النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
أي: أيُّهم أَتبعُ لأَمري، وأَعملُ بطاعتي.
﴿وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا﴾ أي: الأرض، وإنَّ ما عليها لفانٍ وزائل، وإنَّ
المرجعَ إليَّ فأجْزِي كلَّ بعمله، فلا تأسَ ولا يَحْزُنْك ما ترى وتسمع فيها. قال ابنُ
هشام: الصَّعيد: وَجْهُ الأرض، وجمعه: صُعُد. قال ذو الرُّمّة يصف ظَبْياً صغيراً:
كأنه بالفُّحَى تَرمِي الصعيدَ به دبَّابةٌ في عِظام الرأسِ خُرْطوم(١)
وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضاً: الطريق، وقد جاء في الحديث:
((إيَّاكم والقعودَ على الصُّعُدات))(٢) يريد: الظُرُق. والجُرُز: الأرض التي لا تُنبِت
شيئاً، وجمعها: أجراز. ويقال: سَنَةٌ جُرُز، وسِنُونَ أَجراز؛ وهي التي لا يكون فيها
مطرٌ، وتكون فيها جُدوبةٌ ويبس وشِدَّة(٣). قال ذو الرمّة يصف إيلاً:
طَوَى النَّحْزُ والأَجرازُ ما في بطونها فما بقِيتْ إلا الضَّلوعُ الجراشِعُ(٤)
قال ابنُ إسحاق: ثم استقبل قصَّةً الخبرِ فيما سألوه عنه من شَأْنِ الفتية فقال:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا ◌َجْمًا﴾ أي: قد كان من آياتي
فيما وضعتُ على العباد مِن حجَّتي ما هو أعجبُ من ذلك. قال ابنُ هشام(٥):
والرَّقيم: الكتابُ الذي رُقِم بخبرهم، وجمعه: رُقُم. قال العَجَّاج(٦) :
(١) ديوان ذي الرمة ٣٨٩/١، وقال شارحه: والدبابة: الخمر، والخرطوم: أول ما ينزل ويؤخذ من الدَّنِّ،
والمعنى: كأن هذا الولدَ - يعني الظبيَّ - بالضحى تبطحه خمر من النعاس، وإنما ينام لرِيُّه من اللبن.
(٢) أورده بهذا اللفظ ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (صعد)، وأخرجه أحمد (٢٧١٦٣) عن أبي
شريح الخزاعي بلفظ: ((إياكم والجلوس على الصعدات ... )) مطولاً، وعنون له البخاري في كتاب
المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصعدات، وأخرج حديث أبي سعيد الخدري
(٢٤٦٥) عن النبي ﴾ قال: إياكم والجلوس على الطرقات.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٣، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٤) ديوان ذي الرمة ١٢٩٦/٢ بنحوه، قال شارحه: والنحز: ضرب الأعقاب والاستحثاث في السير،
والجراشع: المنتفخ الجنبين.
(٥) في السيرة النبوية ٣٠٣/١ - ٣٠٤ .
(٦) ديوانه ص ٢٨٥ ، والعجَّاج هو: عبد الله بن رؤبة بن لبيد.

٢٠٢
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
ومُسْتَقَرَّ المُصْحفِ المُرَقَّمِ
وهذا البيت في أُزجوزة له.
قال ابن إسحاق: ثم قال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ
أَّ الِّبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا﴾. ثم قال: ﴿َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِآلْحَقِّ﴾ أي: بِصِدْقٍ
الخبر: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى. وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ، إِلَهَّا لَّقَدْ قُلْنَآ إِذَا شَطَطًا﴾ أي: لم يشركوا بي
كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابنُ هشام(١): والشَّطَطُ: الغُلُوُّ ومجاوزةٌ
الحقِّ. قال أعشى بني(٢) قيس بنِ ثَعْلبة(٣) :
كالطَّعْنِ يَذهبُ فيه الزَّيْت والفُتُلُ
أتنتهونَ ولا يَنْهَى ذَوِي شَطَطِ
وهذا البيت في قصيدة له، قاله ابن إسحاق.
﴿هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنّ﴾. قال ابن
إسحاق: أي: بحجَّة بالغة. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَإِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ فَأُوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُهَبِّئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُ مِّرْفَقًا .
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ
فِىِ فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. قال ابنُ هشام: تزاوَرَ: تميَّل، وهو من الزَّوَر. وقال أبو الزحف
الكُلَمْيِيُّ يصف بلداً :
يُنْضِي المطايا خِمْسُه العَشَنْزَرُ(٤)
جَدْب المُنَذَّى عن هَوانَا أَزْوَرُ
(١) في السيرة النبوية ٣٠٤/١ .
(٢) في (ظ): بن.
(٣) ديوانه ص١١٣ .
(٤) السيرة النبوية ٣٠٤/١ - ٣٠٥، وهو في الصحاح: (عشزر)، والمندَّى: حيث يُرتَع، والخِمْس من
أظماء الإبل: أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع. الصحاح (خمس).

٢٠٣
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
وهذان البيتان في أرجوزة له.
و﴿تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ تجاوزُهم وتتركهم عن شمالها. قال ذو الرُّمَّة:
شِمالاً وعن أيْمانِهنَّ الفوارِسُ(١)
إلى ظُعُنٍ يَقْرِضنَ أقوازَ مُشْرِفٍ
وهذا البيت في قصيدةٍ له. والفَجْوة: السَّعةُ، وجمعها: الفِجاء. قال الشاعر:
حتى أُبِيحُوا وحَلُّوا فَجْوةَ الدار(٢)
ألبسْتَ قومَك مَخْزاةً ومنقصةً
﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: في الحجّة على من عَرَفَ ذلك من أمورهم من أهلِ
الكتاب ممَّن أَمَرَ هؤلاء بمسألتك عنهم في صِدْقٍ نبوَّتك بتحقيق الخبر عنهم.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا. وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا
وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقلِيُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابنُ
هشام: الوصيد: الباب. قال العبسيُّ، واسمه عبدُ بنُ وهب:
بأرضٍ فَلاةٍ لا يُسَدُّ وَصيدُها عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرٍ(٣)
وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضاً: الفِناء، وجمعه: وصائد، ووُصُد،
ووُضْدان.
﴿لَوِ أَظَلَغْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ غَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ أهلُ
السلطان والمِلْكِ منهم. ﴿لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم ◌َسْجِدًا. سَيَقُولُونَ﴾ يعني: أحبار اليهود
الذين أَمروهم بالمسألة عنهم. ﴿ثَلَثَةٌ رَِّعُهُمْ كَلْبُهُمْ. [وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِمُهُمْ كَبُهُمْ
رَمَا بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَاِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ فَلَ
ثُمَارِ فِهِمْ﴾ أي: لا تُكابرهم. ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ فإنَّهم لا
عِلْم لهم بهم.
(١) السيرة النبوية ٣٠٥/١، والبيت في ديوان ذي الرمة ١١٢٠/٢، وجاء فيه: أجواز، بدل: أقواز،
والقَوْز: الكثيب الصغير من الرمل، والفوارس: رملٌ بالدهناء. وينظر الصحاح (قوز).
(٢) السيرة النبوية ٣٠٥/١، وفيه: وخَلَّوا، بدل: وحَلُّوا.
(٣) السيرة النبوية ٣٠٥/١ وفيه وفي (ظ): عبيد، بدل: عبد، وأورده أبو زيد القرشي في جمهرة أشعار
العرب ١١٩/١ ونسبه إلى زهير بن أبي سلمى، ولم نقف عليه في ديوانه.

