النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة الكهف: الآية ٥٠
عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال
رسولُ اللهِ﴾: ((لا تكن أوَّلَ مَن يدخل السوقَ، ولا آخر مَن يخرج منها، فبها باض
الشيطانُ وفَرَّخ))(١). وهذا يدلُّ على أن للشيطان ذريةً من صلبه، والله أعلم. قال ابنُ
عطية(٢): وقولُه: ((وذريته)) ظاهرُ اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين، الذين
يأمرون(٣) بالمنكر، ويحملون على الباطل.
وذكر الطبري(٤) وغيره أنَّ مجاهداً قال: ذريةُ إبليس الشياطينُ، وكان يَعدُّهم:
زَلَنْبُور: صاحبُ الأسواق، يضع رايتَه في كل سوقٍ بين السماء والأرض، يجعل
تلك الرايةً على حانوتِ أوَّلِ مَن يفتح وآخرِ مَن يغلق.
وثَبْر: صاحبُ المصائب، يأمر بضربِ الوجوه، وشقِّ الجيوب، والدعاءِ بالويل
والحرب.
والأعورُ: صاحبُ أبواب الرِّبا(٥).
ومِسْوَط: صاحبُ الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواهِ الناس فلا يَجِدون لها
أصلاً.
وداسم: الذي إذا دخلَ الرجلُ بيتَه فلم يُسلِّم ولم يذكرِ اسمَ الله بصَّرَه من المتاع
ما لم يُرفع، وما لم يُحسَن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله، أکل معه. قال
الأعمشُ: وإني ربما دخلتُ البيتَ فلم أذكرِ الله ولم أُسلِّم، فرأيت مطهرةً فقلتُ:
ارفعوا هذه، وخَاصمتُهم، ثم أذكر فأقول: داسم داسم! أعوذُ بالله منه (٦).
زاد الثعلبي وغیرُه عن مجاهد :
(١) الجمع بين الصحيحين للحميدي ٣٦١/٣، وهو عند مسلم (٢٤٥١).
(٢) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٢ .
(٣) في النسخ: ((يأتون)) والمثبت من المحرر الوجيز.
(٤) في التفسير ٢٩٢/١٥ .
(٥) في (ز) و(م): ((الزنى)).
(٦) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٩٣ .

٣٠٢
سورة الكهف: الآية ٥٠
والأبيضُ، وهو الذي يوسوس للأنبياء.
وصخر وهو الذي اختلسَ خاتم سليمانَ عليه السلام(١).
والولهان وهو صاحبُ الطهارة يوسوسُ فيها(٢) .
والأقيس وهو صاحبُ الصلاة يوسوس فيها .
ومُرَّة وهو صاحبُ المزامير وبه يُكْنَى .
والهفاف(٣) يكونُ بالصحارَى يُضلُّ الناسَ ويُتِيهُهم، ومنهم الغيلان .
وحكى أبو مطيع مكحولُ بنُ الفضل النسفي في ((كتابِ اللؤلؤيات)) عن مجاهد،
أنَّ الهفافَ هو صاحب الشراب، ولقوس صاحبُ التحريش، والأعورَ صاحبُ أبواب
السلطان. قال: وقال الدَّرانيُّ: إنَّ لإبليس شيطاناً يقال له: المتقاضي، يتقاضى ابنّ
آدم فيخبر بعمل كان عمله في السرِّ منذ عشرين سنة، فُيُحدِّث به في العلانية.
قال ابن عطية(٤): وهذا وما جانَسه ممَّا لم يأتِ به سندٌ صحيح، وقد طوَّل
النقاشُ في هذا المعنى، وجلب حكاياتٍ تبعد عن الصحةٍ، ولم يمرَّ بي في هذا
صحيح إلا ما في ((كتاب مسلم)) (٥) من أنَّ للصلاةِ شيطاناً يسمى خِنْزب. وذكر
الترمذيُّ أنَّ للوضوء شيطاناً يسمى الولهان(٦).
قلت: أما ما ذُكر من التعيينٍ في الاسم فصحيح، وأما أنَّ له أتباعاً وأعواناً
وجنوداً فمقطوعٌ به، وقد ذكرنا الحديثَ الصحيح في أنَّ له أولاداً من صلبه، كما قال
مجاهد وغيره.
(١) عرائس المجالس ص٣٢٥ .
(٢) أخرج أحمد (٢١٢٣٨ زوائد)، والترمذي (٥٧)، وابن ماجه (٤٢١)، من حديث أبي بن كعب، عن
النبي # قال: للوضوء شيطان يقال له: الولهان، فاتقوه، أو قال: فاحذروه. وفي إسناده خارجة بن
مصعب وهو متروك الحديث.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ١٦٧ .
(٤) في المحرر الوجيز ٥٢٢/٣.
(٥) برقم (٢٢٠٣)، وهو عند أحمد (١٧٨٩٧)، من حديث عثمان بن أبي العاص
(٦) تقدم تخريجه آنفاً.

٣٠٣
سورة الكهف: الآية ٥٠
وفي ((صحيح)) مسلم عن عبدِ الله بن مسعود قال: إنَّ الشيطانَ ليتمثل في صورةٍ
الرجلِ، فيأتي القومَ فيحدِّثُهم بالحديث من الكذب، فيتفرَّقون فيقول الرجل منهم:
سمعتُ رجلاً أعرفُ وجهه ولا أَدري ما اسمُه يحدِّث(١).
وفي ((مسند)) البَزَّار عن سلمان الفارسي قال: قال النبيُّ﴾: ((لا تكوننَّ إن
استطعتَ أَوَّلَ مَن يدخل السوقَ، ولا آخرَ مَنْ يخرجُ منها؛ فإنَّها معركةُ الشيطان، وبها
ينصِبُ رايتَه))(٢).
وفي ((مسند)) أحمد بن حنبل قال: أنبأنا عبدُ الله بنُ المبارك قال: حدَّثنا سفيان،
عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، عن أبي موسى الأشعري قال:
إذا أصبحَ إبليسُ بَثَّ جنودَه فيقول: مَنْ أَضلَّ مسلماً أَلبستُه التاجَ. قال: فيقول له
القائل: لم أَزلْ بفلانٍ حتى طلَّق زوجته. قال: يُوشِك أن يتزوَّج. ويقول آخر: لم أزل
بفلانٍ حتى عَقَّ. قال: يوشِك أن يَبَرَّ. قال: ويقول القائل: لم أَزلْ بفلان حتى شَرِب.
قال: أنت! قال: ويقول: لم أَزلْ بفلان حتى زَنَى. قال: أنت! قال: ويقول: لم أزل
بفلانٍ حتى قَتَل. قال: أنتَ أنتَ(٣).
وفي ((صحيح)) مسلم عن جابرٍ قال: قال رسولُ الله ﴿: ((إنَّ إبليسَ يضعُ عرشَه
على الماء، ثم يبعثُ سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فتنةٌ، يجيءُ أحدُهم فيقول:
فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً. قال: ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه
حتى فرَّقتُ بينه وبينَ أهلِه، قال: فيُدنيهِ، أو قال: فيلتزمه ويقول: نِعْمَ أنتَ))(٤). وقد
تقدَّم.
وسمعتُ شيخَنا الإمامَ أبا محمد عبد المعطي بثَغْرِ الإسكندريةِ يقول: إنَّ شيطاناً
(١) صحيح مسلم (٧).
(٢) مسند البزار (٢٥٤١)، وهو عند مسلم (٢٤٥١).
(٣) لم نقف عليه في مسند أحمد، ولم يذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند، ولا في إتحاف المهرة
٣٨/١٠، وعزاه لابن حبان والحاكم، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١١٤ إلى الطبراني في الكبير.
وأخرجه ابن حبان (٦١٨٩)، والحاكم ٣٥٠/٤، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﴾.
(٤) صحيح مسلم (٢٨١٣) (٦٧)، وهو عند أحمد (١٤٣٧٧).

