
السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سرباً لهم، فلما ارتفع النهار وزالت
الشمس عن رؤوسهم، خرجوا يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس فينضج(٢).
وقال ابنُ جريج: جاءهم جيش مرَّة، فقال لهم أهلُها: لا تطلع الشمس وأنتم
بها، فقالوا: ما نبرحُ حتى تَطلُع الشمس. ثم قالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه والله
عظام جيشٍ طلعت عليهم الشمس هاهنا، فماتوا. قال: فولّوا هاربين في الأرض(٣).
وقال الحسن: كانت أرضُهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء،
فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعَون كما
تتراعى البهائم(٤).
قلت: وهذه الأقوال تدلُّ على أن لا مدينة هناك، والله أعلم. وربما يكون منهم
من يدخل في النهر، ومنهم من يدخل في السّرب، فلا تناقضَ بين قولِ الحسن وقتادة.
(١) أخرجه الطبري ٣٨٢/١٥ .
(٢) عرائس المجالس ص ٣٦٧ .
(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣ .
(٤) أخرجه الطبري ٣٨٢/١٥، وأبو الشيخ في العظمة (٩٨٠).

٣٧٧
سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨
حََّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا
٩٢
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا.
لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ فَوْلًا (١٣) قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِىِ الْأَرْضِ فَهَلْ
تَجْعَلُ لَكَ خَرِّمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَهُمْ سَنَّا ﴿ قَالَ مَا مَكَّتِى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِى
بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (® ◌َتُوِ زُبَرَ الحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ
أَنفُخُواْ حَقّقَ إِذَا جَعَلَهُ نَارً قَالَ مَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٨ فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا أُسَتَطَّعُواْ لَهُ نَقْبًا (١٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَلَّ وَعَدُ رَبِي جَعَلَهُ دَكَةَ وَكَانَ وَعْدُ
رَّ حَقًّا
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا حَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّيْنِ﴾ وهما جبلان من قبل أَرمينيَّة
وأَذْرَبِيجان. روى عطاء الخراساني عن ابنِ عباس: ((بين السدين)): الجبلين: أرمينيَّة
وأَذْرَ بِيجان(١). ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ أي: من ورائهما: ﴿قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلَا﴾
وقرأ حمزة والكسائي: ((يُفْقِهُونَ)) بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أَفقه: إذا أَبان، أي:
لا يُفقِهون غيرَهم كلاماً. الباقون: بفتح الياء والقاف، أي: يَعلمون(٢). والقراءتان
صحيحتان، فلا هم يفقهون من غيرهم ولا يُفقِهون غیرَهم.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَذَا الْقَرَّيْنِ﴾ أي: قالت له أُمَّة من الإنس صالحة: ﴿إِنَّ بَأْجُوَجَ
وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾. قال الأخفش(٣): من همز ((يأجوج)) فجعل الأَلِفين من
الأصل يقول: يأجوج: يَفْعول، ومأجوج: مَفْعول؛ كأنَّه من أَجيج النار. قال: ومن
لا يهمز، ويجعل الأَلِفين زائدتين يقول: ((ياجوج) من يَجَجت، وماجوج من مَجَجت.
وهما غير مصروفين، قال رؤبة:
لو أن ياجوجَ وماجوجَ مَعَا وَعَادَ عادٌ واستجاشوا تُبَّعَا
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٩٣/٤، وأخرجه الطبري ٣٨٧/١٥.
(٢) السبعة ص٣٩٩، والتيسير ص ١٤٥، والطبري ٣٨٧/١٥.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٦٢١ .

٣٧٨
سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨
2(١)
.
ذكره الجوهري
وقيل: إنَّما لم ينصرفا؛ لأنَّهما اسمان أعجميَّان، مثل: طالوت وجالوت، غير
مشتقين، علَّتاهما في مَنْعِ الصَّرْف: العُجمة والتعريف والتأنيث. وقالت فرقةٌ: هو
معرَّب، من أَجَّ وَأَجَّجَ، علَّتاه في مَنْعِ الصَّرْف: التعريفُ والتأنيث(٢).