٢٠٤
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأْىْءٍ](١) إِنِّيِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتِّ
وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: لا تقولنَّ لشيء سألوك عنه كما قلتَ
في هذا: إنِّي مخبركم غداً، واستثنٍ مشيئةَ الله، واذْكُر ربَّك إذا نسِيتَ، وقل عسى أن
يهديني ربِّي لخبرِ ما سألتموني عنه رَشَداً، فإنَّك لا تدري ما أَنا صانعٌ في ذلك.
﴿وَيِثُواْ فِىِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِاْتَكٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾ أي: سيقولونَ ذلك. ﴿قُلِ اَللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا لَمِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْجِعَّ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا
يُثْرِكُ فِي حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ أي: لم يَخْفَ عليه شيءٌ مما سأَلوك عنه (٢).
قلت: هذا ما وقَع في السيرة من خبرِ أصحاب الكهف ذكرناه على نَسَقه. ويأتي
خبرُ ذي القرنين، ثم نعود إلى أوَّل السورةِ فنقول:
قد تقدَّم معنى ((الحمد لله))(٣).
وزعم الأخفش والكسائيُّ والفرَّاء وأبو عبيد وجمهورُ المتأوِّلين أنَّ في أوَّل هذه
السورة تقديماً وتأخيراً، وأنَّ المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّماً
ولم يجعل له عوجاً (٤).
و﴿قَيِّمًا﴾ نصب على الحال(٥) - وقال قتادة: الكلام على سياقه من غير تقديم
ولا تأخير، ومعناه: ولم يجعل له عوجاً ولكن جعلناه قَيِّماً (٦) - وقول الضخَّاك فيه
حسن، وأن المعنى: مستقيم، أي: مستقيم الحكمة لا خطأً فيه ولا فسادَ ولا
(١) ما بين حاصرتين في (ظ).
(٢) السيرة النبوية ٣٠٥/١ - ٣٠٦، والخبر أخرجه الطبري في التفسير ١٤٣/١٥ - ١٤٤ عن ابن عباس
مختصراً.
(٣) ٢٠٢/١ وما بعدها.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٤٧، وينظر معاني القرآن للأخفش ٦١٦/٢، وللفراء ١٣٣/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٧/٢ .
(٦) تفسير البغوي ٣/ ١٤٤ .

٢٠٥
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
تناقضَ(١). وقيل: ((قيِّماً)) على الكتب السابقة يُصدِّقها. وقيل: ((قَيِّماً)) بالحُجج أبداً.
﴿عِوَجًا﴾ مفعول به، والعِوَج، بكسر العين: في الدِّين والرأي والأمر والطريق.
ويفتحها في الأجسام كالخشب والجدار، وقد تقدَّم (٢). وليس في القرآن ◌ِوَجٌ، أي:
عيبٌ، أي: ليس متناقضاً مختلفاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اَللَّهِ لَّوَجَدُواْ فِيهِ
أَخْلِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقيل: أي: لم يجعله مخلوقاً، كما روي عن ابنِ عباس
في قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجَ﴾ [الزمر: ٢٨] قال: غير مخلوق(٣). وقال
مقاتل: ((عِوَجاً)): اختلافاً. قال الشاعر:
ولا خيرَ فيمن كان في الودِّ أعْوَجًا (٤)
أدوم بودِّي للصديق تكرُّماً
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ أي: لينذر محمَّدٌ أو القرآنُ. وفيه إضمارٌ، أي: لينذرَ
الكافرين عقابَ اللهِ. وهذا العذابُ الشديدُ قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة.
﴿مِنْ لَُّنّهُ﴾ أي: من عندِه(٥). وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم: ((من لذنه)) بإسكان الدَّالِ
وإشمامِها الضَّمَّ وكسرِ النون، والهاء موصولةٌ بياء. الباقون ((لدُنْهُ)) بضمِّ الدَّالِ وإسكانٍ
النون وضمِّ الهاء(٦). قال الجوهريُّ: وفي ((لدن)) ثلاثُ لغات: لَدُن، ولَدَى، ولَدُ.
وقال:
مِن لَدُ لَحْيَيْه إلى مُنْحُورٍ(٧)
(١) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٤٧، وأخرجه عنه الطبري ١٥/ ١٤١ .
(٢) ٢٣٣/٥ - ٢٣٤، وينظر النكت والعيون ٢٨٤/٤، والمحرر الوجيز ٤٩٤/٣.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ١٤٤، والنكت والعيون ٢٨٣/٣.
(٤) النكت والعيون ٢٨٣/٣ .
(٥) تفسير الطبري ١٤٥/١٥ وعزاه إلى قتادة.
(٦) السبعة ص٣٨٨، والتيسير ص ١٤٢.
(٧) الصحاح (لدن)، وأورد البيت ابن منظور في لسان العرب (لدن) ونسبه إلى غيلان بن حريث، وقال:
قال ابن بري: وأنشده سيبويه: إلى منخوره، أي: منخزه. اهـ، وكذا جاء في الصحاح، وفي (ظ) و(د).

٢٠٦
سورة الكهف: الآيات ١ - ٥
المُنْحُور: لغةٌ في المَنْحَرَ(١).
قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ أَلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ﴾ أي: بأنَّ لهم
﴿أَجْرَا حَسَنَّاً﴾ وهي الجنَّة. ﴿مَّكِتِينَ﴾ دائمين. ﴿فِيهِ أَبَدًا﴾ لا إلى غايةٍ. وإن
حملتَ التبشيرَ على البيان، لم يحتج إلى الباء في ((بأن)). والأَجْر الحسن: الثوابُ
العظيمُ الذي يؤدِّي إلى الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَمَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا (٣ مَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمِ وَلَا
لَِّبَبِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَّخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِّبًا (@)
قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾ وهم اليهودُ، قالوا: عزيرٌ ابنُ
الله، والنصارى قالوا: المسيحُ ابنُ الله. وقريشٌ قالت: الملائكةُ بناتُ اللـه(٢).
فالإنذار في أوَّل السورة عامٌّ، وهذا خاصٌّ فیمن قال لله ولد.
﴿مَا لَهُم بِهِهِ مِنْ عِلْرٍ﴾ ((مِن)) صِلَّةٌ، أي: ما لهم بذلك القولِ عِلْم؛ لأنَّهم مقلِّدة،
قالوه بغير دليل. ﴿وَلَا لِلَ بَآئِهِمْ﴾ أي: أسلافهم.
﴿كَبِرَتّ كَلِمَةُ﴾ ((كلمة)) نصبٌ على البيان، أي: كَبُرَت تلك الكلمةُ كلمةً. وقرأ
الحسنُ ومجاهدٌ ويحيى بنُ يَعْمَر وابنُ أبي إسحاق ((كلمةٌ)) بالرفع، أي: عَظُمتْ
كلمةٌ، يعني قولَهم: ((اتَّخِذ الله ولداً))(٣). وعلى هذه القراءة فلا حاجةً إلى إضمار.
يقال: كبر الشيء: إذا عَظُمَ. وكَبِرَ الرجلُ: إذا أَسنَّ (٤). ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾ في موضعٍ
الصفة. ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ أي: ما يقولون إلا كذباً.
(١) في (ظ) و(د): المنخور لغة في المنخر.
(٢) المحرر الوجيز ٤٩٥/٣، وتفسير الرازي ٢١/ ٧٧ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٧/٢ - ٤٤٨، والقراءة في المحتسب ٢٤/٢، ومختصر شواذ القرآن لابن
خالويه ص٧٨ .
(٤) الصحاح (كبر).

