النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
الجدار، والصخرةُ العظيمةُ المشرفة من الجبل، وطَرابيلُ الشام صوامعُها. ويقال:
طَرْبَل بَوْلَه إذا مدَّه إلى فوق(١) ..
التاسعة: كرامات الأولياءِ ثابتة على ما دلَّت عليه الأخبارُ الثابتة، والآياتُ
المتواترة، ولا يُنكِرِها إلا المبتدعُ الجاحد، أو الفاسقُ الحائد، فالآياتُ ما أخبرَ الله
تعالى في حقِّ مريم من ظهورِ الفواكهِ الشَّتويةِ في الصيف، والصَّيفيةِ في الشتاء - على
ما تقدم - وما ظهر على يدِها حيثُ أَمرتِ النخلةَ وكانت يابسةً فأثمرت، وهي ليست
بنبيَّة، على الخلاف. ويدلُّ عليها ما ظهرَ على يد الخضرِ عليه السلام من خرقٍ
السفينة، وقتلِ الغلام، وإقامةِ الجدار. قال بعضُ العلماء: ولا يجوزُ أن يقالَ: كان
نبيًّا؛ لأنَّ إثباتَ النبوةِ لا يجوز بأخبارِ الآحادِ، لا سيَّما وقد رُوي من طريقِ التواتر
- من غيرِ أن يحتملَ تأويلاً - بإجماع الأمةِ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا نبيَّ
بعدي))(٢). وقال تعالى: ﴿وَخَتَمَ النَّبِئِنُّ﴾ [الأحزاب: ٤٠] والخضرُ وإلياس(٣) جميعاً
باقيان مع هذه الكرامةِ، فوجبَ أن يكونا غيرَ نبيين(٤)؛ لأنَّهما لو كانا نبيين، لوجبَ
أن يكونَ بعد نبيِّنا عليه الصلاة والسلام نبيٌّ، إلا ما قامتِ الدلالةُ في حديثٍ عيسى أنَّه
ينزلُ بعده.
قلت: الخضرُ كان نبيًّا - على ما تقدم - وليس بعدَ نبينا عليه الصلاةُ والسلام نبيٍّ،
أي: يَدَّعي النبوَّةَ بعده أبداً. والله أعلم.
العاشرة: اختلفَ الناسُ، هل يجوزُ أن يعلمَ الوليُّ أنه وليٍّ أم لا؟ على قولين(٥):
أحدهما: أنه لا يجوز، وأنَّ ما يظهر على يديه يجبُ أن يلاحظه بعينٍ خوفٍ
(١) الصحاح (طربل).
(٢) سلف ٣٩٨/١ .
(٣) في (م) و(د) و(ز) و(ف): دانيال، والمثبت من (ظ).
(٤) قال بذلك القشيري في رسالته ١٦١/٤، وينظر المفهم ٢١٧/٦.
(٥) ذكر هذه المسألة القشيري في رسالته ٤/ ١٥٠ - ١٥١.

٣٤٢
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
المكر؛ لأنه لا يأمنُ أن يكون مكراً واستدراجاً له، وقد حُكِي عن السَّريِّ أنه كان
يقول: لو أنَّ رجلاً دخل بستاناً فكلَّمه من رأسٍ كل شجرة طيرٌ بلسانٍ فصيح: السلامُ
عليك يا وليَّ الله، فلو لم يخف أن يكون ذلك مكراً، لكانَ ممكوراً به(١). ولأنه لو
علم أنَّه وليٍّ لزالَ عنه الخوف، وحصلَ له الأمن. ومِن شرطِ الوليِّ أن يستديمَ الخوف
إلى أن تتنزلَ عليه الملائكة، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ
وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، ولأنَّ الوليَّ مَن كان مختوماً له بالسعادة، والعواقبُ
مستورةٌ ولا يدري أحدٌ ما يُختَم له به؛ ولهذا قال عليه الصلاةُ والسلام: ((إنَّما
الأعمال بالخواتيم)»(٢).
القول الثاني: أنَّه يجوز للوليّ أن يعلمَ أنه وليٍّ؛ ألا تَرى أنَّ النبي عليه الصلاة
والسلام يجوزُ أن يعلم أنَّه وليٍّ، ولا خلافَ أنه يجوزُ لغيره أن يعلمَ أنه وليُّ الله
تعالى، فجاز له أن يعلمَ ذلك. وقد أخبرَ النبي عليه الصلاة والسلام مِن حالِ العَشرة
مِن أصحابه أنَّهم من أهلِ الجنة، ثم لم يكن في ذلك زوالُ خوفِهم، بل كانوا أكثرَ
تعظيماً لله سبحانه وتعالى، وأشدَّ خوفاً وهيبة، فإذا جازَ للعشرةِ ذلك ولم يُخرجْهم
عن الخوفِ، فكذلك غیرُهم.
وكان الشِّبْليُّ يقول: أنَا أَمَانُ هذا الجانب، فلما ماتَ ودُفن عبرَ الدَّيلمُ دجلةَ ذلك
اليوم، واستَولَوا على بغداد(٣)، ويقول الناس: مُصيبتانٍ موتُ الشبليِّ وعبورُ الديلم.
ولا يقالُ: إنه يحتملُ أن يكون ذلك استدراجاً؛ لأنه لو جازَ ذلك؛ لجازَ ألَّا يَعرِف
النبيُّ أنه نبيٌّ ووليُّ الله؛ لجوازٍ أن يكونَ ذلك استدراجاً، فلمَّا لم يجز ذلك؛ لأنَّ فيه
إبطالَ المعجزاتِ لم يَجُزْ هذا، لأنَّ فيه إيطالَ الكرامات. وما رُوي من ظهورِ
(١) الرسالة القشيرية ٤ /١٥٦.
(٢) سلف ٢٩٦/١ .
(٣) ذكر هذا القول صاحب الديباج المذهب ٣٦٣/١ . والديلم: جيل سُمُّوا بأرضهم في قول بعض أهل
الأثر، وليس باسم لأب لهم، وإقليم الديلم يشمل قُومِس وجرجان وطبرستان والدَّيلمان والخزر.
معجم البلدان ٢/ ٥٤٤، وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للبشاري ص٢٧١ .

