النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة الكهف: الآيتان ١١ - ١٢ و﴿عَدَدًا﴾: نعت للسنين، أي: معدودة، والقصد به العبارةُ عن التكثير؛ لأنَّ القليلَ لا يحتاج إلى عدد؛ لأنَّه قد عُرِف(١). والعَدُّ: المصدر، والعدد: اسم المعدود، (٢ كالنَّفَض والخَبَط ٢). وقال أبو عبيدة: ((عدداً)) نصب على المصدر. ثم قال قوم: بيَّن اللهُ تعالى عددَ تلك السنين من بعدُ فقال: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَلَثَ مِْتَقِ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْمًا﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الِبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِنُواْ أَمَدًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ﴾ أي: من بَعْدِ نومهم. ويقال لمن أُخْبِيَ أو أُقِيمَ من نومه: مبعوثٌ؛ لأنَّه كان ممنوعاً من الانبعاثِ والتصرُّف. قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الِْبَيْنِ أَحْصَى﴾ (لنعلم)) عبارةٌ عن خروج ذلك الشيء إلى الوجودِ ومشاهدته، وهذا على نحوٍ كلام العرب، أي: لنعلمَ ذلك موجوداً، وإلا فقد كان اللهُ تعالى عَلِمَ أيَّ الحزبين أُحصى الأمد. وقرأ الزُّهْرِيُّ ((ليعلم)): بالياء(٣). والحزبان: الفريقان. والظاهر من الآية أنَّ الحزبَ الواحد هم الفتيةُ إذ ظنُّوا لبثَهم قليلاً. والحزبَ الثاني أهلُ المدينة الذين بُعِثَ الفِتْيةُ على عهدهم، حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية. وهذا قول الجمهور من المفسِّرين. وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين، اختلفا في مدَّة أصحاب الكهف. وقيل: هما حزبان من المؤمنين. وقيل غير ذلك مما لا يرتبط بألفاظ الآية(٤). و ((أحصى)): فعلٌ ماضٍ. و((أمداً)): نصب على المفعول به، قاله أبو عليّ(٥). وقال (١) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٥، وللزجاج ٢٧١/٣ بنحوه. (٢- ٢) في (د) و(ظ): كالنقص والخيط. (٣) المحرر الوجيز ٥٠٠/٣، وقراءة الزهري في البحر المحيط ١٠٣/٦. (٤) المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٠ . (٥) المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٠ ٢٢٢ سورة الكهف: الآيتان ١٢ - ١٣ الفرَّاء(١): نصب على التمييز. وقال الزجَّاج(٢): نصب على الظرف، أي: أيُّ الحزبين أَحصى للبثهم في الأمد، والأمد: الغاية. وقال مجاهد(٣): ((أمداً)): معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب. وقال الطبري (٤): ((أمداً)) منصوب بـ ((لبثوا)). ابن عطية(٥): وهذا غير مُتَّجه، وأما من قال: إنَّه نصب على التفسير، فيلحقه من الاختلال أن ((أفعل)) لا يكون من فعل رباعيٍّ إلا في الشاذِّ، و((أحصى)) فعل رباعي. وقد يحتج له بأن يقال: إن ((أفعل)) في الرباعي قد كثر، كقولك: ما أعطاه للمال، وآتاه للخير. وقال في صفة حوضِه#: ((ماؤه أبيض من اللبن))(٦). وقال عمر بن الخطاب: فهو لما سواها أضْيع(٧). قوله تعالى: ﴿فَّحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ ١٣ هُدى قوله تعالى: ﴿وَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِلْحَقِّ﴾ لما اقتضى قوله تعالى: «لنعلمَ أيُّ الحزبين أحصى)) اختلافاً وقع في أمدِ الفِتْية، عقّب بالخبر عن أنَّه عزَّ وجلَّ يَعلَم من أمرهم بالحقِّ الذي وقع. وقوله تعالى: ((إِنّهم فِتْيَةٌ)) أي: شبابٌ وأحداث حكم لهم بالفتوَّة حين آمنوا بلا واسطة، كذلك قال أهلُ اللسان: رأس الفتوَّة الإيمان. وقال الجُنيد: الفتوَّة: بَذْلُ النَّدَى وكفُّ الأذى وتَرْكُ الشكوى. وقيل: الفُتَوَّة: اجتنابُ المحارم واستعجالُ المكارم(٨). (١) في معاني القرآن ١٣٦/٢. (٢) في معاني القرآن ٣/ ٢٧١ . (٣) في تفسيره ١/ ٣٧٤ . (٤) في تفسيره ١٧٨/١٥ . (٥) في المحرر الوجيز ٥٠٠/٣ . (٦) أخرجه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو. (٧) أخرجه مالك في الموطأ ٦/١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٩٣/١، والبيهقي في السنن الكبرى ٤٤٥/١ - ٤٤٦ . (٨) ينظر مدارج السالكين ٣٤٢/٢ . ٢٢٣ سورة الكهف: الآيتان ١٣ - ١٤ وقيل غير هذا. وهذا القول حسن جدًّا؛ لأنَّه يعمُّ بالمعنى جميعَ ما قيل في الفتوَّة. قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ أي: يسَّرناهم للعمل الصالح، من الانقطاعِ إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا. وهذه زيادةٌ على الإيمان(١). وقال السُّدِّيُّ: زادهم هُدّى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافةً أن يَنْبَح عليهم ويُنَبِّهَ بهم، فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه اللهُ، فقال: يا قومٍ! لِمَ تطردونني، لم ترجمونني! لم تضربونني! فوالله لقد عرفتُ اللهَ قبل أن تعرفوه بأربعينَ سنةً، فزادهم اللهُ بذلك هُدّى(٢). قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبَُّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَنْ تَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ، إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا (١٤) قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عبارة عن شدَّة عزْم وقُوَّة صبرٍ، أعطاها اللهُ لهم حتى قالوا بين يدي الكفار: ((رَبُّنَا رَبُّ السماواتِ والأرضِ لن نَدْعُوَ مِنْ دونِهِ إِلهاً لقد قلنا إِذاً شَطَطاً)). ولما كان الفَزَعِ وخَوَر النفس يُشْبِهِ بالتناسب الانحلالَ، حَسُنَ في شدَّة النفس وقوَّة التصميم أن يُشْبِهِ الرَّبْطَ، ومنه يقال: فلانٌ رابطُ الجَأُش، إذا كان لا تَفْرَق نفسُه عند الفَزَع والحرب وغيرها. ومنه الرَّبْط على قلبٍ أمِّ موسى(٣). وقولُه تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] وقد تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُوا﴾ يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يكون هذا وصفَ مقامِهم بين يدي الملك الكافر، كما تقدَّم، وهو (١) المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٢) عرائس المجالس ص٤١٩ - ٤٢٠ بنحوه. (٣) في قوله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى ◌ِهِ، لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ [القصص: ١٠]، والكلام من المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٤) ٩ / ٤٦٦ . ٢٢٤ سورة الكهف: الآية ١٤ مَقام يَحتاج إلى الرَّبْط على القلب حيث خالفوا دينَه، ورفضوا في ذات الله هيبته(١). والمعنى الثاني فيما قيل: إنَّهم أولادُ عظماء تلك المدينة، فخرجوا واجتمعوا وراءَ تلك المدينة من غير ميعاد، فقال أسنُّهم: إني أجد في نفسي أنَّ ربِّي ربُّ السماوات والأرض، فقالوا: ونحن كذلك نجد في أنفسنا. فقاموا جميعاً فقالوا : ((رَبُّنَا ربُّ السماوات والأرض لن نَذْعُوَ من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شَطَطاً)(٢). أي: لئن دعَوْنا إلهاً غيرَه، فقد قلنا إذاً جَوْراً ومحالاً. والمعنى الثالث: أن يُعَبَّر بالقيام عن انبعاثِهم بالعَزْم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس، كما تقول: قام فلانٌ إلى أَمْرٍ كذا، إذا عزَم عليه بغاية الجِدِّ(٣). الثانية: قال ابن عطية (٤): تعلَّقت الصوفيَّة في القيام والقول بقوله: ((إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض)). قلت: وهذا تعلّقٌ غيرُ صحيح! هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته، وشكروا لِمَا أَولاهم من نعمه ونِعْمته، ثم هاموا على وجوههم منقطعينَ إلى ربِّهم، خائفين من قومهم، وهذه سنَّة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء. أين هذا من ضَرْبٍ الأرض بالأقدام والرَّقص بالأكمام! وخاصَّةً في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المُرْد والنسوان، هيهات! بينهما والله ما بين الأرض والسماء. ثم هذا حرامٌ عند جماعة العلماء، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان(٥) إن شاء الله تعالى. وقد تقدَّم في ((سبحان)) عند قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] ما فيه كفاية(٦). وقال الإمام أبو بكر الطَّرَشُوشِيُّ وسئل عن مذهب الصوفيَّة فقال: وأما (١) المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٢) زاد المسير ١١٠/٥، وتفسير الرازي ٢١/ ٩٧ - ٩٨. (٣) المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٤) في المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٥) عند الآية (١٨). (٦) ص٨١ فما بعد من هذا الجزء. ٢٢٥ سورة الكهف: الآيات ١٤ - ١٦ الرَّقص والتواجد فأوَّل من أحدثه أصحابُ السَّامِرِيِّ؛ لمَّا اتخذ لهم عجلاً جسداً له خُوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دينُ الكفَّار وعُبَّاد العِجْل، على ما يأتي. قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أُتَّخَذُواْ مِن دُونِ= ءَالِهَةَّ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمِ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ آَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءٍ قَوْمُنَا أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةٌ﴾ أي: قال بعضهم لبعض: هؤلاء قومُنا، أي: أهلُ عصرنا وبلدِنا، عبدوا الأصنامَ تقليداً من غير حجَّة. ﴿لَوْلًا﴾ أي: هَلَّا. ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: بحجّة على عبادتهم الصَّنّمَ. وقيل: ((عليهم)) راجع إلى الآلهة، أي: هلَّا أقاموا بيِّنةً على الأصنام في كونها آلهةً، فقولهم: ((لولا)) تحضيضٌ بمعنى التعجيز، وإذا لم يمكنهم ذلك، لم يجب أن يُلتَفَت إلى دعواهم (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِىْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا قوله تعالى: ﴿وَإِذِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ قيل: هو من قولِ الله لهم. أي: وإذ اعتزلتموهم فَأُووا إلى الكهف. وقيل: هو من قولِ رئيسِهم يمليخا، فيما ذكر ابن عطية(٢). وقال الغَزْنَوِيُّ: رئيسهم مكسلمينا قال لهم ذلك، أي: إذ اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون. ثم استثنى وقال ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: إنَّكم لم تتركوا عبادته، فهو استثناءٌ منقطع. قال ابنُ عطية(٣): وهذا على تقدير أنَّ الذين فرَّ أهلُ الكهف منهم لا يعرفون الله، ولا عِلْم لهم به، وإنَّما يعتقدون الأصنام في ألوهيتهم فقط. وإنْ فرضنا أنَّهم يعرفون الله كما كانت العرب تفعل، لكنَّهم يشركون أصنامَهم معه في العبادة، فالاستثناءُ متَّصل؛ لأنَّ الاعتزالَ وقع في كلِّ ما يعبد الكفار إلا في جهة الله. وفي (١) المحرر الوجيز ٥٠١/٣ . (٢) ينظر المحرر الوجيز ٤٩٨/٣، وزاد المسير ١١٦/٥. (٣) في المحرر الوجيز ٥٠١/٣ - ٥٠٢، وقراءة ابن مسعود ذكرها الطبري في التفسير ١٨٢/١٥. ٢٢٦ سورة الكهف: الآيات ١٦ - ١٨ مصحف عبد الله بن مسعود: ((وما يعبدون من دون الله)). قال قتادة: هذا تفسيرها. قلت: ويدلُّ على هذا ما ذكره أبو نُعيم الحافظ(١) عن عطاءِ الخُراسانِيِّ في قوله تعالى: ((وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله)) قال: كان فِتيةٌ من قوم يعبدون الله، ويعبدون معه آلهةً، فاعتزلت الفتيةُ عبادةَ تلك الآلهة، ولم تعتزل عبادةَ الله. ابن عطية (٢): فعلى ما قال قتادة تكون ((إلَّا)) بمنزلة ((غير))، و((ما)) مِن قوله: ((وما يعبدون إلا الله)) في موضع نصب، عطفاً على الضمير في قوله: ((اعتزلتموهم)). ومُضَمَّن هذه الآية أنّ بعضهم قال لبعضٍ: إذا فارَقْنا الكفَّارَ وانفردنا بالله تعالى، فلنجعل الكهفَ مأوّى ونتكلْ على الله؛ فإنَّه سيبسط لنا رحمته، وينشرها علينا، ويهيِّئ لنا من أمرنا مِرْفَقاً. وهذا كلُّه دعاءٌ بحسَب الدنيا، وعلى ثقة كانوا من الله في أَمْرٍ آخرتهم. وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ﴾: كان أصحابُ الكهف صياقلةً. واسم الكهف: حيوم(٣). ﴿مِرْفَقًا﴾ قُرئ بكسر الميم وفتحها، وهو ما يُرتفق به. وكذلك مِرْفَق الإنسان ومَرْفِقه، ومنهم من يجعل: ((المَرْفق)) بفتح الميم، الموضع كالمسجد، وهما لغتان (٤). قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَت تَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا (٧ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا قوله تعالى: ﴿وَتَّرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ آلْيَمِينِ﴾ أي: ترى (١) في حلية الأولياء ٢٠٠/٥ . (٢) في المحرر الوجيز ٥٠٢/٣ . (٣) عرائس المجالس ص ٤٢٠، ٤٢٣ وفيه أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة، وأن اسم الكهف كان الوصید، وقيل: خیرم. (٤) قرأ نافع وابن عامر: بفتح الميم وكسر الفاء، وقرأ الباقون: بكسر الميم وفتح الفاء. السبعة ص٣٨٨، والتيسير ص١٤٢، وينظر معاني القرآن للنحاس ٢٢٤/٢ . ٢٢٧ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ أيُّها المخاطَب الشمسَ عند طلوعها تَميلُ عن كهفهم. والمعنى: إنَّك لو رأيتهم لرأيتهم كذا، لا أنَّ المخاطَب رآهم على التحقيق(١). و((تزاور)): تتنخَّى وتميل، من الازورار. والزَّوَر: المَيْل. والأَزور في العين: المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين، كما قال ابن أبي ربيعة(٢): ... وجَنْبِي خِيفةَ القومِ أَزْوَرُ من اللفظة قول عنترة(٣) : فازوَرَّ من وَقْع القَنَا بِلبَانه وفي حديث غَزْوة مُؤْتة أنَّ رسولَ الله﴾ رأى في (٤) سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة (٥). وقرأ أهلُ الحَرَمين وأبو عمرو: ((تزَّاوَرُ)) بإذْغام التاء في الزاي، والأصل: ((تتزاور)). وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((تَزَاوَرُ)) مخففَّة الزاي. وقرأ ابن عامر ((تَزْوَرُّ)» مثل تحمُّ (٦). وحكى الفرَّاءِ(٧) ((تزوارُ)) مثل تحمارُ، كلُّها بمعنَى واحد. ﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ﴾ قرأ الجمهور بالتاء، على معنى: تتركهم، قاله مجاهد (٨). (١) تفسير الرازي ٢١/ ٩٩ . (٢) في ديوانه ص٦٥ ، والبيت بتمامه فيه: وخُفْض عني الصوت أقبلتُ مشیة الـ (٣) في ديوانه ص ٣٠ ، وتمامه: (٤) بعدها في (ظ): الجنة. حباب وشخصي خشية الحي أزور وشكا إليَّ بعَبْرة وتحمحم (٥) المحرر الوجيز ٥٠٢/٣ - ٥٠٣، والخبر أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٥٩/٦ - ١٦٠ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وأورده ابن هشام في السيرة النبوية ٣٨٠/٢ . (٦) السبعة ص٣٨٨، والتيسير ص ١٤٢ . (٧) في معاني القرآن ١٣٦/٢. (٨) في تفسيره ١/ ٣٧٤ . ٢٢٨ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ وقال قتادة: تَدَعهم(١). النخَّاس: وهذا معروف في اللغة، حكى البصريون أنَّه يقال: قرضه يقرضه: إذا تركه، والمعنى: أنَّهم كانوا لا تُصيبهم شمسٌ ألبتة؛ كرامةً لهم، وهو قول ابن عباس(٢). يعني أنَّ الشمسَ إذا طلعت مالت عن كهفهم ذاتَ اليمين، أي: يمينَ الكهف، وإذا غربت تمرُّ بهم ذاتَ الشمال، أي: شمالَ الكهف، فلا تصيبهم في ابتداءِ النهار ولا في آخرِ النهار. وكان كهفُهم مستقبِلَ بنات نَعْش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعةٌ وغاربةً وجاريةً لا تَبلغهم لتؤذيهم بحرِّها، وتغيِّر ألوانهم، وتُبْلِي ثيابهم(٣). وقد قيل: إنَّه كان لكهفهم حاجبٌ من جهة الجنوب، وحاجبٌ من جهة الدَّبُور وهم في زاويته. وذهب الزجَّاج(٤) إلى أن فِعْلَ الشمس كان آيةً من الله، دون أن يكون بابُ الكهف إلى جهة تُوجِبُ ذلك. وقرأت فرقة: ((يقرضهم)) بالياء، من القَرْضِ وهو القَطْع، أي: يقطعهم الكهف بظلِّه من ضوء الشمس(٥). وقيل: ((وإذا غربت تقرضهم)) أي: يصيبهم يسيرٌ منها، مأخوذ من قُراضة الذهب والفضة، أي: تعطيهم الشمسُ اليسيرَ من شعاعها. وقالوا: كان في مَسِّها لهم بالعَشِيِّ؛ إصلاح لأجسادهم. وعلى الجملة فالآية في ذلك أنَّ الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفتُه لا إلى كهف آخر يتأذَّوْن فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار. وعلى هذا فيمكن أن يكون صَرْفُ الشمس عنهم بإظلالِ غمامٍ أو سببٍ آخر. والمقصود بيانُ حِفْظهم عن تطرُّق البلاء وتغيُّر الأبدان والألوان إليهم، والتأذِّي بحرِّ أو بَرْدٍ. (١) أخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ١/ ٤٠٠، والطبري ١٨٨/١٥. (٢) المحرر الوجيز ٥٠٣/٣ . (٣) الوسيط ١٣٩/٣. (٤) في معاني القرآن ٢٧٤/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٥٠٣/٣، وينظر البحر المحيط ١٠٨/٦. ٢٢٩ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ ﴿وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: من الكهف. والفَجْوَة: المتَّسع، وجمعها فَجَوات وفِجَاء(١)، مثل رَكْوة ورِكاء ورَكَوات. وقال الشاعر: ونحن مَلَّأُنا كلَّ وادٍ وفَجْوةٍ رجالاً وخيلاً غيرَ ميلِ ولا عُزْلٍ (٢) أي: كانوا بحيث يصيبهم نسيمُ الهواء. ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ لطف بهم، وهذا يقوِّي قولَ الزجَّاج. وقال أهل التفسير: كانت أعينُهم مفتوحةً وهم نائمون، فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظاً (٣). وقيل: تحسبهم أيقاظاً؛ لكثرة تقلُّبهم كالمستيقظ في مضجعه (٤). و﴿أَيْفَاظًا﴾ جمع يَقِظ ويقظان، وهو المنتبه(٥). ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ كقولهم: وهم قومٌ ركوع وسجود وقعود، فوصف الجمع بالمصدر. ﴿وَتُقَلِيُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِ﴾ قال ابن عباس: لئلا تأكلَ الأرضُ لحومَهم (٦). قال أبو هريرة: كان لهم في كل عام تقليبتان. وقيل: في كل سنة مرَّةُ (٧). وقال مجاهد: في كلِّ سبع سنين مرَّة. وقالت فرقة: إنما قُلِّبوا في التسع الأَواخر، وأما في الثلاث مئة فلا (٨). وظاهر كلام المفسرين أنَّ التقليبَ كان من فعل اللهِ، ويجوز أن یکون من مَلَك بأمر الله، فیضاف إلى الله تعالى. (١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٩٦/١. (٢) النكت والعيون ٢٩١/٣ . (٣) المحرر الوجيز ٥٠٣/٣. (٤) تفسير أبي الليث ٢٩٤/٢ . (٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٤٦٢/١، ومعاني القرآن للأخفش ٦١٧/٢. (٦) أخرجه عنه الطبري ١٨٦/١٥، ١٩١. (٧) تفسير البغوي ١٥٤/٣، وتفسير الرازي ١٠١/٢١ . (٨) المحرر الوجيز ٥٠٤/٣، ولم ينسب القول الأول إلى مجاهد، بل إلى فرقة أيضاً، والذي ورد في المصادر أن القول الثاني - وهو إنما قُلِّبوا في التسع الأواخر - هو قول مجاهد، ينظر تفسير أبي الليث ٢٩٣/٢، والنكت والعيون ٢٩١/٣، وزاد المسير ١١٨/٥. ٢٣٠ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ قوله تعالى: ﴿وَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَیْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ فیه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ قال عمرو بنُ دِينار: إنَّ ممَّا أُخِذَ على العقرب ألَّ تضرَّ أحداً قال في ليله أو في نهاره: صلى الله على نوح(١). وإنَّ ممَّا أُخِذَ على الكلب ألَّ يضرَّ من حَمَل عليه إذا قال: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد(٢). أكثر المفسرين على أنَّه كلب حقيقةً، وكان لصيدِ أحدِهم أو لزرعه أو غنمه، على ما قال مقاتل. واختلف في لونه اختلافاً كثيراً، ذكره الثعلبيّ(٣). تحصيله: أيَّ لون ذكرتَ أصبتَ، حتى قيل: لون الحجر، وقيل: لون السماء. واختلف أيضاً في اسمه، فعن عليٍّ: ريَّان. ابن عباس: قطمير. الأوزاعي: مشير. عبد الله بن سَلَام: بسيط (٤). كعب: صهيا. وهب: نقيا. وقيل: قطمير، ذكره الثعلبيُّ. وكان اقتناءُ الكلب جائزاً في وقتهم، كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا. وقال ابن عباس: هربوا ليلاً، وكانوا سبعةٌ، فمرُّوا براعٍ معه كلب فاتَّبَعَهم على دينهم. وقال كعب: مرُّوا بكلب فنبح لهم، فطردوه مراراً، فقام الكلبُ على رجليه ورفع يدَيْه إلى السماء كهيئة الداعي، فنطق فقال: لا تخافوا مني! أنا أحِبُّ أحبّاء الله تعالى، فناموا حتی أحرسکم(٥). الثانية: ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبيِّ# قال: ((من اقتنى كلباً إلا كلبَ صيد أو ماشية، نقص من أَجْره كلَّ يوم قيراطان))(٦). وروى الصحيح أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((من اتخذ كلباً إلا كلبَ ماشية أو صيد أو زرع، انْتُقِص من أجره كلَّ يوم قيراط)). قال الزهريُّ: وذُكر لابنِ عمر قولُ أبي هريرة فقال: (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٤٤٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٥٦/٦٢، من حديث أبي أمامة مرفوعاً، وأخرجه الأصبهاني في طبقات المحدثين ٣/ ٤٠٤ من قول الحسن (٢) ينظر حياة الحيوان للدميري ٣٠٤/٢ . (٣) في عرائس المجالس ص٤١٩ . (٤) في عرائس المجالس: بطيط. (٥) الوسيط ١٣٩/٣، وعرائس المجالس ص٤٢٥، وتفسير الرازي ١٠١/٢١. (٦) سلف ٣١٢/٧. ٢٣١ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ يَرحم اللهُ أبا هريرة! كان صاحبَ زرع(١). فقد دلَّت السُّنَّة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية. وجعل النقص في أَجْرٍ من اقتناها على غير ذلك من