النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة الإسراء: الآيتان ١٠٠ - ١٠١
قولهم: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾(١) حتى نتوسَّع في المعيشة.
أي: لو توسَّعتم لبخِلتم أيضاً. وقيل: المعنى: لو ملَكَ أحدُ المخلوقين خزائنَ اللهِ لما
جادَ بها كجود الله تعالى؛ لأمرين: أحدهما - أنه لابُدَّ أن يمسك منها لنفقته وما يعود
بمنفعته. الثاني - أنه يخاف الفقر ويخشى العدم، واللهُ تعالى يتعالى في وجوده عن
هاتين الحالتين (٢). والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر؛ قاله ابن عباس وقتادة (٣).
وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قلّ ماله.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَنُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلاً مُضيِّقاً (٤). يقال: قَتَر على عياله يَفْتِرُ ويَقْتُرُ قَتْراً
وقُتوراً إذا ضيَّقَ عليهم في النفقة، وكذلك التقتير والإقتار، ثلاث لغات(٥). واختُلِفَ
في هذه الآية على قولين: أحدهما - أنها نزلت في المشركين خاصّةً. قاله الحسن.
والثاني - أنها عامة. وهو قول الجمهور، وذكره الماوردي(٦).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتِّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَآءَ هُمْ
فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ مَايَتٍ بَيْنَتْ﴾ اختُلِفَ في هذه الآيات، فقيل:
هي بمعنى آيات الكتاب، كما روى الترمذيُّ والنسائيُّ عن صفوان بن عَسَّال المُراديّ
أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: إِذْهَبْ بنا إلى هذا النبيِّ نسأله. فقال: لا تقُلْ له:
نبيٌّ، فإنه إن سمِعَنا كان له أربعةُ أعيُنٍ. فأتيا النبيَّ ﴾، فسألاه عن قول الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَيَتٍ بَيِنَتِّ﴾ فقال ◌َ﴾: ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا
(١) معاني القرآن للزجاج ٢٦١/٣ .
(٢) النكت والعيون ٢٧٦/٣ .
(٣) أخرجه عنهما الطبري ٩٨/١٥.
(٤) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٥١ .
(٥) الصحاح (قتر).
(٦) في النكت والعيون ٢٧٦/٣ .

١٨٢
سورة الإسراء: الآية ١٠١
تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، ولا تَسْرِقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء
إلى سلطانٍ فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنةً، ولا تَفِرُّوا من الزحف
- شك شعبة - وعليكم يا معشر(١) اليهود خاصّةً ألا تعدوا في السبت)) فقبَّلا يدَيه
ورجليه وقالا: نشهدُ أنَّكَ نبيٌّ. قال: «فما يمنعُكُما أن تُسلِما؟)) قالا: إن داودَ دعا اللهَ
ألَّ يزال في ذُرِّيته نبيٌّ، وإنَّا نخاف إن أسلمنا أن تقتُلَنا اليهود. قال أبو عيسى: هذا
حديثٌ حسنٌ صحيح(٢). وقد مضى في البقرة(٣). وقيل: الآيات بمعنى المعجزات
والدلالات. قال ابن عباس والضحاك: الآيات التسع: العصا واليد واللسان والبحر
والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم؛ آياتٌ مفصَّلات. وقال الحسن والشعبيُّ:
الخمس المذكورة في ((الأعراف))(٤)، يعنيان الطوفانَ وما عُطِفَ عليه، واليد والعصا
والسنين والنقص من الثمرات. ورُويَ نحوُه عن الحسن، إلا أنه يجعل السنين والنقص
من الثمرات واحدة، وجعل التاسعة: تلقُّفُ العصا ما يأفكون. وعن مالك كذلك، إلا
أنه جعل مكان السنين والنقص من الثمرات: البحر والجبل. وقال محمد بن كعب:
هي الخمس التي في ((الأعراف)) والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم(٥).
وقد تقدَّم شرح هذه الآيات مستوفّى والحمد لله . ﴿فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ أي:
سَلْهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات، حسبما تقدَّم بيانه في يونس(٦). وهذا
سؤال استفهامٍ؛ ليعرف اليهودُ صحةً ما يقول محمدٌ #. ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُكَ
(١) قوله: ((يا معشر)) ليس في النسخ، وقد أثبت من سنن الترمذي.
(٢) سنن الترمذي (٢٧٣٣)، والمجتبى ١١١/٧، وسنن النسائي الكبرى (٣٥٢٧).
(٣) ١٦٨/٢ - ١٦٩ .
(٤) عند تفسير الآية (١٣٣).
(٥) المحرر الوجيز ٤٨٨/٣، وتفسير البغوي ١٣٩/٣ - ١٤٠، وزاد المسير ٩٢/٥ . وقول ابن عباس
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٩٠/١، والطبري ١٠١/١٥ - ١٠٢. وقول الشعبي أخرجه الطبري
١٠١/١٥، وقول الحسن الثاني أخرجه عبد الرزاق ٣٩١/١، والطبري ١٠٢/١٥.
(٦) ١١ / ٥٢ .

١٨٣
سورة الإسراء: الآيتان ١٠١ - ١٠٢
يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ أي: ساحراً بغرائب أفعالك. قاله الفراء وأبو عبيدة. فوضع المفعول
موضِعَ الفاعل، كما تقول: هذا مشؤوم وميمون، أي: شائم ويامن(١). وقيل:
مخدوعاً(٢). وقيل: مغلوباً. قاله مقاتل. وقيل غير هذا؛ وقد تقدَّم. وعن ابن عباسٍ
وأبي نَهِيك أنهما قرأا: ((فَسألَ بني إِسرائيل)) على الخبر، أي: سأل موسى فرعونَ أن
يُخلِّي بني إسرائيل ويُطلِقَ سبيلَهم ويرسلَهم معه(٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ
وَإِ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا
6
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الآيات التسع. و((أنزل)) بمعنى
أوجد. ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ أي: دلالاتٍ يُستدَلُّ بها على قدرته
ووحدانيته. وقراءة العامة: ((علِمتَ)) بفتح التاء، خطاباً لفرعون. وقرأ الكسائيُّ بضَمِّ
التاء، وهي قراءة عليٍّ ﴾، وقال: واللهِ ما علِمَ عدوُ الله ولكنَّ موسى هو الذي عَلِمَ،
فبلغَتِ ابنَ عباس فقال: إنها ((لقد عَلِمْتَ))، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَحَعَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤] ونَسبَ فرعونَ إلى العناد(٤). وقال أبو عبيد:
والمأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصحُ للمعنى الذي احتجَّ به ابن عباس؛ ولأن
موسى لا يَحتَجُّ بقوله: علمتُ أنا، وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كلِّه تصِحُ
به القراءة عن عليٍّ لكانت حجة، ولكن لا تثبت عنه، إنما هي عن كُلثوم المرادِيِّ وهو
مجهولٌ لا يُعْرَف، ولا نعلم أحداً قرأ بها غير الكسائي(٥). وقيل: إنما أضاف موسى
(١) الوسيط للواحدي ١٣١/٣، وزاد المسير ٩٤/٥.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٣/٢، وتفسير البغوي ٣/ ١٤٠، وزاد المسير ٩٤/٥.
(٣) المحرر الوجيز ٤٨٩/٣ بنحوه. وهذه القراءة في القراءات الشاذة ص٧٧ عن ابن عباس وحده.
(٤) الوسيط للواحدي ١٣١/٣، وتفسير البغوي ٣/ ١٤٠، وزاد المسير ٩٤/٥. وينظر السبعة ص ٣٨٥-٣٨٦،
والتيسير ص١٤١ .
(٥) قاله النحاس في معاني القرآن ٢٠١/٤ - ٢٠٢ بمعناه. وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ١٣٢/٢ إسناد
القراءة عن عليٍّ، وفيه الرجل المجهول الذي ذكره المصنف.

١٨٤
سورة الإسراء: الآية ١٠٢
إلى فرعون العلم بهذه المعجزات؛ لأنَّ فرعون قد علم مقدار ما يتهيَّ للسحرة فِعْلُه،
وأنَّ مثل ما فعل موسى لا يتهيَّأ لساحر، وأنه لا يقدِرُ على فعلِه إلا من يفعل الأجسام
ويملك السماوات والأرض. وقال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شاتٍ
وعليه قطيفة له، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان، فرأى فرعون جانبي البيت بين
فُقْمَيْها(١)، ففزع وأحدث في قطيفته.
﴿وَإِ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ الظنُّ هنا بمعنى التحقيق. والثبور: الهلاك
والخسران أيضاً. قال الكُمَيْت:
ورأتْ قُضاعة في الأيا
مِنِ رأيَ مَثْبُورٍ وثابرٍ
أي: مخسورٍ وخاسرٍ، يعني في انتسابها إلى اليمن(٢). وقيل: ملعوناً. رواه
المِنْهال عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس (٣). وقاله أبان بن تَغْلِب، وأنشد:
يا قومَنا لا تَرُومُوا حَرْبَنا سَفَهاً إنّ السَّفاه وإن البَغْيَ مثبورُ
أي: ملعون(٤). وقال ميمون بن مِهْران عن ابن عباس: ((مثبوراً»: ناقص
العقل(٥). ونظر المأمون رجلاً فقال له: يا مثبور، فسُئِلَ عنه، قال فقال الرشيد: قال
المنصور لرجل: مثبور؛ فسألتُه فقال: حدثني ميمون بن مهران ... فذكره. وقال قتادة:
هالكاً (٦). وعنه أيضاً والحسن ومجاهد: مُهلَكاً (٧). والنُّبُور: الهلاك؛ يقال: ثَبَر اللـهُ
(١) الفُقْمُ، بالضمِّ والفتح: اللَّحى. النهاية (فقم).
(٢) الصحاح (ثبر).
(٣) معاني القرآن للنحاس ٢٠٣/٤، وأخرجه الطبري ١٠٨/١٥ - ١٠٩.
(٤) النكت والعيون ٢٧٨/٣ .
(٥) زاد المسير لابن الجوزي ٥/ ٩٤ - ٩٥ .
(٦) النكت والعيون ٢٧٨/٣ .
(٧) ذكره النحاس في معاني القرآن ٢٠٣/٤ عن قتادة، وأبو الليث في تفسيره ٢٨٦/٢ عن قتادة والحسن،
وهو في تفسير مجاهد ٣٧١/١ .