٣٤٣
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
الكراماتِ على يدي بِلْعام(١) وانسلاخِه عن الدينِ بعدها لقولِه: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾
[الأعراف: ١٧٥] فليس في الآيةِ أنه كان وليًّ ثم انسلختْ عنه الولاية. وما نُقِل أنه ظهرَ
على يديه ما يجري مَجرى الكراماتِ هو أخبارُ آحادٍ لا تُوجِب العلمَ (٢). والله أعلم.
والفرقُ بينَ المعجزةِ والكرامةِ أنَّ الكرامةَ من شرطها الاستتارُ، والمعجزةَ من
شرطِها الإظهارُ. وقيل: الكرامةُ ما تظهرُ من غيرٍ دعوى، والمعجزةُ ما تظهر عند
دَعوى الأنبياءِ، فيُطَالَبون بالبرهانِ، فيظهرُ أثر ذلك(٣). وقد تقدَّم في مقدَّمةِ الكتاب(٤)
شرائط المعجزة، والحمدُ لله تعالى وحده لا شريكَ له.
وأمَّا الأحاديثُ الواردةُ في الدِّلالةِ على ثبوتِ الكرامات، فمن ذلك ما خرَّجه
البخاريُّ(٥) من حديث أبي هريرة قال: بعثَ رسول اللـه ﴿ عشرةَ رَهْط سريةً عَيْناً وأَمَّر
عليهم عاصمَ بن ثابت الأنصاريَّ، وهو جدُّ(٦) عاصم بن عمر بنِ الخطاب ﴾،
فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدأة وهي بين عُسفان ومكة ذُكِروا لحيٍّ من هُذَيْل يقال لهم
بنو لَحيان، فَتَفَّروا إليهم قريباً من مائتي راجلٍ كلَّهم رام، فاقتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا
مأكلهم تمراً تزوَّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب، فاقتصوا آثارَهم، فلمَّا رآهم
عاصم وأصحابه لَجؤوا إلى فَدْفَدَ(٧)، وأحاط بهم القومُ، فقالوا لهم: انزلوا فأعطونا
بأيديكم(٨) ولكم العهدُ والميثاق، ولا (٩) نقتلُ منكم أحداً؛ فقال عاصمُ بنُ ثابت أميرُ
(١) هو بلعام بن باعوراء، ينظر ما تقدم في ٣٨٣/٩.
(٢) ذكر بعضاً من أخباره ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٩٦/١٠ - ٤٠٤ .
(٣) الرسالة القشيرية ١٤٨/٤.
(٤) ١/ ١١٢ وما بعدها.
(٥) في صحيحه (٣٠٤٥).
(٦) وقال القسطلاني في إرشاد الساري ١٦٣/٥: وقال مصعب الزهري: إنما هو خال عاصم لا جده؛ لأن
عاصم بن عمر بن الخطاب أمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح أخت عاصم بن ثابت وكان اسمها
عاصية. قال الكرماني: وعليه الأكثر.
(٧) الفدفد: المرتفع. القاموس (فدد).
(٨) في (د) و(م): أيديكم.
(٩) في (م): ألا.

٣٤٤
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
السرية: أما أنا (١) فوالله لا أنزلُ اليوم في ذمةِ الكافر، اللهمَّ أَخبِرْ عنَّا نبيَّك، فَرَموا
بالنَّبل فقتلوا عاصماً في سبعةٍ، فنزل إليهم ثلاثةُ رهطِ بالعهد والميثاقِ، وهم: خُبِيبٌ
الأنصاري وابنُ الدَّثِنة ورجلٌ آخر(٢)، فلما استمكنوا منهم، أَطلقوا أوتارَ قِسيهم
فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أوّلُ الغدر! والله لا أَصحبكم؛ إنَّ لي في هؤلاء
لأسوةً - يريدُ القتلى - فجرَّروه وعالجوه على أنْ يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، فانطلقوا
بخُبيبٍ وابن الدَّثِنة حتى باعوهما بمكةً بعد وقعة بدر، فابتاع خُبيباً بنو الحارث بن
عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خُبيب هو الذي قتلَ الحارثَ بن عامرٍ يوم بدر،
فلبث خُبيب عندهم أسيراً؛ فأخبرني(٣) عبيدُ الله بنُ عياض أنَّ بنتَ الحارث أَخبرته
أنهم حينَ اجتمعوا، استعارَ منها موسى يَسْتحِدُّ بها فأَعارته، فأخذَ ابناً(٤) لي وأنا
غافلةٌ حتى أتاه، قالت: فوجدته مُجلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزِعتُ فزعةً
عرفها خُبيبٌ في وجهي، فقال: أَتخشَيْنَ أن أَقتَلَه؟ ما كنتُ لأفعل ذلك. قالت: والله
ما رأيتُ أسيراً قطُ خيراً من خُبيب؛ واللهِ لقد وجدتُه يوماً يأكل من قِطْفِ عنبٍ في
يده، وإنَّه لموثَقٌ بالحديد، وما بمكة من ثمر؛ وكانت تقول: إنه لرزقٌ رزقه الله تعالى
خُبِيباً، فلمَّا خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ قال لهم خُبيب: دعوني أركع
ركعتين، فتركوه فركعَ ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أنَّ ما بي جزءٌ من الموت
لزدت؛ ثم قال(٥): اللهمَّ أَخْصِهِم عدداً، واقتلهم بَدَداً، ولا تُبقِ منهم أحداً، ثم قال:
على أيِّ شِقِّ كان لِله مَصْرَعي
ولستُ أُبالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً
يبارِفْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (٦)
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأ
(١) ليست في (د) و(م).
(٢) هو عبد الله بن طارق البلوي كما في إرشاد الساري ١٦٤/٥.
(٣) في (م) و(د): فأخبر.
(٤) في (م): ابن. وهو أبو الحسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف كما في إرشاد الساري ١٦٥/٥.
(٥) قوله: من الموت لزدت ثم قال. ليس في النسخ الخطية.
(٦) وقال القسطلاني ٥/ ١٦٥: وقال ابن هشام: أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لخبيب.

٣٤٥
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
فقتله بنو الحارث، وكان خُبيب هو الذي سنَّ الركعتين لكلِّ امرئ مسلم قُتل
صَبْراً، فاستجاب الله تعالى لعاصم يومَ أصيب، فأخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام
وأصحابُه خبرَهم وما أُصيبوا. وبعثَ ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنه
قُتل ليُؤتَوا بشيء منه يعرفونه، وكان قد قَتل رجلاً من عظمائهم يوم بدر، فبعثَ الله
على عاصم مثلَ الظلَّةِ من الدَّبْر(١) فَحَمَتْه من رُسلِهم، فلم يَقدِروا على أن يَقطعوا من
لحمه شيئاً.
وقال ابن إسحاق(٢) في هذه القصة: وقد كانت هذيل حين قُتِل عاصمُ بن ثابت
أرادوا رأسَه ليبيعوه من سُلَافة بنت سعد بن شُهَيْد، وقد كانت نذرت حين أصابَ
ابنيها بأُحُد: لئن قَدَرتْ على رأسه لتشرَبنَّ في قِحْفِهِ (٣) الخمرَ فمنَعهم الذَّبْرِ، فلمَّا
حالت بينَه وبينهم قالوا: دعوه حتى يُمسِي فتذهب عنه فنأخذه، فبعثَ الله تعالى
الوادي فاحتمل عاصماً فذهبَ، وقد كان عاصم أَعطى الله تعالى عهداً ألَّا يمسَّ
مشركاً ولا يمسه مشرٌ أبداً في حياتِهِ، فمنَعه الله تعالى بعدَ وفاتِهِ مما امتنعَ منه في
حياته.
وعن عمرو بنِ أمية الضَّمْري: وكان رسولُ الله﴾ بَعثه عيناً وحدَه فقال: جئتُ
إلى خشبةٍ خُبَيب فرقيتُ فيها وأنا أَتخوف العيونَ، فأطلقته، فوقعَ في الأرض، ثم
اقتحمتُ فانتبذتُ قليلاً، ثم التفتُّ فكأنما ابتلعتْه الأرضُ. وفي رواية أخرى زيادة:
فلم يُذكر لخبيب رِمَّةٌ حتى الساعة. ذكره البيهقي (٤).
الحادية عشرة: ولا يُنكر أن يكونَ للوليِّ مالٌ وضَيْعةٌ يصونُ بها مالَه وعياله،
(١) جماعة النحل والزنابير. القاموس (دبر).
(٢) في السير والمغازي ص٣٢٩ - ٣٣٠، وقد نقله المصنف بواسطة ابن هشام في السيرة ٢/ ١٧١.
(٣) القِحف: العظم الذي فوق الدماغ. الصحاح (قحف).
(٤) في دلائل النبوة ٣٣٢/٣، وهو عند أحمد (١٧٢٥٢)، وإسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو
ابن مجمع الأنصاري، وهو ضعيف وقد اضطرب فيه. وفي (م): فلم نذكر لخبيب رمة.