٣٠٤
سورة الكهف: الآيات ٥١ - ٥٣
يقالُ له البيضاوي يتمثلُ للفقراءِ المواصلين في الصيامِ، فإذا استحكمَ منهمُ الجوعُ
وأضرَّ بأَدمِغتِهم، يكشفُ لهم عن ضياءٍ ونورٍ حتى يملاً عليهم البيوتَ، فيظنُّون أنَّهم
قد وصلوا، وأنَّ ذلك من اللهِ، وليسَ كما ظنُّوا.
قوله تعالى: ﴿َّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلَقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ
مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا (٨ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَحَعَلْنَا بَيْنَهُم قَّوْبِقًا ﴿﴿ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم مُّوَاِعُوهَا
وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا
قوله تعالى: ﴿مَّ أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: الضميرُ
عائد على إبليس وذريته(١)، أي: لم أُشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلقٍ
أنفسهم، بل خلقتُهم على ما أردت. وقيل: ما أَشهدت إبليسَ وذريته خلقَ السماوات
والأرض ((ولا خلق أنفسهم)) أي: أنفس المشركين، فكيفَ اتخذوهم أولياءً من
دوني؟(٢). وقيل: الكنايةُ في قوله: ((مَا أَشْهَدْتُهُمْ)) ترجعُ إلى المشركين، وإلى الناس
بالجملة، فَتتضمنُ الآيةُ الردّ على طوائف من المنجِّمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين
من الأطباءِ وسواهم مِن كل مَن ينخرطُ(٣) في هذه الأشياء. وقال ابنُ عطية(٤):
وسمعتُ أبي ﴾ يقولُ: سمعتُ الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدوي(٥)
بالمهدية يقول: سمعتُ عبدَ الحق الصِّقِلِّيَّ يقول هذا القول، ويتأوَّل هذا التأويلَ في
هذه الآية، وأنَّها رادةٌ على هذه الطوائف، وذكر هذا بعضُ الأصوليين. قال ابنُ عطية
وأقولُ: إن الغرضَ المقصود أَولاً بالآية هم إبليسُ وذريتُه، وبهذا الوجه يتجهُ الردُّ
على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعربِ والمعظمين للجنِّ، حين يقولون:
(١) تفسير الطبري ١٥/ ٢٩٤ .
(٢) زاد المسير ١٥٤/٥.
(٣) في (ظ): يتخوض، وفي (ز) و(ف): يتخرص.
(٤) في المحرر الوجيز ٥٢٣/٣، وما قبله منه.
(٥) في (م) و(د): المهدي.

٣٠٥
سورة الكهف: الآيات ٥١ - ٥٣
أعوذُ بعزيزِ هذا الوادي، إذ الجميعُ من هذه الفرق متعلقون(١) بإبليس وذريتِه وهم
أَضلوا الجميع، فهم المرادُ الأول بالمضلِّين، وتندرجُ هذه الطوائفُ في معناهم. قال
الثعلبي: وقال بعضُ أهلِ العلم: ((مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)» ردٌّ على
المنجّمين أنْ قالوا: إنَّ الأفلاكَ تُحدِث في الأرض وفي بعضها في بعض، وقولُه:
((والأرضٍ)) ردِّ (٢) على أصحابِ الهندسة حيثُ قالوا: إنَّ الأرضَ كُرِيَّة(٣) والأفلاكَ
تجري تحتها، والناس ملصَقون عليها وتحتها، وقولُه: ((ولا خلق أنفسهم)) ردٌّ على
الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائعَ هي الفاعلةُ في النفوس. وقرأ أبو جعفر: ((ما
أشهدناهم)) بالنون والألف على التعظيم. الباقون بالتاء(٤) بدليل قوله: ((وما كنت
متخذ)) يعني: ما استعنتُهم على خلقِ السماوات والأرض ولا شاورتُهم . ﴿وَمَا كُنتُ
مُتَّخِذَ اٌلْمُضِلِينَ﴾ يعني: الشياطين. وقيل: الكفار(٥) ﴿عَضُدًا﴾ أي: أعواناً (٦). يقال:
اعتضدتُ بفلانٍ إذا استعنتَ به وتَقوَّيتَ(٧). والأصلُ فيه عَضُدُ الید، ثم يوضعُ موضعَ
العون؛ لأنَّ اليدَ قِوامُها العَضدُ. يقال: عَضَده وعَاضَدَه على كذا إذا أَعانه وأَعزَّه. ومنه
قوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيِكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي: سَنُعينك بأخيك. ولفظُ العضدِ على
جهةِ المثَل، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عونٍ أحد. وخَصَّ المضلِّين بالذكر
لزيادةِ الذمِّ والتوبيخ. وقرأ أبو جعفر والجَحْدَريّ: ((وَمَا كُنْتَ)) بفتح التاء (٨)، أي: وما
كنت يا محمدُ متخذَ المضلِّين عضداً (٩). وفي عضد ثمانيةُ أوجه(١٠): ((عَضُدا)) بفتح
(١) في النسخ الخطية: متعلقين، والمثبت من (م) والمحرر الوجيز ٥٢٣/٣ .
(٢) في النسخ الخطية: ردًّا.
(٣) في النسخ الخطية: أكرية.
(٤) النشر ٣١١/٢.
(٥) النكت والعيون ٣١٦/٣ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٩٥/١٥ ، عن قتادة.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٩٤/٣ ، والصحاح (عضد).
(٨) وقع في النسخ: أبو جعفر الجحدري دون واو، وهو خطأ، والكلام في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٦٠،
والمحرر الوجيز ٥٢٣/٣، وقراءة أبي جعفر من العشرة وهي في النشر ٣١١/٢ .
(٩) الكلام بنحوه في الكشاف ٤٨٨/٢ .
(١٠) ذكر ستة أوجه النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٤٦٠، وذكر خمساً الزجاج في معاني القرآن =

