النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤١
يا عبد الله بن قيس، ألا أدُلَّك على كلمة من كنزِ الجنة، في رواية: على كنزٍ من كنوز
الجنة؟)) قلت: ما هي يا رسولَ الله؟ قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)). وعنه قال:
قال لي رسول الله﴾: ((ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوز
الجنة؟)) قلت: بلى، فقال: ((لا حولَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)»(١). وروي أنه
مَن دخل منزله أو خرجَ منه فقال: باسم الله ما شاءَ الله لا قوةَ إلا بالله، تنافرت عنه
الشياطينُ من بين يديه، وأنزلَ الله تعالى عليه البركات. وقالت عائشةُ: إذا خرج
الرجل من منزله فقال: باسم الله. قال المَلَك: هُديتَ، وإذا قال: ما شاء الله. قال
المَلك: كُفِيت، وإذا قال: لا قوةَ إلا بالله. قال الملك: وُقيت. خَرَّجه الترمذيُّ(٢) من
حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﴾: ((مَن قال - يعني: إذا خرجَ من بيتِه -:
باسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يقال له(٣): كُفِيت ووُقِيت
وتنخَّى عنه الشيطان)) هذا حديث حسن(٤) غريب صحيح(٥) لا نعرفه إلا من هذا
الوجه. خَرَّجه أبو داود(٦) أيضاً وزاد فيه: فقال له: ((هُدِيت وكُفيت وُقيت)).
وأخرجه ابن ماجه(٧) من حديث أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: «إذا خرجَ الرجل من
بابٍ بيته أو باب دارِه، كان معه مَلَكان موگَّلان به، فإذا قال: باسم الله، قالا: هُديت.
وإذا قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، قالا: وُقيت. وإذا قال: توكَّلت على الله، قالا:
كفيت. قال: فيلقاه قَريناه فيقولان: ماذا تريدان من رجلٍ قدِ هُدِيَ ووُقِي وكُفِي؟)).
(١) صحيح مسلم (٢٧٠٤) (٤٧) دون قوله: العلي العظيم، وهو عند البخاري (٦٣٨٤).
(٢) في سننه (٣٤٢٦)، وحديث عائشة وما قبله لم نقف عليهما.
(٣) ليست في (م) و(د) و(ز).
(٤) ليست في (م) و(د) و(ز)، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في سنن الترمذي، وينظر الأذكار
للنووي ص٣٣ .
(٥) ليست في (م) و(د) و(ز) و(ف)، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في سنن الترمذي.
(٦) برقم (٥٠٩٥).
(٧) في سننه برقم (٣٨٨٦)، وفي إسناده هارون بن هارون وهو ضعيف.

٢٨٢
سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤١
وقال الحاكم أبو عبد الله في ((علوم الحديث))(١): سُئل محمدُ بنُ إسحاق بن
خزيمة عن قولِ النبيِّ#: ((تحاجَّت الجنةُ والنار، فقالت هذه - يعني: الجنة -:
يدخلني الضعفاء» مَنِ الضعيف؟ قال: الذي يُبرئ نفسَه من الحول والقوّة يعني في
اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. وقال أنس بن مالك: قال النبيُّ #: ((مَن رأى شيئاً
فأعجَبه، فقال: ما شاءَ الله لا قوة إلا بالله لم يضرَّه عين))(٢). وقد قال قومٌ: ما من
أحدٍ قالَ: ما شاء الله كان، فأصابه شيءٌ إلا رَضِيَ به. ورُوي أنَّ من قال أربعاً أمِنَ
من أربع: مَن قال هذه أَمِنَ من العين، ومن قال: حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل، أَمِن من
كيدِ الشيطان، ومَن قال: وأُفوض أمري إلى الله، أَمِن مكرَ الناس، ومَن قال: لا إلهَ
إلا أنتَ سبحانك إني كنتُ من الظالمين، أَمِن من الغمِّ.
قوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ ((إنْ)) شرط ((تَرَنِ)) مجزوم به،
والجوابُ ((فعسى رَبِّي))، و((أنا)) فاصلةٌ لا موضع لها من الإعراب، ويجوزُ أن تكون
في موضعٍ نصب توكيداً للنون والياء. وقرأَ عيسى بنُ عمر: ((إن ترنِ أنا أقلُّ منك))
بالرفع؛ يَجعلُ ((أنا)) مبتدأً، و((أقل)) خبرَه، والجملةَ في موضعِ المفعولِ الثاني،
والمفعولُ الأول النونُ والياء؛ إلا أنَّ الياء حُذِفت؛ لأنَّ الكسرة تدلُّ عليها، وإثباتُها
جيِّد بالغ وهو الأصلُ؛ لأنَّها الاسم على الحقيقةِ (٣). و﴿فَسَى﴾ بمعنى لعل، أي:
فلعلَّ ربي ﴿أَنْ يُؤْتِيَّنِ خَيْرً مِّنْ جَنَّئِكَ﴾ أي: في الآخرة. وقيل: في الدنيا، ﴿وَيُرْسِلَ
عَلَيْهَا﴾ أي: على جنتك ﴿حُسْبَانً﴾ أي: مرامي من السماء، واحدُها حُسْبانة؛ قاله
الأخفشُ والقُتَبِيُّ وأبو عبيدةَ (٤)، وقال ابنُ الأعرابي: والحسبانةُ السحابةُ، والحسبانة
(١) ص ٨٤ .
(٢) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٠٧)، وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٥٧، وينظر تفسير الطبري ٢٦٥/١٥، والكشاف ٤٨٥/٢، والمحرر
الوجيز ٥١٨/٣ .
(٤) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٦٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٤٠٣، وقول الأخفش نقله
الماوردي في النكت والعيون ٣٠٧/٣ .
٠٠