٢٠٧
سورة الكهف: الآيتان ٦ - ٧
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ
أَسَفًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ﴾ ((باخع)) أي: مُهلِكٌ وقاتلٌ، وقد
تقدَّم(١). (آثارِهِمْ)): جمع أثَر، ويقال: إِثْر (٢). والمعنى: على أَثَر تولِّيهم وإعراضِهم
عنك. ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن. ﴿أَسَفًا﴾ أي: حزناً وغضباً على
كفرهم، وانتصبَ على التفسير(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلَّاً
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا﴾ ((ما)) و((زينةً)) مفعولان(٤).
والزينةُ: كلُّ ما على وجه الأرض، فهو عمومٌ؛ لأنَّه دالٌّ على بارئه. وقال ابن جُبير
عن ابنِ عباس: أراد بالزينة الرجالَ، وقاله مجاهد. وروى عكرمةُ عن ابنِ عباس أنَّ
الزينةَ الخلفاءُ والأمراءُ(٥). وروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد عن ابنِ عباس في قوله
تعالى: ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها)) قال: العلماءُ زينةُ الأرض(٦). وقالت
فرقةٌ: أراد النَّعَم والملابس والثمارَ والخُضْرةَ والمياه، ونحوَ هذا مما فيه زينةٌ، ولم
يدخل فيه الجبالُ الصُّمُّ، وكلُّ ما لا زينة فيه كالحياتِ والعقارب. والقول بالعموم
أَوْلى، وأنَّ كلَّ ما على الأرض فيه زينةٌ من جهة خَلْقه وصنْعه وإحكامه(٧). والآيةُ
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٣، وينظر ما تقدم أول السورة ص ٢٠٠ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٨/٢ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٦٨/٣ - ٢٦٩.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٨/٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٩٦/٣ .
(٦) ينظر زاد المسير ١٠٥/٥ - ١٠٦.
(٧) المحرر الوجيز ٤٩٦/٣ - ٤٩٧ .

٢٠٨
سورة الكهف: الآية ٧
بَسْطٌ في التسلية، أي: لا تهتمَّ يا محمد للدنيا وأهلِها؛ فإنَّا إنَّما جعلنا ذلك امتحاناً
واختباراً لأهلِها، فمنهم من يتدبَّر ويؤمن، ومنهم من يَكفر، ثم يوم القيامة بين
أيديهم، فلا يعظُمنَّ عليكَ كفرُهم، فإنَّا نُجازيهم.
الثانية: معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبيِّ ﴾: ((إنَّ الدنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، والله
مستخلفُكم فيها، فينظرُ كيف تعملون)). وقوله :﴿: ((إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم ما
يُخرج اللهُ لكم من زَهرةِ الدنيا)» قالوا: وما زهرةُ الدنيا؟ قال: ((بركاتُ الأرض)»
خرَّجهما مسلمٌ وغيرُه مِن حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ(١). والمعنى: أنَّ الدنيا مستطابَةٌ
في ذَوْقِها، مُعجِبةٌ في منظرها، كالثمر المُسْتَحْلَى (٢) المُعْجِب المرأى(٣)، فابتلى اللهُ
بها عبادَه؛ لينظرَ أيَّهم أحسنُ عملاً. أي: مَن أَزهدُ فيها وأَتركُ لها، ولا سبيلَ للعباد
إلى معصية ما زيَّنه اللـهُ إلا أن يعينه على ذلك. ولهذا كان عمرُ يقول فيما ذكر
البخاريُّ(٤): اللَّهُمَّ إِنَّا لا نستطيعُ إلا أن نفرحَ بما زيَّنته لنا، اللَّهُمَّ إني أسألكَ أن أنفقَه
في حقِّه. فدعا اللهَ أن يعينه على إنفاقه في حقِّه. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام:
((فِمِن أَخَذَه بطيبٍ نَفْسٍ، بُورِكَ له فيه، ومن أَخَذَه بإشراف نفسٍ، كان كالذي يأكلُ ولا
يشبع))(٥). وهكذا هو المكثِر من الدنيا لا يَقنَعُ بما يَحصلُ له منها، بل همَّته جَمْعُها؛
وذلك لعدم الفَهْم عن الله تعالى ورسوله، فإنَّ الفتنةَ معها حاصلةٌ، وعدمَ السلامة
غالبةٌ، وقد أَفلحَ من أَسلم، ورُزِقَ كفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه.
وقال ابنُ عطية(٦): كان أبي ﴾ يقول في قوله: ((أحسن عملاً)): أَحسنُ العمل
(١) صحيح مسلم (٢٧٤٢) و(١٠٥٢): (١٢٢) على الترتيب، والأول أخرجه أيضاً أحمد (١١١٤٣)،
والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠)، والثاني أحمد (١١٠٣٥)، وابن ماجه (٣٩٩٥). وهما عند
البخاري (١٤٦٥) و(٢٨٤٢) بنحوهما.
(٢) في (د) و(ظ): كالتمر المستجلي.
(٣) في (ظ): للرأي. والكلام من المفهم ٧/ ٣١٢ .
(٤) في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﴾: هذا المال خضرة حلوة، قبل حديث (٦٤٤١).
(٥) تقدم آنفاً.
(٦) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٩٧ .