٣٠٦
سورة الكهف: الآيات ٥١ - ٥٣
العين وضم الضاد، وهي قراءةُ الجمهور، وهي أَفصحُها. و((عَضْداً)) بفتح العين
وإسكان الضاد، وهي لغة بني تميم. و((عُضُداً)) بضم العينِ والضاد، وهي قراءةُ أبي
عمرو والحسن. و((عُضْداً)) بضم العين وإسكانِ الضاد، وهي قراءةُ عكرمة. و((عِضَداً))
بكسر العين وفتح الضاد، وهي قراءةُ الضحاك. و((عَضَداً)) بفتح العين والضاد، وهي
قراءةُ عيسى بن عمر. وحكى هارون القارئ ((عَضِداً)). واللغةُ الثامنةُ ((عِضْداً)) على لغةٍ
مَن قال: كَثْف وفِخْذ(١).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: اذكروا يومَ يقول الله:
أينَ شركائي؟ أي: ادعوا الذينَ أَشركتُموهم بي، فليمنعوكم من عذابي، وإنَّما يقول
ذلك لعبدة الأوثان(٢). وقرأ حمزةُ ويحيى وعيسى بنُ عمر: ((نقول)) بنون. الباقون
بالياء(٣)؛ لقوله: ((شركائي)) ولم يقل: شركائنا، ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي: فعلوا ذلك، ﴿فَلَمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ أي: لم يُجيبوهم إلى نصرِهم، ولم يكفُّوا عنهم شيئاً، ﴿وَحَعَلْنَا بَيْهَمُ
قَوْبِقًا﴾ قال أنسُ بن مالك: هو وادٍ في جهنمَ من قيح ودم(٤). وقال ابنُ عباس: أي:
وجعلنا بينَ المؤمنين والكافرين حاجزاً. وقيل: بينَ الأوثان وعَبَدتِها(٥)، نحو قوله:
﴿فَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]. قال ابنُ الأعرابي: كلُّ شيءٍ حاجزٌ بينَ شيئين فهو مَوْبِقِ.
وذكر ابنُ وهب، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى: (مَوْبِقًا)) قال: وادٍ في جهنمَ يقال له:
مَوْبق. وكذلك قال نَوْفُ البِكَاليُّ إلا أنه قال: يحجزُ بينَهم وبينَ المؤمنين(٦). عِكرمة:
هو نهرٌ في جهنم يسيل ناراً، على حافتيه حياتٌ مثل البغالِ الدُّهم(٧)، فإذا ثارت إليهم
= ٢٩٤/٣ - ٢٩٥، والزمخشري في الكشاف ٤٨٨/٢ .
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٦٠، وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٣/٣ جميع القراءات إلا قراءة
هارون القارئ، وينظر القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٨٠ .
(٢) تفسير الطبري ٢٩٥/١٥، والسمر قندي ٣٠٣/٢، وإعراب النحاس ٤٦١/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٥٢٣/٣، دون ذكر عيسى بن عمر، وزاد طلحةً والأعمش.
(٤) سيأتي تخريجه قريباً.
(٥) تفسير البغوي ١٦٨/٣، ونحوه في المحرر الوجيز ٥٢٣/٣ .
(٦) الوسيط ٣/ ١٥٣.
(٧) تفسير البغوي ١٦٨/٣ .

٣٠٧
سورة الكهف: الآيات ٥١ - ٥٣
لتأخذهم، استغاثُوا منها بالاقتحام في النار. ورَوى يزيد(١) بنُ درهم، عن أنس بنِ
مالك قال: ((مَوْبقا)) وادٍ من قيح ودم في جهنم(٢). وقال عطاء والضحاكُ: مَهْلِكاً في
جهنم، ومنه يقال: أَوبَقَتْه ذنوبُه إِيباقاً(٣). وقال أبو عبيدة(٤): موعداً للهلاك.
الجوهري: وَبَقِ يبِقِ وُبوقا: هَلَك، والمَوْبِقِ مثلُ الموعدِ، مَفعِلٌ من وعد يَعِد، ومنه
قولُه تعالى: ((وجعلنا بينهم موبقا)). وفيه لغةٌ أخرى: وَبِقِ يَوْبَق وَبَقاً، وفيه لغةٌ ثالثة:
وَبِقِ يَبِقِ بالكسرِ فيهما، وأَوبقه أي: أَهلكه(٥). وقال زهير:
ومَن يَشتري حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِ يَصُنْ عِرضَه من كلِّ شَنْعاءَ مُوبِقٍ(٦)
قال الفرّاء(٧): جَعلَ تواصلَهم في الدنيا مَهلِكاً لهم في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ ((رأى)) أصلُه رَأَيَ، قُلبت الياءُ ألفاً؛ لانفتاحها
وانفتاحٍ ما قبلها، ولهذا زعمَ الكوفيون أنَّ ((رأى)) يكتب بالياء، وتابَعهم على هذا
القولِ بعضُ البصريين، فأمَّا البصريونَ الحذَّاقُ، منهم محمدُ بنُ يزيد، فإنَّهم يكتبونَه
بالألف. قال النحاس: سمعتُ عليَّ بنَ سليمان يقول: سمعت محمدَ بنَ يزيد يقول:
لا يجوزُ أن يُكتَب مضى ورمَى وكلُّ ما كان من ذواتِ الياء إلَّا بالألف، ولا فرقَ بينَ
ذواتِ الياء وبين ذوات الواو في الخطِّ، كما أنَّه لا فرقَ بينهما في اللفظ، ولو وجبَ
أن يكتب ذواتُ الياء بالياء؛ لوجبَ أن يكتب ذواتُ الواوِ بالواو، وهم مع هذا
(١) في (م): زيد، وهو خطأ.
(٢) أخرجه الطبري ٢٩٨/١٥، وابن حبان في الثقات ٥٣٨/٥ في ترجمة يزيد، والبيهقي في البعث
والنشور (٥٢٠).
(٣) تفسير البغوي ١٦٨/٣.
(٤) في مجاز القرآن ٤٠٦/١، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٣١٦/٣.
(٥) الصحاح (وبق).
(٦) ديوان زهير ص ٢٥٢، وفيه: ومن يلتمس بدل يشتري. وقال شارحه: شنعاء: قبيحة، وموبق: مهلك،
ووقع في النسخ الخطية: عن كل شنعاء، والمثبت من (م)، وديوان زهير.
(٧) في معاني القرآن ٢/ ١٤٧ .