٢٨٣
سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤١
الوسادةُ، والحسبانةُ الصَّاعقة(١). وقال الجوهري(٢): والحُسبان، بالضم: العذابُ.
وقال أبو زياد الكلابي: أصابَ الأرض حسبانٌ، أي: جراد. والحُسبانُ أيضاً
الحساب، قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. وقد فُسِّر الحُسْبان
هنا بهذا. قال الزجاجُ(٣): الحسبانُ من الحساب، أي: يرسل عليها عذابَ الحساب،
وهو حسابُ ما اكتسبتْ يداك. فهو من بابٍ حذف المضاف. والحسبان أيضاً: سهامٌ
قصار يُرمَى بها في طلقٍ واحد(٤)، وكان من رَمْي الأكاسرةِ. والمرامي من السماءِ
عذابٌ. ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ يعني: أرضاً بيضاء لا ينبتُ فيها نباتٌ، ولا يثبتُ عليها
قدم، وهي أضَرُّ أرضٍ بعد أن كانت جنةً أنفعَ أرضٍ(٥). و((زلقاً)) تأكيد لوصفٍ
الصعيد، أي: تزلُّ عنها الأقدامُ لملاستِها. يقال: مكانٌ زَلَقٌ، بالتحريك، أي:
دَخْضٌ، وهو في الأصل مصدرُ قولِك: زَلِقت رجلُه تَزْلَقُ زَلَقاً، وأَزلَقها غيرُه. والزَّلقُ
أيضاً عَجُزُ الدابةِ. قال رُؤيةُ :
كأنَّها حَقْباءُ بَلْقاء الزَّلَقْ(٦)
والمَزْلَقُ والمَزْلَقة(٧): الموضعُ الذي لا يثبت عليه قدمٌ. وكذلك الزَّلَّاقةُ. والزَّلْقُ:
الحَلْقِ، زَلَق رأسَه يَزْلِقُه زَلْقاً حلقه؛ قاله الجوهريُّ(٨). والزَّلَقُ: المحلوق، كالنَّقْض
(١) تهذيب اللغة ٣٣٢/٤ .
(٢) في الصحاح (حسب).
(٣) في معاني القرآن ٢٩٠/٣.
(٤) نسبه في تهذيب اللغة ٣٣٢/٤ إلى ابن شُميل.
(٥) النكت والعيون ٣٠٧/٣ .
(٦) ديوان رؤبة ص١٠٤، والرجز في تهذيب اللغة ٤٣١/٨، والخزانة ٨٦/١، وقال البغدادي:
والحقباء: مؤنث الأحقب، وهو حمار الوحش سمي بذلك لبياض في حقويه، شبه الناقة بالأتان
الوحشية، وهي في الجلادة والسرعة مثلها. والبلقاء: مؤنث الأبلق. والزَّلق: عجز الدابة، أي: المكان
الذي تزلق اليد عن كفلها أبيض وأسود.
(٧) في (م): والمَزلقة والمُزلقة، وفي (ز) و(د): والمزلقة والزلقة، وسقطت إحداهما من (ف) و(ظ)،
والمثبت من الصحاح ومقاييس اللغة (زلق).
(٨) في الصحاح (زلق).

٢٨٤
سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤١
والنَّقَض. وليس المرادُ أنَّها تصيرُ مَزْلقة، بل المرادُ أنَّها لا يبقى فيها نباتٌ كالرأسِ إذا
حُلق لا يَبقى عليه شعر؛ قاله القشَيْرِيُّ.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائراً ذاهباً، فتكون أعدمَ أرضٍ للماء بعد أن كانت
أوجدَ أرض للماء (١). والغَوْرُ مصدرٌ وُضِع موضعَ الاسمِ، كما يقال: رجلٌ صَوْمٌ
وفِظْرٌ، وعَدْلٌ ورِضاً، وفَضْلٌ وزَوْرٌ، ونساء نوٌ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث،
والتثنيةُ والجمع(٢). قال عمرو بن كُلثوم:
مُقلَّدة أَعنتَها صُفُونا(٣)
تظَلُّ جيادُه نَوْحاً عليه
آخر:
ضُباعَ وجاوبي نَوحاً قياما(٤)
هَرِيقي من دموعِهما سِجاما
أي: نائحات. وقيل: أويصبح ماؤها ذا غَوْر، فحذف المضافَ، مثلُ ((واسأل
القَرْيَةَ)) ذكره النحاس(٥). وقال الكسائي: مياه(٦) غَوْرٌ. وقد غار الماءُ يَغُور غَوْراً
وغُؤُوراً، أي: سفَل في الأرض، ويجوزُ الهمزُ لانضمام الواو. وغارت عينُه تَغُور
غَوْراً وغُؤُوراً، دخلت في الرأسِ، وغارت تَغار لغةٌ فيه. وقال:
أَغارتْ عينُه أم لم تَغَارَا(٧)
(١) النكت والعيون ٣٠٧/٣.
(٢) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٦٧ ، والمحرر الوجيز ٥١٨/٣ .
(٣) معلقة عمرو بن كلثوم بشرح ابن كيسان ص ٦٠، وشرح القصائد المشهورات لابن النحاس ٩٩/٢،
وصدره ثمة: تركنا الخيل عاكفة عليه، وتفسير الطبري ٢٦٧/١٥ دون نسبة، ومجاز القرآن لأبي عبيدة
٤٠٤/١.
ووقع في النسخ الخطية: جيادنا. والصافن: القائم. ويقال: الذي يرفع إحدى قوائمه من الإعياء يعتمد
علی سنبکها.
(٤) البيت في تفسير الطبري ٢٦٧/١٥، ومجاز القرآن ٤٠٤/١، وأمالي المرتضى ٢٠١/١ دون نسبة.
وضباع: ترخيم ضباعة، وهو اسم امرأة.
(٥) في إعراب القرآن ٤٥٨/٢ .
(٦) في (د) و(ز) و(م): ماء، والمثبت من (ظ) و(ف)، وإعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٢، والكلام منه.
(٧) عجز بيت نسبه في الصحاح (غور) إلى ابن أحمر.

٢٨٥
سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤٢
وغارتِ الشمسُ تغور غِياراً، أي: غربت. قال أبو ذُؤيب:
هل الدهرُ إلَّا ليلةٌ ونهارُها وإلا طلوعُ الشمسِ ثم غيارُها(١)
﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُمْ طَلَبًا﴾ أي: لن تستطيع ردّ الماء الغائر، ولا تقدر عليه بحيلة.
وقيل: فلن تستطيع طلبَ غيره بدلاً منه. وإلى هذا الحديث انتهت مناظرةُ أخيه
وإنذارُ.(٢).
قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَى لَمْ أُشْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًا (َ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأُحِطَ بِشَرِهِ﴾ اسمُ ما لم يُسمَّ فاعِلُهُ مُضمرٌ، وهو المصدر،
ويجوز أن يكونَ المخفوضُ في موضعٍ رفع (٣). ومعنى ((أُحِيط بثمره)»، أي: أُهْلِك مالُه
كلُّه، وهذا أَوَّلُ ما حقق اللهُ تعالى به إنذارَ أخيه، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كُفَّيْهِ﴾ أي: فأصبحَ
الكافرُ يضربُ إحدى يديه على الأخرى ندماً؛ لأنَّ هذا يصدر من النادم. وقيل: يقلِّب
مِلكه فلا يرى فيه عوضَ ما أنفق، وهذا لأنَّ المِلك قد يُعبّر عنه باليد، من قولهم: في
يده مال، أي: في مِلكه مال(٤). ودلَّ قولُه: ((فأصبح)) على أن هذا الإهلاكَ جرى
بالليل، كقوله: ﴿فَطَافَ عَلَّهَا طَيٌِّ مِّنِ زَّكَ وَهُمْ نَآيِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَلَصَّرِ﴾ [ن: ١٩] ويقال:
أنفقتُ في هذه الدار كذا، وأَنفقتُ عليها (٥). ﴿وَهِىَ خَاوِيَةُ عَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية قد
سقط بعضُها على بعض، مأخوذٌ من: خَوَتِ النجوم تخوي خَيًّا: أمْحَلَتْ، وذلك إذا
سَقطت ولم تُمْطر في نَوْئها، وأخْوَت مثلُه. وخوَت الدار خَواء ممدود(٦): أقْوَت،
(١) ديوان الهذليين ص٢١، والصحاح (غور)، وهو في مجالس ثعلب ص٥٨٣ دون نسبة.
(٢) النكت والعيون ٣٠٨/٣.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٢ .
(٤) النكت والعيون ٣٠٨/٣.
(٥) ينظر زاد المسير ١٤٦/٥ .
(٦) ليست في (م).

٢٨٦
سورة الكهف: الآيتان ٤٢ - ٤٣
وكذلك إذا سقطت؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوَأَ﴾
[النمل: ٥٢] ويقال: ساقطة، كما يقال: فهي خاوية على عروشها، أي: ساقطة على
سقوفها(١). فجمعَ عليه بين هلاك الثمرِ والأصل، وهذا من أعظم الجوائح، مقابلةً
على بَغْیه(٢).
﴿وَيَقُولُ يَيْكَنِى لَمْ أُشْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ أي: يا ليتني عرفتُ نعمَ الله عليَّ، وعرفتُ أنَّها
كانت بقدرةِ الله ولم أكفرْ به. وهذا ندمٌ منه حينَ لا ينفعه الندم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِتَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَُّر ◌ِئَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ((فِئةٌ)) اسمُ ((تكن))، و ((له))
الخبر. (يَنْصُرونه)) في موضع الصفةِ، أي: فئة ناصرة، ويجوزُ أن يكونَ ((ينصرونه))
الخبرَ، والوجهُ الأوّلُ عندَ سيبويهِ أوْلى (٤)؛ لأنه قد تقدَّم ((له)). وأَبو العباس(٥)
يُخالِفه، ويحتجُّ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]،
وقد أجازَ سيبويهِ الآخَر، و((ينصرونه)) على معنى فئة؛ لأنَّ معناها أقوام، ولو كان
على اللفظِ لقال: ولم تكنْ له فئةٌ تنصره (٦)، أي: فرقة وجماعة يلتجئ إليهم.
﴿وَمَا كَانَ مُنَصِرًا﴾ أي: ممتنعاً؛ قاله قتادة. وقيل: مُسترِدًّا بدلَ ما ذهبَ منه(٧).
وقد تقدَّم اشتقاقُ الفئةِ في ((آل عمران)»(٨). والهاءُ عوضٌ من الياءِ(٩) التي نقصَت من
(١) الصحاح (خوى)، وتهذيب اللغة ٧ / ٦١٥ .
(٢) النكت والعيون ٣٠٨/٣.
(٣) ينظر الوسيط ١٤٩/٣، وزاد المسير ١٤٦/٥.
(٤) ينظر كتاب سيبويه ٥٦/٤ .
(٥) أي: المبرد، وكلامه في المقتضب ٤ / ٩٠ - ٩١ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٨/٢ .
(٧) النكت والعيون ٣٠٨/٣، وأخرج قول قتادة الطبري ١٥/ ٢٧٠ .
(٨) ٣٨/٥.
(٩) قال ابن الشجري في أماليه ٢٧٨/٢: والمحذوف من ((فئة)) واوٌ، وجمعها فئات، وهي من قولهم:
فَأَوْتُ: إذا شققتَ وفرَّقتَ؛ لأنَّ الفئة كالفِرقة.

٢٨٧
سورة الكهف: الآيات ٤٣ - ٤٤
وسطه، أَصلُه فِيءٌ مثلُ فِيع؛ لأنَّه من فاء، ويُجمعُ على فِئون وفِئات، مثل شِيَات
ولِدَات(١) وهبات(٢). أي: لم تكن له عشيرةٌ(٣) يمنعونَه من عذابِ الله، وضلَّ عنه مَنِ
افتخرَ بهم من الخدمِ والولد.
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِلَّهِ الْحَقَّ هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا وَخَيُِّ عُقْبًا
٤٤
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ اٌلْوَلَيَّةُ لِلَّهِ الْحَّ﴾ اختُلفَ في العامل في قوله: ((هنالك)) وهو
ظرف؛ فقيل: العاملُ فيه ((ولم تكن له فئة)) ولا كان هنالك؛ أي: ما نُصِر ولا انتصرَ
هنالك، أي: لِمَا أصابَه من العذاب. وقيل: تمَّ الكلامُ عندَ قوله: ((منتصِراً))، والعاملُ
في قوله: ((هنالك)): ((الولايةُ))، وتقديرُه على التقديم والتأخير: الولايةُ لله الحقِّ
هنالك، أي: في القيامة (٤). وقرأ أبو عمرو، والكسائيُّ: ((الحقُّ) بالرفع(٥) نعتاً
للولاية. وقرأ أهلُ المدينة وحمزةُ: ((الحقِّ)» بالخفضِ نعتاً لله عزَّ وجلَّ، والتقديرُ: لله
ذي الحق. قال الزَّجاجُ(٦): ويجوزُ ((الحقَّ)) بالنصب على المصدرِ والتوكيد، كما
تقول: هذا لك حقًّا. وقرأَ الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ: ((الولاية)) بكسر الواو، الباقون
بفتحِها(٧)، وهما بمعنّ واحدٍ كالرِّضاعة والرَّضاعة. وقيل: الولايةُ بالفتح من
الموالاة، كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[محمد: ١١]. وبالكسر يعني: السلطان والقدرة والإمارة(٨)، كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَيذٍ
-
(١) الصحاح (فيأ).
(٢) في (م): مئات، وفي (د) و(ز): هيات، والمثبت من (ظ) و(ف).
(٣) نسبه في النكت والعيون ٣٠٨/٣ إلى مجاهد، وهو في تفسيره ٣٧٦/١ وأخرجه عنه الطبري ٢٦٩/١٥،
وينظر تفسير السمر قندي ٢/ ٣٠٠ .
(٤) وقال النحاس في إعراب القرآن ٤٥٩/٢: العامل فيه منتصراً. وقال ابن الشجري في أماليه ١٦٨/١ :
هنالك ظرف في موضع الحال، والعامل فيه قوله: (الله) وذو الحال المضمرُ المستكنُّ في (لله).
(٥) التيسير ص ١٤٣ ، والسبعة ص٣٩٢ .
(٦) ينظر معاني القرآن وإعرابه ٢٨٩/٣، وكلام الزجاج وما قبله من إعراب القرآن للنحاس ٤٥٩/٢ .
(٧) التيسير ص ١٤٣، والسبعة ص٣٩٢ .
(٨) الكشاف ٤٨٦/٢، والمحرر الوجيز ٥١٩/٣.