٢٠٩
سورة الكهف: الآية ٧
أخذٌ بحقِّ، وإنفاقٌ في حقٌّ مع الإيمان، وأداءُ الفرائض، واجتنابُ المحارم، والإكثارُ
من المندوب إليه.
قلت: هذا قولٌ حسنٌ، وجيزٌ في ألفاظه، بليغٌ في معناه، وقد جمعَه النبيُّ # في
لفظٍ واحد، وهو قوله لسفيانَ بنِ عبدِ الله الثَّقَفِيِّ لما قال: يا رسولَ الله، قل لي في
الإسلام قولاً لا أَسألُ عنه أحداً بعدك - في رواية: غيرك - قال: ((قل: آمنتُ بالله ثم
استقِم)» خرَّجه مسلم (١). وقال سفيان الثّورِيُّ: ((أحسنُ عملاً)): أزهدُهم فيها(٢).
وكذلك قال أبو عصام العسقلانيُّ: ((أحسنُ عملاً)): أَتْركُ لها(٣).
وقد اختلفت عباراتُ العلماء في الزهد فقال قوم: قِصَرُ الأمل وليس بأكل
الخشِن ولبسِ العَباء، قاله سفيان الثّوْرِيُّ(٤). قال علماؤنا: وصدَق ﴾! فإنَّ مَن قَصُر
أملُه، لم يتأنَّق في المطعوماتِ، ولا يتفنَّن في الملبوسات، وأَخَذَ من الدنيا ما تيسّر،
واجتزاً منها بما يُبلِّغ.
وقال قومٌ: بُغْضُ المحمدةِ وحُبِّ الثناء. وهو قول الأوزاعِيِّ ومن ذهب إليه.
وقال قومٌ: تَرْكُ الدنيا كلَّها هو الزهد، أحَبَّ تَرْكَها أم كَرِه. وهو قول فُضيلٍ. وعن
بشرِ بنِ الحارث قال: حُبُّ الدنيا: حبُّ لقاءِ الناس، والزهدُ في الدنيا: الزهد في
لقاء الناس. وعن الفضيلِ أيضاً: علامةُ الزهدِ في الدنيا الزهدُ في الناس. وقال قومٌ:
لا يكون الزاهدُ زاهداً حتى يكون تَرْكُ الدنيا أحبَّ إليه من أخذها، قاله إبراهيمُ بنُ
أدهم(٥). وقال قومٌ: الزهد: أن تزهدَ في الدنيا بقلبِك، قاله ابنُ المبارك. وقالت
فرقةٌ: الزهدُ: حبُّ الموت(٦). والقول الأوَّل يعمُّ هذه الأقوالَ بالمعنى، فهو أَولى.
(١) برقم (٣٨)، وهو عند أحمد (١٥٤١٦).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٤٥/٧ (١٢٧٠٧).
(٣) أخرجه الطبري ١٥/ ١٥٢ .
(٤) الرسالة القشيرية ١٦٦/٢ - ١٦٨.
(٥) أخرجه عنه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٩/٨.
(٦) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٣٠٦/٧.

٢١٠
سورة الكهف: الآيتان ٨ - ٩
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا.
تقدَّم بيانه(١). وقال أبو سهلٍ: تراباً لا نباتَ به، كأنَّه قُطع نباتُه. والجَرْز: القَطْع،
ومنه سنة ◌ُرُزٌ. قال الراجز:
قد جَرفَتْهنَّ السِّئُونُ الأَجْرَاز(٢)
والأرضُ الجُرُز: التي لا نباتَ فيها ولا شيءَ من عمارةٍ وغيرها، كأنَّه قُطِعَ
وأُزيل. يعني: يومَ القيامة، فإنَّ الأرضَ تكون مستويةً لا مستتَر فيها(٣). النحاس(٤):
والجُرْزُ في اللغة: الأرضُ التي لا نباتَ بها. قال الكسائيُّ: يقال: جُرِزَت الأرضُ
تَجْرَز، وجرزها القوم يَجْرُزونها: إذا أَكلوا كلَّ ما جاء فيها من النباتِ والزرع، فهي
مَجْرُوزة وُجُرُز(٥).
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَمًّا (١)
مذهب سيبويه أنَّ (أَمْ)) إذا جاءت دون أن يتقدّمها ألفُ استفهامٍ أنَّها بمعنى ((بل))
وألف الاستفهام، وهي المنقطعة. وقيل: ((أَمْ)) عطف على معنى الاستفهام في
(لعلك))، أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار. قال الطبريُّ: وهو تقريرٌ للنبيّ ﴾
على حسابِهِ أنَّ أصحاب الكهف كانوا عجباً، بمعنى إنكار ذلك عليه، أي: لا يعظم
ذلك بحسَب ما عظمه عليك السائلونَ من الكَفَرة، فإنَّ سائرَ آياتِ اللهِ أعظمُ
من قصَّتهم وأَشيعُ، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابنٍ إسحاق (٦). والخطاب
(١) في بداية هذه السورة.
(٢) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٩٤/١، والطبري ١٥٤/١٥، والجوهري في الصحاح (جرز) ولم
ينسبوه.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٣/ ٤٩٧، والتعريف والإعلام ص ١٠٠، وزاد المسير ١٠٦/٥ - ١٠٧.
(٤) في معاني القرآن ٢١٦/٤، والجرز فيها أربع لغات كما في الصحاح (جرز).
(٥) ينظر تهذيب اللغة ١٠/ ٦٠٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٩٧/٣، وينظر الكتاب لسيبويه ٣/ ١٧٢ - ١٧٨، وتفسير الطبري ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦،
وتفسير مجاهد ٣٧٣/١ .

٢١١
سورة الكهف: الآية ٩
للنبيّ ﴾، وذلك أنَّ المشركين سألوه عن فِتْيةٍ فُقدوا، وعن ذي القرنين، وعن الروح،
وأَبطأَ الوَحْيُ على ما تقدَّم(١). فلما نزل قال اللهُ تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام:
أحسبتَ يا محمدُ أنَّ أصحابَ الكهف والرَّقِيم كانوا من آياتنا عجباً، أي: ليسوا
بعَجَب من آياتنا، بل في آياتنا ما هو أعجبُ مِن خبرهم(٢). الكلبي: خَلْقُ السماواتِ
والأرضِ أعجبُ من خبرهم. الضحاك: ما أَظْلَعتُكَ عليه من الغيبِ أعجبُ. الجُنيد:
شأنُكَ في الإسراء أعجبُ. الماورديُّ: معنى الكلام النفيُ، أي: ما حسبت لولا
إخبارنا(٣). أبو سهل: استفهامُ تقريرٍ، أي: أحسبتَ ذلك فإنَّهم عجبٌ.
والكهف: النَّقْب المتَّسعُ في الجبل، وما لم يتَّسع منها فهو غارٌ. وحكى النَّقاش
عن أنس بنِ مالك أنَّه قال: الكهفُ: الجبلُ، وهذا غيرُ شهير في اللغة (٤).
واختلف الناسُ في الرَّقيم، فقال ابنُ عباس: كلُّ شيءٍ في القرآن أَعلمه إلا
أربعةٌ: غِسْلين وحَنَان والأوَّاه والرَّقيم(٥). وسُئِلَ مرَّة عن الرَّقيم فقال: زعَم كعبٌ أنَّها
قريةٌ خرجوا منها (٦). وقال مجاهد: الرقيمُ: وادٍ (٧). وقال السُّدِّيُّ: الرقيمُ: الصخرةُ
التي كانت على الكهف. وقال ابنُ زيد: الرقيمُ: [كتابٌ غَمَّ اللهُ علينا أمرَه، ولم
يشرح لنا قصَّته. وقالت فرقةٌ: الرقيم](٨): كتابٌ في لوح مِن نُحاس. وقال ابنُ عباس:
في لوح من رَصاصٍ كَتب فيه القومُ الكفارُ - الذين فرَّ الفتيةُ منهم - قصَّتَهم وجعلوها
(١) في أول السورة.
(٢) ينظر النكت والعيون ٢٨٧/٣، والوسيط ١٣٧/٣، وتفسير البغوي ١٤٥/٣، وزاد المسير ١٠٨/٥.
(٣) النكت والعيون ٢٨٧/٣.
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٧/٣، وفيه: وحكى النحاس، بدل: وحكى النقاش.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٩٧/١، وذكره أبو الليث في التفسير ٢٨٩/٢ - ٢٩٠، وابن عطية
في المحرر الوجيز ٤٩٨/٣ بنحوه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٩٧/١، والطبري ١٥٨/١٥.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٩٦/١ - ٣٩٧، والطبري ١٥٨/١٥.
(٨) ما بين حاصرتين ليس في (ظ).