٣٠٨
سورة الكهف: الآيات ٥١ - ٥٣
يُناقِضونَ فيكتبون رمى بالياء ورماهُ بالألف، فإن كانتِ العلةُ أنه من ذوات الياء؛
وجبَ أن يكتبوا رماه بالياء، ثم يكتبون ضُحاً جمع ضَخْوة، وكُساً جمع كِسوة، وهما
من ذواتِ الواو بالياء، وهذا ما لا يحصلُ ولا يثبتُ على أصل(١). ﴿فَظَنُّوَاْ أَنَّهُم
مُوَاقِعُوهَا﴾ ((فظنّوا)) هنا بمعنى اليقين والعلم (٢)، كما قال:
فَقَلْتُ لهمْ ظُنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ (٣)
أي: أَيقنوا، وقد تقدم(٤). قال ابنُ عباس: أَيقنوا أنَّهم مواقعوها(٥). وقيل:
رَأَوها من مكان بعيدٍ فتوهَّموا أنَّهم مُواقِعوها، وظنُّوا أنَّها تأخذهم في الحال. وفي
الخبر: ((إنَّ الكافرَ ليرى جهنمَ ويظنُّ أنَّها مُواقِعَتُه من مسيرة أربعينَ سنةً)) (٦). والمواقعةُ
ملابسةُ الشيءِ بشدَّةٍ(٧). [وعن علقمةَ أنه قرأ] (٨): (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُلَاقُوهَا)) أي:
مجتمعون فيها، واللَّفَف الجمعُ، ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي: مَهْرَباً؛ لإحاطتها بهم
من كلِّ جانب. وقال القتبي(٩): مَعْدِلاً ينصرفون إليه. وقيل: ملجأً يلجؤون إليه،
والمعنى واحدٌ. وقيل: ولم تجدِ الأصنامُ مَصرِفاً للنار عن المشركين(١٠).
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٦١.
(٢) الوسيط ١٥٤/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩٥/٣، وتفسير السمر قندي ٣٠٣/٢.
(٣) صدر بيت لدريد بن الصمة الجشمي وهو في ديوانه ص ٤٧ وروايته ثَمة:
سراتُهم في الفارسيِّ المسرَّدِ
علانية ظنوا بألفي مدجج
(٤) ٢ / ٧٢ .
(٥) الوسيط ٣/ ١٥٤.
(٦) أخرجه أحمد (١١٧١٤)، والطبري ٢٩٩/١٥، من حديث أبي سعيد الخدري. وفي إسناده: دراج عن
أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري، وروايته عنه ضعيفة.
(٧) الوسيط ١٥٤/٣.
(٨) ما بين حاصرتين من المحرر الوجيز ٥٢٤/٣.
(٩) في تفسير غريب القرآن ص٢٦٩ .
(١٠) النكت والعيون ٣١٧/٣.

٣٠٩
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَنُ
أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَّلًا (﴿﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا
إِلَّ أَن تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَّ هُ
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَّ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَّخَذُوَاْ ءَتِى
وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَا (٨) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَّذَّمَتْ
يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى
اُلْهُدَىُ فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا ﴿﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا
كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابُّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْيِلاً
وَتِلْكَ الْقُرَىْ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِم مَّوْعِدًا (@)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتملُ وجهين:
أحدهما: ما ذكره لهم من العبرِ والقرونِ الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائلٍ
الربوبية(١)، وقد تقدَّم في ((سبحان))(٢)، فهو على الوجهِ الأوّل زجرٌ، وعلى الثاني
بیان.
﴿وَكَنَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ أي: جدالاً ومجادلةً، والمرادُ به النضرُ بن
الحارث وجدالُه في القرآن. وقيل: الآيةُ في أُبيِّ بنِ خلف. وقال الزجاجُ: أي:
الكافرُ أكثرُ شيءٍ جدلاً؛ والدليلُ على أنه أرادَ الكافرَ قولُه: ﴿وَيَُّدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالْبَطِلِ﴾(٣).
وروى أنس أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((يُؤتَى بالرجلِ يومَ القيامة من الكفارِ فيقولُ الله له:
ما صنعتَ فيما أرسلتُ إليك؟ فيقول: ربِّ آمنتُ بك، وصدَّقت برسلك، وعملتُ
بكتابك. فيقول الله له: هذه صحيفتُك ليس فيها شيءٌ من ذلك. فيقول: يا رب، إني
(١) النكت والعيون ٣١٧/٣.
(٢) ص ٨٧ من هذا الجزء.
(٣) الوسيط ١٥٤/٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٢٩٦/٣.

٣١٠
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
لا أقبلُ ما في هذه الصحيفةِ. فيقال له: هذه الملائكةُ الحفظةُ یشهدون عليك. فيقول:
ولا أقبلُهم يا رب، وكيفَ أقبلهم ولا هم من عندي، ولا من جهتي؟ فيقول الله
تعالى: هذا اللوحُ المحفوظ أمُّ الكتاب قد شهدَ بذلك. فقال: يا رب، ألم تُجِرني من
الظلم؟ قال: بلى. فقال: يا رب، لا أقبلُ إلا شاهداً عليَّ من نفسي. فيقولُ الله
تعالى: الآنَ نبعثُ عليك شاهداً من نفسِك. فيَتفكّرَ مَن ذا الذي يشهدُ عليه من نفسِهِ،
فيُخْتَم على فيه، ثم تنطقُ جوارحُه بالشركِ، ثم يُخلَّى بينَه وبينَ الكلام، فيدخلُ النارَ
وإنَّ بعضَه لَيلعن بعضاً، يقول لأعضائِه: لَعنكُنَّ اللهُ فَعنكنَّ كنتُ أُناضل. فتقولُ
أعضاؤه: لعَنكَ الله، أفتعلمُ أنَّ اللهَ تعالى يُكْتَم حديثاً. فذلك قوله تعالى: ((وكان
الإنسان أكثَر شيءٍ جدلاً))(١). أَخرجه مسلمٌ(٢) بمعناه من حديثٍ أنس أيضاً.
وفي ((صحيح)) مسلم، عن عليٍّ، أنَّ النبيَّ :﴿ طَرقه وفاطمةَ فقال: ((ألا تُصلُّون؟))
فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّما أَنفسُنا بيدِ الله، فإذا شاءَ أن يبعثَنا بعثنا، فانصرفَ
رسولُ الله ﴿ حينَ قلت له ذلك، ثم سَمعتُه وهو مُدبِرٌ يضرب فخذَه ويقول: ((وكانَ
الإنسانُ أكثرَ شيءٍ جدلا))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى﴾ أي: القرآنُ والإسلامُ
ومحمدٌ عليه الصلاة والسلام(٤)، ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ اٌلْأَوَِّينَ﴾ أي:
سُنْتُنا في إهلاكِهم(٥)، أي: ما مَنعهم عن الإيمان إلَّا حكمي عليهم بذلك، ولو
حكمت عليهم بالإيمان؛ آمنوا. وسنةُ الأوّلين: عادةُ الأوّلين في عذابٍ
الاستئصال(٦). وقيل: المعنى: وما منع الناسَ أن يؤمنوا إلَّا طلبُ أن تأتيَهم سنةُ
:
(١) لم نقف عليه بهذه السياقة.
(٢) برقم (٢٩٦٩).
(٣) صحيح مسلم (٧٧٥)، وهو عند البخاري (١١٢٧).
(٤) زاد المسير ١٥٧/٥، والنكت والعيون ٣١٨/٣.
(٥) البغوي ١٦٨/٣ .
(٦) النكت والعيون ٣١٨/٣ .