٢٨٨
سورة الكهف: الآيتان ٤٤ - ٤٥
لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] أي: له الملكُ والحكمُ يومئذٍ، أي: لا يُردُّ أمرُه إلى أحد،
والمُلك في كل وقتٍ لله، ولكن تَزولُ الدَّعاوَى والتَّوَهُّماتُ يومَ القيامة. وقال
أبو عبيد: إنَّها بفتح الواو للخالق، وبكسرها للمخلوق(١).
﴿هُوَ خَيْرٌّ ثَوَابًا﴾ أي: اللهُ خيرٌ ثواباً في الدنيا والآخرة لمن آمن به، وليس ثَمَّ غیرٌ
يُرْجَى منه، ولكنَّه أَرادَ: في ظنِّ الجُهَّال، أي: هو خيرُ مَنْ يُرجَى(٢). ﴿وَخَيْرُ عُقْبَا﴾
قرأ عاصم والأعمش، وحمزة ويحيى: ((عُقْباً)) ساكنة القاف، الباقون بضمِّها(٣)،
وهما بمعنّى واحد؛ أي: هو خيرُ عاقبةٍ لمن رَجاه وآمنَ به. يقال: هذا عاقبةُ أمرٍ فلان
وعُقباه (٤) وعُقْبُه، أي: آخره.
قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنَزْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ،
نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَّذْرُوهُ الْرَِّجُّ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا
٤٥
قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمُ مَّثَلَ الْخَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ أي: صِفْ لهؤلاء المتكبرين الذين
سألوك طَردَ فقراءِ المؤمنين مَثلَ الحياةِ الدنيا، أي: شَبِّهها (٥) ﴿ كَمَآءٍ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَلِ
فَأَخَلَطَ بِهِ﴾ أي: بالماء ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حتى استوى. وقيل: إنَّ النبات اختلط بعضُه
ببعض حين نزل عليه الماء(٦)؛ لأنَّ النبات إنما يختلطُ ويكثر بالمطر. وقد تقدَّم هذا
المعنى في (يونس))(٧) مبيّناً.
(١) نقله عنه الماوردي في النكت والعيون ٣٠٩/٣.
(٢) ينظر زاد المسير ١٤٨/٥.
(٣) التيسير ص١٤٣، والسبعة ص٣٩٢، عن عاصم وحمزة، وزاد عليهما في المحرر الوجيز ٥١٩/٣
الحسن، وذكر قراءة الأعمش أبو حيان في البحر المحيط ٦/ ١٣١.
(٤) بعدها في (ظ): وعقيبه، وفي (ف): وعقبه، وينظر الطبري ٢٧١/١٥، والصحاح ومقاييس اللغة
(عقب).
(٥) ينظر الطبري ١٥/ ٢٧٢.
(٦) النكت والعيون ٣٠٩/٣، والمحرر الوجيز ٥١٩/٣.
(٧) ١٠/ ٤٧٧ .

٢٨٩
سورة الكهف: الآية ٤٥
وقالت الحكماء: إنَّما شبَّه تعالى الدنيا بالماء؛ لأنَّ الماءَ لا يستقر في موضع،
كذلك الدنيا لا تبقى على واحدٍ، ولأن الماءَ لا يستقيم على حالةٍ واحدة كذلك
الدنيا، ولأنَّ الماءَ لا يبقى ويذهب، كذلك الدنيا تَفنَى، ولأن الماءَ لا يَقدِر أحدٌ أن
يدخلَه ولا يبتلَّ، كذلك الدنيا لا يَسلم أحدٌ دخلها من فتنتِها وآفتها، ولأنَّ الماء إذا
كان بقدرٍ كان نافعاً مُنْبِتاً(١)، وإذا جاوزَ المقدار كان ضارًّا مهلكاً، وكذلك الدنيا
الكفافُ منها ينفعُ وفضولُها یضرُّ. وفي حديث النبيِّ ﴾ قال له رجل: يا رسولَ الله،
إني أريدُ أن أكونَ من الفائزين، قال: ((ذَرِ الدنيا وخُذ منها كالماء الراكد؛ فإنَّ القليلَ
منها يكفي، والكثير منها يُطغي)) (٢). وفي ((صحيح)) مسلم عن النبيِّ #: ((قد أفلحَ مَن
أسلم ورُزِق كفافاً وقتَّعه الله بما آتاه))(٣). ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: النبات ﴿هَشِيمًا﴾ أي:
متكسِّراً من اليُبس متفتّناً، يعني: بانقطاع الماءِ عنه، فحذف ذلك إيجازاً لدلالةِ الكلام
عليه (٤). والهَشْم: كسرُ الشيء اليابس. والهشيمُ من النبات اليابسُ المتكسرُ، والشجرةُ
البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء. ومنه قولهم: ما فلانٌ إلا هشِيمةُ كَرَم؛ إذا كان
سَمْحاً. ورجلٌ هَشِيم: ضعيفُ البدن. وتهشَّم عليه فلان إذا تعّف. واهتشم ما في
ضَرعِ الناقةِ إذا احتلبَه. ويقال: هَشَمَ الثَّرِيد، ومنه سُمِّيَ هاشمُ بنُ عبدِ مناف واسمُه
عمرو، وفيه يقولُ عبدُ الله بن الزِّبعْرَى:
عَمْرُو العُلَا هَشَم الثريدَ لقومه
ورجالُ مكّةَ مُسْنِتُون عِجافُ(٥)
(١) في (ظ) و(ف): مبقياً.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) صحيح مسلم (١٠٥٤)، وهو عند أحمد (٦٥٧٢)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما.
(٤) النكت والعيون ٣٠٩/٣ .
(٥) الصحاح (هشم)، والبيت في ديوان عبد الله ص٥٣ في ما ينسب إلى عبد الله بن الزبعرى وإلى غيره
من الشعراء، وفي أمالي المرتضى ٢٦٩/٢، والحماسة البصرية ١٥٥/١ - ١٥٦. ومسنتون من
أستتوا: أجدبوا. القاموس (سنت).

٢٩٠
سورة الكهف: الآية ٤٥
وكان سببُ ذلك أنَّ قريشاً أصابتهم سِنونَ ذهبْنَ بالأموالِ، فخرج هاشمٌ إلى
الشأم، فأمرَ بخبز كثيرٍ فخُبِز له، فحمله في الغرائر على الإبلِ حتى وافى مكةَ، وهشمَ
ذلك الخبز، يعني: كَسَّره وثَرَده، ونحر تلك الإبلَ، ثم أمر الُهاةَ فطبخوا، ثم كفأ
القدورَ على الجِفان فأشبعَ أهل مكة؛ فكان ذلك أولَ الحِباء (١) بعدَ السنةِ التي
أصابتهم؛ فسُمِّيَ بذلك هاشماً (٢).
﴿نَذْرُوهُ الرَّجُ﴾ أي: تُفرقه؛ قاله أبو عبيدة(٣). ابن قتيبة: تنسِفُه(٤). ابن كَيْسان:
تذهبُ به وتجيء. ابنُ عباس: تُديره (٥)، والمعنى متقاربٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّف
(تذريه الريح))(٦). قال الكسائي: وفي قراءةٍ عبد الله ((تَذريه))(٧). يقال: ذَرَتْه الریحُ
تَذْرُوه ذَرْواً، وتَذرِيه (٨) ذَرْياً، وأذرته تُذْريه إذْراء(٩) إذا طارتْ به. وحكى الفراءُ(١٠):
أَذريتُ الرجلَ عن فرسِه، أي: قلبتَه. وأنشد سيبويهِ والفراءُ:
فقلتُ له صَوِّبْ ولا تَجهدَنَّهُ فُيُذْرِك من أُخْرَى القَطاةِ فَتَزْلَقِ (١١)
(١) في (ف): الحياة، والحِباءُ: العطاء بلا جزاء ولا مَنُّ. القاموس (حبو).
(٢) ينظر الروض الأنف ١/ ١٦١ .
(٣) في مجاز القرآن ٤٠٥/١ .
(٤) تفسير غريب القرآن ص٢٦٨.
(٥) في (ز): تدبره.
(٦) أي بالإفراد، وذكرها عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٠، وزاد النخعيَّ والأعمش، وذكرها أبو
حيان في البحر المحيط ٦/ ١٣٣ عن عدد من القراء.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٩/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٤٦/٢، وزاد المسير ١٤٨/٥.
(٨) ليست في (د) و(ز).
(٩) الصحاح (ذرا)، والطبري ١٥/ ٢٧٢.
(١٠) في معاني القرآن ١٤٦/٢.
(١١) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ص١٧٤، وهو عند سيبويه في الكتاب ١٠١/٣ وعزاه إلى عمرو
ابن عمار الطائي ووقع في الكتاب: فيُدْنِك من الإدناء، وعند الفراء في معاني القرآن ١٤٦/٢،
والطبري ٢٧٢/١٥، وإعراب القرآن للنحاس ٤٥٩/٢ دون نسبة، وقال الشنتمري في تحصيل عين
· الذهب ص٤٢٥: يقول هذا لغلامه وقد حمله على فرسه ليصيد له، ومعنى صوِّب: خذ القصدَ في
السير وارفق بالفرس ولا تجهده. وأُخرى القطاة: آخرها، والقطاة: مقعد الردف. ويُروى: فيُذْرِك أي:
يرمي بك، يقال: أذراه عن فرسه إذا رمى به. وجاء في (د) و(ز) و(ظ): صوِّت.