وقال أبو عليٍّ(٣): يجوز أن يكونا عربيًّين، فمن همز ((يأجوج)) فهو على وزن
يَفْعُول، مثل يَربوع، من قولك: أَجَّت النارُ، أي: ضويت، ومنه: الأَجيج، ومنه:
ملح أجاج، ومن لم يهمز، أمكن أن يكون خفّف الهمزة، فقلبها ألفاً، مثل راس،
وأما ((مأجوج)) فهو مَفْعول، من أَجَّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق، ومن
لم يَهمز، فيجوز أن يكون خفَّف الهمزة، ويجوز أن يكون فاعولاً مِن مَجَّ، وترك
الصرف فيهما؛ للتأنيث والتعريف، كأنَّه اسم للقبيلة.
واختلف في إفسادهم: سعيد بن عبد العزيز: إفسادُهم أَكْل بني آدم. وقالت فرقة:
إفسادهم إنَّما كان متوقَّعاً، أي: سيفسدون، فطلبوا وجه التحرُّز منهم. وقالت فرقة:
إفسادهم هو الظّلْم والغَشْم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر(٤)،
والله أعلم.
وقد وردت أخبار بصفتهم وخروجهم وأنَّهم ولد يافث. روى أبو هريرة عن
النبيِّ ﴾ قال: ((وُلد لنوح سامٌ وحامٌ ويافثُ، فولد سامٌ العربَ وفارسَ والرومَ،
والخير فيهم، وولد يافتٌ يأجوج ومأجوجَ والتركَ والصقالبةَ، ولا خيرَ فيهم، وولد
حامِ القبطَ والبربر والسودان))(٥).
(١) في الصحاح (أجج)، والبيت في ديوان رؤبة ص٩٢، ورواية الشطر الأول هكذا:
والناس أحلافاً علينا شيعا
(٢) المحرر الوجيز ٥٤٢/٣ .
(٣) في الحجة ١٧٣/٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٤٢/٣، والغَشْم: الظلم والغصب. لسان العرب (غشم).
(٥) أخرجه البزار (٢١٨ كشف الأستار) وقال في إثره: لا نعلم أسنده عن النبي # إلا أبو هريرة بهذا =

سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨
٣٧٩
وقال كعب الأحبار: احتلم آدم عليه السلام، فاختلط ماؤه بالتراب، فأَسِفَ،
فخلقوا من ذلك الماء، فهم متَّصلون بنا من جهة الأب لا من جهة الأمّ(١). وهذا فيه
نظرٌ؛ لأنَّ الأنبياءَ - صلوات الله عليهم - لا يحتلمون(٢)، وإنَّما هم من ولد يافث،
وكذلك قال مقاتل وغيره(٣).
وروى أبو سعيد الخدريُّ عن النبيِّ ﴿ أنَّه قال: ((لا يموت رجل منهم حتى يُولَد
الصلبه ألفُ رجل)) (٤). يعني: يأجوج ومأجوج.
وقال أبو سعيد: هم خمس وعشرون قبيلةً من وراء يأجوج ومأجوج، لا يموت
الرجل من هؤلاء ومن يأجوج ومأجوج حتى يَخرُج من صلبه ألفُ رجل، ذكره
القشيريُّ.
وقال عبد الله بن مسعود: سَألتُ النبيَّ# عن يأجوج ومأجوج، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((يأجوج ومأجوج أُمَّتان، كلُّ أمَّة أربع مئة ألف أمة(٥)، كلُّ أمَّة لا
يَعلم عددَها إلا اللهُ، لا يموت الرجل منهم حتى يُولَد له ألفُ ذَكَر من صُلْبه، كلُّهم قد
حمل السلاح)) قيل: يا رسولَ اللهَ صِفْهم لنا. قال: ((هم ثلاثةُ أصناف، صِنْف منهم
أَمثال الأَرْز - شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومئة ذراع - وصِنْف عرضه وطوله
= الإسناد، تفرد به يزيد بن سنان، وتفرد به ابنه عنه، ورواه غيره مرسلاً، وإنما جعله من قول سعيد. اهـ
وأخرجه أحمد في العلل ٣٥/٣، وابن سعد في الطبقات ٤٢/١ - ٤٣، والحاكم في المستدرك
٤٦٣/٤ من قول سعيد بن المسيب.