٣١١
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
الأوّلين، فحذف، وسنةُ الأوّلين: معاينةُ العذاب، فطلبَ المشركون ذلك، وقالوا :
﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِلَكَ﴾ (١) الآية [الأنفال: ٣٢]. ((أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ
قِبَلاً)) نصب على الحال(٢)، ومعناه عِياناً؛ قاله ابن عباس(٣). وقال الكلبيُّ: هو
السيفُ يومَ بَدْر. وقال مقاتل: فجأةً. وقرأ أبو جعفر وعاصم، والأعمش وحمزة،
ويحيى والكسائي: ((قُبُلاً))(٤) بضمتين أَرادوا به أصنافَ العذابِ كلِّه؛ جمع قَبِيل نحو
سَبِيل وسُبُل. النحاس: ومذهب الفراء (٥) أن ((قُبُلا)) جمع قَبِيل أي: متفرِّقاً يتلو بعضُه
بعضاً. ويجوزُ عنده أن يكونَ المعنى عِياناً. وقال الأعرج - وكانت قراءتُه ((قُبُلاً)) -
معناه: جميعاً. وقال أبو عمرو - وكانت قراءتُه ((قِبَلاً)) - ومعناه: عِياناً (٦).
قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ أي: بالجنةِ لمن آمن. ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾
أي: مُخوِّفين بالعذابِ مَن كفر (٧). وقد تقدَّم. ﴿وَتُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ
بِهِ أَقِّ﴾ قيل: نزلت في المقتسمين، كانوا يُجادلون في الرسولِ ﴾، فيقولون: ساحرٌ
ومجنونٌ، وشاعرٌ وكاهنٌ كما تقدّم (٨). ومعنى ((يدحِضوا)): يزيلوا ويُبطِلوا. وأصلُ
الدَّحْض الزَّلَقُ. يقال: دَحَضتْ رِجلُه، أي: زَلِقت، تَدْحَض دَخْضاً، ودَحَضَتِ
الشمسُ عن كبد السماءِ: زالت، ودَحَضت حُجَّتُه دُحوضاً: بَطلت، وأَدحضَها الله.
والإدحاضُ الإزلاق(٩). وفي وصفِ الصراط: ((ويُضرَب الجِسرُ على جهنم، وتَحِلُّ
(١) البغوي ١٦٨/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩٦/٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٢/٢، و((قِبَلا)) التي قرأ بها المصنف هي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو،
ونافع، وابن عامر كما في السبعة ص ٣٩٣ .
(٣) البغوي ١٦٩/٣ .
(٤) السبعة ص٣٩٣، والتيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١١/٢.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ١٤٧ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٢/٢ .
(٧) ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٥/٣، وسلف ٣٨٤/٨.
(٨) الكلام بنحوه في الوسيط ٣/ ١٥٤، وسلف ١٢/ ٢٥٥ .
(٩) الصحاح (دحض).

٣١٢
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
الشفاعةُ فيقولون: اللهمَّ سَلِّم سَلِّم)) قيل: يا رسولَ الله، وما الجِسرُ؟ قال: ((دَحْضُ
مَزَلَّةٍ))(١)، أي: تَزْلَقُ فيه القدمُ. قال طَرَفة:
أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فهِبتَهُ
وحِدْتَ كما حَادَ البعِيرُ عن الدَّخْضِ (٢)
﴿ وَأَّخَذُوَاْ ءَايَتِى﴾ يعني: القرآن(٣) ﴿وَمَآ أُنذِرُوا﴾ من الوعيدِ ﴿هُزُواْ﴾. و((ما))
بمعنى المصدر أي: والإنذار. وقيل: بمعنى الذي(٤)، أي: اتخذوا القرآنَ(٥) والذي
أُنذِروا به من الوعيدِ هُزواً، أي: لعباً وباطلاً، وقد تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه(٦). وقيل:
هو قولُ أبي جهل في الزُّدِ والتَّمرِ: هذا هو الزقُومِ(٧). وقيل: هو قولُهم في القرآنِ:
هو سحرٌ وأضغاثُ أحلام وأساطيرُ الأوَّلين، وقالوا للرسول: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]، ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾
[الزخرف: ٣١] و﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ لنفسِه
ممَّن وُعِظ بآياتِ ربه، فتهاونَ بها وأعرضَ عن قَبولِها (٨)، ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي:
ترك كفرَه ومعاصِيَه فلم يتبْ منها(٩)، فالنسيانُ هنا بمعنى التركِ. وقيل: المعنى: نسيَ
ما قدَّم لنفسه وحصَّل من العذاب، والمعنى متقاربٌ. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن
(١) أخرجه مسلم (١٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، ووقع في (م): مزلقة بدل مزلة.
(٢) ديوان طرفة ص ١٧٢، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٤٠٨/١، ودون نسبة عند الطبري ٣٠٢/١٥،
وروايته :
رَدِيتُ ونَجَّس اليشكريَّ حذاره
وحاد كما حاد البعيرُ عن الدحض
(٣) تفسير السمر قندي ٣٠٣/٢ .
(٤) الكشاف ٤٨٩/٢ .
(٥) البغوي ١٦٩/٣.
(٦) ٤ /١٠١.
(٧) سلف في سورة الإسراء، عند الآية (٦٠).
(٨) تفسير الرازي ٢١/ ١٤٢.
(٩) إعراب النحاس ٢/ ٤٦٢ .

٣١٣
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ بسببٍ كفرِهم، أي: نحن مَنَعْنا الإيمانَ من أن يدخلَ قلوبهم
وأسماعهم ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ أي: إلى الإيمان(١) ﴿فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ نَزل
في قومٍ معينين (٢)، وهو يردُّ على القَدَريةِ قولَهم، وقد تقدَّم معنى هذه الآيةِ في
((سبحان))(٣) وغيرِها.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: للذنوب، وهذا يختصُّ به أهلُ
الإيمان دون الكفرةِ بدليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. ((ذو
الرحمة)) فيه أربعُ تأويلات: أحدها: ذو العفو. الثاني: ذو الثواب، وهو على هذين
الوجهين مختصٍّ بأهلِ الإيمان دون الكفر. الثالث: ذو النعمةِ. الرابع: ذو الهدى،
وهو على هذين الوجهين يعمُّ أهلَ الإيمانِ والكفر؛ لأنه يُنْعِمُ في الدنيا على الكافرِ،
كإنعامِه على المؤمن، وقد أَوضحَ هُداه للكافرِ كما أَوضحه للمؤمنِ، وإنِ اهتدى به
المؤمنُ دون الكافر (٤). ومعنى قوله: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: من الكفرِ
والمعاصي(٥) ﴿لَعَجَّلَ لَهُ الْعَذَابَّ﴾ ولكنَّه يُمهل، ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ﴾ أي: أجلٌ مقدَّر
يُؤخَّرون إليه(٦)، نظيرُه: ﴿لِكُلِّ نَبَرٍ مُسْتَقَرٌ﴾ [الأنعام: ٦٧]، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾
[الرعد: ٣٨] أي: إذا حلَّ لم يتأخر عنهم إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، ﴿لَن يَجِدُوا مِن
دُونِهِ، مَوْيِلًا﴾ أي: ملجأ؛ قاله ابنُ عباس وابن زيد(٧)، وحكاه الجوهريُّ في
((الصحاح)). وقد وَأَلَ يَئِلُ وَأُلّ وَؤُؤُولاً على فُعول، أي: لجأ، وواءَل منه على فَاعَلَ،
(١) زاد المسير ١٥٩/٥.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٩٧ .
(٣) ص ٩٥ من هذا الجزء.
(٤) النكت والعيون ٣٢٠/٣.
(٥) تفسير السمر قندي ٣٠٤/٢ .
(٦) النكت والعيون ٣٢٠/٣.
(٧) أخرجه عنهما الطبري ٣٠٥/١٥ .

