النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة الكهف: الآية ٢٩ ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَأَ﴾ قال الجوهري(١): السُّرادِقُ واحدُ السُّرادِقات التي تُمَدُّ فوقَ صّحن الدار، وكلُّ بيتٍ من كُرْسُف فهو سُرادق. قال رؤية (٢). سُرادِقُ المجدٍ عليكِ مَمْدُودْ يا حَكَمَ بنَ المنذر بنِ الجارُودْ يقال: بَيْتُ مُسَرْدَق. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرَوِيزَ وقتلَه النعمانَ بن المنذر تحت أرجل الفِيلة : هو المُدْخِلُ النعمانَ بيتاً سماؤه صُدورُ الفُيولِ بعد بَيتٍ مُسَرْدَقٍ(٣) وقال ابن الأعرابي: ((سرادقها)) سورُها. وعن ابنِ عباس: حائظٌ من نار(٤). الكلبي: عنقٌ تخرجُ من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة(٥). القتَبي(٦): السرادقُ الحُجرة(٧) التي تكونُ حولَ الفسطاط. وقاله ابنُ عُزيز(٨). وقيل: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة ((والمرسلات)) حيث يقول: ﴿أَنَطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبٍ﴾(٩) (١٠) وقوله: ﴿وَظِلٍ مِّنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] قاله قتادة. وقيل: إنَّه البحر المحيطُ بالدنيا. وروى يَعْلَى بن أمية قال: قال رسول الله ﴾: ((البحرُ (١) في الصحاح (سردق). (٢) في ملحق ديوانه ص ١٧٢، وتفسير الطبري ٢٤٥/١٥ - ٢٤٦، ومجاز القرآن ٣٩٨/١ - ٣٩٩، ونسبه سيبويه في الكتاب ٢٠٣/٢ ، والأعلم الشنتمري في تحصيل عين الذهب ص ٣١٤ إلى رجل من بني الچِرماز. (٣) البيت في ديوان سلامة ص ١٨٤، وتفسير الطبري ٢٤٦/١٥، ومجاز القرآن ٣٩٩/١، ونسبه الأزهري في تهذيب اللغة ٩/ ٣٩٤ إلى الأعشى. (٤) تفسير الطبري ٢٤٦/١٥ . (٥) تفسير السمر قندي ٢٩٧/٢. (٦) في تفسير غريب القرآن ص٢٦٧ . (٧) في (م): الحجزة. (٨) في نزهة القلوب ص ٢٧٧ . (٩) آية ٣٠ . (١٠) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٢٦٧ . ٢٦٢ سورة الكهف: الآية ٢٩ هو جهنمُ)) ثم تلا: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَأَ﴾ ثم قال: ((واللهِ لا أدخلُها أبداً ما دمت حيًّا، ولا يُصيبني منها قطرةٌ)). ذكره الماوَردِيُّ(١). وخَرَّج ابنُ المبارك(٢) من حديث أبي سعيد الخُذْريِّ، عن النبيِّ﴾ قال: «لسرادقِ النارِ أربعُ جُدُر كُثُفٍ كلُّ جدارٍ مسيرةٌ أربعين سنةً)). وخرَّجه أبو عيسى الترمذيُّ(٣)، وقال فيه: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. قلتُ: وهذا يدلُّ على أن السرادقَ ما يعلو الكفارَ من دخان أو نار، وجُدُره ما وُصِف. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ يَسْتَغِيثُوْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ قال ابنُ عباس: المُهْلُ ماءٌ غليظ مثلُ دُرْديٌّ الزيتِ. مجاهد: القَيْح والدَّم. الضحاكُ: ماءٌ أسود، وإنَّ جهنم السوداء، وماؤها أسودُ، وشجرُها أسود، وأهلُها سُود(٤). وقال أبو عبيدة: هو كلُّ ما أُذيب من جواهرِ الأرض من حديدٍ ورَصاص، ونُحاس وقَزْدير، فَتَمْوَّجَ بالغليان، فذلك المُهْلُ(٥). ونحوه عن ابن مسعود(٦). قال سعيد بنُ جُبير: هو الذي قد انتهى حَرُّهُ(٧). وقال: المهلُ ضربٌ من القَطِران، يقال: مَهلتُ البعيرَ فهو ممهول. وقيل: هو السمُّ(٨). والمعنى في هذه الأقوالِ متقاربٌ. وفي الترمذي(٩) عن النبيّ ﴾ في قوله: ((كالمهل)) قال: ((كعَكَرِ الزيت فإذا قرَّبه إلى وجهِه سقطت فَرْوةُ وجهِه)) قال أبو عيسى: هذا حديثٌ إنما نعرفُه من حديث رِشْدِين بنِ سعد، ورِشْدينُ قد تُكُلِّم فيه (١) في النكت والعيون ٣٠٣/٣، وقولُ النبي # أخرجه الطبري ٢٤٦/١٥ - ٢٤٧، وأحمد (١٧٩٦٠). (٢) في الزهد زيادات نعيم بن حماد (٣١٦). (٣) في سننه برقم (٢٥٨٤). (٤) تفسير الطبري ٢٤٩/١٥ . (٥) مجاز القرآن ٤٠٠/١ . (٦) أخرجه الطبري ٢٤٨/١٥ . (٧) تفسير الطبري ٢٥٠/١٥ . (٨) ينظر اللسان (مهل). (٩) برقم (٢٥٨١)، من حديث أبي سعيد. ٢٦٣ سورة الكهف: الآية ٢٩ من قِبَلِ حفظه. وخَرَّج عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ :﴿ في قولِه: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦] قال: ((يُقرَّب إلى فيه فيَكرهُه، فإذا أُذْنِيَ منه شوَى وجهَه وَوقعتْ فَروةُ رأسِه، فإذا شَرِبِه قَطَّع أمعاءَه حتى يخرج من دبرِه، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥] يقول: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾)) قال: حديثٌ غريبٌ(١). قلت: وهذا يدلُّ على صحةٍ تلك الأقوال، وأنَّها مرادٌ، والله أعلم. وكذلك نصَّ عليها أهلُ اللغة. في ((الصحاح)) (٢): ((المهلُ)): النحاسُ المُذابُ. ابن الأعرابي: المهلُ: المذابُ من الرصاص. وقال أبو عمرو: المهلُ: دُرديُّ الزيت. والمهل أيضاً: القيحُ والصديدُ. وفي حديثٍ أبي بكرٍ : ادفنوني في ثَوْبَيَّ هذين؛ فإنهما للمُهل والتراب (٣). و﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال مجاهد: معناه: مجتمعاً كأنَّه ذهبَ إلى معنى المرافقةِ(٤). ابنُ عباس: منزلاً. عطاء: مقرًّا(٥). وقيل: مهاداً. وقال القتَبيُّ(٦): مجلساً. والمعنى متقاربٌ، وأصلُه من المثَّكأ، يقال منه: ارتفقتُ، أي: اتكأتُ على المرفقِ، قال الشاعرُ: قالت له وارتَفَقتْ ألَّا فتّى يسوقُ بالقوم غَزالاتِ الضُّحا(٧) (١) سنن الترمذي (٢٥٨٣). (٢) مادة (مهل) دون قول ابن الأعرابي. (٣) أخرجه البخاري (١٣٨٧). (٤) تفسير مجاهد ٣٧٦/١، وأخرجه عنه الطبري ٢٥٣/١٥، وهو في النكت والعيون ٣٠٣/٣. (٥) تفسير البغوي ٣/ ١٦٠. (٦) تفسير غريب القرآن ص ٢٦٧ . (٧) البيت في تفسير الطبري ٢٥٢/١٥، والنوادر ص١٢٨، وأمالي القالي ٩٦/٢، وأمالي الزجاجي ص١٢ . وقال أبو زيد في النوادر ص١٢٨: ويقال: لقيت فلاناً غزالة الضحى، ورَأْدَ الضحى، و گھْرَ الضحى، كل ذلك بعد ما تنبسط الشمس وتُضحي غزالة. ٢٦٤ سورة الكهف: الآيات ٢٩ - ٣١ ويُقال: ارتفقَ الرجل إذا نام على مِرفقه لا يأتيه نومٌ. قال أبو ذُؤيب الهُذَلي: نام الخَلي وبِتُّ الليل مُرتَفِقاً كأنَّ عَيْنَي فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ(١) الصابُ: عُصارةُ شجرٍ مِّ(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَا أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهِمُ الْأَنْهَرُ بُلَوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبرَقٍ مُتَكِنَ فِيهَا عَلَى الْأَرَبِّ نِعْمَ الثََّبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣)﴾ لمَّا ذَكرَ ما أَعدَّ للكافرين من الهوانِ، ذَكَر أيضاً ما للمؤمنين من الثواب، وفي الكلام إضمارٌ، أي: لا نضيعُ أجرَ مَن أحسن منهم عملاً، فأمَّا مَن أحسن عملاً من غيرِ المؤمنين، فعملُه مُحْبَطٌ(٣). و((عملاً)) نُصِب على التمييزِ (٤)، وإن شئتَ بإيقاعٍ ((أحسن)) عليه. وقيل: ((إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)) كلامٌ معترض، والخبرُ قولُه: ((أولئك لهم جنات عدن))(٥) و﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ سُرَّةٌ الجنة، أي: وسطُها وسائرُ الجناتِ مُحْدِقَةٌ بها، وذُكِرت بلفظ الجمع لسَعتِها؛ لأنَّ كل بُقعة منها تصلحُ أن تكونَ جنة(٦). وقيل: العَدْن الإقامةُ(٧)، يقال: عَدَن بالمكان إذا أقامَ به(٨). وعَدَنْت البلدَ: (١) ديوان الهذليين ص ١٠٤، وتفسير الطبري ٢٥٣/١٥، ومجاز القرآن ٤٠٠/١، والنكت والعيون ٣٠٤/٣. وفي ديوان الهذليين: مشتجراً، بدل: مرتفقاً. وصدره عند أبي عبيدة في مجاز القرآن: إني أرقت فبت الليل مرتفقاً (٢) الصحاح (صوب). (٣) معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٣ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٤/٢، والطبري ٢٥٤/١٥. (٦) ذكر نحوه الرازي في التفسير ١٢٢/٢١. (٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٣ . (٨) تهذيب اللغة ٢١٨/٢. ٢٦٥ سورة الكهف: الآيتان ٣٠ - ٣١ توطنْته. وعَدَنَتِ الإبلُ بمكانٍ كذا: لزمتْه فلم تَبرحْ منه، ومنه ((جناتُ عَدْن)) أي: جنات إقامة. ومنه سُمِّيَ المَعْدِن، بكسر الدال؛ لأن الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء. ومركزُ كلِّ شيءٍ مَعدِنُه. والعادن: الناقة المقيمة في المرعى، وعَدَنُ بلدٌ؛ قاله ء(١) الجوهري . ﴿َتَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهَرِّ﴾ تقدَّم في غير موضع (٢). ﴿يُحُلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وهو جمع سِوار. قال سعيد بن جُبَير: على كلِّ واحد منهم ثلاثةُ أَسورة: واحدٌ من ذهب، وواحدٌ من وَرِق، وواحدٌ من لؤلؤ(٣). قلت: هذا منصوصٌ في القرآن، قال هنا: ((من ذهب)) وقال في ((الحج)) و((فاطر))(٤): ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلؤًا﴾ وفي ((الإنسان))(٥): ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾. وقال أبو هريرة: سمعتُ خليلي يقول: ((تبلغُ الحِلْية من المؤمن حيثُ يبلغ الوضوء)) خرَّجه مسلم (٦). وحكى الفرَّاء: ((يَحْلَون)) بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام خفيفة؛ يقال: حَلِيت المرأة تَحْلَى فهي حالية إذا لبست الحَلْي. وحَلِيَ الشيء بعيني يَحْلَى؛ ذكره النحاس(٧). والسِّوار سِوارُ المرأة، والجمعُ أسورة، وجمع الجمع أساورةٌ. وَقُرِئ: «فلولا ألْقِيَ عليه أساورة من ذهب)) [الزخرف: ٥٣] وقد يكون الجمع أساور. وقال الله تعالى: ﴿يُخَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] و[الحج: ٢٣] قاله الجوهري (٨). (١) في الصحاح (عدن). والمقصود بمدينة عدن: المدينة المشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. معجم البلدان ٨٩/٤ . (٢) ينظر ٣٥٩/١. (٣) أورده الواحدي في الوسيط ٣/ ١٤٧، وابن الجوزي في زاد المسير ١٣٧/٥. (٤) [الحج: ٢٣] و[فاطر: ٣٣]. (٥) آية: ٢١ . (٦) برقم (٢٥٠)، وسلف ٣٣٤/٧ . (٧) في إعراب القرآن ٢/ ٤٥٥. (٨) في الصحاح (سور). ٢٦٦ سورة الكهف: الآيتان ٣٠ - ٣١ وقال ابنُ عُزَيز(١): أساور جمع أَسورة، وأسورة جمع سِوار وسُوار، وهو الذي يُلبَس في الذراع من ذهب، فإن كان من فضة فهو قُلْب وجمعه قِلَبَة، فإن كان من قَرْن أو عاج فهي مَسَكة وجمعه مَسَك. قال النحاس(٢): وحكى قُطرب في واحد الأساور إِسوار، وقُطرب صاحبُ شذوذ، قد تركه يعقوب وغيرُه، فلم يذكره. قلت: قد جاء في ((الصحاح)): وقال أبو عمرو بن العلاء: واحدها إسوار(٣). وقال المفسرون: لمَّا كانتِ الملوك تلبَسُ في الدنيا الأساورَ والتِيجانَ، جعلَ الله تعالى ذلك لأهلِ الجنةِ(٤). قوله