(١) الوسيط ١٦٧/٣، وتفسير البغوي ٣/ ١٨١، والتذكرة ص٦٩٦ .
(٢) أخرج الطبراني في الكبير ٢٢٥/١١ (١١٥٦٤) وفي الأوسط (٨٠٥٨)، عن ابن عباس قال: ما احتلم
نبي قط، إنما الاحتلام من الشيطان. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٦٧/١ : رواه الطبراني في الكبير
والأوسط، وفيه عبد العزيز بن أبي ثابت، وهو مجمع على ضعفه.
وأخرجه ابن عدي في الكامل ٩٥٩/٣ عن ابن عباس مرفوعاً.
(٣) التذكرة ص٦٩٦ .
(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٠٠ .
(٥) ليست في (د) و(ز).
:

٣٨٠
سورة الكهف: الآيات ٩٢ - ٩٨
سواء، نحواً من الذراع، وصِنْف يفترش أُذُنه ويَلتحف بالأُخرى، لا يمرُّون بفيل ولا
وحش ولا خنزير إلا أَكلوه، ويأكلون من مات منهم، مُقدِّمتهم بالشام وساقتهم
بخراسان، يَشربون أنهارَ الشرق وبحيرة طبريَّة، فيمنعهم الله من مكَّة والمدينة وبيت
المقدس))(١).
وقال عليٍّ ﴾: وصِنْف منهم في طول شِبْر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي
الحَمام، وتسافد البهائم، وعُواء الذّئاب، وشعور تَقِيْهم الحرَّ والبرد، وآذان عِظام،
إحداها وَبرة يشتون فيها، والأُخرى جلدة يصيفون فيها(٢)، يحفرون السَّدَّ حتى كادوا
ينقبونه، فيُعيده الله كما كان، فيقولون: ننقبه غداً إن شاء الله تعالى، فينقبونه
ويَخرجون، ويتحصَّن الناس بالحصون، فَيَرمون إلى السماء فيُردُّ السهم عليهم ملطّخاً
بالدم، ثم يُهلكهم الله تعالى بالنَّغَف(٣) في رقابهم. ذكره الغزنويُّ.
وقال عليٍّ عن النبيِّ﴾: ((يأجوج أُمَّة لها أربع مئة أمير، وكذا مأجوج لا يَموت
أحدُهم حتى يَنظُر إلى ألف فارس من ولده))(٤).
قلت: وقد جاء مرفوعاً من حديث أبي هريرة، خرَّجه ابن ماجه في ((السنن)) قال:
قال رسول الله ﴾: ((إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يَحفرون كلَّ يوم، حتى إذا كادوا يَرَوْنَ شعاعَ
الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيُعيده اللهُ أشدَّ ما كان، حتى
إذا بلغت مُدَّتهم، وأراد الله تعالى أن يَبعثهم على الناس، حفَروا، حتى إذا كادوا
يَرَوْنَ شعاعَ الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله تعالى، فاستثنوا،
فَيَعودون إليه وهو كهيئتِه حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيَنْشِفون الماء،
(١) أخرجه الطبري ٤٠٠/١٥ - ٤٠١ موقوفاً مختصراً، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٣٨٦٧) عن
حذيفة بن اليمان . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/٨: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن
سعيد العطار، وهو ضعيف.
(٢) التذكرة ص ٦٩٦ .
(٣) النَّغَف: دود يكون في أنوف البعير والغنم. النهاية (نغف).
(٤) التذكرة ص ٦٩٤ .