١٨٥
سورة الإسراء: الآيات ١٠٢ - ١٠٤
العدوَّ تُبوراً أهلكه(١). وقيل: ممنوعاً من الخير. حكى أهل اللغة: ما ثبرَكَ عن كذا،
أي: ما منعكَ منه(٢). وثبرَهُ اللهُ يَثْبُره ثَبْراً(٣). قال ابنُ الزُّبَعْرَى(٤):
إذ أُجارِي الشيطانَ في سَنَنِ الغَبيِّ ومن مالَ مَيْلَهُ مثبـورُ
الضحاك: ((مثبوراً)»: مسحوراً. ردَّ عليه مثلَ ما قال له باختلاف اللفظ. وقال ابن
زيد: ((مثبوراً)): مخبولاً لا عقل له(٥).
وَقُلْنَا
٠٣
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَثُر ◌َمِيعًا
مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَغِيلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا
﴾
قوله تعالى: ﴿فَأَرَدَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أراد فرعون أن يُخرِجَ موسى
وبني إسرائيل من أرض مصر بالقتل أو الإبعاد، فأهلكه الله عزَّ وجلَّ. ﴿وَقُلْنَا مِنْ
بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إغراقه ﴿لِبَنِيّ إِسْرَغِيلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الشام ومصر.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ أي: القيامة ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي: من قبوركم مختلطين من
كلِّ موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر، لا يتعارفون، ولا ينحاز أحدٌ منكم إلى قبيلته
وحَيِّه(٦). وقال ابن عباس وقتادة: جئنا بكم جميعاً من جهاتٍ شتَّى(٧). والمعنى
واحد. قال الجوهريُّ: واللَّفيفُ: ما اجتمعَ من الناس من قبائل شتَّى؛ يقال: جاء
القوم بلَفِّهم ولَفِيفهم، أي: وأخلاطهم. وقوله تعالى: ﴿ِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ أي:
مجتمعين مُختَلِطِين. وطعامٌ لَفِيفٌ: إذا كان مخلوطاً من جنسين فصاعداً. وفلانٌ لفيفُ
(١) تاج العروس (ثبر).
(٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ١٣٢.
(٣) الصحاح (ثبر).
(٤) في ديوانه ص٣٦ .
(٥) مجمع البيان ١٥/ ١٠٧ .
(٦) المصدر السابق، لكن بمعناه
(٧) النكت والعيون ٢٧٨/٣ .

١٨٦
سورة الإسراء: الآيات ١٠٣ - ١٠٦
فلانٍ، أي: صديقه(١). قال الأصمعيُّ: اللفيف: جمعٌ وليس له واحد، وهو مثل
الجميع(٢). والمعنى: أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر،
مختلطين لا يتعارفون. وقال الكلبي: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ يعني مجيء عيسى عليه
السلام من السماء(٣).
قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْتَهُ وَبِاَلْحَقِّ نَزَلُّ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًاً
١١٠٥
قوله تعالى: ﴿وَيَقِّ أَنزَلْنَهُ وَيَلْحَقِّ نَزَلْ﴾ هذا متصلٌ بما سبق من ذكر المعجزات
والقرآن. والكناية ترجع إلى القرآن(٤). ووجه التكرير في قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ يجوز أن
يكون معنى الأوّل: أوجبنا إنزاله بالحق. ومعنى الثاني: ونزل وفيه الحق، كقوله:
خرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه.
وقيل: الباء في ((وبالحق)) الأوّل بمعنى مع، أي: مع الحق؛ كقولك: ركبَ
الأميرُ بسيفه، أي: مع سيفه. ﴿وَيَقِّ نَزَلْ﴾ أي: بمحمدٍ ﴾، أي: نزل عليه؛ كما
تقول: نزلتُ بزيد(٥). وقيل: يجوز أن يكون المعنى: وبالحقِّ قدَّرنا أن ينزل، وكذلك
نزل.
قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْنَهُ نَبِيلًا
١٠٦
قوله تعالى: ﴿وَقُرَّءَانًا فَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ مذهب سيبويه أنَّ ((قرآناً))
منصوبٌ بفعلٍ مُضمَرٍ يُفسِّره الظاهر. وقرأ جمهور الناس: ((فَرَقناه)) بتخفيف الراء،
ومعناه: بيَّنَّاه وأوضحناه(٦)، وفرقنا فيه بين الحق والباطل. قاله الحسن(٧). وقال ابن
(١) الصحاح (لفف).
(٢) معاني القرآن للنحاس ٢٠٤/٤ .
(٣) تفسير البغوي ١٤١/٣ .
(٤) زاد المسير ٥ /٩٦ .
(٥) تفسير الرازي ٦٨/٢١ بمعناه.
(٦) المحرر الوجيز ٤٩٠/٣ .
(٧) أخرجه الطبري ١١٥/١٥.

١٨٧
سورة الإسراء: الآية ١٠٦
عباس: فصَّلناه(١).
وقرأ ابن عباس وعليٍّ وابن مسعود وأُبَيُّ بن كعب وقَتادة وأبو رجاء والشَّعْبيُّ:
((فرَّقناه)) بالتشديد(٢) أي: أنزلناه شيئاً بعد شيءٍ لا جملةً واحدة، إلا أنَّ في قراءة ابن
مسعود وأُبَيِّ: (فَرَّقناه عليك))(٣).
واختُلِفَ في كم نزل القرآن من المدَّة، فقيل: في خمسٍ وعشرين سنة.
ابن عباس: في ثلاث وعشرين. أنس: في عشرين. وهذا بحسب الخلاف في سِنِّ
رسولِ الله﴾(٤)، ولا خلافَ أنه نزل إلى السماء الدنيا جملةً واحدة، وقد مضى هذا
في ((البقرة))(٥).
﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: تطاوُلٍ في المدَّة شيئاً بعد شيء، ويتناسق هذا القرآن على قراءة
ابن مسعود(٦)، أي: أنزلناه آيةً آيةً، وسورةً سورة (٧). وأمَّا على القول الأوّل فيكون
((عَلَى مُكْثٍ)) أي: على ترسُّلٍ في التلاوة وترتيل. قاله مجاهد وابن عباس وابن
جُريج (٨). فيُعطي القارئ القراءةَ حقّها من ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن
ما أمكن من غير تلحينٍ ولا تطريبٍ مُؤدٍّ إلى تغيير لفظ القرآن بزيادةٍ أو نقصانٍ، فإن
ذلك حرامٌ على ما تقدَّم أوَّل الكتاب. وأجمع القُرَّاء على ضَمِّ الميم من ((مُكْثٍ))(٩) إلا
ابن مُحَيْصِن فإنه قرأ: ((مَكْثٍ)) بفتح الميم(١٠). ويقال. مَكْثٍ ومُكْثٍ ومِكْثٍ؛ ثلاث
(١) أخرجه الطبري ١١٤/١٥ .
(٢) وهذه القراءة في الشاذة ص ٧٧ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٠/٣ - ٤٩١ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٩١/٣، لكن وقع في مطبوعه وفي الوسيط ١٣٢/٣: ((قتادة)) بدلاً من ((أنس)).
(٥) ٣/ ١٦١ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(٧) مجمع البيان ١٠٩/١٥ .
(٨) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(٩) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(١٠) زاد المسير ٥/ ٩٧ عن ابن محيصن وغيره، وهي قراءة شاذة.
٠

١٨٨
سورة الإسراء: الآيتان ١٠٦ - ١٠٧
لغات(١). قال مالك: ((على مُكْث)): على تثبتٍ وترسُّلٍ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَزَّلْنَهُ نَفِيلًا﴾ مبالغةٌ وتأكيدٌ بالمصدر للمعنى المتقدم(٣)، أي:
أنزلناه نَجْماً بعد نجم (٤)؛ ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقتٍ واحدٍ لنفروا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ، أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
١٠٧
يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
قوله تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ: أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ يعني القرآن. وهذا من الله عزَّ وجلَّ على
وجه التبكيت لهم والتهديد، لا على وجه التخيير(٥). ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِ=﴾ أي:
من قبل نزول القرآن وخروج النبيِّ ﴾، وهم مؤمنو أهل الكتاب(٦). في قول ابن جُريجٍ
وغيره. قال ابن جُريج: معنى ((إذا يُتلى عليهم)) كتابهم(٧). وقيل: القرآن (٨). ﴿يَخِرُونَ
لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾. وقيل: هم قومٌ من ولد إسماعيل تمسَّكوا بدينهم إلى أن بعث الله
تعالى النبيَّ عليه الصلاة والسلام، منهم: زيد بن عمرو بن نُفيل وورقة بن نَوْفل.
وعلى هذا ليس يريد: أوتوا الكتاب، بل يريد: أوتوا عِلْمَ الدِّين(٩). وقال الحسن:
الذين أوتوا العلم أمةٌ محمدٍ ﴾. وقال مجاهد: إنهم ناس من اليهود. وهو أظهر؛
لقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ،﴾. ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن في قول مجاهد. كانوا إذا سمعوا
(١) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٧٩/٣ لكن نسبه إلى مجاهد.
(٣) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(٤) الوسيط للواحدي ١٣٢/٣.
(٥) النكت والعيون ٣/ ٢٨٠ .
(٦) تفسير البغوي ١٤١/٣ .
(٧) أخرجه الطبري ١٥/ ١٢١ .
(٨) تفسير البغوي ١٤٢/٣ .
(٩) قال الواحدي في الوسيط ١٣٢/٣: يعني طلاب الدين مثل: أبي ذر وسلمان وورقة بن نوفل وزيد بن
عمرو. وعلى هذا فإن هؤلاء ليس كلُّهم من ولد إسماعيل.

١٨٩
سورة الإسراء: الآيات ١٠٧ - ١٠٩
ما أنزل الله تعالى من القرآن سجدوا وقالوا: ((سبحان ربِّنا إن كان وعد ربِّنا
لمفعولًا))(١). وقيل: كانوا إذا تلَوْا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا
وسبَّحوا، وقالوا: هذا هو المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعدُ الله به واقعٌ لا
محالة، وجنحوا إلى الإسلام، فنزلت الآية فيهم. وقالت فرقةٌ: المراد بالذين أوتوا
العلم من قبله محمدٌ ﴿، والضمير في ((قَبْله)) عائدٌ على القرآن حسب الضمير في
قوله: ﴿قُلٌّ ءَامِنُواْ بِهِ﴾. وقيل: الضميران لمحمدٍ ﴾، واستأنف ذكر القرآن في قوله:
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَّهِمْ﴾(٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيَِّاً إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا
دليلٌ على جواز التسبيح في السجود. وفي ((صحيح مسلم)) وغيره عن عائشة رضي
الله عنها قالت: كان رسولُ ﴿ يُكثِرُ أن يقول في سجوده وركوعه: ((سبحانكَ اللَّهُمَّ
وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفِرْ لي))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا
١١٠٩
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ هذه مبالغةٌ في صفتهم ومدحٌ
لهم. وحقٌّ لكلِّ من توسَّم بالعلم وحصَّل منه شيئاً أن يجري إلى هذه المرتبة (٤)،
فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويَذِلَّ. وفي ((مسند الدّارمي أبي محمد)» عن
التَّيْمِيِّ قال: من أوتيَ من العلم ما لم يُبَكِّهِ لَخَليقٌ ألا يكون أوتي علماً؛ لأنَّ اللـه
تعالى نَعَتَ العلماء، ثم تلا هذه الآية. ذكره الطبري أيضاً(٥). والأذقان: جمع ذقن،
(١) النكت والعيون ٣/ ٢٨٠. وأخرجه بنحوه الطبري ١٥/ ١٢١.
(٢) المحرر الوجيز ٤٩١/٣ .
(٣) صحيح مسلم (٧٨٤). وأخرجه البخاري - أيضاً - (٨١٧)، وهو في مسند أحمد (٢٤١٦٣).
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٢/٣ .
(٥) سنن الدارمي (٢٩١)، وتفسير الطبري ١٥/ ١٢٢.