٣١٤
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٥٩
أي: طلب النجاة(١). وقال مجاهد: مَحْرِزاً. قتادةُ: وليًّا(٢). وأبو عبيدة(٣): مَنْجَى.
وقيل: مَحيصاً، والمعنى واحدٌ. والعربُ تقول: لا وَأَلتْ نفسُه، أي: لا نَجَت (٤)،
ومنه قولُ الشاعر :
لا وَأَلتْ نفسُك ◌َخَلَّيْتَهَا للعامِرِيَّيْنِ ولم تُكْلَم(٥)
وقال الأعشى(٦):
وقد أخَالِسُ رَبَّ البيتِ غَفْلتَهُ وقد يُحاذِرُ مِنِّي ثم ما يَئِلُ
أي: ما ينجو (٧).
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْتَهُمْ﴾ ((تلك)) في موضعٍ رفعٍ بالابتداء. ((القرى))
نعتٌ أو بدل. و((أهلكناهم)) في موضعِ الخبرِ محمول على المعنى؛ لأنَّ المعنى: أهل
القرى. ويجوزُ أن تكون ((تلك)» في موضع نصب على [قول] مَن قال: زيداً ضربته (٨).
أي: وتلك القرى التي قَصصنا عليك نبأهم، نحو قُرى عادٍ وثمودَ ومدينَ وقوم
لوط أهلكناهم لمَّا ظلموا وكفروا. ﴿وَجَعَلنا لِمُهْلَكِهِمْ موعداً﴾ أي: وقتاً معلوماً
لم تَعْده(٩). و((مُهْلَك)) من أُهلِكوا، وقرأ عاصم: ((مَهْلَكهم)) بفتح الميم واللام(١٠)
(١) الصحاح (وأل).
(٢) أخرجه عنهما الطبري ٣٠٥/١٥، وقول مجاهد في تفسيره ٣٧٨/١.
(٣) في مجاز القرآن ٤٠٨/١ .
(٤) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٦٩ .
(٥) النكت والعيون ٣٢٠/٣، والبيت لضمرة بن ضمرة النهشلي، وهو شاعر جاهلي، والبيت في النوادر
ص٥٥ ، وهو دون نسبة عند الطبري ٣٠٤/١٥، ومعاني القرآن للفراء ١٤٨/٢.
وقال البغدادي في الخزانة ٢٨٦/٩: وقوله: لا وألت نفسك .. إلخ، هذا دعاء على رجل استأسر لأعدائه
دون أن یجرح.
(٦) في ديوانه ص١٠٩ .
(٧) زاد المسير ١٦٠/٥ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٣/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٩) الكشاف ٤٨٩/٢ - ٤٩٠ .
(١٠) هذه رواية أبي بكر عن عاصم، وروى حفص عن عاصم: بفتح الميم وكسر اللام. ((السبعة)) ص٣٩٣.

٣١٥
سورة الكهف: الآيات ٥٤ - ٦٠
وهو مصدرُ هَلَك، وأجازَ الكسائيُّ والفراء: ((لمَهْلِكِهِم) بكسر اللامِ وفتحِ الميم.
النحاس: [قال الكسائي]: وهو أحبُّ إليَّ؛ لأنَّه من هَلك. الزجاج: اسمٌ للزمانِ،
والتقديرُ: لوقتِ مَهْلِكهم، كما يقال: أَتت الناقةُ على مَضْرِبِها (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَا أَبْرَحُ حٌَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ اٌلْبَحْرَيْنِ أَوْ
أَمْضِىَ حُقُبًّا (٥)
فیه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآَ أَبْرَجُ﴾ الجمهورُ من العلماءِ
وأهلِ التاريخ أنَّه موسى بنُ عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. وقالت
فرقةٌ منها نَوْفٌ البِكَاليُّ: إنه ليس ابنَ عمران، وإنَّما هو موسى بنُ منشا بنِ يوسفَ بنِ
يعقوب، وكان نبيًّا قبل موسى بن عمران(٢). وقد ردَّ هذا القولَ ابنُ عباس في
(صحيح)) البخاري(٣) وغيرِهِ. وفتاه: هو يوشعُ بنُ نون. وقد مضى ذكرُه في ((المائدةِ))
وآخرَ (يوسف)) (٤). ومَن قال: هو ابنُ منشا؛ فليسَ الفتى يوشعَ بنَ نون. ((لَا أَبْرَحُ)) أي
لا أزال أسير(٥)؛ قال الشاعر:
وأَبرحُ ما أدامَ اللهُ قَومِي
بحمدِ اللهِ مُنْتَطِقاً مُجِيدًا(٦)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٦٣/٢، وما بين حاصرتين منه، والتيسير ص١٤٤، والسبعة ص٣٩٣،
والنشر ٣١١/٢.
وقوله: أتت الناقة على مضربها، قال الزجاج في معاني القرآن ٢٩٧/٣ - ٢٩٨: أي: على زمان
ضرابها.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٣٠/٣، والمحرر الوجيز ٥٢٧/٣.
(٣) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٤) في المائدة ٧/ ٤٠٣ وما بعدها، وفي يوسف ١١/ ٤٦٤.
(٥) الطبري ٣٠٨/١٥ .
(٦) البيت لخداش بن زهير العامري، نسبه إليه ابن قتيبة في المعاني الكبير ٨٢/١، وهو عند الزجاج في
معاني القرآن ٢٩٨/٣ دون نسبة. وفي المعاني الكبير: رخيَّ البال، بدل: بحمد الله. وقال ابن قتيبة : =