٢١٢
سورة الكهف: الآية ٩
تاريخاً لهم، ذكروا وقتَ فَقْدِهم، وكم كانوا، وبين من كانوا(١). وكذا قال الفرَّاء،
قال: الرقيمُ: لوحٌ من رَصاص، كُتب فيه أسماؤهم وأنسابُهم ودينُهم وممَّن هربوا(٢).
قال ابنُ عطيّة (٣): ويظهر من هذه الرواياتِ أنَّهم كانوا قوماً مؤرِّخين للحوادث، وذلك
من نبل المملكة، وهو أمرٌ مفيدٌ. وهذه الأقوالُ مأخوذةٌ من الرَّقْم، ومنه: ﴿كِنَبٌّ
مطففين: ٢٠] ومنه الأَرقمُ؛ لتخطيطه. ومنه رَقْمة الوادي، أي: مكان جَرْي
الماء وانعطافه.
وما رُوي عن ابنِ عباس ليس بمتناقضٍ؛ لأنَّ القولَ الأوَّلَ إنَّما سمعه مِن كَعْب.
والقول الثاني يجوز أن يكونَ عَرَفَ الرقیم بعده. وروى عنه سعیدُ بنُ جُبیر قال: ذكَر
ابنُ عباس أصحابَ الكهف فقال: إنَّ الفتيةَ فُقِدوا، فطلبهم أهلُوهم فلم يجدوهم،
فِرُفع ذلك إلى الملك فقال: ليكوننَّ لهم نبأُ، وأَحضر لوحاً من رصاصٍ فكتب فيه
أَسماءَهم وجعله في خِزانته، فذلك اللوحُ هو الرقيمُ(٤).
وقيل: إنَّ مؤمِنَيْن كانا في بيت الملك فكتبا شأنَ الفتية وأسماءَهم وأنسابَهم في
لوح من رصاص، ثم جعلاه في تابوتٍ من نُحاس وجعلاه في البنيان، فالله أعلم(٥).
وعن ابن عباس أيضاً: الرقيمُ: كتابٌ مرقومٌ كان عندهم فيه الشَّرْعُ الذي تمسَّكوا
به من دِيْنِ عيسى عليه السلام. وقال النقّاش عن قتادةَ: الرقيمُ: دراهمهم. وقال أنسُ
ابنُ مالك والشَّعْبِيُّ: الرقيمُ: كلبُهم. وقال عكرمة: الرقيمُ: الدّواةُ(٦). وقيل: الرقيمُ:
اللوحُ من الذهب تحت الجدارِ الذي أقامه الخَضر. وقيل: الرقيمُ: أصحابُ الغارِ
(١) المحرر الوجيز ٤٩٧/٣ .
(٢) معاني القرآن ١٣٤/٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٤٩٧/٣ - ٤٩٨.
(٤) زاد المسير ١٠٩/٥ بنحوه.
(٥) عرائس المجالس ص٤٢٦ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٩٧/٣ - ٤٩٨، وينظر النكت والعيون ٢٨٧/٣، وزاد المسير ١٠٨/٥.

٢١٣
سورة الكهف: الآية ٩
الذي انطبقَ عليهم، فذكر كلُّ واحدٍ منهم أَصلح عمله(١).
قلت: وفي هذا خبرٌ معروفٌ أخرجه الصحيحان(٢)، وإليه نحا البخاريُّ. وقال
قوم: أَخبر اللهُ عن أصحاب الكهف، ولم يُخبِر عن أصحاب الرقيم بشيء. وقال
الضحاك: الرقيمُ: بلدةٌ بالرُّوم فيها غارٌ فيه أَحَدَ وعشرونَ نَفْساً، كأنَّهم نيامٌ على هيئة
أصحابِ الكهف، فعلى هذا هم فِتْيةٌ آخرونَ جرى لهم ما جَرى لأصحاب الكهف (٣).
والله أعلم. وقيل: الرقيم: وادٍ دونَ فلسطين فيه الكهف (٤)، مأخوذ من رَقْمة الوادي:
وهي موضعُ الماء، يقال: عليك بالرَّقْمة وَدَع الضُّفَّة، ذكره الغزنوي(٥). قال ابنُ
عطية(٦): وبالشام - على ما سمعتُ به من ناسٍ كثير - كهف فيه موتی، يزعم مجاوروه
أنَّهم أصحابُ الكهف، وعليهم مسجدٌ وبناءٌ يسمَّى الرقيم، ومعهم كلبٌ رِمَّة.
وبالأندلس في جهةٍ غَرْناطة بقرب قريةٍ تسمَّى ((لَوْشة)) كهفٌ فيه موتى ومعهم كلبٌ
رِمَّة، وأكثرهم قد تجرَّد لحمه، وبعضُهم متماسك، وقد مضتِ القرونُ السالفةُ، ولم
نجد من عِلْم شأنهم أَثَارة، ويزعم ناسٌ أنَّهم أصحابُ الكهف، دخلتُ إليهم ورأيتُهم
سنة أربع وخمس مئة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجدٌ، وقريبٌ منهم بناء رُومِيٍّ يسمَّى
الرقيم، كأنَّه قَصْرٌ مُخْلِق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاةٍ من الأرض خَرِبة،
(١) أخرج أحمد (١٨٤١٧)، والطبراني في الأحاديث الطوال (٤١)، وفي الأوسط (٢٣٢٨)، وأبو نعيم
في الحلية ٧٩/٨ عن النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله # يحدث عن الرقيم: أن ثلاثة نفر دخلوا في
كهف فوقع قطعة من الجبل على باب الكهف فأوصد عليهم ... الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٨/ ١٤٠: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير، والبزار بنحوه من طرق، ورجال أحمد ثقات.
(٢) أخرج البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﴾
يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم ... الحديث.
(٣) النكت والعيون ٢٨٧/٣، والمحرر الوجيز ٤٩٨/٣ بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري ١٥٧/١٥ - ١٥٨ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وينظر عرائس المجالس
ص٤١٥ - ٤١٦ .
(٥) تفسير الطبري ١٥/ ١٦١، والمحرر الوجيز ٤٩٨/٣ بنحوه.
(٦) في المحرر الوجيز ٣/ ٥١١ .