١٩٠
سورة الإسراء: الآية ١٠٩
وهو مجتمع اللُّخيين(١). وقال الحسن: الأذقان عبارة عن اللِّحَى (٢)، أي: يضعونها
على الأرض في حال السجود، وهو غاية التواضع.
واللام بمعنى على(٣)؛ تقول: سقط لِفِيه، أي: على فيه. وقال ابن عباس:
﴿ويخرون للأذقان سُجْداً﴾ أي: للوجوه(٤)، وإنما خصَّ الأذقان بالذِّكر؛ لأنَّ الذَّقنَ
أقربُ شيءٍ من وجه الإنسان(٥). قال ابن خُوَيْزِ مَنداد: ولا يجوز السجود على الذقن؛
لأنَّ الذقن هاهنا عبارةٌ عن الوجه، وقد يُعبَّر بالشيء عما جاوره وببعضه عن جميعه،
فيقال: خرَّ لوجهه ساجداً وإن كان لم يسجُدْ على خدِّه ولا عينه. ألا ترى إلى قوله:
فخرَّ صَرِيعاً لليدينِ ولِلفَمِ(٦)
فإنما أراد: خرَّ صريعاً على وجهه ویدیه.
الثانية: قوله تعالى: ﴿يَتَكُونَ﴾ دليلٌ على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله
تعالى، أو على مصيبةٍ(٧) في دين الله، وأنَّ ذلك لا يقطعُها ولا يضرُّها. ذكر ابن
المبارك عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُنانيِّ، عن مُطَرِّف بن عبد اللهِ بن الشِّخِّير،
عن أبيه قال: أتيتُ النبيَّ ◌َ﴾ وهو يُصلِّي ولِجَوْفِه أزِيزٌ كأزيزِ المِرْجَلِ من البكاء. وفي
كتاب أبي داود: وفي صدره أزيزٌ كأزيز الرَّحى من البكاء(٨).
الثالثة: واختلف الفقهاء في الأنين، فقال مالك: الأنين لا يقطعُ الصلاةَ
للمريض، وأكرهُه للصحيح. وبه قال الثوري. وروى ابن الحكم عن مالك: التنحنحُ
(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٩٢/١.
(٢) المحرر الوجيز ٤٩١/٣، والنكت والعيون ٢٨٠/٣.
(٣) زاد المسير ٥/ ٩٧ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٩١/٣، والنكت والعيون ٢٨٠/٣، وزاد المسير ٩٧/٥.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٦٤ .
(٦) سلف ٢٤/١٣.
(٧) في (د) و(م) و(ز): معصيته.
(٨) الزهد لابن المبارك (١٠٩)، وسنن أبي داود (٩٠٤). وهو في مسند أحمد (١٦٣١٢).

١٩١
سورة الإسراء: الآيتان ١٠٩ - ١١٠
والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة. وقال ابن القاسم: يقطع. وقال الشافعيُّ: إن كان له
حروفٌ تُسمَعُ وتُفهَمُ يقطعُ الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن كان من خوف الله لم يقطّعْ،
وإن كان من وجَعِ قَطَعَ. ورُويَ عن أبي يوسف أنَّ صلاتَه في ذلك كلِّه تامةٌ؛ لأنه لا
يخلو مريضٌ ولا ضعيفٌ من أنين(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ تقدَّم القول في الخشوع في ((البقرة))(٢)
ويأتي.
قوله تعالى: ﴿قَلِ أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا
﴾
تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُّخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
١١٠
قوله تعالى: ﴿قَلِ أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ سبب
نزول هذه الآية أنَّ المشركين سمعوا رسولَ الله﴾ يدعو: ((يا اللهُ يا رحمن)) فقالوا :
كان محمدٌ يأمرنا بدعاءِ إلهٍ واحدٍ وهو يدعو إلهين. قاله ابن عباس. وقال مكحول:
تهجَّد رسولُ اللـه * ليلةً فقال في دعائه: ((يا رحمنُ يا رحيم)) فسمعه رجلٌ من
المشركين، وكان باليمامة رجلٌ يُسمَّى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بالُ محمدٍ
يدعو رحمان اليمامة. فنزلتِ الآيةُ مبيّنةً أنهما اسمان لمسمَّى واحد، فإن دعوتُموه
بالله فهو ذاك، وإن دعوتُموه بالرحمن فهو ذاك(٣). وقيل: كانوا يكتبون في صدر
الكتب: باسمك اللهمَّ، فنزلت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
[النمل: ٣٠] فكتبَ رسولُ الله ﴾ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) (٤)، فقال المشركون: هذا
الرحيم نعرِفُه، فما الرحمن؟ فنزلت الآية. وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمَعُ في
القرآن اسماً هو في التوراة كثيرٌ - يعنون الرحمن - فنزلت الآية(٥). وقرأ طلحة بن
(١) هاتان المسألتان الثانية والثالثة في التمهيد ١٣٤/٢٢.
(٢) ٧٠/٢ - ٧٢ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٢/٣. وأخرجه عنهما الطبري ١٢٣/١٥ - ١٢٤.
(٤) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٩٩/٥ عن ميمون بن مهران.
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٢٨٠ عن الكلبي.