٣٤٦
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
وحسبُك بالصحابةِ وأموالهم مع ولايتهم وفضلِهم، وهم الحجةُ على غيرهم. وفي
(صحيح)) مسلم عن أبي هريرةً، عن النبيِّ# قال: ((بينما رجلٌ بفلاةٍ من الأرض
فسمع صوتاً في سحابةٍ: اسقِ حديقةً فلان، فتنحَّى ذلك السَّحابُ فأفرغَ ماءَه في
حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماءَ كلَّه، فتبَّع الماءَ فإذا رجلٌ
قائم في حديقته يُحوِّل الماءَ بمِسْحاته، فقال: يا عبدَ الله، ما اسمُك؟ قال: فلان،
الاسم الذي سمعه في السَّحابة، فقال له: يا عبد الله، لمَ سألتني عن اسمي؟ قال:
إني سمعتُ صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤُه يقول: اسقِ حديقةً فلان لاسمك، فما
تصنعُ فيها؟ قال: أمَّا إذا قُلتَ هذا، فإني أنظرُ إلى ما يخرجُ منها فأَتصدقُ بثلثِهِ، وآكلُ
أنا وعيالي ثلثاً، وأَردُّ فيها ثلثَه)»، وفي رواية ((وأجعلُ ثلثَه في المساكين والسائلين
وابن السبيل))(١).
قلت: وهذا الحديثُ لا يناقضُه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تَتخذوا الضيْعةَ
فتركَنوا إلى الدنيا)) خرَّجه الترمذي(٢) من حديثِ ابنِ مسعود وقال فيه: حديثٌ حسن؛
فإنَّه محمولٌ على من اتخذَها مستكثراً أو متنعماً ومتمتعاً بزهرتها، وأمَّا من اتخذَها
معاشاً يصونُ بها دينَه وعيالَه؛ فاتخاذُها بهذه النيةِ من أفضلِ الأعمال، وهي من أفضلٍ
الأموال؛ قال عليه الصلاةُ والسلام: ((نعم المالُ الصالح للرجلِ الصالح))(٣). وقد
أكثرَ الناسُ في كراماتِ الأولياء، وما ذكرناهُ فيه كفايةٌ، واللهُ الموفقُ للهداية.
الثانية عشرة: قولُه تعالى: ((لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» فيه دليلٌ على صحةٍ جوازٍ
الإجارة، وهي سنةُ الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانُه في سورة ((القصص)) (٤) إن شاءً
(١) صحيح مسلم (٢٩٨٤)، وهو عند أحمد (٧٩٤١).
(٢) سنن الترمذي (٢٣٢٨)، وهو عند أحمد (٣٥٧٩)، والبخاري في التاريخ الكبير ٥٤/٤، وإسناده
ضعيف لضعف المغيرة بن سعد بن الأخرم.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٧٦٣)، وابن حبان (٣٢١٠)، من حديث عمرو بن العاص .
(٤) عند الآية ٢٦ .

٣٤٧
سورة الكهف: الآيتان ٧٧ - ٧٨
الله تعالى. وقرأَ الجمهورُ: ((لَاتَّخَذْتَ)) وأبو عمرو: ((لَتَخِذْتَ)) وهي قراءةُ ابن مسعود
والحسن وقتادة (١)، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ (٢)، مثل قولك: تبع واتّبع،
وتَقى واتّقى(٣). وأدغم بعض القرَّاء الذَّالَ في التاء، ولم يدغمها بعضهم. وفي حديث
أبيٍّ بن كعب: لو شئت لأوتيت أجراً (٤). وهذه صدرت من موسى سؤالاً على جهة
العَرْض لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر: ((هذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)) بحكم ما
شرطتَ على نفسِك(٥). وتكريره: ((بيني وبينك)) وعدوله عن بيننا؛ لمعنى التأكيد. قال
سيبويه: كما يقال: أَخزى اللهُ الكاذبَ منِّي ومنك، أي: منَّا(٦). وقال ابن عباس:
وكان قول موسى في السفينة والغلام لله، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلبٍ شيء من
الدنيا، فكان سببَ الفِراق(٧). وقال وهب بنُ مُنَبِّه: كان ذلك الجدار جداراً طوله في
السماء مئة ذراع.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ((سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلٍ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)) تأويل
الشيء: مآله، أي: قال له: إنِّي أخبرك لم فعلتُ ما فعلتُ. وقيل في تفسير هذه
الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر: إنَّها حُجَّة على موسى، وعجباً له. وذلك أنَّه
لما أنكر أمر خَرْقِ السفينة نُوديّ: يا موسى، أين كان تدبيرُك هذا وأنت في التابوت
مطروحاً في اليمِّ؟ فلما أَنكر أَمرَ الغلام قيل له: أين إنكارُك هذا مِن وكزك القِبْطِيَّ
وقضائِك عليه؟ فلما أَنكر إقامةَ الجدار نُوديَ: أين هذا مِن رَفْعِك حجرَ البئر لبناتٍ
شعيب دون أجرٍ؟!(٨)
(١) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣، والكلام منه، والتيسير ص ١٤٥، والسبعة ص٣٩٦.
(٢) المفهم ٦/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٣) تفسير البغوي ١٧٦/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣.
(٥) المفهم ٦/ ٢١٠ .
(٦) معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٠٤/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٦٨/٢.
(٧) لطائف الإشارات ٢/ ٤١١ .
(٨) عرائس المجالس ص٢٣١ - ٢٣٢ .