تعالى: ﴿وَيَلْسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ السُّنْدُس: الرقيقُ النحيف، واحدُه سندسةٌ؛ قاله الكسائي(٥). والإستبرق: ما ثَخُن منه - عن عكرمة(٦) - وهو الحرير. قال الشاعر: تَراهنَّ يَلبَسْنَ المشاعر مَرَّةً وإستبرقُ الديباجِ طَوْراً لباسُهَا(٧) فالإستبرقُ الدِيباج. ابن بحر: المنسوجُ بالذهب(٨). القُتَبي(٩): فارسي معرب. الجوهري(١٠): وتصغيره أُبَيْرِق. وقيل: هو استفعل من البريق. والصحيحُ أنَّه وِفاقٌ بين (١) في نزهة القلوب ص ٨٥ . (٢) في إعراب القرآن ٢/ ٤٥٥، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٣. (٣) الصحاح (سور). ومثل قول أبي عمرو هذا قولُ الكسائي في ما تلحن فيه العامة ص١١٦ : ويقال: سوار المرأة، الذي يكون في يدها، ويقال: إسوار بالألف وبغير ألف. فلم يتفرد قطرب بذلك. (٤) زاد المسير ٥/ ١٣٧ . (٥) نقله عنه النحاس في إعراب القرآن ٤٥٥/٢ . (٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٣٤)، وابن أبي شيبة ١٣٧/١٣ قال: الإستبرق الديباج الغليظ. (٧) نسبه الطبري ٢٥٥/١٥، والماوردي في النكت والعيون ٣٠٤/٣ - ٣٠٥ إلى المرقش. (٨) النكت والعيون ٣٠٥/٣ . (٩) في تفسير غريب القرآن ص ٢٦٧ . (١٠) في الصحاح (برق). ٢٦٧ سورة الكهف: الآيتان ٣٠ - ٣١ اللغتين؛ إذ ليس في القرآنِ ما ليس من لغة العرب(١)، على ما تقدَّم، والله أعلم. وخَصَّ الأخضرَ بالذكر؛ لأنه الموافقُ للبصر؛ لأن البياضَ يُبدِّدِ النظرَ ويُؤلم، والسوادَ يُذَم، والخضرةُ بينَ البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاعَ. والله أعلم. روى النسائيُّ عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص قال: بينما نحنُ عند رسولِ الله ◌ِ﴾ إذ جاءه رجل فقال: يا رسولَ الله، أَخبرنا عن ثيابِ الجنة، أَخَلْقٌ يُخلَق أم نَسجٌ ينسج؟ فضحكَ بعضُ القوم. فقال لهم: ((ممَّ تضحكون من جاهلٍ يسأل عالماً؟» فجلسَ يسيراً أو قليلاً، فقال رسولُ اللـه ﴾: ((أينَ السائلُ عن ثيابِ الجنة؟» فقال: هاهو ذا يا رسول الله، قال: ((لا بل تَشَفَّق عنها ثمرُ الجنةِ)) قالها ثلاثاً(٢). وقال أبو هريرة: دارُ المؤمنِ درَّةٌ مجوّفة في وسطها شجرةٌ تُنبِتُ الحُلَلَ، ويأخذُ بأصبعِه - أو قال بأصبعيه - سبعينَ حُلَّةً منظمة بالدرِّ والمَرْجان. ذكره يحيى بنُ سلام في (تفسيره)، وابنُ المبارك في ((رقائقِه))(٣). وقد ذكرنا إسنادَه في كتابٍ ((التذكرة)) (٤). وذُكر في الحديثِ أنَّه يكون على كلِّ واحد منهم الحلةُ لها وجهان لكلِّ وجهٍ لونٌ، يتكلمان بصوتٍ يَستحسنه سامعُه، يقول أحدُ الوجهين للآخر: أَنا أكرمُ على وَليِّ الله منك، أنا أَلي جسدَه وأنتَ لا تلي. ويقول الآخر: أَنا أكرمُ على وليّ اللهِ منك، أَنا (١) قال الجواليقي في المعرب ص ٥٢ - ٥٣: فأما ما ورد منه، فقد اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم: كتاب الله تعالى ليس فيه شيء من غير العربية. وأسنده إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغيرهم في أحرف كثيرة أنه من غير لسان العرب مثل: سجيل، والمشكاة، واليم، والطور، وأباريق، وإستبرق، وغير ذلك فهؤلاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هذا إلى غيره. وكلاهما مصيب إن شاء الله تعالى. وقال الشافعي في الرسالة ص٤٢ : والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب. (٢) السنن الكبرى للنسائي (٥٨٤١)، وهو عند أحمد (٦٨٩٠). (٣) الزهد (زوائد نعيم بن حماد) (٢٦٢)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٢٩/١٣، وهناد في الزهد (١٢٥). وفي إسناده أبو المُهَزِّم واسمه يزيد بن سفيان، وهو متروك. وأورده المصنف في التذكرة ص ٥٠٢ من طریق يحيى بن سلام. (٤) ص ٥٠٢ . ٢٦٨ سورة الكهف: الآيتان ٣٠ - ٣١ أُبْصِر وجهَه وأنتَ لا تُبصر(١). قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فَِهَا عَلَى الْأَرَابِ﴾ ((الأرائك)) جمعُ أَرِيكة، وهي السُّرُر في الحِجال(٢). وقيل: الفرش في الحِجال؛ قاله الزجاج(٣). ابن عباس: هي الأَسرَّةُ من ذهب، وهي مكلَّلة بالدُّر والياقوت عليها الحِجال(٤). الأريكةُ ما بين صنعاء إلى أيْلة، وما بينَ عدن إلى الجابية. وأصلُ ((متكئين)» مُؤْتَكئين، وكذلك اتكأَ أصلُه اوتكأ، وأصل التُّكَاة وُكَأة؛ ومنه: التوكُّؤ للتحاملِ على الشيء، فقُلبت الواو تاءً وأُدغمت(٥). ورجل تُكَأة (٦) كثير الاتكاء. ﴿نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعني: الجنات، عكس ((وساءت مرتفقاً)). وقد تقدَّم. ولو كان (نِعْمَتْ)) لجاز؛ لأنه اسم للجنةِ. وعلى هذا ((وحسنت مرتفقاً)). ورَوى البَرَاء بن عازِب، أنَّ أعرابيًّا قامَ إلى رسول اللـه : # في حجة الوداع، والنبيُّ ﴾ واقفٌ بعرفاتٍ على ناقتِهِ العَضْباءِ فقال: إني رجلٌ مسلمٌ، فأخبرني عن هذه الآية ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) الآية؛ فقال رسولُ الله ﴾: ((ما أنت منهم بيعيد، ولا هم ببعيدٍ منك، هم هؤلاء الأربعةُ: أبو بكر وعمر، وعثمان وعليّ، فأعْلِم قومَك أنَّ هذه الآيةَ نزلت فيهم)). ذكره الماورديُّ(٧). وأَسنده النحاسُ في كتاب ((معاني القرآن)»(٨) قال: حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن عليّ بن سهل قال: حدَّثنا محمد بن (١) أورده المصنف في التذكرة ص٥٠٢ ، عن أبي هريرة قال: بلغني أنَّ ولي الله ... ، فذكره. (٢) تفسير الطبري ٢٥٥/١٥، والحجال جمع حَجَلة، وهي بيت يُزين بالثياب والأسرة والستور. الصحاح (حجل). (٣) في معاني القرآن ٢٨٤/٣ . (٤) الوسيط ٣/ ١٤٧ . (٥) ينظر سر الصناعة ١٤٦/١. (٦) في (د) و(م): وُكَأة، والمثبت من (ظ) و(ز) و(ف) وهو الموافق لما في الصحاح (وكأ). (٧) في النكت والعيون ٣/ ٣٠٤ . (٨) ٢٣٥/٤ ٢٦٩ سورة الكهف: الآيات ٣٠ - ٣٤ حميد قال: حدَّثنا يحيى بن الضُّرَيْس، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازِب قال: قام أعرابي ... ؛ فذكره. وأَسنده السُّهَيْلي في كتاب ((الإِعلام))(١). وقد روينا جميعَ ذلك بالإجازة، والحمد لله. قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهُاَ يِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣ كِلْنَا الْجَيْنِ ءَانَتْ أُكَلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَ (٨٢) وَكَانَ لَهُمْ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ تُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ﴾ هذا مثلٌ لمن يَتعززُ بالدنيا ويستنكفُ عن مجالسة المؤمنين، وهو متَّصل بقوله: ((واصبر نفسك)). واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما؛ فقال الكلبي: نزلتْ في أَخوين من أهلِ مكة مخزوميَّين، أَحدُهما مؤمنٌ وهو أبو سلمة عبدُ الله بنُ عبد الأسد بنٍ هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوجُ أمِّ سلمة قبل النبيِّ﴾. والآخرُ كافرٌ وهو الأسود(٢) بن عبد الأسد، وهما الأخوان المذكوران في سورة الصافات في قوله: ﴿قَالَ قَّيِلٌ مِنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]، وَرِث كلُّ واحدٍ منهما أربعةَ آلاف دينار، فأنفقَ أحدُهما مالَه في سبيلِ الله، وطلبَ من أخيهِ شيئاً فقالَ ما قال ... ؛ ذكره الثعلبِيُّ والقُشَيرِيُّ. وقيل: نزلتْ في النبيِّ ◌َ﴿ وأهلِ مكةَ. وقيل: هو مَثَلُ لجميع مَن آمن بالله وجميع مَن كفر. وقيل: هو مَثَلٌ لعُيَيْنة بن حِصْن وأصحابِه مع سلمان وصُهيب وأصحابِهِ؛ شبَّههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا، في قولٍ ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه تمليخا. والآخر كافر واسمُه قرطوش(٣) وهما اللذان وصفَهما اللهُ تعالى في (١) التعريف والإعلام ص ١٠١، من طريق النحاس. (٢) في (ظ): الأسد. (٣) في (ظ) و(ف): قرطوس، وبعدها في (ظ): القزويني قرطيس. وبعدها في (د): القرنوي قرطوش. وبعدها في (ز): العرنوي قطروش. ٢٧٠ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ سورةِ الصَّافات(١). وكذا ذكر محمد بنُ الحسن المقرئ قال: اسمُ الخَيِّر منهما تمليخا، والآخر قرطوش(٢)، وأنَّهما كانا شريكين ثم اقتَسما المالَ فصارَ لكل واحدٍ منهما ثلاثةُ آلاف دينار، فاشترى المؤمنُ منهما عبيداً بألف وأَعتقهم، وبالألفِ الثانية ثياباً فكسا العُراةَ، وبالألفِ الثالثة طعاماً فأطعمَ الجُوَّع، وبَنى أيضاً مساجد، وفعل خيراً. وأمَّا الآخرُ فنكحَ بماله نساءً ذواتَ يَسارٍ، واشترى دوابَّ وبقراً فاستنتجَها فَنَمت له نماءٌ مُفْرِطاً، وانَّجر بباقيها فربحَ حتى فاقَ أهلَ زمانه غِنّى، وأَدركتِ الأوَّل الحاجةُ، فأراد أن يستأجر(٣) نفسَه في جنة يخدُمها فقال: لو ذهبتُ لشريكي وصاحبي فسألتُه أن يستخدمَني في بعضٍ جناته رجوتُ أن يكونَ ذلك أصلح بي، فجاءه فلم يَگَد يصل إليه من غلظِ الحُجَّاب، فلمَّا دخل عليه وعَرَفه وسألَه حاجته قال له: أَلم أكن قاسمتك المالَ شطرين(٤) فما صنعتَ بمالِكَ؟ قال: اشتريتُ به من الله تعالى ما هو خيرٌ منه وأَبقى. فقال: أَئِنَّك لمن المُصَدِّقين؟! ما أظنُّ الساعةَ قائمة، وما أراكَ إلا سفيهاً، وما جزاؤك عندي على سفاهتِك إلا الحرمان، أوما تَرى ما صنعتُ أنا بمالي حتى آلَ إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال، وذلك أَني كَسَبْتُ وسَفُهتَ أنتَ، اخرجْ عني. ثم كان من قصةٍ هذا الغنيِّ ما ذكره الله تعالى في القرآنِ من الإحاطةِ بثمره وذهابِها أصلاً بما أرسلَ عليها من السماءِ من الحُسْبان(٥). وقد ذكر الثعلبيُّ هذه القصةَ بلفظ آخر، والمعنى متقارب. قال عطاء: كانا شريكين لهما ثمانيةُ آلافٍ دینار. وقيل: وَرِثاه من أبيهما وكانا أَخوين فاقتسماها، فاشترى أحدُهما أرضاً بألف دينار، فقال صاحبُه: اللهمَّ إن فلاناً قد اشترى أرضاً بألف دينار، وإني اشتريتُ منك أرضاً (١) ينظر بحر العلوم ٢٩٨/٢، والمحرر ٥١٥/٣، والكشاف ٤٨٣/٢، وزاد المسير ١٣٩/٥، ومعاني القرآن للزجاج ٢٨٤/٣ . (٢) في (ظ) و(ز): قرطس، وفي (د) قرطش، وفي التعريف والإعلام ص ١٠٢، والكلام منه: موطس. (٣) في (م): يستخدم. (٤) في (م) و(د) و(ز): نصفين، والمثبت من (ظ) و(ف) ومن التعريف والإعلام ص١٠٢، والكلام منه. (٥) التعريف والإعلام ص١٠٢. ٢٧١ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ في الجنةِ بألف دينار، فتَصدَّقَ بها، ثم إنَّ صاحبَه بنى داراً بألفٍ دينار، فقال: اللهمَّ إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني أشتري (١) منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدَّق بها، ثم تزوج امرأةً فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهمَّ إن فلاناً تزوج امرأةً بألف دينار، وإني أخطب إليكَ من نساءِ الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار. ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني أشتري منك خَدَماً ومتاعاً من الجنة بألف دينار، فتصدَّقَ بألف دينار. ثم أَصابته حاجةٌ شديدةٌ فقال: لعلَّ صاحبي ينالُني معروفُه، فأتاهُ فقال: ما فعلَ مالُك؟ فأخبره قصتَه فقال: وإنَّك لمن المُصدِّقين بهذا الحديث! والله لا أُعطيكَ شيئاً!(٢) ثم قال له: أنتَ تعبدُ إله السماء، وأنا لا أعبدُ إلا صنماً، فقال صاحبُه: والله لأعِظَنَّه، فوعظَه وذكّره وخوَّفه. فقال: سِرْ بنا نَصطدِ(٣) السمكَ، فَمن صادَ أكثر فهو على حقٌّ؛ فقال له: يا أخي! إنَّ الدنيا أحقرُ عند الله من أن يجعلَها ثواباً لمحسن، أو عقاباً لكافر. قال: فأكرهه على الخروج معه، فابتلاهما الله، فجعلَ الكافرُ يرمي شبكتَه ويسمِّي باسم صنعِه، فتطلع متدفِّقةً(٤) سمكاً. وجعلَ المؤمنُ يرمي شبكتَه ويسمي باسم الله، فلا يطلُع له فيها شيء؛ فقال له: كيف ترى! أَنا أكثرُ منك في الدنيا نصيباً ومنزلةً ونَفَراً(٥)، كذلك أكون أفضلَ منك في الآخرة إن كان ما تقولُ بزعمك حقًّا. قال: فَضَجَّ المَلَك المؤَكَّل بهما، فأمرَ الله تعالى جبريلَ أن يأخذه فيذهب به إلى الجِنان فيرِيَه منازلَ المؤمنِ فيها، فلما رأى ما أَعدَّ الله له قال: وعزَّتك لا يَضِرُّه ما ناله من الدنيا بعدَ ما يكون مصيرُه إلى هذا؛ وأَراه منازلَ الكافرِ في جهنم فقال: وعزَّتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيرُه إلى هذا(٦). ثم إنَّ (١) في (ظ) و(ز) و(ف): اشتريت. (٢) تفسير البغوي ٣/ ١٦١ . (٣) في النسخ الخطية: نصطاد. (٤) في (ظ) و(ز): مندفقة. (٥) في (د) و(ز): وكفراً، وفي (ف): وبقراً. (٦) أخرجه بنحوه ابن المبارك في الزهد (٦٢١) عن عطاء الخراساني مرسلاً. ٢٧٢ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ الله تعالى تَوقَّى المؤمن وأهلكَ الكافر بعذاب من عندِه، فلما استقرَّ المؤمن في الجنة ورأى ما أَعدَّ اللهُ له؛ أَقبلَ هو وأصحابُه يتساءلون، فقال: ((إني كان لي قَرِينٌ. يقول أنّك لمِن المصَدِّقين)) الآية، فنادى منادٍ: يا أهلَ الجنةِ! هل أنتم مطَّلِعون، فاطلعَ إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم، فنزلت ((واضرب لهم مَثَلاً)». بيَّن الله تعالى حالَ الأخوين في الدنيا في هذه السورة، وبينَ حالَهما في الآخرةِ في سورة الصافات في قوله: ﴿إِنِّ كَانَ لِ قَرِينٌ . يَقُولُ أَنَّكَ لَيِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾(١). قال ابنُ عطية(٢): وذَكرَ إبراهيمُ بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائبِ البلادِ أنَّ بحيرة تِنِيس(٣) كانت هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين، فباعَ أحدهما نصيبَه من الآخر فأنفق في طاعةِ الله حتى عيَّره الآخر، وجرت بينهما المحاورة فغَرَّقها الله تعالى في ليلة، وإياها عَنَى بهذه الآية. وقد قيل: إنَّ هذا مَثَلٌ ضَربه الله تعالى لهذه الأمةِ، وليس بخبر عن حال متقدمةٍ، لتزهدَ في الدنيا وترغبَ في الآخرة، وجعله زجراً وإنذاراً؛ ذكره الماوردي(٤). وسياقُ الآيةِ يدلُّ على خلافِ هذا، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَحَفَفْتَهُا بِنَخْلٍ﴾ أي: أَطَفْناهما من جوانبهما بنخلٍ(٥). والحِفافُ الجانب، وجمعه أحِفّة(٦)؛ ويقال: حَفَّ القومُ بفلان يَحُقُّون حَقًّا، أي: طافوا به، ومنه ﴿حَآَفِيْنَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]. ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ أي: جعلنا حولَ (١) آية ٥١ حتى ٦١ . (٢) في المحرر الوجيز ٥١٥/٣ . (٣) جزيرة في بحر مصر قريبة من البر ما بين الفرما ودمياط، والفرما في شرقيها. معجم البلدان ٢/ ٥١ . (٤) في النكت والعيون ٣٠٦/٣ . (٥) الطبري ٢٥٧/١٥ . (٦) في (ظ): أحفية. ٢٧٣ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ الأعناب النخلَ، ووسطَ الأعناب الزرعَ. ﴿ كِلْنَا الْجَنَّثَيِنِ﴾ أي: كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿وَنَتْ أُكُلَهَا﴾ تامًا (١)، ولذلك لم يقل: آتتا. واختلف في لفظ ((كِلْتا وكِلَا)) هل هو مفرد أو مثنى؛ فقال أهلُ البصرة: هو مفرد؛ لأن ((كِلا وكلتا)) في توكيدِ الاثنينِ نظيرُ (كُلِّ)) في المجموع، وهو اسمٌ مفردٌ غيرُ مثنى؛ فإذا وَلِيَ اسماً ظاهراً(٢) كان في الرفع والنصب والخفض على حالةٍ واحدة، تقول: رأيتُ كِلا الرجلين، وجاءني كِلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين؛ فإذا اتصل بمضمر؛ قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب، تقول: رأيت كِلَيْهِما، ومررتُ بكليهما، كما تقول: عليهما. وقال الفراء(٣): هو مثنَّى، وهو مأخوذ من كُلِّ، فخفّفت اللام وزيدت الألفُ للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان إلا مضافين، ولا يُتكلم بواحد، ولو تُكُلم به لقيل: كِلْ وكلْت وكِلان وكِلْتان. واحتجَّ بقول الشاعر: في كِلْتِ رجْليها سُلَامى واحدَهْ كِلتاهما