١٩٢
سورة الإسراء: الآية ١١٠
مُصَرِّف: ((أيًّا مَنْ تدعو فله الأسماء الحسنى)) أي: التي تقتضي أفضلَ الأوصاف
وأشرفَ المعاني(١). وحُسْنُ الأسماء إنما يتوجَّه بتحسين الشرع؛ لإطلاقها والنصِّ
عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معانيَ حساناً شريفةً، وهي بتوقيفٍ لا يصِحُ
وضْعُ اسمٍ لله بنظرٍ إلا بتوقيفٍ من القرآن أو الحديث أو الإجماع، حسبما بيَّناه في
الكتاب ((الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فيه مسألتان:
الأولى: اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال:
الأوّل: ما روى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُّخَافِتْ بِهَا﴾
قال: نزلَتْ ورسولُ اللهِ ﴿ مُتَوارٍ بمكة، وكان إذا صلَّى بأصحابه رفَعَ صوتَه بالقرآن،
فإذا سمعَ ذلك المشركون سَبُّوا القرآن ومَنْ أنزلَه ومن جاء به؛ فقال الله تعالى: ﴿وَلَا
تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ فيسمعَ المشركون قراءتَكَ ﴿وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، أسمِعْهِمُ
القرآنَ، ولا تَجهَرْ ذلك الجهر ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: يقول بين الجهر
والمخافتة. أخرجه البخاريُّ ومسلم والترمذيُّ وغيرهم، واللفظ لمسلم (٣).
والمخافتة: خفضُ الصوتِ والسكون؛ يقال للميت إذا بَرَد: خَفَت (٤). قال الشاعر:
ومُقْلَةٌ إنسانُها باهِتُ
لم يَبْقَ إلا نَفَسٌ خافِتُ
رَثَّى لها الشامِتُ مما بها يا وَيْحَ مِن يَرْثِي له الشَّامِتُ
الثاني: ما رواه مسلم أيضاً عن عائشة في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا
◌ُثَفِتْ بِهَا﴾ قالت: أُنزِلَ هذا في الدعاء(٥).
(١) المحرر الوجيز ٤٩٢/٣. وهذه قراءة شاذة.
(٢) ص٣٥.
(٣) صحيح البخاري (٤٧٢٢)، وصحيح مسلم (٤٤٦)، وسنن الترمذي (٣١٤٦). وهو في مسند أحمد
(١٥٥).
(٤) تهذيب اللغة ٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥ بنحوه.
(٥) صحيح مسلم (٤٤٧).

١٩٣
سورة الإسراء: الآية ١١٠
الثالث: قال ابنُ سِيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهُّدهم، فنزلت الآية في
ذلك(١). قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنةً لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود:
مِنَ السُّنَّةِ أن تُخفيَ التشهدَ. ذكره ابن المنذر.
الرابع: ما رُوي عن ابن سِيرين أيضاً: أنَّ أبا بكرٍ ﴾ كان يُسِرُّ قراءته، وكان عمر
يجهَرُ بها، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو بكر: إنما أُناجي ربي، وهو يعلم حاجتي
إليه. وقال عمر: أنا أطردُ الشيطانَ، وأوقِظُ الوَسْنان. فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي
بكر: ارفَعْ قليلاً. وقيل لعمر: اخفِضْ أنتَ قليلاً. ذكره الطبريُّ وغيره(٢).
الخامس: ما رُويَ عن ابن عباس أيضاً أن معناها: ولا تجهَرْ بصلاة النهار، ولا
تُخافِتْ بصلاة الليل. ذكره يحيى بن سلام والزهراويّ(٣). فتضمنت أحكام الجهر
والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلي مخيَّرٌ في الجهر
والسرِّ في الليل والنهار، وكذلك رُويَ عن النبيِّ ﴾ أنه كان يفعل الأمرين جميعاً. وأما
الفرائض فحُكْمُها في القراءة معلومٌ ليلاً ونهاراً.
وقولٌ سادس: قال الحسن: يقول الله: لا ترائي بصلاتك تُحسِّنُها في العلانية،
ولا تُسيتُها في السِّرِّ. وقال ابن عباس: لا تُصَلِّ مرائياً للناس، ولا تَدَعْها مخافةً
(٤)
الناس(٤).
الثانية: عبَّر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبّر بالقراءة عن الصلاة في قوله:
﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مرتبطٌ بالآخر؛
لأنَّ الصلاة تشتمل على قراءةٍ وركوعٍ وسجودٍ، فهي من جملة أجزائها؛ فعبّر بالجزء
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٤٩٢.
(٢) تفسير الطبري ١٣٢/١٥، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٦١٢).
(٣) المحرر الوجيز ٢٩٢/٣.
(٤) ذكرهما ابن الجوزي في زاد المسير ٥/ ١٠٠، وأخرجهما الطبري ١٣٤/١٥ - ١٣٥.

١٩٤
سورة الإسراء: الآيتان ١١٠ - ١١١
عن الجملة، وبالجملة عن الجزء، على عادة العرب في المجاز، وهو كثير(١)؛ ومنه
الحديث الصحيح: ((قَسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي)) أي: قراءة الفاتحة على ما
تقدَّم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ
يَكُن لَّهُ وَلِىٌ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِهُ تَكْبِرًا
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا﴾ هذه الآية رادَّةٌ على اليهود
والنصارى والعرب في قولهم أفذاذاً: عزيرٌ وعيسى والملائكةُ ذريةُ الله سبحانه،
تعالى الله عن أقوالهم!(٣) ﴿وَ يَكُن لَّهُ شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ﴾ لأنه واحدٌ لا شريكَ له في
ملكه ولا في عبادته. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَإِىٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ قال مجاهد: المعنى: لم يُحالِفْ
أحداً، ولا ابتغَى نصرَ أحدٍ (٤)، أي: لم يكن له ناصرٌ يُجيره من الذُّلِّ فيكون مدافعاً.
وقال الكلبي: لم يكن له ولِيٍّ من اليهود والنصارى؛ لأنهم أذَلُّ الناس(٥)؛ ردًّا
لقولهم: نحن أبناء الله وأحِبَّاؤه(٦). وقال الحسن بن الفضل: ﴿وَلَوْ يَكُن لَّهُ وَلٌِ مِّنَ
الذُّلِّ﴾ يعني: لم يُذَلَّ فيحتاج إلى وَلِيٍّ، ولا ناصِرَ لعزَّته وكبريائه.
﴿وَكَيِّهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظّمه عظَمةً تامة(٧). ويقال: أبلَغُ لفظةٍ للعرب في معنى
التعظيم والإجلال: الله أكبر (٨). أي: صِفْه بأنه أكبرُ من كلِّ شيء. قال الشاعر:
رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيءٍ محاولةً وأكثَرهم جنودا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٢١٥/٣ .
(٢) ١٤٥/١ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٣/٣ .
(٤) أخرجه الطبري ١٣٨/١٥، وهو في تفسير مجاهد ٣٧٢/١.
(٥) النكت والعيون ٢٨٢/٣ .
(٦) مجمع البيان ١١٢/١٥ بمعناه.
(٧) معاني القرآن للزجاج ٢٦٥/٣ .
(٨) المحرر الوجيز ٤٩٣/٣.