٢٩١
سورة الكهف: الآيتان ٤٥ - ٤٦
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ من الإنشاءِ والإفناءِ(١) والإحياء،
سبحانه!
قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيُّ عِنْدَ رَبِّكَ
ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٣)﴾
قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ ويجوزُ ((زينتا)) وهو خبر الابتداءِ
في التثنيةِ والإفراد. وإنَّما كان المالُ والبنون زينةَ الحياة الدنيا؛ لأنَّ في المالِ جمالاً
ونفعاً، وفي البنين قوَّة ودفعاً (٢)، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينةُ الضَّعَة(٣)
للمال والبنين؛ لأن المعنى: المالُ والبنون زينةُ هذه الحياة المحتقرة؛ فلا تُتبعوها
نفوسَكم (٤). وهو رَدِّ على عُيينةَ بن حِصْن وأمثالِه لمَّا افتخروا بالغنى والشرفِ، فأخبر
تعالى أنَّ ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرورٌ يمرُّ ولا يبقى، كالهشيم حين ذَرتْه
الريحُ، إنَّما يبقى ما كان من زادِ القبر وعُدد الآخرةُ(٥). وكان يقال: لا تعقد قلبكَ مع
المال؛ لأنه فَيْءٌ ذاهب، ولا مع النساءِ؛ لأنَّها اليومَ معك وغداً مع غيرك، ولا مع
السلطان؛ لأنه اليوم لك وغداً لغيرك. ويكفي في هذا قولُ الله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَقْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ أي: ما يأتي به سَلْمان وصُهيب وفقراءُ
المسلمين من الطاعات(٦) ﴿خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: أفضل ﴿وَخَيْرُ أَمَلًا﴾ أي: أفضل
(١) الكشاف ٤٨٦/٢.
(٢) النكت والعيون ٣/ ٣١٠.
(٣) في (م): الصفة.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٠ .
(٥) تفسير السمر قندي ٣٠١/٢، والطبري ٢٧٣/١٥ بنحوه.
(٦) الوسيط ١٥١/٣.

٢٩٢
سورة الكهف: الآية ٤٦
أملاً من ذي المال والبنين دونَ عمل صالح(١)، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه
خَرَج مخرجَ قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقيل: خير في
التحقيق ممَّا يَظُّه الجهالُ أنه خیر في ظنّهم.
واختلف العلماءُ في ((الباقيات الصالحات)»، فقال ابنُ عباس وابن جُبير وأبو
مَيْسرة عمرو (٢) بن شُرَحْبِيل: هي الصلواتُ الخمس(٣). وعن ابن عباس أيضاً: أنَّها
كلُّ عملٍ صالح من قول أو فعل يبقى للآخرةِ. وقاله ابنُ زيد ورجَّحه الطبري (٤)، وهو
الصحيحُ إن شاء الله؛ لأنَّ كل ما بقي ثوابُه، جازَ أن يقال له هذا. وقال عليٍّ ﴾:
الحرثُ حرثان، فحرتُ الدنيا المالُ والبنون، وحرثُ الآخرةِ الباقياتُ الصالحات،
وقد يَجمعُهن الله تعالى لأقوام (٥).
وقال الجمهور: هي الكلماتُ المأثورُ فضلها: سبحانَ الله والحمد لله ولا إله
إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم(٦). خرَّجه مالك في
((موطئه))(٧) عن عمارة بنٍ صياد، عن سعيد بن المسيِّب، أنه سمعه يقولُ في الباقياتِ
الصالحات: إنها قولُ العبدِ: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا
حول ولا قوّة إلا بالله. أَسنده النَّسائيُّ عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، أن رسول الله :﴿ قال:
(استكثِروا من الباقياتِ الصالحات)) قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((التكبيرُ
والتهليلُ والتسبيحُ والحمدُ لله ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله))(٨). صحَّحه أبو محمد عبدُ
(١) المحرر الوجيز ٥٢٠/٣ .
(٢) في (م): وعمرو.
(٣) أخرجه عنهم الطبري ١٥/ ٢٧٤ - ٢٧٥ .
(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٨٠ - ٢٨١ عنهما ورجّحه.
(٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٠٣/٤٢ .
(٦) المحرر الوجيز ٣/ ٥٢٠ .
(٧) الموطأ ١/ ٢١٠، وهو عند الطبري ٢٧٩/١٥ .
(٨) لم نقف عليه عند النسائي، وعزاه المزي في تحفة الأشراف ٣٦٢/٣ إليه في عمل اليوم والليلة وذكر
إسناده، وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى ٢/ ٨٩١، وهو عند أحمد (١١٧١٣).