٣٤٨
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ
وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَيْنٍ فَخَشِينَآ أَنْ
وَرَآءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (4)
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةٌ وَأَقْرَبَ رُحْمًا
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزُ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكْ وَمَا
فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ﴾ استدلَّ بهذا مَن قال:
إنَّ المسكينَ أحسنُ حالاً من الفقير، وقد مضى هذا المعنى مستوفى في سورة
براءة(١). وقد قيل: إنَّهم كانوا تجاراً، ولكن من حيث هم مسافرون عن قلَّة في لجَّة
بحر، وبحال ضَعْف عن مدافعة خَطْبٍ، عَبَّر عنهم بمساكين، إذ هم في حالة يُشفَق
عليهم بسببها، وهذا كما تقول لرجل غنيٍّ وقع في وَهْلَة أو خَطْب: مسكينٌ(٢). وقال
كعب وغيره: كانت لعشرة إخوةٍ من المساكين ورثوها من أَبيهم، خمسة زَمْنى،
وخمسة يعملون في البحر(٣). وقيل: كانوا سبعةً، لكل واحد منهم زَمَانة ليست
بالآخر. وقد ذكر النقّاش أَسماءَهم (٤)، فأمَّا العمّال منهم؛ فأحدهم كان مجذوماً،
والثاني: أَعور، والثالث: أَعرج، والرابع: آدَر، والخامس: محموماً لا تنقطع عنه
الحمَّى الذَّهرَ كلَّه، وهو أصغرهم، والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أَعمى وأصمُّ
وأخرس ومُقْعد ومجنون، وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم، ذكره
الثعلميُّ.
وقرأت فرقة: ((لِمَسَّاكِينَ)) بتشديد السين(٥)، واختلف في ذلك فقيل: هم مَلَّاحو
(١) ١٠ / ٢٤٦.
(٢) المحرر الوجيز ٥٣٤/٣ - ٥٣٥.
(٣) تفسير البغوي ١٧٦/٣، والمفهم ٢١٠/٦ .
(٤) التعريف والإعلام ص ١٠٤ .
(٥) المحرر الوجيز ٥٣٥/٣، وقرأ بها سيدنا علي بن أبي طالب كما في البحر المحيط ١٥٣/٦.

٣٤٩
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
السفينة، وذلك أنَّ المسَّاك هو الذي يُمسِك رجل السفينة، وكلُّ الخدمة تصلح
الإمساكه، فسمِّي الجميعُ مسَّاكين. وقالت فرقة: أراد بالمسَّاكين: دَبَغة المُسُوك، وهي
الجلود، واحدها: مَسْك. والأظهر قراءة: ((مساكين)) بالتخفيف، جمع مسكين، وأنَّ
معناها: إنَّ السفينةَ لقوم ضعفاء ينبغي أن يُشفَق عليهم (١)، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدِّثُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ أي: أجعلها ذاتَ عيب، يقال: عِبتُ الشيءَ
فعاب، إذا صار ذا عَيب، فهو معِيب وعائب(٢).
وقوله: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ قرأ ابن عباس وابن جبير:
((صحيحةٍ)) (٣)، وقرأ أيضاً ابن عباس وعثمان بن عفان: ((صالحةٍ))(٤). و((وراء)) أصلها
بمعنى خَلْف، فقال بعض المفسرين: إنَّه كان خَلْفه وكان رجوعهم عليه(٥). والأکثر
على أنَّ معنى ((وراء)) هنا أمام، يَعضُده قراءةُ ابنِ عباس وابنِ جبير: ((وَكَانَ أَمَامَهُمْ
مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَضْباً))(٦). قال ابن عطيّة(٧): ((وراءهم)) هو عندي على
بابه، وذلك أن هذه الألفاظَ إنَّما تجيء مراعى بها الزمان، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم
الموجود هو الأمام، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلْف، وذلك بخلاف ما
يظهر باديَ الرأي، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت، تَجِدْها تَطَّرِد، فهذه
الآية معناها: إنَّ هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك،
ومن قرأ: ((أمامهم)) أراد في المكان، أي: كأنَّهم يسيرون إلى بلد. وقوله عليه الصلاة
(١) المحرر الوجيز ٥٣٥/٣.
(٢) الصحاح (عيب).
(٣) المحرر الوجيز ٥٣٥/٣، وقراءة ابن عباس أخرجها الطبري ٣٥٦/١٥ .
(٤) قراءة ابن عباس أخرجها البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠)، والطبري ٣٥٦/١٥، وقراءة عثمان بن
عفان ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٥/٣ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣٠٥/٣ .
(٦) تقدمت القراءة قريباً.
(٧) في المحرر الوجيز ٥٣٥/٣.

٣٥٠
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
والسلام: ((الصلاةُ أمامك))(١) يريد في المكان، وإلَّا فكونهم في ذلك الوقت كان
أمام الصلاة في الزمان، وتأمَّل هذه المقالةَ فإنَّها مريحةٌ من شغب هذه الألفاظ، ووقع
لقتادة في كتاب الطبري(٢): ((وكان وراءهم ملك)) قال قتادة: أَمامهم، ألا تراه يقول:
﴿مِّنْ وَرَآبِهِمْ جَهَنٌَّ﴾ [الجاثية: ١٠] وهي بين أيديهم. وهذا القول غيرُ مستقيم، وهذه هي
العجمة التي كان الحسنُ بنُ أبي الحسن يضجُ منها، قاله الزجَّاج(٣).
قلت: وما اختاره هذا الإمامُ قد سبقه إليه في ذلك ابنُ عرفة قال الهَرويُّ: قال
ابن عرفة: يقول القائل كيف قال: ﴿مِّنِ وَرَآبِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦] وهي أمامه؟ فزعم أبو
عبيد وأبو عليٍّ قُظْرُب أنَّ هذا من الأضداد، وأنَّ وراء في معنى قُدَّام، وهذا غيرُ
محضَّل؛ لأنَّ أمام ضدُّ وراء، وإنَّما يصلح هذا في الأوقات، كقولك للرجل إذا وعد
وعداً في رجب لرمضان ثم قال: ومن ورائك شعبان، لجاز وإن كان أمامه؛ لأنَّه
يَخْلفه إلى وقت وعده، وأشار إلى هذا القول أيضاً القشيريُّ وقال: إنَّما يقال هذا في
الأوقات، ولا يقال للرجل أَمامك: إنَّه وراءك، قاله الفرَّاء(٤)، وجوَّزه غيرُه، والقوم
ما كانوا عالمينَ بخبر الملك، فأخبر اللهُ تعالى الخضرَ حتى عَيَّب السفينةَ، وذكره
الزجَّاج(٥). وقال الماورديُّ(٦): اختلف أهلُ العربية في استعمال ((وراء)) موضعَ ((أمام))
على ثلاثة أقاويل: أحدها: يجوز استعمالها بكلِّ حال، وفي كل مكان، وهو من
جَهٌَّ﴾ [الجاثية: ١٠] أي: من أَمامهم: وقال
الأضداد، قال الله تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآپِهِمْ
الشاعر :
وقَوْمِي تَميمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيَا(٧)
أترجو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعتي
(١) سلف ٣٤٢/٣.
(٢) في التفسير ٣٥٤/١٥ .
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٥٧.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ١٥٧.
(٥) في معاني القرآن ٣٠٥/٣ .
(٦) في النكت والعيون ٣٣٢/٣ - ٣٣٣.
(٧) نسب هذا البيت لسؤَّار بن المُضَرَّب، ونسب أيضاً لمساور بن حمثان، وسلف ١٢٠/١٢.