٢١٤
سورة الكهف: الآيتان ٩ - ١٠
وبأعلى غرناطة مما يلي القبلةَ آثارُ مدينة قديمة روميّة يقال لها: مدينة دَقْيُوس، وجدنا
في آثارها غرائب من قبور ونحوها.
قلت: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنَّما هم غيرهم؛ لأنَّ الله تعالى يقول في
حقِّ أصحابِ الكهف: ﴿لَوِ الطَّلَمْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَهُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾. وقال
ابنُ عباس لمعاوية لما أرادَ رؤيتَهم: قد منَع اللّهُ من هو خيرٌ منك عن ذلك، وسيأتي
في آخر القصَّة(١).
وقال مجاهدٌ في قوله: ((کانوا من آیاتنا عجباً)) قال: هم عَجَبٌ.کذا روی ابنُ
جُريج عنه، يذهب إلى أنَّه ليس بإنكار على النبيِّ : ﴿ أن يكون عنده أنَّهم عجب. وروى
ابنُ نجيح عنه قال: يقول ليس بأعجبٍ آياتنا(٢).
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَُّنْكَ رَهَةٌ وَهَيِّئ
لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ رُوي أنَّهم قومٌ من أبناء
أشرافٍ مدينة دقيوس الملكِ الكافر، ويقال فيه: دقينوس. ورُوي أنَّهم كانوا مطوّقين
مسوَّرين بالذهب ذوي ذوائب، وهم من الرُّوم واتَّبعوا دينَ عيسى. وقيل: كانوا قبلَ
عيسى، والله أعلم(٣).
وقال ابنُ عباس: إنَّ مَلِكاً من الملوك - يقال له: دقيانوس - ظهرَ على مدينة من
مدائنِ الرُّوم يقال لها: أُفْسُوس. وقيل هي: طَرَسوس، وكان بعد زمنٍ عيسى عليه
السلام فأمر بعبادةِ الأصنام، فدعا أهلَها إلى عبادة الأصنام، وكان بها سبعةُ أحداثٍ
يعبدون اللهَ سراً، فرُفع خبرُهم إلى الملك وخافوه، فهربوا ليلاً، ومُرُّوا براعٍ معه كلبٌ
(١) عند تفسير الآية (٢٧) من هذه السورة، وتخريج كلام ابن عباس هناك.
(٢) أخرجه الطبري ١٥٥/١٥ - ١٥٦، وهو في تفسير مجاهد ٣٧٣/١ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٨/٣ .

٢١٥
سورة الكهف: الآية ١٠
فَتَبعهم، فآَوَوْا إلى الكهف، فتبعهم الملك إلى فَم الغارِ، فوجد أثرَ دخولهم ولم يجد
أثَر خروجهم، فدخلوا فأَعمى اللهُ أبصارهم فلم يَرَوا شيئاً، فقال الملك: سُدُّوا
عليهم بابَ الغارِ حتى يموتوا فيه جوعاً وعطشاً (١).
وروى مجاهد عن ابنِ عباس أيضاً أنَّ هؤلاء الفتية كانوا في دِيْنِ مَلِكِ يعبد
الأصنامَ ويذبح لها ويَكفرُ بالله، وقد تابعه على ذلك أهلُ المدينة، فوقع للفتية عِلْم
من بعض الحواريين - حسبما ذكر النقَّاش، أو: من مؤمني الأُمم قبلهم - فآمنوا بالله
ورأوا ببصائرِهم قبيحَ فعل الناس، فأخذوا نفوسَهم بالتزام الدِّين وعبادةِ الله، فرُفع
أمرُهم إلى الملك، وقيل له: إنهم قد فارقوا دينك واستخفُّوا آلهتك وكفروا بها،
فاستحضَرهم الملِكُ إلى مجلسه، وأَمرهم باتباع دينه والذَّبح لآلهته، وتوَّدهم على
فِراق ذلك بالقتل، فقالوا له فيما روي: ﴿رَبُنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِ
أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾. وروي أنَّهم قالوا نحوَ هذا الكلام وليس به، فقال لهم الملِكُ: إِنَّكم شبانٌ
أَغمار لا عقولَ لكم، وأنا لا أَعجل بكم بل أَستأني، فاذهبوا إلى منازلِكم ودبِّروا
رأيكم وارجعوا إلى أمري، وضرَب لهم في ذلك أجلاً، ثم إنَّه سافر خلال الأَجَلِ،
فتشاور الفِتيةُ في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدُهم: إنِّي أَعرف كهفاً في جبل كذا،
كان أبي يُدخِل فيه غنمَه، فَلْنذهب فَلْنَخْتَفِ فيه حتى يفتحَ اللهُ لنا، فخرجوا فيما رُويَ
يلعبون بالصَّوْلجان والكُرَة، وهم يدحرجونها إلى نحوِ طريقهم؛ لئلا يشعرَ الناسُ بهم.
ورُوي أنهم كانوا مُتَّفِقين(٢)، فحضر عيدٌ خرجوا إليه، فركبوا في جملة الناس، ثم
أَخذوا باللَّعبِ بالصَّوْلجان حتى خَلَصوا بذلك(٣).
وروى وهبُ بنُ منبِّه أنَّ أولَ أمرهم إنَّما كان حواريٌّ لعيسى ابن مريم جاء إلى
مدينة أصحاب الكهف يريد دخولَها، فأَجَرَ نفسَه من صاحب الحمّام وكان يعمل فيه،
فرأَى صاحبُ الحمام في أعماله بركةً عظيمةً، فألقى إليه بكلِّ أمره، وعرف ذلك
(١) تفسير أبي الليث ٢٩٠/٢ - ٢٩١ .
(٢) في (ز) و(م) والمحرر الوجيز: ((مثقفين)).
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٨/٣ .