١٩٥
سورة الإسراء: الآية ١١١
وكان النبيُّ # إذا دخل في الصلاة قال: ((الله أكبر)) وقد تقدَّم أوّل الكتاب(١).
وقال عمر بن الخطاب. قول العبد: ((الله أكبر)) خيرٌ من الدنيا وما فيها.
وهذه الآية هي خاتمة التوراة؛ روى مُطَرِّفٌ عن عبد الله بن كعب قال: افتُتِحَتِ
التوراةُ بفاتحة سورة الأنعام، وخُتِمَتْ بخاتمة هذه السورة(٢). وفي الخبر أنها آية العِزِّ.
رواه معاذ بن أنس(٣) عن النبيِّ﴾(٤). وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
قال: كان النبيُّ﴿ إذا أفصَحَ الغلامُ من بني عبد المطلب علَّمه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى) الآية(٥). وقال عبد الحميد بن واصل: سمعتُ عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((من قرأ:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَِّ﴾)) الآية، كتبَ اللهُ له من الأجر مثلَ الأرض والجبال، لأنَّ الله تعالى
يقول فيمن زعم أنَّ له ولداً: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُ اَلْجِبَالُ
هَذَّا﴾(٦) [مريم: ٩٠]. وجاء في الخبر: أنَّ النبيَّ ﴾ أمر رجلاً شكا إليه بالدّين بأن
(١) ١/ ٢٧٠، والبيت قائله خداش بن زهير، وقد ورد هناك بلفظ: ((وأعظمه)) بدل ((وأكثرهم)).
(٢) هكذا في المحرر الوجيز ٤٩٣/٣، لكن الأثر أخرجه ابن أبي شيبة ٥٥٥/١٠، والدارمي (٣٤٠٢)،
وأبو نعيم في الحلية ٣٧٨/٥ من طريق عبد الله بن رباح عن كعب بلفظ: فاتحة التوراة فاتحة سورة
الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة سورة هود. وقد سلف ٣١١/٨ .
وورد في روايةٍ أخرى عند أبي نعيم بأن خاتمة التوراة خاتمة الإسراء، دون ذكر فاتحتها.
(٣) وقع في جميع النسخ: معاذ بن جبل، وهو خطأ.
(٤) أخرجه أحمد (١٥٦٢٤) من طريق زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه مرفوعاً. زَبَّان بن
فائد ضعيف.
(٥) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٢٤) من طريق عبد الكريم أبي أمية، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، عن النبي 8# موصولاً.
وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٤٨/١ و٥٥٦/١٠ من طريق عبد الكريم، عن عمرو، عن النبي # معضلاً.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٩٧٦) من طريق عبد الكريم، عن النبي # معضلاً دون ذكر عمرو بن
شعیب.
(٦) لم نقف على من أخرجه بهذا الإسناد، وفيه إبهام الراوي الذي روى عنه عبد الحميد بن واصل.
وأخرجه بنحوه الطبراني (٦٧٦) عن أبي هريرة # بإسناد مسلسلٍ بالعلل، ففيه مجهولان، وضعيف وهو
محمد بن سلمة، ومدلس وهو محمد بن إسحاق، وفيه انقطاع، فقد رواه موسى بن يسار عن أبي هريرة
وهو لم يدركه.

١٩٦
سورة الإسراء: الآية ١١١
يقرأ: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ ... إلى آخر السورة، ثم يقول: توكَّلتُ على الحيِّ
الذي لا يموت. ثلاث مرات(١).
تمَّت سورةُ الإسراء، والحمد لله وحده،
والصلاةُ والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعدَه.
(١) أورده بهذا اللفظ أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢٨٧.
وأخرجه بنحوه أبو يعلى (٦٦٧١)، وابن السني (٥٤٦) من حديث أبي هريرة ﴾. قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٧/ ٥٢ : فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف.