٣١٦
سورة الكهف: الآية ٦٠
وقيل: ((لَا أَبْرَحُ)) لا أفارقك(١) ﴿حَقَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أي: ملتقاهما.
قال قتادة: وهو بحرُ فارس والروم، وقاله مجاهد(٢). قال ابنُ عطية: وهو ذراعٌ يخرجُ
من البحرِ المحيط من شمالٍ إلى جنوب في أرضٍ فارس من وراء أَذْرَ بِيجان، فالركنُ
الذي لاجتماعِ البحرين مما يلي بَرَّ الشامِ هو مجمعُ البحرين(٣) على هذا القولِ.
وقيل: هما بحر الأرْدُنِّ وبحر القُلْزُم(٤). وقيل: مجمعُ البحرين عندَ طنجة؛ قاله محمد
ابن كعب(٥). ورُوي عن أُبيِّ بنِ كعب أنه بأفريقية. وقال السُّديُّ: الكُرُّ والرَّسُّ
بأرمينية. وقال بعضُ أهل العلم: هو بحرُ الأندلس من البحر المحيط؛ حكاه النَّقاشُ،
وهذا ممَّا يُذكر كثيراً. وقالت فرقةٌ: إنَّما هما موسى والخضر، وهذا قولٌ ضعيف (٦)،
وحُكي عن ابنِ عباس، ولا يصحُ (٧)؛ فإنَّ الأمر بُيِّنَ من الأحاديث أنَّه إنما رُسِم (٨) له
بحر ماء.
وسببُ هذه القصةِ ما خرَّجه الصحيحان(٩) عن أُبيِّ بن كعب، أنَّه سمع رسولَ الله ﴾
يقول: ((إنَّ موسى عليه السلام قامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِل: أيُّ الناسِ أَعلمُ؟
فقال: أنا، فعَبَ الله عليه؛ إذْ لم يَرُدَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه: إِنَّ لي عبداً
بِمَجْمَع البحرين هو أَعلمُ منك. قال موسى: يا ربِّ، فكيفَ لي به؟ قال: تأخذُ معك
= منتطقاً فيه قولان، أحدهما أن يشد الدرع عليه بالنطاق، ويروى عن يونس أنه قال: تقول: انتطق
الرجل فرسه إذا قاده، مجيداً: أقود فرساً تلد الجياد.
(١) النكت ٣٢٢/٣ - ٣٢٣.
(٢) أخرجه عنهما الطبري ٣٠٨/١٥ - ٣٠٩ .
(٣) المحرر الوجيز ٥٢٧/٣ .
(٤) التعريف والإعلام ص ١٠٣ .
(٥) أخرجه عنه الطبري ٣٠٩/١٥ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٢٧/٣، وقول السدي في المفهم ١٩٥/٦.
(٧) المفهم ٦/ ١٩٥ .
(٨) في (م): وسم، والمثبت من النسخ الخطية والمحرر الوجيز ٥٢٨/٣ والكلام منه.
(٩) صحيح البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠).

٣١٧
سورة الكهف: الآية ٦٠
حُوتاً فتجعَلُه في مِكتَلٍ، فحيثُما فَقدتَ الحُوتَ فهو ثَمَّ) وذكر الحديثَ، واللفظُ
للبخاري.
وقال ابنُ عباس: لمَّا ظهر موسى وقومُه على أرض مصرَ، أنزلَ قومَه مصر، فلما
استقرت بهمُ الدار، أَمره اللهُ: أنْ ذَكِّرهم بأيام الله، فخطب قومَه فذكَّرهم ما آتاهم
اللهُ من الخير والنعمة؛ إذ نجَّاهم من آلٍ فرعون، وأهلكَ عدوَّهم، واستخلفهم في
الأرض، ثم قال: وكلَّم الله نبيكم تكليماً، واصطفاه لنفسِه، وأَلقى عليَّ محبةً منه،
وآتاكم من كلِّ ما سألتموه، فجعلكم أفضلَ أهل الأرض، ورزقكم العزَّ بعد الذلّ،
والغنى بعدَ الفقر، والتوراةَ بعدَ أن كنتم جهالاً، فقال له رجلٌ من بني إسرائيل: عَرَفنا
الذي تقول، فهل على وجهِ الأرض أحدٌ أعلمُ منكَ يا نبيَّ الله؟ قال: لا؛ فعتبَ اللهُ
عليه حين لم يردَّ العلم إليه، فبعثَ الله جبريل: أن يا موسى، وما يُدريكَ أَين [أضع]
علمي؟ بلى! إنَّ لي عبداً بمجمَعِ البحرين أعلم منك، وذكر الحديث(١).
قال علماؤنا: قولُه في الحديث: ((هو أعلمُ منك)) أي: بأحكامٍ وقائعَ مفصّلة،
وحُكم نوازلَ معينة، لا مطلقاً، بدليل قولِ الخضرِ لموسى: إنَّك على علم علَّمكه اللهُ
لا أَعلمُه أنا، وأنا على علم عَلَّمنيه لا تَعلمُه أنت، وعلى هذا فيصدقُ على كلِّ واحد
منهما أنَّه أعلمُ من الآخر بالنسبةِ إلى ما يعلمُه كلُّ واحد منهما ولا يعلمُه الآخر، فلما
سمعَ موسى هذا تشوَّفت نفسُه الفاضلة، وهمتُه العالية، لتحصيل علمٍ ما لم يعلم،
وللقاءٍ مَن قيل فيه: إنه أعلمُ منك، فعزم فسألَ سؤالَ الذليل: بكيف السبيل؟ فأُمِر
بالارتحالِ على كل حال. وقيل له: احمل معك حوتاً مالحاً في مِکْتل - وهو الزِّنْبيل -
فحيثُ يَحيا وتَفقِدُه، فثَمَّ السبيلُ، فانطلقَ مع فتاه لما واتاه، مجتهداً طَلِباً قائلاً: ((لا
أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين»(٢). ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ بضمِّ الحاءِ والقافِ وهو
الدهرُ، والجمع أَحقاب. وقد تُسكن قافُه فيقال: حُقْب، وهو ثمانونَ سنة، ويقال:
(١) أخرجه الطبري ١٥/ ٣٣٠ ، وما بين حاصرتين منه.
(٢) المفهم ٦ / ١٩٥ - ١٩٦ .

٣١٨
سورة الكهف: الآية ٦٠
أكثر من ذلك، والجمع حِقاب، والحِقْبةُ، بكسر الحاء: واحدةُ الحقَّب وهي
السِّنون(١).
الثانية: في هذا من الفقهِ: رحلةُ العالم في طلب الازديادِ من العلم، والاستعانة
على ذلك بالخادم والصاحبِ، واغتنام لقاءِ الفضلاءِ والعلماءِ وإن بَعُدت أقطارُهم،
وذلك كان دأب السلفِ الصالح، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظّ الراجح،
وحصلوا على السعي الناجح، فرسختْ لهم في العلومِ أقدامٌ، وصحَّ لهم من الذکرِ
والأجرِ والفضل أَفضلُ الأقسام(٢). قال البخاري(٣): ورحلَ جابرُ بنُ عبدِ الله مسيرةً
شهرٍ إلى عبدِ الله بن أُنيس في حديثٍ واحد (٤).
الثالثة: قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ)» للعلماءِ فيه ثلاثةُ (٥) أقوال:
أحدها: أنه كان معه يخدُمه، والفتى في كلام العرب الشابُّ، ولما كان الخَدَمةُ
أكثرَ ما يكونون فتياناً قيل للخادم: فتّ على جهةٍ حسنِ الأدب، ونَدبتِ الشريعةُ إلى
ذلك في قولِ النبي ﴾: ((لا يقل أحدُكم: عبدي ولا أَمتي، وليقل: فَتايَ وفتاتي)) فهذا
ندبٌ إلى التواضع، وقد تقدَّم هذا في ((يوسف))(٦). والفتى في الآية هو الخادمُ وهو
يوشعُ بنُ نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام.
ويقال: هو ابنُ أختِ موسى عليه السلام. وقيل: إنَّما سُمي فتى موسى؛ لأنَّه لزمَه
ليتعلمَ منه وإن كان حرًّا، وهذا معنى الأوَّل. وقيل: إنَّما سماه فتّى؛ لأنه قام مقامَ
الفتى وهو العبد، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِئْيَنِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ فِ رِحَالِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]،
(١) الصحاح (حقب)، وقد نقله المصنف بواسطة أبي العباس القرطبي في المفهم.
(٢) المفهم ١٩٦/٦ .
(٣) في الصحيح قبل حديث (٧٨).
(٤) ليست في (د) و(ز) و(م)، وهي من (ظ) و(ف) وصحيح البخاري.
(٥) ليست في (ظ) و(ف)، وفي أحكام ابن العربي ١٢٣٢/٣، والكلام منه قال: فيه قولان.
(٦) ٣٥٣/١١، وما بعدها.