٢١٦
سورة الكهف: الآية ١٠
الرجلَ فتيانٌ من المدينة، فعرَّفهم الله تعالى، فآمنوا به واتَّبعوه على دينه، واشتهرت
خلطتُهم به، فأتى يوماً إلى ذلك الحمّام وَلَدُ الملِك بامرأةٍ أراد الخَلْوةَ بها، فنهاه ذلك
الحوارِيُّ، فانتهى، ثم جاء مرَّة أُخرى فنهاه، فشتَمه، وأَمضى عَزْمه في دخول الحمّام
مع البَغِيِّ، فدخل فماتا فيه جميعاً، فاتُّهِم ذلك الحواريُّ وأصحابُه بقتلهما، ففرُّوا
جمیعاً حتى دخلوا الكهف(١). وقيل في خروجهم غير هذا.
وأما الكلب فرُويَ أنَّه كان كلبَ صيدٍ لهم، ورُويَ أنَّهم وجدوا في طريقهم راعياً
له كلبٌ فاتَّبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلبُ معهم، قاله ابن عباس. واسمُ
الكلب: حمران، وقيل: قطمير(٢).
وأما أسماءُ أهل الكهف فأعجميَّة، والسَّنَدُ في معرفتها واهٍ. والذي ذكره
الطبريُّ(٣) هي هذه: مكسلمينا وهو أكبرهم والمتكلِّم عنهم، ومحسيميلنينا ويمليخا،
وهو الذي مضى بالوَرِقِ إلى المدينة عند بَعْثهم مِن رقدتهم، ومرطوس، وكشوطوش،
ودينموس، ويطونس، وبيرونس. قال مقاتل: وكان الكلبُ لمكسلمينا، وكان أسنَّهم
وصاحبَ غنم.
الثانية: هذه الآية صريحةٌ في الفرار بالدِّين وهجرةِ الأهل والبنين والقرابات
والأصدقاء والأوطان والأموال خوفَ الفتنة وما يلقاهُ الإنسانُ من المحنة. وقد خرج
النبيُّ# فارًّا بدِيْنه، وكذلك أصحابُه، وجلس في الغار حسبما تقدَّم في سورة
النحل(٤). وقد نصَّ اللهُ تعالى على ذلك في ((براءة)) وقد تقدَّم(٥). وهجروا أوطانَهم،
وتركوا أرضَهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانَهم، رجاءَ السلامة
(١) المحرر الوجيز ٤٩٩/٣، وعرائس المجالس ص٤٢٣، وأخرجه عنه عبد الرزاق في التفسير ٣٩٧/١
- ٣٩٩، والطبري ١٥/ ١٧٥.
(٢) المحرر الوجيز ٤٩٩/٣، وينظر المحبَّر ص٣٥٦، وعرائس المجالس ص٤١٩ .
(٣) في التفسير ١٦٥/١٥ - ١٦٦، وينظر المحبّر ص٣٥٦، وعرائس المجالس ص٤١٩ .
(٤) ١٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤، وسلف تخريج الحديث هناك.
(٥) ٢١٠/١٠ وما بعدها.

٢١٧
سورة الكهف: الآية ١٠
بالدِّين والنجاة من فتنة الكافرين. فسُكْنَى الجبال ودخول الغِيران، والعزلة عن الخَلْق
والانفراد بالخالق، وجواز الفِرارِ من الظالم هي سُنَّة الأنبياءِ صلوات الله عليهم
والأولياءِ. وقد فضَّل رسولُ اللـه ﴾ العزلةَ، وفضَّلها جماعةُ العلماء لا سيما عند ظهور
الفتنِ وفساد الناس، وقد نصَّ اللهُ تعالى عليها في كتابه فقال: ((فَأُوُوا إلى
الْكَهْفِ))(١).
قال العلماء: الاعتزالُ عن الناس يكون مرَّة في الجبال والشِّعاب، ومرَّة في
السواحل والرِّباط، ومرَّة في البيوت، وقد جاء في الخبر: ((إذا كانت الفتنةُ فأَخْفِ
مكانَك وكُفَّ لسانَك)). ولم يخصَّ موضعاً مِن موضع(٢). وقد جعلت طائفةٌ من العلماء
العزلةَ اعتزالَ الشَّرِّ وأهلِه بقلِك وعملك، وإن كنتَ بين أظهرهم. وقال ابنُ المبارك
في تفسير العزلة: أن تكونَ مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فَخُضْ معهم، وإن
خاضوا في غيرِ ذلك فاسكت(٣).
وروى البَغَوِيُّ عن ابنِ عمر عن النبيِّ # قال: ((المؤمن الذي يُخالط الناسَ
ويَصبِرُ على أذاهم أفضلُ من المؤمن الذي لا يُخالِطهم ولا يَصبِرُ على أذاهم))(٤).
ورُويَ عن النبيِّ ﴿ قال: ((نِعْمَ صوامعُ المؤمنين بيوتُهم)) من مراسيل الحسن وغيره(٥).
(١) التمهيد ٤٤٠/١٧، وينظر العزلة للخطابي ص ٦٢ - ٦٣ .
(٢) التمهيد ٤٤٠/١٧، وأورد الحديث بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (٦٩٨٧)، وأبو داود (٤٣٤٣)،
والخطابي في العزلة ص ٦٣ - ٦٤ من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه.
(٣) التمهيد ٤٤٦/١٧ .
(٤) أبو القاسم البغوي في الجعديات (٧٤٤)، وأبو محمد البغوي في شرح السنة (٣٥٨٥)، وأخرجه أيضاً
البخاري في الأدب المفرد (٣٨٨)، والترمذي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (٤٠٣٢). وحسَّن الحافظ ابن حجر
في فتح الباري ١٠/ ٥١٢ إسناد ابن ماجه، مع أن فيه عبد الواحد بن صالح، وهو مجهول، كما ذكر
ذلك ابن حجر في التقريب، وينظر التمهيد ١٧ / ٤٤٦ - ٤٤٧ .
(٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٢٧٩/٦ ومن طريقه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٩/٣ من مرسل الحسن،
وأخرجه أيضاً ابن عدي مرفوعاً من حديث أنس، وقال: وهذا زاد فيه ابن بنت مطر هذا أنس والنبي 1،
وإنما هذا من قول الحسن ... وابن بنت مطر هذا أظهر أمراً في الضعف، وأحاديثه عامتها مسروقة سرقها
من قوم ثقات ويوصل أحاديثه. اهـ، وهو عند ابن المبارك في زوائد الزهد ص٤ ، وابن أبي شيبة
٣٠٩/١٣، والخطابي في العزلة ص ٧٠ - ٧١ عن أبي الدرداء موقوفاً بنحوه، وينظر التمهيد ١٧/ ٤٤٢.

٢١٨
سورة الكهف: الآية ١٠
وقال عقبةُ بنُ عامر لرسول الله :﴿: ما النجاةُ يا رسول الله؟ فقال: ((يا عقبةُ أَمسِك
عليك لسانَك، ولْيَسَعْكَ بِيتُك، وابْكِ على خطيئتك))(١). وقال﴾: ((يأتي على الناس
زمانٌ خير مالِ الرجل المسلم الغنمُ يتبع بها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطر، يَفِرُّ بدينه من
الفتن)). خرَّجه البخاريُّ(٢).
وذكر عليُّ بنُ سعد، عن الحسن بن واقد قال: قال رسول الله﴾: ((إذا كانت
سنة ثمانين ومئة فقد حلَّت لأمتي العُزْبة والعُزْلة والترهُّب في رؤوس الجبال))(٣).
وذكر أيضاً عليٍّ بنُ سعد، عن عبد الله بنِ المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن
الحسن يرفعه إلى رسولِ الله ﴾ قال: «يأتي على الناس زمانٌ لا يَسْلَم لذي دِينِ دينُه
إلا مَن فرَّ بدينه مِن شاهقٍ إلى شاهق، أو حِجْر إلى حِجْر، فإذا كان ذلك، لم تُنَل
المعيشةُ إلا بمعصية الله، فإذا كان ذلك، حلَّت العُزْبة)). قالوا: يا رسول الله، كيف
تَحِلُّ العُزْبة وأنت تأمرنا بالتزويج؟! قال: ((إذا كان ذلك كان فسادُ الرجل على يدي
أبوَيْه، فإن لم يكن له أبوان، كان هلاكُه على يدي زوجته، فإن لم تكن له زوجةٌ، كان
هلاكُه على يدي ولدِهِ، فإن لم يكن له ولدٌ، كان هلاكه على يدي القرابات
والجيران)). قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((يُعيِّرونه بضِيْق المعيشة ويكلِّفونه
ما لا يُطيق، فعند ذلك يُورِدُ نفسَه الموارد التي يهلك فيها)»(٤).
قلت: أحوالُ الناس في هذا الباب تختلف، فرُبَّ رجلٍ تكون له قوّة على سكنى
الكهوفِ والغِيران في الجبال، وهي أرفعُ الأحوال؛ لأنَّها الحالةُ التي اختارها اللهُ
لنبِّه# في بداية أمره، ونصَّ عليها في كتابه مخبراً عن الفتية، فقال: ﴿وَإِذِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ﴾.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٣٥)، والترمذي (٢٤٠٦)، وابن المبارك في الزهد (١٣٤). قال الترمذي: هذا
حديث حسن.
(٢) برقم (٣٦٠٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، وشَعَف الجبال: جمع شَعَفَة، وهي رأس الجبل.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه الخطابي في العزلة ص٦٦ - ٦٧، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٥، والقزويني في التدوين
في أخبار قزوين ٢١/٢ .