المنفعة، إما لترويعِ الكلبِ المسلمينَ وتشويشِه عليهم بنباحه، أو لمَنْع دخول الملائكةِ البيتَ، أو لنجاسته، على ما يراه الشافعيُّ، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعةً فيه، والله أعلم. وقال في إحدى الروايتين: ((قيراطان))، وفي الأخرى: ((قيراط)). وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشدُّ أذّى من الآخر، كالأسود الذي أَمَرَ عليه الصلاة والسلام بقَتْله، ولم يُدخله في الاستثناء حين نهى عن قَتْلها، كما هو منصوص في حديث جابر، أخرجه الصحيح، وقال: ((عليكم بالأسود البَهيم ذي النُّقطتين فإنه شيطان))(٢). ويحتمل أن يكون ذلك؛ لاختلافِ المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلاً أو بمكّة ينقص قيراطان، وبغيرها قيراط. وأما المباح اتخاذُه، فلا ينقص، كالفرس والهِرَّة، والله أعلم. الثالثة: وكلب الماشية المباح اتخاذُه عند مالكٍ هو الذي يَسْرَح معها، لا الذي يحفظها في الدار من السُّرَّاق. وكلب الزرع هو الذي يَحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السُّرَّاق. وقد أجاز غيرُ مالك اتخاذَها لسُرَّاق الماشية والزرع. وقد تقدَّم في ((المائدة))(٣) من أحكام الكلاب ما فيه كفاية، والحمد لله. الرابعة: قال ابنُ عطية(٤): وحدَّثني أبي ﴾، قال: سمعت أبا الفضل الجوهريَّ في جامع مصر يقول على منبر وَعْظه سنةَ تسع وستينَ وأربع مئة: إنَّ مَن أحبَّ أهلَ الخير، نال من بركتهم، كلبٌ أحبَّ أهلَ فَضْلٍ وصَحِبَهم، فذكره اللهُ في محكم تنزيله. (١) سلف ٣١٢/٧. (٢) سلف ٧/ ٣١٣ . (٣) ٢٩٩/٧ وما بعدها. (٤) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٤ . ٢٣٢ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ قلت: إذا كان بعضُ الكلاب قد نال هذه الدرجةَ العليا بصُحبته ومخالطته الصلحاءَ والأولياءَ حتى أَخبر اللهُ تعالى بذلك في كتابه جلَّ وعلا فما ظنُّك بالمؤمنين الموحِّدين المخالطين المحبِّين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسليةٌ وأُنْسٌ للمؤمنين المقصِّرين عن درجاتِ الكمال، المحبِّين للنبيِّ﴾ وآلِهِ خيرِ آل(١). روى الصحيح عن أنس بنِ مالك قال: بينا أنا ورسولُ اللـه ﴾ خارجان من المسجد، فلقِيَنا رجلٌ عند سُدَّة المسجد فقال: يا رسولَ الله، متى الساعةُ؟ قال رسول الله ﴿: ((ما أعددتَ لها)) قال: فكأنَّ الرجلَ استكان، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددتُ لها كثيرَ صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنِّي أحِبُّ اللهَ ورسوله. قال: ((فأنتَ مع من أحببتَ))(٢). في رواية قال أنس بنُ مالك: فما فَرِحنا بعد الإسلام فرحاً أشدَّ من قول النبيِّ﴾: ((فأنت مع من أحببت)). قال أنس: فأنا أُحِبُّ اللهَ ورسولَه وأبا بكر وعمرَ، فأرجو أن أكونَ معهم وإن لم أَعمل بأعمالهم(٣). قلت: وهذا الذي تمسّك به أنس يشمل من المسلمين كلَّ ذي نفس، فكذلك تعلَّقت أطماعنا بذلك وإن كنَّا مقصِّرين، ورجونا رحمةً الرحمن وإن كنَّا غيرَ مستأهلين، كلبٌ أحبَّ قوماً فذكرَه اللهُ معهم! فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام، وحبُّ النبيِّ﴾، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ وَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اَلَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقالت فرقة(٤): لم يكن كلباً حقيقةً، وإنَّما كان أحدهم، وكان قد قعد عند باب الغارِ طليعةً لهم(٥)؛ فسُمِّيَ باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع(٦) كما سُمِّي (١) ينظر لطائف الإشارات ٣٨٤/٢. (٢) أخرجه البخاري (٦١٧١)، ومسلم (٢٦٣٩): (١٦٤) واللفظ له. (٣) البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩): (١٦٣). (٤) المحرر الوجيز ٥٠٤/٣، وينظر النكت والعيون ٢٩٢/٣. (٥) بعدها في (د) و(ز) زاد الناسخ قوله: قال ابن عطية ما ذكر موصلاً هنا موضعه وإنما تأخر عن موضعه. اهـ. (٦) قوله: فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع. تأخّر في (م) وجاء بعد قوله: قال ابن عطية. والمثبت من (ظ) والمحرر الوجيز. ٢٣٣ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ النجمُ(١) التابعُ للجوزاء كلباً؛ لأنَّه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له: كلب الجبّار(٢). قال ابنُ عطية (٣): أما إنَّ هذا القولَ يُضعِفِهِ ذِكْرُ بَسْطِ الذراعين فإنَّها في العرف من صفة الكلب حقيقةً، ومنه قول النبيِّ﴾: ((ولا يبسط أحدُكم ذراعَيْه انبساطَ الكلب»(٤). وقد حكى أبو عمر المطرِّز في كتاب ((اليواقيت)) أنَّه قُرئَ: ((وكالئهم(٥) باسط ذراعيه بالوصيد)). فيحتمل أن يريد بالكالئ(٦) هذا الرجل على ما روي؛ إذ بَسْطُ الذراعين واللصوقُ بالأرض مع رَفْع الوجه للتطلُّع هي هيئة الرِّيبة المستخفي بنفسه. ويحتمل أن يريد بالكالئ الكلبَ. وقرأ جعفر بن محمد الصادقُ: ((وكالبهم)) يعني: صاحبَ الكلب(٧). قوله تعالى: ﴿بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ﴾ أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضِيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حال ولم يقصد الإخبارَ عن فعل الكلب(٨). والذراع: مِن طَرَف المرفق إلى طَرَف الأصبع الوسطى. ثم قيل: بَسَطَ ذراعيه؛ الطول