٣٥١
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
يعني : أمامي.
والثاني: أنَّ ((وراء)) تستعمل في موضع ((أمام)) في المواقيت والأزمان؛ لأنَّ
الإنسانَ يَجُوزها فتصير وراءَه، ولا يجوز في غيرها.
الثالث: أنَّه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحَجَرين متقابلين، كلُّ واحد
منهما وراءَ الآخر، ولا يجوز في غيرها، وهذا قول علي بن عيسى.
واختلف في اسم هذا الملك فقيل: هُدَد بنُ بُدَد. وقيل: الجَلَنْدي(١)، وقال
السهيليُّ (٢): وذكر البخاريُّ اسمَ الملك الآخذ لكلِّ سفينة غصباً فقال: هو [هُدَد بن
بَدد، وذكر اسم الغلام المقتول فقال هو: ] جَيْسور، وهكذا قيَّدناه في ((الجامع)) من
رواية أبي يزيد المَرْوزيِّ، وفي غير هذه الرواية: حَيْسور بالحاء(٣)، وعندي في
حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي حسنون(٤). وكان يأخذ كلَّ سفينة جيِّدة غصباً،
فلذلك عابها الخضرُ وخَرَقَها، ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقَّق وجهها،
وجواز إصلاح كلِّ المال بإفساد بعضه(٥)، وقد تقدَّم. وفي ((صحيح مسلم))(٦) وجهُ
الحكمةِ بِخَرْق السفينة وذلك قوله: فإذا جاء الذي يُسخِّرها، وجدها منخرقةً
فتَجاوَزها، فأصلحوها بخشبة، الحديث. وتحصَّل من هذا الحضُّ على الصبر في
الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦](٧) .
(١) المحرر الوجيز ٥٣٥/٣، والمفهم ٢١٠/٦، وينظر تفسير أبي الليث ٣٠٩/٢.
(٢) في التعريف والإعلام ص ١٠٤ - ١٠٥، وما بين حاصرتين منه، ومن صحيح البخاري (٤٧٢٦)،
وينظر فتح الباري ٨/ ٤٢٠ .
(٣) في (د): جيسور بالجيم.
(٤) في (م): حيسون. وفي التعريف والإعلام ص ١٠٥ : جنون. وينظر فتح الباري ٤٢٠/٨ .
(٥) المفهم ٦/ ٢٠٤ .
(٦) برقم (٢٣٨٠).
(٧) المفهم ٦/ ٢١٠ - ٢١١.

٣٥٢
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَيْنٍ﴾ جاء في صحيح الحديث: (أنَّه طُبع
يوم طُبع كافراً))(١) وهذا يؤيِّد ظاهره أنَّه غيرُ بالغ، ويحتمل أن يكون خبراً عنه مع كونه
بالغاً، وقد تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ قيل: هو من كلام الخضرِ عليه السلام، وهو
الذي يَشهد له سياقُ الكلام، وهو قول كثيرٍ من المفسِّرين(٢)، أي: خِفْنا أن يرهقهما
طغياناً وكفراً، وكان اللهُ قد أَباح له الاجتهادَ في قتل النفوس على هذه الجهة. وقيل:
هو من كلام الله تعالى وعنه عبَّر الخضر، قال الطبريُّ(٣): معناه: فعلمنا، وكذا قال
ابن عباس أي: فعلمنا، وهذا كما كنى عن العِلْم بالخوف في قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا
يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وحكي أنَّ أُبيّ قرأ: ((فَعَلِمَ ربُّك)). وقيل: الخشية بمعنى
الكراهة، يقال: فرَّقت بينهما خشيةَ أن يقتتلا، أي: كراهةَ ذلك. قال ابن عطيَّة(٤):
والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل - وإن كان اللفظُ يدافعه - أنَّها استعارةٌ، أي:
على ظنِّ المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين.
وقرأ ابن مسعود: ((فخاف ربك))(٥) وهذا بيِّن في الاستعارة، وهذا نظير ما وقع في
القرآن في جهة الله تعالى من ((لعل)) و ((عسى)) وأنَّ جميعَ ما في هذا كلِّه من ترجٌّ وتوقُّع
وخوف وخشية إنَّما هو بحسبكم أيُّها المخاطبون. و((يرهقهما)): يجشِّمهما ويكلِّفهما،
والمعنى أن يلقيهما حبُّه في اتِّباعه، فيضلًا ويتدينا بدينه.
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَءُهُمَا﴾ قرأ الجمهور: بفتح الباء وشدِّ الدال،
وقرأ عاصم: بسكون الباء وتخفيف الدال(٦)، أي: أن يرزقهما اللهُ ولداً.
(١) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣، والحديث أخرجه مسلم (٢٣٨٠)، وأحمد (٢١١١٨) عن أبي بن كعب ﴾.
(٢) المفهم ٦/ ٢١٣.
(٣) في التفسير ٣٥٧/١٥-٣٥٨، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣.
(٤) في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣.
(٥) أخرجها عنه الطبري ١٥/ ٣٥٧ .
(٦) السبعة ص ٣٩٧، والتيسير ص ١٤٥ .