٢١٩
سورة الكهف: الآية ١٠
ورُبَّ رجلٍ تكون العُزْلة له في بيته أخفَّ عليه وأسهلَ، وقد اعتزل رجالٌ من أهل
بدر، فلزموا بيوتَهم بعد قَتْلٍ عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
ورُبَّ رجلٍ متوسّط بينهما فيكون له من القوَّة ما يَصِرُ بها على مخالطة الناس
وأذاهم، فهو معهم في الظاهر، ومخالفٌ لهم في الباطن. وذكر ابن المبارك: حدَّثنا
وُهَيب بنُ الوَرْد قال: جاء رجل إلى وهب بنٍ منِّه فقال: إنَّ الناسَ وقعوا فيما فيه
وقعوا! وقد حدَّثت نفسي ألا أخالطَهم. فقال: لا تَفعلْ! إنَّه لابُدَّ لك من الناس،
ولابُدَّ لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمَّ
سميعاً، أعمَى بصيراً، سَكوتاً نَطُوقاً (١).
وقد قيل: إنَّ كلَّ موضع يبعد عن الناس فهو داخلٌ في معنى الجبال والشِّعاب،
مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل للرِّباط والذِّكْر، ولزوم البيوت؛ فراراً
عن شرورِ الناس. وإنَّما جاءت الأحاديثُ بذِكْر الشِّعاب والجبال واتِّباع الغنم - والله
أعلم - لأنَّ ذلك هو الأغلب في المواضع التي يُعتزّل فيها، فكلُّ موضع يَبعُد عن
الناس فهو داخلٌ في معناه، كما ذكرنا، والله الموفِّق وبه العصمةُ(٢).
وروى عقبةُ بنُ عامر قال: سمعتُ رسولَ الله * يقول: ((يَعْجَب ربُّك من راعي
غنم في رأس شَظِيّة الجبل يؤذِّن بالصلاة ويصلِّي، فيقول اللهُ عزَّ وجلَّ: انظروا إلى
عبدي هذا يؤذِّن ويقيم الصلاةَ، يخاف منِّي، قد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة)). خرَّجه
النَّسائيُ(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ لما فَرُّوا ممَّن يطلبهم، اشتغلوا
بالدُّعاء ولجؤوا إلى الله تعالى فقالوا: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَيْمَةٌ﴾ أي: مغفرةً ورزقاً.
(١) التمهيد ١٧ /٤٤٦ .
(٢) التمهيد ١٧ / ٤٥٠ .
(٣) في المجتبى ٢٠/٢، وفي الكبرى (١٦٤٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٤٤٢)، وأبو داود (١٢٠٣) قال
الشوكاني في نيل الأوطار ٣٦/٢: الحديث رجال إسناده ثقات. والشظيَّة: قطعة مرتفعة في رأس
الجبل. النهاية (شلي).

٢٢٠
سورة الكهف: الآيتان ١٠ - ١١
﴿وَهَيِّئْ لَنَا (١) مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ توفيقاً للرشاد. وقال ابنُ عباس: مخرجاً من الغارِ في
سلامة(٢). وقيل: صواباً. ومن هذا المعنى أنَّه عليه الصلاة والسلام كان إذا حَزَبَه
أمرٌ، فَزع إلى الصلاة(٣).
قوله تعالى: ﴿فَضَرَيْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١))
عبارةٌ عن إلقاء اللهِ تعالى النومَ عليهم. وهذه من فصيحاتِ القرآن التي أقرَّت
العربُ بالقصور عن الإتيانِ بمثله. قال الزجَّاج(٤): أي: منعناهم عن أن يَسمعوا؛ لأنَّ
النائمَ إذا سمع انتبه. وقال ابن عباس: ضربْنا على آذانهم بالنوم، أي: سَدَدْنا آذانَهم
عن نفوذ الأصوات إليها. وقيل: المعنى ((فضربنا على آذانهم)) أي: فاستجبنا دعاءًهم،
وصَرَفْنا عنهم شرَّ قومهم، وأَنمناهم. والمعنى كلُّه متقارب. وقال قُظْرُب: هذا كقولٍ
العرب: ضرَب الأميرُ على يد الرعيَّة؛ إذا منعهم الفسادَ، وضرب السيِّدُ على يد عبدِه
المأذون له في التجارة؛ إذا منعَه من التصرُّف. قال الأسود بن يَعْفُر وكان ضَرِيراً:
ضُربِتْ عليَّ الأرضُ بالأَسدادِ(٥)
ومن الحوادثِ لا أَبالَكَ أنَّني
وأما تخصيصُ الآذان بالذكر؛ فلأنَّها الجارحةُ التي منها عظم فساد النوم، وقلَّما
ينقطع نومُ نائم إلا من جهة أذنه، ولا يُستحكم نومٌ إلا مع (٦) تَعَظُل السمع. ومن ذِكْر
الأذن في النوم قوله : ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه)) خرَّجه الصحيح. أشار عليه
الصلاة والسلام إلى رجل طويلِ النوم، لا يقومُ الليل(٧).
(١) بعدها في (ظ): أي يسِّر.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ١٥٢.
(٣) سلف ١/ ٢٦٢.
(٤) في معاني القرآن ٣/ ٢٧١، وينظر تفسير البغوي ١٥٢/٣، وزاد المسير ١١٤/٥.
(٥) المفضليات ص٢١٦، والاختيارين ص٥٥٩، ومنتهى الطلب ٤١٥/١. وضُربت عليه الأرضُ
بالأسداد: سُدَّت عليه الطرق، وعميت عليه مذاهبه. القاموس (سدد).
(٦) في (م): من.
(٧) المحرر الوجيز ٥٠٠/٣، والحديث أخرجه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤) من حديث ابن مسعود ﴾.