٢٩٣
سورة الكهف: الآية ٤٦
الحق رحمه الله. وروى قتادةُ أنَّ رسولَ الله ﴾ أخذَ غُصْناً فَخرطه حتى سقط ورقُه
وقال: ((إنَّ المسلم إذا قالَ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تَحاثَّت
خطاياه كما تَحاتَّ هذا، خُذهنَّ إليك أبا الدرداء قبلَ أن يُحال بينك وبينهن؛ فإنَّهن
من كنوزٍ الجنةِ وصفايا الكلام، وهنَّ الباقياتُ الصالحات)). ذكره الثعلبي، وخرَّجه
ابن ماجه بمعناه من حديث أبي الدرداءِ قال: قال رسولُ اللـه ﴾: «عليك بسبحانَ الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ فإنَّهنَّ يعني يَحِطُظْنَ الخطايا كما تَحظُ
الشجرةُ ورقَها))(١). وأخرجه الترمذي(٢) من حديث الأعمش، عن أنس بن مالك، أنَّ
رسولَ الله ﴿ مرَّ بشجرةٍ يابسةِ الورقة فضربها بعَصاهُ فتناثرَ الورقُ فقال: ((إنَّ الحمد
لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتُساقِطُ من ذنوبِ العبد كما تَساقَطَ ورقُ
هذه الشجرة)). قال: هذا حديثٌ غريب ولا نعرف للأعمش سماعاً من أنس، إلا أنه
قد رآه ونظرَ إليه (٣). وخرَّج الترمذي(٤) أيضاً عن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله ﴾:
(لَقِيتُ إبراهيمَ عليه السلام ليلةَ أسْرِيَ بي فقال: يا محمدُ، أَقرئ أمتك مني السلامَ،
وأخبرهم أنَّ الجنةَ طيبةُ التُّربةِ عذبةُ الماءِ، وأنَّها قِيعان وأنَّ غِراسها سبحان الله
والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) قال: حديثٌ حسنٌّ غريب، خرَّجه الماوردي(٥)
بمعناه. وفيه: فقلتُ: وما غِراسُ الجنةِ؟ قال: ((لا حول ولا قوةَ إلا بالله)). وخرَّج ابنُ
ماجه(٦) عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﴿ مَرَّ به وهو يَغْرِسُ غَرْساً فقالَ: ((يا أبا
هريرةَ، ما الذي تغرس؟)) قلت: غراساً. قال: ((ألا أدُلُّك على غِراسٍ خيرٍ من هذا،
سبحانَ الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يُغرسُ لك بكلِّ واحدة شجرةٌ في
(١) سنن ابن ماجه (٣٨١٣)، وضعَّفه البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٦٤/٢.
(٢) في سننه (٣٥٣٣).
(٣) قوله: ولا نعرف للأعمش سماعاً ... ونظر إليه، ليس في السنن
(٤) في سننه (٣٤٦٢).
(٥) النكت والعيون ٣/ ٣١٠ - ٣١١ دون إسناد.
(٦) في سننه (٣٨٠٧)، وحسَّن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٦٣/٢ .

٢٩٤
سورة الكهف: الآيتان ٤٦ - ٤٧
الجنة)). وقد قيل: إنَّ الباقياتِ الصالحاتِ هي النياتُ والهَمَّاتُ؛ لأنَّ بها تُقبَل
الأعمال وتُرفع؛ قاله الحسن. وقال عُبيد بن عُمير: هنَّ البناتُ؛ يدلُّ عليه أوائلُ
الآية، قال الله تعالى: ((المال والبنون زينة الحياة الدنيا)) ثمن قالَ: ((والباقياتُ
الصالحات)) يعني: البنات الصالحات هنَّ عندَ الله لا بائهنَّ خيرٌ ثواباً، وخير أملاً في
الآخرة لمن أحسن إليهنَّ. يدُلُّ عليه ما روته عائشةُ رضي الله عنها قالت: دَخلتْ عليّ
امرأةٌ مسكينة ... الحديث، وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله: ﴿يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ﴾
الآية(١). ورُوي عن النبيِّ:﴿ أنه قال: ((لقد رأيتُ رجلاً من أمتي أُمِر به إلى النار،
فتعلَّق به بناتُه وجَعلنَ يَصْرُخنَ ويَقُلن: ربِّ إنه كان يُحسنُ إلينا في الدنيا، فَرَحِمَه اللهُ
بهنَّ))(٢). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَتُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةٌ وَقْرَبَ
رُحما﴾ [الكهف: ٨١] قال: أَبدلهما منه ابنةً فتزوجها نبيٌّ، فَولدت له اثني عشر غلاماً
كلُّهم أنبياءُ(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ اَلِْبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَهُمْ فَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ
أَحَدًا
(٤٧
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال بعضُ النحويين: التقديرُ:
والباقياتُ الصَّالحاتُ خيرٌ عند ربك يومَ نُسيِّر الجبال. قال النحاسُ: وهذا غلطٌ من
أجلِ الواو(٤). وقيل: المعنى: واذكر يومَ نُسيِّر الجبال(٥)، أي: نزيلها من أماكِنها من
(١) ٥٩ .
(٢) أخرج نحوه ابن ماجه (٣٦٦٩)، وابن أبي الدنيا في العيال (٨٩) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: من
كان له ثلاث بنات، فصبر عليهنَّ وأطعمهنَّ وسقاهنَّ وكساهنَّ من جِدَتِه، كنَّ له حجاباً من النار يوم
القيامة. لفظ ابن ماجه.
(٣) نسبه الواحدي في الوسيط ١٦١/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ١٨١/٥ لابن عباس وقال: سبعين
بدل اثني عشر نبيًّا. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٣٦/٣: وهذا بعيد، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا
في بني إسرائيل.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٦٠ .
(٥) معاني القرآن وإعرابه ٢٩٢/٣ .

٢٩٥
سورة الكهف: الآية ٤٧
على وجهِ الأرض، ونُسيرها كما نسيرُ السحاب؛ كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ
مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. ثم تكسرُ فتعود إلى الأرضِ(١)؛ كما قال: ﴿وَيُسَّتِ الْجِبَالُ
بَسَّا فَكَانَتْ هَبَآء ◌ُمْبًَّا﴾ [الواقعة: ٥-٦]. وقرأ ابنُ كَثير والحسن، وأبو عمرو وابن عامر:
((ويوم تُسَيَّر)) بتاءٍ مضمومة وفتح الياء، و((الجبالُ)) رفعاً على الفعل المجهول(٢). وقرأ
ابن مُحَيْصِن(٣) ومجاهد: ((ويوم تَسير الجبالُ)) بفتح التاءِ مخففاً من سار، ((الجبال)»
رفعاً. دليلُ قراءةِ أبي عمرو: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]. ودليلُ قراءةِ ابن
محيصِن: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]. واختار أبو عبيد(٤) القراءة الأولى:
(نُسيِّر)) بالنون؛ لقوله: ((وحشرناهم)).
ومعنى ﴿بَارِزَةٌ﴾ ظاهرة، وليس عليها ما يسترُها من جبل ولا شجر ولا بنيان؛
أي: قد اجتُثت ثمارُها وقُلِعت جبالها، وهُدم بنيانُها، فهي بارزة ظاهرة. وعلى هذا
القول أهلُ التفسير. وقيل: ((وترى الأرض بارزة)) أي: برزَ ما فيها من الكنوز
والأموات(٥)؛ كما قال: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤] وقال: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] وهذا قولُ عطاءٍ(٦).
﴿وَحَشَرْنَهُمْ﴾ أي: إلى الموقف، ﴿فَلَّ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: لم نترك؛ يقال:
غادرتُ كذا، أي: تركته. قال عنترةُ :
غَادَرْتُه مُتَعَفِّراً أوصالُه
والقومُ بين مُجَرَّحِ ومُجَدَّلِ (٧)
(١) الوسيط ٣/ ١٥٢.
(٢) السبعة ص ٣٩٣، والتيسير ص١٤٤، وقراءة الحسن في المحرر الوجيز ٥٢٠/٣ .
(٣) القراءات الشاذة ص ٨٠ .
(٤) في (ظ): عبيدة.
(٥) الطبري ٢٨١/١٥، ومعاني القرآن وإعرابه ٢٩٢/٣، والوسيط ١٥٢/٣، وتفسير السمرقندي
٣٠٢/٢، والنكت والعيون ٣١١/٣.
(٦) تفسير البغوي ٣/ ١٦٥.
(٧) ديوانه ص ٦٠ .