٣١٩
سورة الكهف: الآيات ٦٠ - ٦٥
وقال: ﴿تُزَوِدُ فَنَنِهَا عَن نَّفْسِةِ﴾ [يوسف: ٣٠] قال ابنُ العربي(١): فظاهرُ القرآنِ يقتضي
أنه عبدٌ، وفي الحديث: أنه كان يوشعَ بنَ نون. وفي التفسيرِ: أنه ابنُ أخته، وهذا كلُّه
ممَّا لا يُقطع به، والتوقفُ فيه أَسلمُ.
الرابعة: قوله تعالى: ((أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) قال عبدُ الله بنُ عَمرو: والحُقب ثمانونَ
سنة. مجاهد: سبعونَ خريفاً. قتادة: زمان(٢). النحاسُ: الذي يعرفُه أهلُ اللغةِ أنَّ
الحُقبَ والحِقبة زمانٌ من الدهرِ مبهمٌ غيرُ محدود، كما أنَّ رهطاً وقوماً مبهمٌ غيرُ
محدود، وجمعُه أحقاب(٣).
قوله تعالى: ﴿فَلَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَّهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (﴾ قَالَ
أَرَوَيْتَ إِذْ أَوَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرَةُ
وَخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ عَ ﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَىْ ءَثَارِهِمَا قَصَصًا
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا (٥)﴾
(٦٤
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ الضميرُ
في قوله: ((بينهما)) للبحرين؛ قاله مجاهد(٤). والسَّرَب: المسلكُ؛ قاله مجاهد. وقال
قتادة: جَمَد الماءُ فصار كالسَّرَب(٥). وجمهورُ المفسرين أنَّ الحوت بقي موضعُ
سلوكِه فارغاً، وأن موسى مشَى عليه متبعاً للحوت، حتى أَفضى به الطريق إلى جزيرةٍ
في البحر، وفيها وجد الخَضِرَ. وظاهرُ الروايات والكتابِ أنَّه إنما وجدَ الخضرَ في
ضفةِ البحر. وقوله: ((نسيا حوتهما)) وإنَّما كان النسيانُ من الفتى وحدَه فقيل: المعنى:
(١) في أحكام القرآن ١٢٣٢/٣، وما قبله منه.
(٢) أخرجه عنهم الطبري ١٥/ ٣١٠ - ٣١١، وقول مجاهد في التفسير ٣٧٨/١.
(٣) الكلام بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٤٦٣/٢ و١٣٠/٥.
(٤) في التفسير ٣٧٨/١، وأخرجه عنه الطبري ٣١١/١٥.
(٥) تفسير الطبري ٣١٤/١٥، وقول مجاهد في السرب ذكره في النكت والعيون ٣٢٣/٣.

٣٢٠
سورة الكهف: الآيات ٦١ - ٦٥
نسيَ أن يُعلِم موسى بما رأَى من حاله، فنسبَ النسيان إليهما للصحبة(١)، كقوله
تعالى: ﴿يَخْيُ مِنْهُمَا الُؤْلُ وَالْمَرْكَانُ ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنَّما يخرج من المِلحِ، وقولِه:
﴿يَمَعْثَرَ أَلْجِنّ وَالْإِسِ أَلَمَ بَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنَّما الرسلُ من الإنس لا
من الجن. وفي ((البخاري))(٢): فقال لفتاه: لا أُكلفك إلا أن تخبرني بحيثُ يُفارقك
الحوثُ، قال: ما كلَّفتَ كثيراً، فذلك قوله عزَّ وجلَّ: ((وإذ قال موسى لفتاه)) يوشع بن
نون - ليست عن سعيد(٣) - قال: فبينا هو في ظلِّ صخرةٍ في مكانٍ ثَرْيَانَ إذْ تَضَرَّبَ(٤)
الحوتُ وموسى نائمٌ فقال فتاه: لا أُوقِظِهِ، حتى إذا استيقظَ نسيَ أن يخبره، وتَضَرَّبَ
الحوتُ حتى دخلَ البحر، فأمسكَ الله عنه جِرْيَةَ البحرِ حتى كأنَّ أثرَه في حَجَر. قال
لي عمرو (٥): هكذا كأنَّ أثرَه في حَجَر، وحَلَّقَ بينَ إبهاميه واللتين تَلِيانِهِما. وفي
روايةٍ (٦): وأمسكَ الله عن الحوتِ جِرْيةَ الماءِ فصار عليه مثلَ الطاق(٧)، فلما
استيقظَ، نسيَ صاحبُه أن يخبره بالحوتِ، فانطلقا بقيةَ يومِهما وليلتهما، حتى إذا كان
من الغد قال موسى لفتاه: ((آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً)) ولم يجدْ موسى
النَّصَبَ حتى جاوزَ المكانَ الذي أَمَر الله به، فقال له فتاه: «أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى
الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)).
وقيل: إنَّ النسيانَ كان منهما؛ لقولِه تعالى: ((نسِيا)) فنَسَب النسيانَ إليهما(٨)،
(١) الكلام بنحوه في المفهم ١٩٦/٦ - ١٩٧، والمحرر الوجيز ٥٢٨/٣.
(٢) صحيح البخاري (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث ابن عباس.
(٣) قال الحافظ في فتح الباري ٤١٤/٨: القائل ليست عن سعيد هو ابن جريج، ومراده أن تسمية الفتى
ليست عنده في رواية سعيد بن جبير.
(٤) ثريان، أي: مبلول، من: ثرَّى التربة تثرية: بلَّها. وتضرَّب: تحرَّك وماج. القاموس (ثري) و(ضرب).
(٥) أي: عمرو بن دينار، والقائل هو ابن جريج كما في فتح الباري لابن حجر ٤١٦/٨ .
(٦) عند البخاري (٤٧٢٥).
(٧) الطاق: هو الثَّقْب الذي يُدخّل منه كما في المفهم ٦/ ١٩٦ .
(٨) الكلام بنحوه في زاد المسير ١٦٥/٥ - ١٦٦، والكشاف ٤٩١/٢.