٣٥٣
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةٌ﴾ أي: ديناً وصلاحاً، يقال: بدَّل وأَبدل، مثل مَهَّلَ وأَمهل،
ونَزَّل وأنزل. ﴿وَأَقْرَبَ رُهْمًا﴾ قرأ ابن عامر(١): ((رُحُماً)) بالضمِّ، قال الشاعر:
وكيف بظلم جاريةٍ ومنها اللِّينُ والرُّحُمُ(٢)
الباقون بسكونها(٣)، ومنه قول رُؤُبةَ بنِ العَجَّاج:
ومُنْزِلَ اللَّغْنِ على إِبليسَا(٤)
يا مُنْزِلَ الرُّحِمِ على إدريسَا
واختلف عن أبي عمرو (٥).
و ((رحماً)) معطوف على ((زكاة)) أي: رحمة، يقال: رَحِمه رَحْمةً ورُخماً، وألفه
للتأنيث، ومذكَّره رُخْم. وقيل: الرُّحم هنا بمعنى الرَّحِم، قرأها ابن عباس: ((وأَوْصَلَ
رُخْماً)) أي: رَحِماً (٦). وقرأ أيضاً: ((أزكى منه)). وعن ابن جبير وابن جريج أنَّهما بُدِّلا
جاريةٌ(٧)، قال الكلبيُّ: فتزوَّجها نبيٍّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى اللهُ تعالى
على يديه أمَّة من الأمم. قتادة: ولدت اثني عشر نبيًّا. وعن ابن جريج أيضاً أنَّ أمَّ
الغلام يوم قُتل كانت حاملاً بغلام مسلم، وكان المقتولُ كافراً. وعن ابن عباس:
فولدت جاريةً ولدت نبيًّا، وفي رواية: أَبدلهما اللهُ به جاريةً ولدت سبعين نبيًّا(٨)،
وقاله جعفر بن محمد عن أبيه(٩)، قال علماؤنا: وهذا بعيد، ولا تُعرف كثرة الأنبياء
(١) في النسخ: ابن عباس، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٣٦/٣ والعبارة منه، وذكر ابن الجوزي في زاد
المسير ١٨٠/٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ بفتح الراء وكسر الحاء.
(٢) القائل الوليد بن يزيد، والبيت في ديوانه ص١١١ .
(٣) قرأ ابن عامر بضمِّ الحاء، وقرأ الباقون بسكونها، واختلف عن أبي عمرو فروي عنه تسكين الحاء
وتحريكها. السبعة ص٣٩٧ ، والتيسير ص ١٤٥ .
(٤) ملحق ديوان رؤبة ص١٧٥ .
(٥) تقدم الكلام عليها قريباً.
(٦) المفهم ٦/ ٢١٣، وفيه: ومذكّره رحيم.
(٧) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣.
(٨) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣.
(٩) تفسير البغوي ٣/ ١٧٧ .

٣٥٤
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم(١).
ويستفاد من هذه الآية تهوينُ المصائب بفَقْد الأولاد وإن كانوا قِطَعاً من الأكباد،
ومن سَلَّم للقضاء، أَسفرت عاقبته عن اليد البيضاء(٢). قال قتادة: لقد فرح به أبواه
حين وُلد وحَزِنا عليه حين قُتل، ولو بقي، كان فيه هلاكُهما، فالواجب على كلِّ امرئٍ
الرضا بقضاءِ الله تعالى، فإنَّ قضاءَ اللهِ للمؤمن فیما یکره خيرٌ له من قضائه له فيما
يُحب(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ﴾ هذان الغلامان صغيران بقرينة وَصْفهما
باليتم، واسمهما أَصرم وأصيرم(٤). وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُتْمَ بعد بلوغٍ))
هذا هو الظاهر. وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسمُ اليُتم بعد البلوغ إن كانا يتيمين، على
معنى الشفقة عليهما(٥). وقد تقدَّم(٦) أن اليُتمَ في الناس من قِبَلٍ فَقْدِ الأب، وفي
غيرهم من الحيوان من قِبَلٍ فَقْدِ الأُمِّ.
ودلَّ قوله: ﴿فِى الْمَدِينَةِ﴾ على أنَّ القريةَ تسمَّى مدينةً، ومنه الحديث: ((أُمرتُ
بقرية تأكل القُرَى))(٧) وفي حديث الهجرة: ((لمن أنت)) فقال الرجل: من أهل
(١) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣.
(٢) المفهم ٦/ ٢١٣.
(٣) عرائس المجالس ص٢٣٠، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٢١١)، والطبري ٣٥٩/١٥ - ٣٦٠،
والبيهقي في شعب الإيمان (١٠١٧٢).
(٤) في (م): وصريم. وكذا في التعريف والإعلام ص ١٠٥، والمثبت من (د) و(ظ) و(ز) و(ف)، والمفهم
٦/ ٢١٤.
(٥) المحرر الوجيز ٥٣٦/٣ - ٥٣٧، وتفسير أبي الليث ٣٠٩/٢، والحديث أخرجه أبو داود (٢٨٧٣)،
والبيهقي في السنن الكبرى ٥٧/٦، عن علي بن أبي طالب أنه قال: حفظتُ عن رسول الله ﴾: ((لا
يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل)). قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٠١/٣: وقد أعلّه
العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسَّنه النووي متمسكاً بسكوت أبي داود عليه.
(٦) ٢٢٩/٢، والكلام من المفهم ٦/ ٢١٤ .
(٧) أخرجه البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢)، وأحمد (٧٢٣٢) من حديث أبي هريرة ﴾.

٣٥٥
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
المدينة(١)، يعني: مَّة(٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْرٌ لَّهُمَا﴾ اختلف الناس في الكنز، فقال عِكرِمة
وقتادة: كان مالاً جسيماً(٣). وهو الظاهر من اسم الكنز، إذ هو في اللغة: المال
المجموع، وقد مضى القول فيه(٤).
وقال ابن عباس: كان عِلْماً في صُحُفٍ مدفونة(٥). وعنه أيضاً قال: كان لوحاً من
ذهب مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبتُ لمن يؤمن بالقَدَر کیف یحزن،
عجبتُ لمن يؤمنُ بالرزق كيف يتعب، عجبتُ لمن يؤمن بالموت كيف يَفرح، عجبتُ
لمن يؤمن بالحساب كيف يَغْفل، عجبتُ لمن يؤمن بالدنيا وتقلُّبها بأهلها كيف يَطمئن
لها، لا إله إلا الله محمَّد رسول الله (٦). وروي نحوه عن عكرمة وعمر مولی غُفْرة(٧)،
ورواه عثمان بن عفان﴾ عن النبيّ ﴾(٨).
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ ظاهر اللفظ والسابق منه أنَّه والدهما دِنْيةٌ(٩).
وقيل: هو الأبُ السابع، قاله جعفر بنُ محمد. وقيل: العاشر، فَحُفِظا فيه وإن لم
(١) أخرجه البخاري (٣٦١٥)، ومسلم (٢٠٠٩) في كتاب الزهد والرقائق، باب في حديث الهجرة،
واللفظ له، والكلام من المفهم ٢٧٧/٥ .
(٢) بعدها في (د) و(ظ): واسم هذه المدينة، قاله مقاتل.
(٣) المحرر الوجيز ٥٣٧/٣، وأخرجه عنهما الطبري ٣٦٥/١٥.
(٤) ١٠ / ١٨٦ .
(٥) المحرر الوجيز ٣/ ٥٣٧، وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ٣٦٢ بنحوه.
(٦) عرائس المجالس ص ٢٣٠، وتفسير البغوي ١٧٧/٣، وزاد المسير ١٨١/٥.
(٧) أخرجه الطبري ٣٦٤/١٥ - ٣٦٥ عن عمر مولى غفرة، ولم نقف عليه من قول عكرمة.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٥ (١٢٨٨٠) عن أبي ذر مرفوعاً، وأبو الليث السمر قندي ٣٠٨/٢،
والواحدي في الوسيط ١٦٢/٣، عن أنس مرفوعاً، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢٣٥/٤ عن علي
مرفوعاً، وعزاه لابن مردويه، وينظر الكافي الشاف ص١٠٤ .
(٩) في (د): زينة، وفي (ظ): دفنه.