٢٩٦
سورة الكهف: الآيتان ٤٧ - ٤٨
أي: تركته. والمغادرةُ التركُ، ومنه الغَدْر؛ لأنه تركُ الوفاءِ. وإنَّما سُمِّي الغديرُ من
الماءِ غديراً؛ لأنَّ الماء ذهبَ وتركَه. ومنه غدائرُ المرأة؛ لأنها تجعلُها خلفَها(١).
يقول: حَشرنا بَرَّهم وفاجِرَهم وجنَّهم وإنسَهم.
قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقْ بَلْ زَعَمْتُمْ
أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا
قول تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ ((صفًّا)) نُصِب على الحال(٢). قال مقاتل:
يُعرضون صفًّا بعد صفّ كالصفوف في الصلاة، كلٌّ أمةٍ وزمرة صفًّا، لا أنهم صفٍّ
واحد(٣). وقيل: جميعاً، كقوله: ﴿ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أي: جميعاً (٤). وقيل:
قياماً(٥). وخرَّج الحافظُ أبو القاسم عبدُ الرحمن بنُ مَنْدَه في ((كتابِ التوحيد)) عن معاذ
ابنِ جبل، أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال: ((إنَّ الله تباركَ وتعالى يُنادي يومَ القيامة بصوتٍ رفيع غيرِ
فظيعٍ: يا عبادي، أَنا اللهُ لا إله إلا أنا أَرحمُ الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرعُ
الحاسبين، يا عبادي، لا خوف عليكم اليومَ، ولا أنتم تحزنون، أَخْضِروا حجّتكم،
ويَسِّروا جواباً؛ فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي، أَقيموا عبادي صفوفاً على
أطرافِ أَناملِ أقدامِهم للحساب))(٦).
قلت: هذا الحديثُ غايةٌ في البيان في تفسيرِ الآية، ولم يَذكُره كثيرٌ من
المفسرين، وقد كتبناه في ((كتاب التذكرة))(٧)، ومنه نقلناهُ والحمد لله.
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ﴾ أي: يقال لهم: لقد جئتمونا حُفاةً عُراة، لا
(١) الكشاف ٤٨٧/٢، والنكت والعيون ٣١١/٣ - ٣١٢، والرازي ١٣٣/٢١.
(٢) إعراب القرآن ٢/ ٤٦٠.
(٣) النكت والعيون ٣١٢/٣، والوسيط ١٥٢/٣، وتفسير البغوي ١٦٥/٣، دون نسبة.
(٤) نسبه في زاد المسير ١٥١/٥ إلى مقاتل.
(٥) تفسير البغوي ١٦٥/٣ .
(٦) ينظر الدر المنثور ٢٢٦/٤ .
(٧) ص ٢٥٣ - ٢٥٤ .

٢٩٧
سورة الكهف: الآيتان ٤٨ - ٤٩
مالَ معكم ولا ولداً. وقيل: فرادَى (١)؛ دليلُه قولُه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُهُوَنَا فُرَدَى كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وقد تقدَّم. وقال الزجاجُ(٢): أي: بعثناكم كما خلقناكم.
﴿بَّ زَعَمْتُمْ﴾ هذا خطابٌ لمنكري البعث، أي: زعمتم في الدنيا أنْ لن تُبعثوا،
وأن لن نجعلَ لكم موعداً للبعث(٣). وفي ((صحيح)) مسلم عن عائشةَ رضي الله عنها
قالت: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقول: ((يُحشرُ الناسُ يومَ القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلاً)) قلت:
يا رسولَ الله، الرجال والنساءُ ينظر بعضُهم إلى بعض؟! قال: ((يا عائشةُ، الأمرُ أَشدُّ
من أن ينظرَ بعضُهم إلى بعض)) (٤). ((غُرْلاً)) أي: غير مختونين. وقد تقدمَ في ((الأنعامِ))
بيانُه(٥).
قوله تعالى: ﴿وَرُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَا مَالٍ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَ
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ﴾ ((الكتاب)) اسمُ جنس(٦)، وفيه وجهان: أحدهما:
أنَّها كتبُ الأعمال في أيدي العباد؛ قاله مُقاتل. الثاني: أنه وضْع الحساب؛ قاله
الكَلْبِيُّ، فعبّر عن الحساب بالكتاب؛ لأنَّهم يُحاسبون على أعمالهم المكتوبة(٧).
والقولُ الأوّل أظهرُ؛ ذكره (٨) ابنُ المبارك (٩) قال: أَخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شكَّ
(١) تفسير السمر قندي ٣٠٢/٢.
(٢) في معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢٩٢.
(٣) الوسيط ٣/ ١٥٢.
(٤) صحيح مسلم (٢٨٥٩).
(٥) ٨/ ٤٦٣.
(٦) الوسيط ٣/ ١٥٢.
(٧) النكت والعيون ٣١٢/٣ .
(٨) في (ظ) و(ف): ذكر.
(٩) في الزهد زيادات نعيم بن حماد (٣٩٦).

٢٩٨
سورة الكهف: الآية ٤٩
نُعيم - عن إسماعيل بنِ عبد الرحمن، عن رجلٍ من بني أسد قال: قال عمرُ لكعْب:
وَيْحكَ يا كعب، حدِّثنا من حديث الآخرة، قال: نعم يا أمير المؤمنين! إذا كان يوم
القيامة رُفِع اللوحُ المحفوظُ فلم يبقَ أحدٌ من الخلائق إلا وهو ينظرُ إلى عملِه، قال:
ثم يُؤتى بالصحفِ التي فيها أعمالُ العباد فتُنثر حولَ العرش، وذلك قوله تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَىَ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنْنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَا﴾ قال الأسدي: الصَّغيرةُ ما دون الشركِ، والكبيرةُ الشركُ.
((إلا أَحصاها)) قال كعب: ثم يُدعَى المؤمنُ فيُعطى كتابَه بيمينه، فينظر فيه فإذا حسناتُه
بادِياتٌ للناس وهو يقرأُ سيئاتِهِ؛ لكيلا يقولَ: كانت لي حسناتٌ فلم تُذكَر، فأَحبَّ الله
أن يُريَه عملَه كلَّه حتى إذا استنقض (١) ما في الكتابِ وجدَ في آخر ذلك كلِّه أنه مغفورٌ
وأنَّك من أهل الجنة، فعند ذلك يُقبِل إلى أصحابِهِ ثم يقول: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَِيَّة. إِنّ
◌َنْتُ أَنِّى مُلٍَّ حِسَابِيَةٍ﴾ [الحاقة: ١٩ -٢٠] ثم يدعى الكافر(٢) فيُعطَى كتابَه بشماله ثم يُلَفُّ
فيجعل من وراءٍ ظهره ويُلْوَى عنقُه، فذلك قوله: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَهُ وَرَآءَ ظَهْرِ.﴾
[الانشقاق: ١٠] فينظر في كتابِه فإذا سيئاتُه بادياتٌ للناس وينظر في حسناتِه؛ لكيلا
يقول: أَفْأُثاب على السيئات.
وكان الفُضيل بنُ عِيَاض إذا قرأَ هذه الآيةَ يقول: يا ويلتاه! ضِجُوا إلى الله تعالى
من الصَّغائر قبل الكبائر(٣). قال ابنُ عباس: الصغيرةُ التبسمُ، والكبيرةُ الضحك (٤).
يعني: ما كان من ذلك في معصية الله عزَّ وجلَّ؛ ذكره الثعلبيُّ. وحكى الماوَرْدِيُّ عن
ابنِ عباسٍ أنَّ الصغيرةَ الضحكُ (٥).
(١) في (م) و(ز): استنقص، وفي (ف): استفض، وفي الزهد لابن المبارك استنفض. وكلَّها بمعنى التناهي
والتلاشي.
(٢) في (د) و(م): بالكافر، والمثبت من (ظ) و(ز) و(ف)، والزهد لابن المبارك (٣٩٦).
(٣) ذكره الرازي ٢١/ ١٣٤ دون نسبة.
(٤) الوسيط ١٥٢/٣، والبغوي ١٦٦/٣.
(٥) النكت والعيون ٣١٢/٣، وأخرجه الطبري ٢٨٤/١٥ - ٢٨٥، وقال ابن عطية ٥٢١/٣: وهذا مثال.