مَقْرونةٌ بزائده(٤) أرادَ: في إحدى رجليها فأفردَ. وهذا القولُ ضعيفٌ عند أهلِ البصرة؛ لأنه لو كان مثنى؛ لوجب أن تكون ألفُه في النصب والجر ياءً مع الاسم الظاهر، ولأنَّ معنى (كِلا)) مخالفٌ لمعنى ((كل))؛ لأن ((كلَّا)) للإحاطة و ((كِلَا)) يدلُّ على شيءٍ مخصوص، (١) تفسير البغوي ١٦١/٣، وتهذيب اللغة ٣/٤ . (٢) قوله: ولي اسماً ظاهراً، كذا وقع في النسخ والصحاح (كلى) والكلام منه، وكذا نقله ابن منظور في اللسان (كلى)، وفي العبارة نظر، والصواب فيها أن يقول: وليه اسم ظاهر. وينظر الإنصاف ٤٤٨/٢ - ٤٤٩، وأمالي ابن الشجري ٢٩٠/١ - ٢٩١. (٣) ينظر معاني القرآن ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، والكلام بحرفيته في الصحاح (كلى) وعنه نقل المصنف. (٤) البيت في تفسير الطبري ٢٥٨/١٥، ومعاني القرآن للفراء ١٤٢/٢، والصحاح، واللسان (كلى) وخزانة الأدب ١٢٩/١ دون نسبة. وقال البغدادي في الخزانة ١٢٩/١ - ١٣٠: رأيت في حاشية الصحاح أنَّ هذا البيت من رجز يصف به نعامة، فضمير رجليها عائد على النعامة. والسُّلامَى على وزن حُبارَى: عظم في فرسِن البعير، وعظام صغار طول إصبع أو أقل في اليد والرجل، والجمع سلاميات، والفرسين بكسر أوله وثالثه، هو للبعير بمنزلة الحافر للفرس. ٢٧٤ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ وأمَّا هذا الشاعر؛ فإنما حَذفَ الألف للضرورة، وقدَّر أنها زائدة، وما يكون ضرورةً لا يجوز أن يُجعَل حجة، فثبت أنه اسمٌ مفرد كَمِعَى، إلا أنه وُضع ليدل على التثنيةِ، كما أنَّ قولهم: ((نحن)) اسمٌّ مفرد يدل على اثنين فما فوقهما، يدلُّ على ذلك قولُ جرير: كِلَا يَوْمَيْ أُمامةَ يومُ صَدِّ وإنْ لم نأتها إلَّا لِماما(١) فأخبر عن ((كلا)) بيوم مفرد، كما أَفردَ الخبرَ بقوله: ((آتت)) ولو كان مثنى لقالَ: آتتا، ويوما. واختُلف أيضاً في ألفِ ((كلتا))؛ فقال سيبويهِ(٢): ألفُ ((كلتا)) للتأنيثِ والتاءُ بدلٌ من لام الفعل وهي واو، والأصل كِلْوا، وإنما أُبدلت تاء؛ لأنَّ في التاء علمَ التأنيث، والألف في ((كلتا)) قد تصير ياءً مع المضمر، فتخرج عن علم التأنيث، فصار في إبدال الواو تاء تأكيدٌ للتأنيث. وقال أبو عمر الجَرْمِيُّ: التاء ملحقةٌ والألف لام الفعل، وتقديرها عندَه: فِعْتَلٌ، ولو كان الأمر على ما زعم؛ لقالوا في النسبة إليها: كِلْتَوِيّ، فلما قالوا: كِلَوِيّ، وأسقطوا التاء دلَّ على أنهم أَجروها مُجْرى التاء في أخت إذا نسبت إليها قلت: أَخَوِيّ؛ ذكره الجوهري(٣). قال أبو جعفر النحاس(٤): وأَجازّ النحويون في غير القرآن الحملَ على المعنى، وأن تقول: كلتا الجنتين آتتا أكلهما؛ لأن المعنى: الجنتان(٥) كلتاهما آتتا، وأجازَ الفراء (٦): (١) ديوان جرير ٧٧٨/٢، وفيه: صدق بدل صد، وقال محمد بن حبيب في شرحه: أي: يوم صالح، كما تقول: رجل صدق، أي: صالح. والبيت في كتاب الشعر للفارسي ١٢٦/١، والصحاح (كلى). (٢) ينظر الكتاب ٣١٧/٤ . (٣) في الصحاح (كلى). (٤) في إعراب القرآن ٤٥٥/٢ . (٥) في (د) و(ز) و(م): المختار، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس. (٦) في معاني القرآن ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، ونقل كلامه من إعراب القرآن للنحاس ٤٥٥/٢ . ٢٧٥ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٤ كلتا الجنتين آتى أكلَه، قال: لأنَّ المعنى: كل(١) الجنتين. قال: وفي قراءةِ عبدِ الله ((كلُّ الجنتين آتى أكله))(٢). والمعنى على هذا عندَ الفراء(٣): كل شيءٍ من الجنتين آتى أكله. والأُكُل، بضمِّ الهمزة: ثمرُ النخل والشجرِ وكلُّ ما يُؤكل فهو أكُل؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآبِرٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وقد تقدم(٤). ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم تنقص. قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَرًا﴾ أي: أَجرينا وشَققنا وسط الجنتين بنهر . ﴿وَكَانَ لَمُ ثَمَرٌ﴾ قرأ أبو جعفر وشَيْبة وعاصم ويعقوب وابنُ أبي إسحاق (ثَمَر)) بفتح الثاء والميم(٥)، وكذلك قوله: ((وأحيط بَثَمَره)) جمع ثمرة. قال الجوهري: الثمرةُ واحدةُ الثمرِ والثمرات، وجمعُ الثَّمر ثمار، مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمعُ الثمارِ ثُمُر، مثل كتاب وكُتُب، وجمعُ الثُّمُرِ أَثمار؛ مثل أعناق وُنُق. والنُّمُر أيضاً المالُ المُثَمَّر؛ يخفف ويثقَّل. وقرأ أبو عمرو ((وكان له ثُمْر)) بضم الثاء وإسكان الميم، وفسَّره بأنواع المال(٦). الباقون بضمِّها في الحرفين(٧). قال ابن عباس: ذهبٌ وفضةٌ وأموال(٨). وقد مضى في ((الأنعام)) نحوُ هذا مبيّناً (٩) وذكر النحاس(١٠): حدثنا أحمدُ بن شعيب قال: أخبرني عمران بن بكار قال: حدثنا (١) في إعراب القرآن: أكل. (٢) معاني القرآن للفراء ١٤٣/٢، والكشاف ٢/ ٤٨٤. (٣) في معاني القرآن ١٤٣/٢. (٤) ١٢ / ٨١ . (٥) ينظر السبعة ص ٣٩٠، والتيسير ص ١٤٣، والمحرر الوجيز ٥١٦/٣، والبحر المحيط ١٢٥/٦. (٦) الصحاح (ثمر)، وقراءة أبي عمرو في التيسير ص ١٤٣، والسبعة ص ٣٩٠، والمحرر الوجيز ٥١٦/٣ . (٧) التيسير ص ١٤٣، والسبعة ص٣٩٠. (٨) أخرجه الطبري ١٥/ ٢٦٠، بلفظ: أنواع المال. (٩) ٨/ ٤٧٤ . (١٠) في معاني القرآن ٢٤٠/٤. ٢٧٦ سورة الكهف: الآيات ٣٢ - ٣٦ إبراهيم بنُ العلاء الزبيدي قال: حدَّثنا شعيب بنُ إسحاق قال: حدثنا(١) هارون قال: حدثني أبان بن تغلب(٢)، عن الأعمش، أنَّ الحجاج قال: لو سمعتُ أحداً يقرأ ((وكان له ثُمُر)) لقطعتُ لسانَه؛ فقلت للأعمش: أتأخذُ بذلك؟ فقال: لا! ولا نَعْمَة عينٍ(٣). فكان يقرأ ((ثُمُر)) ويأخذه من جمع الثمر. قال النحاس: فالتقديرُ على هذا القولِ أنه جَمعَ ثمرة على ثِمار(٤)، ثم جمعَ ثمار على ثُمُر؛ وهو حسنٌ في العربيةِ إلا أنَّ القولَ الأول أشبهُ والله أعلم؛ لأنَّ قولَه: ((كلتا الجنتين آتت أكلها)) يدل على أنَّ له ثمراً. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُمْ﴾ أي: يراجعه في الكلام ويُجاوبه. والمحاورةُ المجاوبة، والتحاورُ التجاوب. ويقال: كلَّمته فما أَحارَ إليَّ جواباً، وما رجعَ إلَّ حَويراً ولا حَوِيرةً، ولا مَحُورةً ولا حِوَاراً، أي: ما ردَّ جواباً (٥). ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ النفر: الرهطُ وهو ما دون العشرةِ (٦). وأراد هاهنا الأتباعَ والخدمَ والولد، حسبما تقدَّم بيانُه. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَغُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَبِن زُدِدِثُ إِلَى رَبٍ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ٣٥ قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ قيل: أخذَ بيد أخيه المؤمن يُطيف به فيها ويُرِيه إِيَّاهَا(٧)، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: بكفرِه(٨)، وهو جملةٌ في موضعِ الحال. ومَن (١) ليست في (م). (٢) قوله: ابن تغلب، في (د) و(ز) و(م): عن ثعلب، والمثبت من (ظ) و(ف) وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٤/ ٢٤٠ . (٣) نَعِمَكَ وأَنْعَم بك عيناً: أقرَّ بك عين من تحبه. القاموس المحيط (نعم)، وذكر فيها اثنا عشر وجهاً. (٤) في (ظ): أثمار. (٥) الصحاح (حور). (٦) تهذيب اللغة ٢٠٩/١٥ . (٧) الوسيط ١٤٨/٣. (٨) الطبري ٢٦٢/١٥. ٢٧٧ سورة الكهف: الآيات ٣٥ - ٣٨ أدخلَ نفسه النار بكفره؛ فهو ظالمٌ لنفسِه، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أَنكر فَناءَ الدنيا(١)، ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً﴾ أي: لا أَحسِبُ البعثَ كائناً، ﴿وَلَيِن زُّدِدْتُ إِلَى رَبِ﴾ أي: وإن كان بعثٌ، فكما أعطاني هذه النعمَ في الدنيا، فسيعطيني أفضل منه؛ لكرامتي عليه (٢)، وهو معنى قوله: ﴿لَأَّجِدَتَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ وإنَّما قال ذلك، لمَّا دَعاه أخوه إلى الإيمان بالحشر والنشر. وفي مصاحف مكةَ والمدينةِ والشَّامِ ((منهما))، وفي مصاحفِ أهلِ البصرة والكوفةِ ((منها)) على التوحيد، والتثنيةُ أولى؛ لأنَّ الضمير أقربُ إلى الجنتين(٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطّفَقٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا ( لَكِنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّ وَلََّ أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا (﴾﴾ قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاِحِبُهُ﴾ يهوذا أو تمليخا، على الخلافِ في اسمِه: ﴿أَكَغَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطِفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا﴾ وَعَظه وبيَّن له أن ما اعترفَ به من هذه الأشياء التي لا يُنكرها أحدٌ أبدعُ من الإعادة. و((سؤَّاك رجلاً)) أي: جَعلك معتدلَ القامة والخَلْق، صحيحَ الأعضاءِ، ذَكَراً (٤) ((لكنَّ(٥) هُوَ اللهُ رَبِّي)) كذا قَرأَه أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وأبو العالية (٦)، ورُوي عن الكسائي. ((لكنَّ هو الله)) بمعنى لكنَّ الأمرَ هو اللهُ ربي، فأُضمِر اسمُها فيها. وقرأ الباقون ((لكنا)) بإثباتِ الألف(٧). قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخير، تقديره: لكنَّ الله هو ربي أنا، فحُذِفت الهمزةُ من ((أنا)) (١) في (م) و(د) و(ز): الدار، والمثبت من (ف) و(ظ)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للزجاج ٢٨٥/٣، والوسيط ١٤٩/٣، وزاد المسير ١٤٢/٥ . (٢) الوسيط ١٤٩/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٢٨٦/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٥١٧/٣، وزاد المسير ١٤٢/٥ - ١٤٣. (٤) الطبري ١٥/ ٢٦٣. (٥) في (ظ) و(د) و(م): لكنًّا، والمثبت من (ز) و(ف)، وهو الموافق لما في فتح القدير ٢٨٧/٣. (٦) لم نقف عليهما عند غير المصنف. (٧) السبعة ص٣٩١، والتيسير ص ١٤٣ . ٢٧٨ سورة الكهف: الآيتان ٣٧ - ٣٨ طلباً للخفة؛ لكثرة الاستعمال، وأُدغِمت إحدى النونين في الأخرى، وحُذِفت ألف ((أنا)) في الوصل وأُثبتت في الوقف(١). وقال النحاس(٢): مذهبُ الكسائي والفرّاء والمازِنِيّ أنَّ الأصلَ: لكن أنا، فأُلقيت حركةُ الهمزة على نون لكن، وحُذِفت الهمزةُ، وأُدغمتِ النونُ في النون، فالوقفُ عليها لكنَّا، وهي ألفُ أنا؛ لبيان الحركة. وقال أبو عبيد: الأصلُ لكن أنا، فحُذِفت الألف فالتقتْ نونان، فجاء بالتشديد لذلك، وأنشدنا الكسائي: لهَتَّكِ من عَبْسِيَّة لَوَسِيمَةٌ على هَنَوَاتٍ كاذبٍ من يقولها (٣) أرادَ: لله إنَّك، فأسقطَ إحدى اللَّمين من (الله)، وحذفَ الألف من إِنَّك. وقال آخرُ فجاءً به على الأصل : وتَرمينني بالظَّرْف أي أنتَ مذنبٌ وَتَقْلِينَني لكنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي(٤) أي: لكن أنا. وقال أبو حاتم: ورَوَوْا عن عاصم ((لكنَّا(٥) هو الله ربي)) وزعمَ أنَّ هذا لحن، يعني: إثبات الألف في الإدراجِ. قال الزجاج(٦): إثباتُ الألفِ في ((لكنا هو الله ربي)) في الإدراج جيد؛ لأنه قد حُذفت الألف من أنا، فجاؤوا بها عوضاً. قال: وفي قراءةٍ أُبَيِّ ((لكن أنا هو الله ربي). وقرأ ابن عامر والمُسيَّبي(٧) عن نافع (١) معاني القرآن للزجاج ٢٨٦/٣ . (٢) في إعراب القرآن ٤٥٦/٢ - ٤٥٧، وينظر معاني القرآن للفراء ١٤٤/٢. (٣) البيت في الصحاح (لهن)، والخزانة ٣٤٤/١٠. (٤) البيت في معاني القرآن للفراء ٢/ ١٤٤، والمغني ص١٠٦ و ٥٢٣ ٥٣٩ ، وشرح المفصل لابن يعيش ١٤٠/٨، والخزانة ٢٢٥/١١ . (٥) في إعراب القرآن للنحاس ٤٥٧/٢، والكلام منه: لكننا. (٦) في معاني القرآن وإعرابه ٢٨٧/٣ . (٧) في (م): المسيلي، وفي (ظ): المثنى، وهما تحريف، والمسيَّبي هو: إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب إمام جليل عالم بالحديث قيم في قراءة نافع ضابط لها محقق فقيه، قرأ على نافع وغيره. طبقات القراء لابن الجزري ١/ ١٥٧ . ٢٧٩ سورة الكهف: الآيتان ٣٧ - ٣٨ ورُويس عن يعقوب ((لكنا)) في حال الوقف والوصل معاً بإثبات الألف(١). وقال الشاعر: حُمْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّناما(٢) أنا سيفُ العشيرةِ فاعرفوني وقال الأعشى : يَ بعدَ المشيبِ کَفى ذاكَ عارا(٣) فكيفَ أنا وانتحالي القواف ولا خلافَ في إثباتِها في الوقف. ﴿هُوَ اَللَّهُ رَبِ﴾ ((هو)) ضميرُ القصةِ والشأن والأمر، كقوله: ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٩٧] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]. ﴿وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا﴾ دلَّ مفهومُه على أنَّ الأخ الآخر كان مشركاً بالله تعالى يعبد غيره. ويحتملُ أنه أراد: لا أرى الغنى والفقرَ إلا منه، وأَعلم أنه لو أرادَ أن يَسلُب صاحبَ الدنيا دنياه قَدَر عليه، وهو الذي آتاني الفقر. ويحتمل أنه أرادَ: جحودُك البعثَ مصيرُه إلى أنَّ الله تعالى لا يقدر عليه، وهو تعجيزُ الرب سبحانه وتعالى، ومَن عجّزه سبحانه وتعالى شبَّهه بخلقه، فهو إشراك(٤). (١) التيسير ص١٤٣، والسبعة ص٣٩١، والمحرر الوجيز ٥١٧/٣ . (٢) البيت في أساس البلاغة (ذري) منسوباً إلى حميد بفتح الحاء، وفي معاني الزجاج ٢٨٧/٣ دون نسبة، وقال في الخزانة ٢٤٣/٥: وحُميد يروى مصغراً ومكبراً، وتذريت السنام بمعنى علوته، ونسب ياقوت هذا البيت في حاشية الصحاح إلى حُميد بن بحدل، وحميد مضاف إلى جده لأنه حميد بن حريث بن بحدل من بني كلب بن وبرة وينتهي نسبه إلى قضاعة وهو شاعر إسلامي، وكانت عمته ميسون بنت بحدل أم يزيد بن معاوية. (٣) ديوان الأعشى ص١٠٣ وروايته هناك: فما أنا أم ما انتحالي القوا في بعد المشيب كفى ذاك عارا وهو في الكامل للمبرد ٥٥٢/٢ كما رواه المصنف. (٤) الكلام بنحوه في تفسير الرازي ١٢٦/٢١ . ٢٨٠ سورة الكهف: الآيات ٣٩ - ٤١ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّثَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِّ إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (﴿3﴾ فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْنِيَنِ خَيْرًا مِّنْ جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًّا ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِّ﴾ أي: بالقلب، وهو توبيخٌ ووصيةٌ من المؤمن للكافر، وردِّ عليه، إذ قال: ((مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً)) و((ما)) في موضع رفع، تقديرُه: هذه الجنةُ هي ما شاء الله. وقال الزجاج والفراء: الأمرُ ما شاء الله، أو هو ما شاء الله، أي: الأمر مشيئةُ الله تعالى. وقيل: الجوابُ مضمر، أي: ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون(١). ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ﴾ أي: ما اجتمعَ لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنَّزَع البركةَ منه فلم يجتمع(٢). الثانية: قال أشهب قال مالك: ينبغي لكلِّ مَن دخل منزله أن يقول هذا. وقال ابن وهب: قال لي حفص بنُ مَيْسرة: رأيتُ على باب وهب بن منبِّه مكتوباً ((ما شاء الله لا قوّة إلا بالله))(٣). وروي عن النبيِّ﴾ أنه قال لأبي هريرة: ((ألا أَدلك على كلمةٍ من كنوز الجنة، أو قال: كنز من كنوزٍ الجنة؟)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((لا حولَ ولا قوَّةً إلا بالله إذا قالها العبدُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: أَسلمَ عبدي واستسلم))(٤). أخرجه مسلم في ((صحيحه))(٥) من حديث أبي موسى. وفيه: فقال: ((يا أبا موسى، أو (١) معاني القرآن للزجاج ٢٨٨/٣، ومعاني القرآن للفراء ١٤٥/٢، والمحرر الوجيز ٥١٨/٣ . (٢) ينظر تفسير أبي الليث ٣٠٠/٢، والكشاف ٤٨٥/٢ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٢٨/٣ . (٤) أخرجه أحمد (٧٩٦٦) و(٨٤٢٦). (٥) برقم (٢٧٠٤) (٤٥).