المدَّة. وقيل: نام الكلب، وكان ذلك من الآيات. وقيل: نام مفتوحَ العين. والوصِيد: الفِناء، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جُبَير(٩)، أي: فناء الكهف، (١) ليست في (د) و(ظ). (٢) في (ظ): الخيار. وفي (ز): الحبار. وفي المحرر الوجيز: الحيار. اهـ والجبَّار: اسم الجوزاء. القاموس المحيط (جبر). (٣) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٤ . (٤) سلف ٢٦/٢ . (٥) في النسخ: وكالبهم. في الموضعين وكذا في المحرر الوجيز ٥٠٤/٣ والكلام منه، والمثبت من البحر المحيط ١٠٩/٦، وروح المعاني ٢٢٦/١٥، قال أبو حيان: قرئ: وكالثهم، اسم فاعل من كَلَاً، إذا حَفِظَ. (٦) في (د) و(ظ) و(م): بالكالب، والمثبت من (ز) والبحر المحيط ١٠٩/٦. (٧) الكشاف ٢/ ٤٧٥، والبحر المحيط ١٠٩/٦ وورد عنده أبو جعفر، بدل: جعفر. (٨) المحرر الوجيز ٥٠٤/٣، والكشاف ٤٧٥/٢ - ٤٧٦ . (٩) أخرجه عنهم الطبري ١٩٢/١٥، وينظر تفسير مجاهد ٣٧٥/١. ٢٣٤ سورة الكهف: الآيتان ١٧ - ١٨ والجمع وصائد ووُصُد. وقيل: الباب. وقاله ابن عباس أيضاً (١). وأنشد: بأرضٍ فضاءٍ لا يُسَدُّ وصِيدُها عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكْرٍ وقد تقدَّم(٢). وقال عطاء: عتبة الباب(٣)، والباب الموصد هو المغلق. وقد أوصدتُ البابَ وآصدته، أي: أَغلقته. والوصيد: النبات المتقارب الأُصول(٤)، فهو مشترك، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قرأ الجمهور: بكسر الواو. والأعمش ويحيى بن وَثَّاب: بضمِّها(٥). ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ أي: لو أَشرفتَ عليهم لهربتَ منهم. ﴿وَلَّهُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي لِمَا حفَّهم اللهُ تعالى من الرُّعب، واكتنفهم من الهيبة. وقيل: لوحشةٍ مكانهم، وكأنَّهم آواهم اللهُ إلى هذا المكان الوَحْشِ في الظاهر لينفرَ الناسُ عنهم. وقيل: كان الناسُ محجوبين عنهم بالرعب، لا يَجْسُر أحدٌ منهم على الدُّنوِّ إليهم. وقيل: الفرار منهم؛ لطول شُعورهم وأَظفارهم، ذكره المهدوِيُّ والنَّّاس والزجَّاج والقشيريُّ(٦). وهذا بعيد؛ لأنَّهم لما استيقظوا قال بعضُهم لبعض: لبثنا يوماً أو بعضَ يوم. ودلَّ هذا على أنَّ شعورَهم وأظفارَهم كانت بحالها، إلا أن يقال: إنَّما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أَظفارهم وشعورهم. قال ابنُ عطية(٧): والصحيح في أمرهم أنَّ الله عزَّ وجلَّ حَفِظَ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكونَ لهم ولغيرهم فيهم آية، فلم يَبْلَ لهم ثوبٌ، ولم تغيَّر صفةٌ، ولم يُنكِر الناهض إلى المدينة إلا معالمَ (١) أخرجه الطبري ١٥/ ١٩٤ . (٢) سلف ص ٢٠٣ من هذا الجزء. (٣) النكت والعيون ٢٩٢/٣، وتفسير البغوي ١٥٤/٣. (٤) الصحاح (وصد). (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/٢، والمحرر الوجيز ٥٠٤/٣، وينظر الكشاف ٤٧٦/٢، وإملاء ما منَّ به الرحمن ٥٠٩/٣، والبحر المحيط ١٠٩/٦ . (٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٣، والمحرر الوجيز ٥٠٤/٣ . (٧) في المحرر الوجيز ٥٠٤/٣ - ٥٠٥ . ٢٣٥ سورة الكهف: الآيات ١٧ - ٢٠ الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها، لكانت عليه أهم. وقرأ نافع وابن كثير وابن عباس وأهل مكة والمدينة: (لَمُلِّئْتَ منهم)) بتشديد اللام على تضعيف المبالغة، أي: مُلِئت، ثم مُلِئت. وقرأ الباقون: ((لَمُلِئت)) بالتخفيف، والتخفيف أشهرُ في اللغة(١). وقد جاء التثقيل في قول المُخَبَّل السعدِيِّ(٢): وإذ فَتَكَ النُّعمان بالناس مُخْرِماً فملِّئ من كعبٍ بن عوف سلاسِلُه وقرأ الجمهور: ﴿رُعْبًا﴾ بإسكان العين. وقرأ بضمِها أبو جعفر. قال أبو حاتم: هما لغتان(٣). و((فراراً)) نصب على الحال، و((رعباً)) مفعول ثانٍ أو تمييز (٤). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لِئْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْءٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَذْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدَّا ﴿﴿ إِنَهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوْاْ إِذَا أَبَدًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ﴾ البعث: التحريك عن سكون(٥). والمعنى: كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلَّناهم، بعثناهم أيضاً، أي: أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم. قال الشاعر: وفِتْيَانِ صِدْقٍ قد بَعثْتُ بسُحْرَةٍ فقاموا جميعاً بين عاثٍ ونَشْوانٍ(٦) (١) السبعة ص٣٨٩، والتيسير ص ١٤٣، وينظر المحرر الوجيز ٥٠٤/٣ والكلام منه. (٢) المُخَبَّل السعدي هو: ربيع بن مالك بن ربيعة، والبيت في اللسان (فتك). (٣) المحرر الوجيز ٥٠٥/٣ . (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/٢، ومعاني القرآن للزجاج ٢٧٥/٣ . (٥) المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٥ . (٦) القائل امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص٩١، قال شارحه: والعاثي: المتناول للشيء، والسُّخْرة: السَّحَر الأعلى، أول الأسحار. ٢٣٦ سورة الكهف: الآيتان ١٩ - ٢٠ أي: أَيقظت: واللام في قوله: ((ليتساءلوا)) لام الصيرورة، وهي لام العاقبة، كقوله: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فبعْتُهم لم يكن لأجل تساؤلهم. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَّوْرٍّ﴾ وذلك أنَّهم دخلوه غُدوةً، وبعثَهم اللهُ في آخر النهار، فقال رئيسهم تمليخا أو مكسلمينا: اللهُ أَعلم بالمدَّةِ(١). قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فيه سبع مسائل : الأولى: قال ابن عباس: كانت ورقُهم كأخفافِ الرُّبَع(٢)، ذكره النحاس. وقرأ ابنُ کثیر ونافع وابن عامر والكسائيُّ وحفص عن عاصم: ((بورِقکم» بکسر الراء. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم: ((بوَرْقكم)) بسكون الراء، حذفوا الكسرةَ؛ لثقلها، وهما لغتان(٣). وقرأ الزجَّاج(٤): ((بوِزْقكم)) بكسر الواو وسكون الراء. ويُروى أنَّهم انتبهوا جِياعاً، وأنَّ المبعوثَ هو تمليخا، كان أصغرهم، فيما ذكر الغَزْنِيُّ. والمدينة: أُفسُوس، ويقال: هي طَرسوس، وكان اسمها في الجاهلية: أفسوس، فلما جاء الإسلامُ سمَّوها: طرسوس(٥). وقال ابنُ عباس: كان معهم دراهمُ عليها صورةُ الملِك الذي كان في زمانهم (٦). الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال ابنُ عباس: أحلُّ ذبيحةً؛ لأنَّ أهلَ بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم، وكان فيهم قومٌ يُخْفُون إيمانَهم. ابن (١) الوسيط ٣/ ١٤٠. (٢) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٨/٧١ دون عزيٍ، قال ابن الأثير في النهاية (ربع): الرباع بكسر الراء، جمع رُبَع، وهو ما ولد من الإبل في الربيع، وقيل: ما ولد في أول النتاج. (٣) السبعة ص٣٨٩، والتيسير ص١٤٣، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٥٢. (٤) في معاني القرآن ٣/ ٢٧٥ . (٥) تفسير البغوي ٣/ ١٥٥ . (٦) الوسيط ٣/ ١٤٠، وزاد المسير ١٢١/٥، وتفسير الرازي ١٠٣/٢١. ٢٣٧ سورة الكهف: الآيتان ١٩ - ٢٠ عباس: كان عامَّتُهم مجوساً (١). وقيل: ((أزكى طعاماً)) أي: أكثر بركةً. قيل: إنَّهم أَمروه أن يشتري ما يُظنُّ أنَّه طعام اثنين أو ثلاثة؛ لئلا يُطّلع عليهم، ثم إذا طُبخ كفى جماعة، ولهذا قيل ذلك الطعام: الأرز. وقيل: كان زبيباً. وقيل: تمراً، فالله أعلم. وقيل: ((أزكى)): أطيب. وقيل: أرخص(٢). ﴿فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ أي: بِقُوت. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: في دخول المدينة وشراء الطعام. ﴿وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًّا﴾ أي: لا يُخبِرِنَّ. وقيل: إن ◌ُهِر عليه، فلا يوقعنَّ إخوانَه فيما وقع فيه. ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوَكُمْ﴾ قال الزجَّاجِ(٣): معناه بالحجارة، وهو أخبثُ القتل. وقيل: يرموكم بالسَّبِّ والشَّتم(٤)، والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّه كان عازماً على قَتْلهم، كما تقدَّم في قَصصهم. والرجم فيما سلف هي كانت - على ما ذكر - قِتْلَةَ مخالفٍ(٥) دينِ الناس، إذ هي أشفى لجملة (٦) أهل ذلك الدِّين من حيث إنَّهم يشتركون فيها. الثالثة: في هذه البِعْثة بالوَرِق دليلٌ على الوكالة وصحَّتها. وقد وكّل عليّ بن أبي طالب أخاه عَقيلاً عند عثمان ﴾، ولا خلافَ فيها في الجملة(٧). والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام، ألا ترى إلى عبد الرحمن بنِ عَوف كيف وَّل أميّة بنَ خَلَف بأهله وحاشيته بمكّة، أي: يحفظهم، وأميَّة مُشرِك، والتزم عبدُ الرحمن لأميَّة من حَفِظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك؛ مجازاةً لصنعه، روى البخاريُّ عن عبد الرحمن بن عوف قال: كاتبتُ أميَّة بنَ خَلَف كتاباً بأن يحفظني في صاغِيَتي بمكّة وأحفظه في صاغِيَته (١) تفسير الرازي ١٠٣/٢١ . (٢) ينظر تفسير الطبري ٢١٢/١٥ - ٢١٤، والنكت والعيون ٢٩٤/٣، وزاد المسير ١٢٣/٥. (٣) في معاني القرآن ٢٧٦/٣ . (٤) تفسير الطبري ٢١٥/١٥ وعزاه إلى ابن جريج. (٥) في النسخ: ما ذكر قبله مخالفة، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٠٦/٣، والكلام منه. (٦) في المحرر الوجيز: لحملة. (٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٨١ . ٢٣٨ سورة الكهف: الآيتان ١٩ - ٢٠ بالمدينة، فلما ذكرتُ الرحمنَ، قال: لا أَعرفُ الرحمنَ! كاتِبْني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته: عبدَ عمرٍو ... وذكر الحديث(١). قال الأصمعيُّ: صاغية الرجل: الذين يميلون إليه ويأتونه، وهو مأخوذ من صغا يَصْغُو ويَصْغَى إذا مال، وكلُّ مائل إلى الشيء أو معه، فقد صغا إليه وأَصغى، من كتاب ((الأفعال))(٢). الرابعة: الوكالة عقدُ نيابةٍ، أذِن اللهُ سبحانه فيه؛ للحاجة إليه، وقيام المصلحة في ذلك، إذ ليس كلُّ أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونةٍ من غيره، أو بترقُّه(٣)، فیستنیب من یریحه. وقد استدل علماؤنا على صحَّتها بآيات من الكتاب، منها هذه الآية، وقولُه تعالى: ﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣]. وأما من السنة: فأحاديث كثيرة، منها حديث عروة البارِقِيٍّ، وقد تقدَّم في آخر الأنعام(٤). روى جابر بنُ عبد الله قال: أَردتُ الخروجَ إلى خَيْبَر، فأتيتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ فقلت له: إنِّي أردت الخروج إلى خيبر، فقال: ((إذا أتيتَ وكيلي، فخذ منه خمسةً عشَر وَسْقاً، فإن ابتغى منك آيةً، فضع يدك على تَرْقُوَته)) خرَّجه أبو داود (٥). والأحاديث كثيرة في هذه المعنى، وفي إجماع الأمة على جوازها كفايةٌ. الخامسة: الوكالة جائزة في كلِّ حقِّ تجوز النيابةُ فيه، فلو وكّل الغاصبُ، لم يجز، وكان هو الوكيلَ؛ لأنَّ كلَّ محرَّم فعله، لا تجوز النيابة فيه. السادسة: في هذه الآية نُكْتة بديعة، وهي أنَّ الوكالة إنَّما كانت مع الثَّقِيَّة(٦) (١) البخاري (٢٣٠١). (٢) تهذيب اللغة ١٥٩/٨، والأفعال للسرقسطي ٣/ ٣٨٣، ولابن القطاع ٢٥٦/٢ بنحوه. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٢١٦/٣، وفيه: يترقَّه، بدل: بترُّه. (٤) ٩ / ١٤٤ - ١٤٥ . (٥) في سننه (٣٦٣٢)، وأخرجه أيضاً الدارقطني (٤٣٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٨٠ . قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ٥١ : رواه أبو داود من طريق وهب بن كيسان عن جابر بسند حسن. اهـ، والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١٢١٦/٣ - ١٢١٧. (٦) في (ظ): البقية. ٢٣٩ سورة الكهف: الآيتان ١٩ - ٢٠ خوفَ أن يشعرَ بهم أحدٌ؛ لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم. وجواز توكيل ذوي العُذر متفَق عليه، فأمَّا من لا عذرَ له، فالجمهور على جوازها. وقال أبو حنيفة وسُخنون: لا تجوز. قال ابنُ العربيّ(١): وكأنَّ سُحنونَ تلقَّفه من أسد بنِ الفُرات، فحكم به أيام قضائه، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت؛ إنصافاً منهم، وإذلالاً لهم، وهو الحقُّ؛ فإنَّ الوكالةَ معونةٌ ولا تكون لأهل الباطل. قلت: هذا حسن، فأمَّا أهلُ الدين والفَضْل، فلهم أن يوكِّلوا وإن كانوا حاضرين أصحَّاء، والدليل على صحَّة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرَّجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبيِّ# سِنٌّ من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: ((أعطوه)) فطلبوا له سِنَّه فلم يجدوا إلا سِنَّا فوقَها، فقال: ((أَعطوه)) فقال: أُوْ فَيْتَنِي، أوْفَى الله لك. قال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ خيرَكم أحسنكم قضاء)». لفظ البخاري(٢). فدلَّ هذا الحديث - مع صحَّته - على جواز توكيلِ الحاضر الصحيح البدن، فإنَّ النبيَّ ◌َ﴾ أَمَر أصحابه أن يُعطوا عنه السِّنَّ التي كانت عليه، وذلك توكيلٌ منه لهم على ذلك، ولم يكن النبيُّ ◌َ﴾ مريضاً ولا مسافراً، وهذا يردُّ قولَ أبي حنيفة وسُحنون في قولهما: إنَّه لا يجوز توكيلُ الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلافُ قولهما. السابعة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: تضمَّنت هذه الآيةُ جواز الشركة؛ لأنَّ الوَرِق كان لجميعهم. وتضمَّنت جوازَ الوكالة؛ لأنَّهم بعثوا من وكلَّوه بالشراء. وتضمَّنت جواز أكْلِ الرُّفقاء وخَلْطهم طعامهم معاً، وإن كان بعضُهم أكثرَ أكْلاً من الآخر(٣)، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠] حسبما تقدَّم بيانه في ((البقرة))(٤). ولهذا قال أصحابنا في المسكين يُتصدَّق عليه فيخلطه بطعام لغنيٍّ ثم يأكل معه: إنَّ (١) في أحكام القرآن ١٢١٩/٣، والكلام السابق منه. (٢) في ((صحيحه)) (٢٣٠٥)، وأخرجه أيضاً مسلم (١٦٠١)، وأحمد (٩١٠٦). (٣) أحكام القرآن للهراسي ٣/ ٢٦٥، ولابن العربي ١٢١٨/٣ بنحوه. (٤) ٣ / ٤ . ٢٤٠ سورة الكهف: الآيات ١٩ - ٢١ ذلك جائزٌ. وقد قالوا في المضارِب يَخلط طعامَه بطعام غيره ثم يأكل معه: إنَّ ذلك جائزٌ. وقد كان رسول الله # وثَّل من اشترى له أُضْحية. قال ابنُ العربي(١): ليس في الآية دليلٌ على ذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون كلُّ واحد منهم قد أَعطاه منفرداً، فلا يكون فيه اشتراك، ولا مُعَوَّل في هذه المسألة إلا على حديثين: أحدهما: أنَّ ابنَ عمر مَرَّ بقوم يأكلون تمراً فقال: نهى رسولُ الله ◌ِ﴾ عن الإقران(٢) إلا أن يستأذن الرجلُ أخاه(٣). الثاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخَبَطِ(٤). وهذا دون الأوَّل في الظهور؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يُعطيهم كَفافاً من ذلك القوت، ولا يَجمعهم عليه. قلت: ومما يدلُّ على خلاف هذا من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَاتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَّكُمْ جُنَاحُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمّ فَقَالُواْ آبَنُواْ عَلَيْهِم بُنْيًَّا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِذَّ قَالَ الَّذِينَ غَلَوُاْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم وأظهرناهم. و((أَعْثر)) تعديةُ عَثَر بالهمزة، وأصل العِثار في القدم(٥). ﴿لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اَلَّهِ حَقٌّ﴾ يعني الأمَّة المسلمة الذين بُعث أهلُ الكهف على عهدهم. وذلك أنَّ دقيانوس مات ومضت قرون، وملك أهل تلك الدار رجلٌ صالح، (١) في أحكام القرآن ١٢١٨/٣ . (٢) في (د) و(ز) و(م): الاقتران، والمثبت من (ظ) ومصادر التخريج. (٣) أخرجه البخاري (٢٤٥٥)، ومسلم (٢٠٤٥)، وأحمد (٥٠٣٧) . . (٤) أخرجه البخاري (٤٣٦١)، ومسلم (١٩٣٥)، وأحمد (١٤٣١٥)، قال ابن حجر في فتح الباري ٧٩/٨ : والخَّبَط : ورق السَّلَم. (٥) المحرر الوجيز ٥٠٦/٣ .