٢٩٩
سورة الكهف: الآيتان ٤٩ - ٥٠
قلت: فيحتمل أن يكونَ صغيرةً إذا لم يكن في معصيةٍ؛ فإنَّ الضحكَ من المعصية
رِضاً بها، والرضا بالمعصية معصيةٌ، وعلى هذا تكون كبيرةً، فيكون وجهُ الجمع هذا.
والله أعلم. أو يُحمل الضحكُ فيما ذكر الماورديُّ على التبسم، وقد قال تعالى:
﴿فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]. وقال سعيد بن جبير: إنَّ الصغائر اللَّمَمُ
كالمَسِيس والقُبَل، والكبيرةَ المواقعةُ والزِّنى(١). وقد مضى في ((النساء)) بيانُ هذا(٢).
قال قتادة: اشتكى القومُ الإحصاء، وما اشتكى أحدٌ ظلماً، فإياكم ومحقَّرات
الذنوبِ؛ فإنَّها تجتمعُ على صاحبها حتى تهلكه(٣). وقد مضى ومعنى ((أحصاها)) عدَّها
وأحاطَ بها، وأُضيفَ الإحصاءُ إلى الكتاب توسُّعاً. ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرً﴾ أي:
وجدوا إحصاءَ ما عملوا حاضراً. وقيل: وجدوا جزاءً ما عملوا حاضراً. ﴿وَلَا يَظْلُ
رَبَُّكَ أَحَدًا﴾ أي: لا يأخذُ أحداً بجُرْمٍ أحد، ولا يأخذه بما لم يَعمَلْه؛ قاله الضحاكُ(٤).
وقيل: لا يَنقُص طائعاً من ثوابِهِ، ولا يزيد عاصياً في عقابه(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ اسْجُدُواْ لَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّةُ أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ
ج
لِلظَّالِمِينَ بَدَلَّاً
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِهُ﴾ تقدم في ((البقرة)) هذا مستوفّى(٦). قال أبو جعفر النحاس: وفي هذه
الآيةِ سؤال، يقال: ما معنى: ((فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه))؟ ففي هذا قولان أحدهما: وهو
(١) الوسيط ١٥٢/٣، والبغوي ١٦٦/٣.
(٢) ٦/ ٢٦١ وما بعدها.
(٣) أخرجه الطبري ٢٨٤/١٥ .
(٤) تفسير البغوي ١٦٦/٣ .
(٥) تفسير الرازي ١٣٤/٢١، والنكت والعيون ٣١٣/٣، وتفسير السمر قندي ٣٠٢/٢ .
(٦) ١/ ٤٣٣ وما بعدها.

٣٠٠
سورة الكهف: الآية ٥٠
مذهبُ الخليل وسيبويه أنَّ المعنى: أَتاه الفسقُ لمَّا أُمِر فعَصَى، فكان سببَ الفسق أمْرُ
ربه، كما تقول: أَطعمته عن جوع. والقول الآخر: وهو مذهب محمد بن [المستنير]
قُظْرب أن المعنى: ففسقَ عن ردِّ أمرٍ ربه (١).
﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ وقفَ عزَّ وجلَّ الكفرةَ على جهة التوبيخِ
بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذرِّيَّته أولياءَ وهم لكم عدوٌّ، أي: أعداء، فهو اسمُ
جنس. ﴿بِئْسَ لِلَّلِينَ بَدَلًا﴾ أي: بئس عبادة الشيطان بدلاً عن عبادة الله. أو بئس
إبليسُ بدلاً عن اللـه(٢). واختُلِف هل لإبليس ذريةٌ من صلبِه؟ فقال الشَّعبيُّ: سألني
رجلٌ فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إنَّ ذلك عُرْسٌ لم أَشهدْه، ثم ذكرت قوله:
((أفتتخذونه وذريته أولياء)) فعلمتُ أنه لا تكون ذريةٌ إلا من زوجةٍ، فقلت: نعم. وقال
مجاهد: إنَّ إبليسَ أدخلَ فرجَه في فرج نفسه فباض خمسَ بيضات، فهذا أصلُ
ذريته(٣). وقيل: إن الله تعالى خلقَ له في فخذه اليمنى ذكراً، وفي اليسرى فرجاً، فهو
ينكح هذا بهذا، فيَخرِجُ له كلَّ يوم عشرُ بيضات، يخرج من كل بيضةٍ سبعون شيطاناً
وشيطانة، فهو يَخْرج وهو يطير، وأعظمُهم عند أبيهم منزلةً أعظمُهم في بني آدم فتنةً.
وقال قومٌ: ليس له أولادٌ ولا ذرية، وذرِّيتُه أعوانُه من الشياطين. قال القُشيري أبو
نصر: والجملةُ أنَّ الله تعالى أخبرَ أن لإبليس أتباعاً وذرية، وأنهم يُوسوسون إلى بني
آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفيةٌ في كيفيةِ التوالد منهم وحدوثِ الذريةِ عن
إبليس، فيتوقَّف الأمرُ فيه على نقلٍ صحيحٍ.
قلت: الذي ثبتَ في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميديُّ في ((الجمع بين
الصحيحين)) عن الإمام أبي بكر البرقاني، أنَّ خَرَّج في كتابِه مسنداً عن أبي محمد
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٥٤/٤ - ٢٥٥، وما بين حاصرتين سقط منه ومن النسخ، وقد صرح بأنه
قطرب الزجاج في معاني القرآن ٢٩٤/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ١٥٤/٥.
(٢) تفسير السمر قندي ٣٠٢/٢ .
(٣) تفسير البغوي ١٦٧/٣ - ١٦٨، ونسب قول مجاهد إلى قتادة بنحوه.