٣٥٦
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
يُذْكَرا بصلاح(١)، وكان يسمَّى: كاشحاً(٢)، قاله مقاتل. واسم أمِّهما: دنيا، ذكره
النقّاش.
ففيه ما يدلُّ على أنَّ الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بَعدُوا عنه.
وقد روي أنَّ اللهَ تعالى يحفظ الصالحَ في سبعة من ذرِّيَّته، وعلى هذا يدلُّ قوله
تعالى: ﴿إِنَّ وَلِغِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبِّ وَهُوَ يَوَلَّى الصَّلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦](٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ يقتضي أنَّ الخضر نبيٍّ، وقد تقدَّم الخلاف في
ذلك.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ أي: تفسير. ﴿مَا لَمْ تَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قرأت فرقة: ((تَسْتَطِعْ)). وقرأ
الجمهور: ((تَسْطِعْ)) قال أبو حاتم: كذا نقرأ كما في خطّ المصحف(٤). وهنا خمس
مسائل :
الأولى: إن قال قائل: لم يُسمَع لفتى موسى ذِكْر في أوَّل الآية ولا في آخرِها،
قيل له: اختلف في ذلك، فقال عكرمة لابن عباس: لم يُسمَع لفتى موسى بذكر وقد
كان معه؟ فقال: شرب الفتى من الماء فخلّد، وأخذه العالِم فطبَّق عليه سفينة ثم
أرسله في البحر، وإنَّها لتموج به فيه إلى يوم القيامة، وذلك أنَّه لم يكن له أن يشرب
منه، فشرب منه. قال القشيريُّ: وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون، فإنَّ يوشعَ
(١) المحرر الوجيز ٥٣٧/٣ إلا أنه لم يذكر جعفر بن محمد، وذكره الواحدي في الوسيط ١٦٢/٣ - ١٦٣،
والزمخشري في الكشاف ٤٩٦/٢ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣١٠/٢، والبغوي ١٧٧/٣، والمفهم ٢١٤/٦ وفيه أن اسمه: كاسحاً. وكذا في
(ظ).
(٣) المفهم ٦/ ٢١٤، وأخرج ابن المبارك في الزهد ١١١/١ - ١١٢، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١٤٨/٣،
والواحدي في الوسيط ١٥٩/٣ عن محمد بن المنكدر أنه قال: إن الله عزَّ وجلَّ ليحفظ بصلاح العبد
ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم.
وأورده الماوردي في النكت والعيون ٣٣٦/٣ وقال بعده: وروى أبو سعيد الخدري عن النبي # مثله.
اهـ ولم نقف عليه.
وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٧/ ٢٣٧٥ (١٢٨٨٣) من قول ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) المحرر الوجيز ٥٣٧/٣.

٣٥٧
سورة الكهف: الآيتان ٧٩ - ٨٢
ابنَ نون قد عُمِّر بعد موسى وكان خليفته، والأظهر أنَّ موسى صرف فتاه لما لقي
الخضر. وقال شيخنا الإمام أبو العباس(١): يحتمل أن يكون اكتفى بذِكْر المتبوع عن
التابع، والله أعلم.
الثانية: إن قال قائل: كيف أَضاف الخضرُ قصَّةً استخراج كنز الغلامين للهِ
تعالی، وقال في خرق السفينة: ((فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِیبها)) فأضاف العیبَ إلی نفسه؟ قيل له:
إنَّما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى؛ لأنَّها في أمر مستأنف في زمن طويل
غيبٍ من الغيوب، فحسُن إفرادُ هذا الموضع بذِكْر الله تعالى، وإن كان الخضر قد
أراد ذلك، الذي أعلمه اللهُ تعالى أنه يريده. وقيل: لما كان ذلك خيراً كلَّه أَضافه إلى
اللهِ تعالى، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسِه؛ رعاية للأدب، لأنَّها لفظةُ عيب، فتأدَّب
بأن لم يُسند الإرادةَ فيها إلا إلى نفسِه، كما تأذَّب إبراهيمُ عليه السلام في قوله: ﴿وَإِذَا
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فأَسند الفِعْلَ قبلُ وبعدُ إلى الله تعالى، وأَسند إلى
نفسِه المرضَ، إذ هو معنى نقص ومصيبة(٢)، فلا يُضاف إليه سبحانه وتعالى من
الألفاظ إلا ما يُستحسَن منها دونَ ما يُستقبَح، وهذا كما قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيرٌ﴾
واقتصر عليه فلم ينسب الشَّرَّ إليه، وإن كان بيده الخيرُ والشرُّ والضرُّ والنفع، إذ هو
على كل شيء قدير، وهو بكل شيء خبير.
ولا اعتراضَ بما حكاه عليه الصلاة والسلام عن ربِّه عزَّ وجلَّ أنَّه يقول يوم
القيامة: ((يا ابنَ آدم مرضتُ فلم تَعُدْني، واستطعمتُك فلم تُطعمني، واستسقيتك فلم
تَسقني))(٣) فإنَّ ذلك تَنزُّلٌ في الخطاب، وتلظُّف في العتاب، مقتضاه التعريف بفَضْل
ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال، وقد تقدَّم هذا المعنى، والله تعالى أعلم.
(١) في المفهم ٦/ ٢٠٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٥٣٧/٣ .
(٣) سلف ٤٣٨/٢ .

٣٥٨
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
ولله تعالى أن يُطلِق على نفسه ما يشاء، ولا نُطلِقٍ نحن إلا ما أذن لنا فيه من
الأوصاف الجميلة، والأَفعال الشريفة، جلَّ وتعالى عن النقائص والآفات علوًّا كبيراً.
وقال في الغلام: ((فأردنا)) فكأنَّه أَضاف القَتْلَ إلى نفسه، والتبديلَ إلى الله تعالى.
والأشدُّ كمال الخَلْق والعقل. وقد مضى الكلام فيه في ((الأنعام))(١)، والحمد لله.
الثالثة: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قومٌ من زنادقة الباطنيَّة إلى سلوك
طريق يلزم منه هدُّ (٢) الأحكام الشرعيَّة، فقالوا: هذه الأحكام الشرعيَّة العامة إنَّما
يُحكم بها على الأغبياء(٣) والعامَّة، وأمَّا الأولياء وأهلُ الخصوص فلا يَحتاجون إلى
تلك النصوص، بل إنَّما يُراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويُحكم عليهم بما يغلب عليهم
من خواطرِهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم، عن الأكدار، وخلوِّها عن الأغيار،
فتتجلَّى لهم العلوم الإلهيَّة، والحقائق الربانيَّة، فيقفون على أسرار الكائنات،
ويَعلمون أحكام الجزئيَّات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليَّات، كما اتفق
للخضر؛ فإنَّه استغنى بما تجلّى له من العلوم، عمَّا كان عند موسى من تلك الفُهوم.
وقد جاء فيما ينقلون: استفتِ قلبَك وإن أَفتاكَ المُفْتون(٤). قال شيخنا ﴾: وهذا
القول زندقةٌ وكُفْر، يُقتَل قائلُه ولا يستتاب؛ لأنَّه إنكار ما عُلم من الشرائع، فإنَّ اللهَ
تعالى قد أجرى سنَّته، وأَنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تُعلَم إلا بواسطة رُسُله السفراء
بينه وبين خَلْقه، وهم المبلِّغون عنه رسالته وكلامه، المبيِّنون شرائعَه وأحكامه،
اختارهم لذلك، وخصَّهم بما هنالك، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ
الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَ اَللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَعَثَ
(١) ٩/ ١١١ وما بعدها.
(٢) في النسخ: هذه، والمثبت من المفهم ٢١٨/٦ ، الكلام منه.
(٣) في (ظ) والمفهم: الأغنياء، وفي (م): الأنبياء. والمثبت من (ز) و(د).
(٤) سلف ٨/ ٤٥٨ .

٣٥٩
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
اللَّهُ النَّبِيِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] إلى غيرِ ذلك من الآيات.
وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعيُّ، واليقين الضروريُّ، واجتماع السلف
والخَلَف على أن لا طريقَ لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه،
ولا يُعرَف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إنَّ هناك طريقاً آخرَ يُعرَف بها
أمرُه ونهيُهُ غيرَ الرسل بحيث يُستغنى عن الرسل، فهو كافر، يُقتَل ولا يستتاب، ولا
يحتاج معه إلى سؤال ولا جوابٍ، ثم هو قول بإثباتِ أنبياء بعد نبيِّنا عليه الصلاة
والسلام، الذي قد جعله اللهُ خاتمَ أنبيائه ورسله، فلا نبيَّ بعدَه ولا رسولَ. وبيان
ذلك أنَّ من قال: يأخذ عن قلبه، وأنَّ ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنَّه يعمل
بمقتضاه، وأنَّه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سُنَّة، فقد أثبت لنفسِه خاصَّة النبوّة،
فإنَّ هذا نحو ما قاله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ روح القدس نَفثَ في رُوْعي))
الحديث(١).
الرابعة: ذهب الجمهور من الناس إلى أنَّ الخضرَ مات ﴿. وقالت فرقة: حيٍّ؛
لأَنَّه شرب من عين الحياة، وأنه باقٍ في الأرض، وأنَّ يحجُّ البيت. قال ابن عطيّة(٢):
وقد أَطنب النقَّاش في هذا المعنى، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن عليٍّ بن أبي طالب
(١) المفهم ٢١٩/٦، والحديث أخرجه الشافعي في مسنده (١٣/١ - ١٤ بدائع المنن)، والبغوي في
شرح السنة (٤١١٠)، من حديث المطلب بن حنطب مرفوعاً مرسلاً، وابن أبي شيبة ٢٢٧/١٣، وهناد
في الزهد (٤٩٤)، والعسكري في تصحيفات المحدثين ٢٠٩/١، والحاكم في المستدرك ٤/٢،
والبغوي في شرح السنة (٤١١١) و(٤١١٢) و(٤١١٣) من طرق، عن ابن مسعود مرفوعاً وبعضه
منقطع، والآخر مرسل. وأخرجه أيضاً البزار في مسنده (٢٩١٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧١ :
رواه البزار وفيه: قدامة بن زائدة بن قدامة ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (٧٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية ٢٦/١٠ - ٢٧ من حديث أبي أمامة
مرفوعاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١١٦/٨ : وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف.
وله شاهد من حديث أبي الزبير عن جابر عند الحاكم ٤/٢ وقال: صحيح على شرط مسلم.
قال العسكري في تصحيفات المحدثين ٢١٠/١: النفث بالفم شبيه بالنفخ، ومعنى رُوعي: في خَلَدي
و نفسي.
(٢) في المحرر الوجيز ٥٣٧/٣، وما قبله منه.

٣٦٠
سورة الكهف: الآيات ٧٩ - ٨٢
وغيره، وكلَّها لا تقوم على ساقٍ. ولو كان الخضرُ عليه السلام حيًّا يحجّ لكان له في
ملَّة الإسلام ظهور، والله العليم بتفاصيل الأشياء لا ربَّ غيره. ومما يقضي بموت
الخضر عليه السلام الآن قوله عليه الصلاة والسلام: ((أرأيتَكم ليلتَكم هذه، فإنَّه لا
يَبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ))(١).
قلت: إلى هذا ذهب البخاريُّ، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي (٢)،
والصحيح القول الثاني، وهو أنَّه حيٍّ على ما نذكره. والحديث خرَّجه مسلم في
(صحيحه)(٣) عن عبد الله بن عمر قال: صلَّى بنا رسول اللـه :﴿ ذاتَ ليلة صلاةَ العشاء
في آخر حياته، فلما سلَّم قام فقال: ((أرأيتَكم ليلتَكم هذه، فإنَّ على رأس مئة سنة منها
لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ)) قال ابن عمر: فَوَهَلَ(٤) الناسُ في مقالة
رسول اللـه * تلك فيما يتحدَّثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنَّما قال عليه
الصلاة والسلام: ((لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ)) يريد بذلك أن يَنْخرِم
ذلك القَرْن.
ورواه أيضاً من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعتُ رسول الله # يقول قبل أن
يموتَ بشهر: «تسألوني عن الساعة وإنَّما عِلْمها عند الله وأُقسم بالله، ما على
الأرض من نفس مَنْفُوسة تأتي عليها مئة سنة)) وفي أخرى: قال سالم: تذاكرنا أنَّها
هي مخلوقة يومئذ. وفي أخرى: ((ما من نفسٍ منفوسة اليوم يأتي عليها مئة سنة وهي
حيَّة يومئذ)). وفسَّرها عبد الرحمن صاحبُ السقاية قال: نقص العمر (٥).
وعن أبي سعيد الخدري نحو هذا الحديث(٦).
(١) سيأتي تخريجه قريباً.
(٢) التعريف والإعلام ص ١٠٤.
(٣) برقم (٢٥٣٧)، وهو عند البخاري (١١٦)، وأحمد (٥٦١٧).
(٤) وَهَل: غلط، ووهَلت إليه وَهَلاً: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره. المفهم ٦/ ٤٩١.
(٥) صحيح مسلم الأولى برقم (٢٥٣٨): (٢١٨)، والثانية برقم (٢٥٣٨): (٢٢٠)، والثالثة برقم
(٢٥٣٨): (٠٠)، وكلام عبد الرحمن صاحب السقاية إثر هذه الرواية.
(٦) أخرجه مسلم (٢٥٣٩).