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَيَةِ
تفسير سورة الكهف
وهي مكيّة في قول جميع المفسرين. ورُويَ عن فرقة أنَّ أوَّلَ السورةِ نزل بالمدينة
إلى قوله: ﴿جُرُرًا﴾ [الآية: ٨]، والأوَّل أصُ.
ورُوي في فضلِها من حديث أنسٍ أنَّه قال: مَن قَرَأَ بها أُعْطِيَ نوراً بين السماء
والأرض، ووُقيَ بها فتنةَ القبر(١).
وقال إسحاقُ بنُ عبد الله بنِ أبي فَرْوةً: إنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((ألا أَدُلُّكم على
سورة شيَّعها سبعون ألف مَلَكِ، مَلَأَ عِظَمُها ما بين السماء والأرض، لتاليها مِثْلُ
ذلك)). قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال: ((سورةُ أصحاب الكهف، مَن قَرَأَها يومَ
الجمعة، غُفِرَ له إلى الجمعة الأُخرى وزيادةُ ثلاثةِ أيَّام، وأُعطِيَ نوراً يبلغ السماءَ،
ووُقِيَ فتنةَ الدجال)) ذكره الثعلبِيُّ، والمهدوِيُّ أيضاً بمعناه(٢). وفي ((مسند الدَّارِمِيِّ))(٣)
عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ قال: مَن قَرَأَ سورةَ الكهف ليلةَ الجمعة، أَضاءَ له من النُّور
(١) المحرر الوجيز ٤٩٤/٣ .
(٢) وأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٠٣) عن إسماعيل بن أبي رافع قال: بلغنا أن رسول الله ﴾
قال: ألا أخبركم بسورة ملأ عظمتها ما بين السماء والأرض ... )) الخبر بنحوه. وإسماعيل بن أبي رافع
يروي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وكلاهما ضعيف، تنظر ترجمتهما في تهذيب الكمال وغيره
من كتب التراجم.
(٣) برقم (٣٤١٠)، وأخرجه أيضاً القاسم بن سلام في فضائل القرآن ص ١٣١ ، وابن الضريس في فضائل
القرآن (٢١١). وأخرجه مرفوعاً الحاكم في المستدرك ٣٦٨/٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه.
. ..
٠

١٩٨
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
فيما بينَه وبينَ البيت العتيقِ.
وفي ((صحيح مسلم))(١) عن أبي الدّرْدَاءِ أنَّ نبيَّ اللـه ﴿ قال: ((مَن حَفِظَ عَشْر آيات
من أوَّل سورة الكهف، عُصِمَ من الدجال)). وفي رواية: ((من آخر الكهف))(٢). وفي
((مسلم)) (٣) أيضاً من حديث النواسِ بن سَمْعان: ((فمن أَدركه - يعني الدجالَ - فليقرأ
عليه فواتحَ سورة الكهف)». وذكره الثعلبيُّ.
قال سَمُرةُ بنُ جُنْدُب: قال النبيُّ #: ((مَن قَرَأَ عَشْر آياتٍ من سورة الكهف
حِفْظًاً، لم تضرَّه فتنةُ الدَّجَّال، ومن قَرَأَ السورةَ كلَّها، دخل الجنَّة (٤)).
قوله تعالى: ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً ٣ قَيِّمًا
◌ِسُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ
أَجْرًا حَسَنًا ﴿ مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا
قوله تعالى: ﴿اَلَْهْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَجٌَّ قِيَمًا﴾ ذكر ابنُ
إسحاق(٥) أنَّ قريشاً بعثوا النَّصْر بنَ الحارث وعُقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ إلى أحبارٍ يهودَ
وقالوا لهما: سَلاهم عن محمَّد، وصِفَا لهم صِفَتَه، وأَخبِراهم بقوله، فإنَّهم أهلُ
الكتاب الأوَّل، وعندهم عِلْمٌ ليس عندنا من عِلْم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينةَ،
فسألا أحبارَ يهودَ عن رسولِ الله ◌ِ﴾، ووَصّفا لهم أَمْرَه، وأَخبراهم ببعضٍ قوله، وقالا
لهم: إنَّكم أهلُ التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبِنا هذا. فقالت لهما أحبارُ
يهودَ: سَلُوه عن ثلاثٍ نأمركم بهنَّ، فإنْ أخبركم بهنَّ، فهو نبيٌّ مرسَلٌ، وإن لم يفعل
فالرجلُ مُتَقَوِّل، فرَوْا فيه رأيكم، سَلُوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأوَّل، ما كان
(١) برقم (٨٠٩).
(٢) مسلم (٨٠٩) إثر الرواية السابقة.
(٣) في كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم (٢١٣٧) إثر الحديث (٢٩٣٦).
(٤) لم نقف عليه.
(٥) ونقله عنه ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ٣٠٠ - ٣٠٦ بتمامه.

١٩٩
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
أَمرهم، فإنَّه قد كان لهم حديثٌ عَجَبٌ؟ وسَلُوه عن رجل طوَّاف قد بلغَ مشارقَ
الأرض ومغاريَها، ما كان نَبَؤْه؟ وسَلُوه عن الروح، ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك
فاتَّبعوه؛ فإنَّه نبيٌّ، وإن لم يفعل، فهو رجلٌ متقوِّل، فاصنعوا في أَمْرِه ما بَدَا لكم.
فأَقبل النضرُ بنُ الحارث وعقبةُ بنُ أبي معيط حتى قدما مگّة علی قریش فقالا : یا
معشرَ قريشٍ! قد جئناكم بفَصْل ما بينكم وبين محمَّد ﴿، قد أمَرَنا أحبارُ يهودَ أنْ
نسأله عن أشياءَ أَمَرُونا بها، فإنْ أخبركم عنها فهو نبيٍّ، وإن لم يفعل، فالرجل
متقوِّل، فرَوْا فیه رأیکم.
فجاؤوا رسولَ الله # فقالوا: يا محمَّد، أَخبِرنا عن فِتيةٍ ذهبوا في الدهر الأوَّل،
قد كانت لهم قصةٌ عَجَبٌ؟ وعن رجل كان طوَّافاً قد بلغَ مشارق الأرض ومغاربها؟
وأَخبرنا عن الروح ما هي؟
قال: فقال لهم رسول الله ﴾: ((أُخبركم بما سألتم عنه غداً)) ولم يستثنٍ.
فانصرفوا عنه، فمكثَ رسولُ اللـه # فيما يزعمون خَمْسَ عشْرة ليلةً، لا يُحْدِث اللهُ
إليه في ذلك وَحْياً، ولا يأتيه جبريلُ، حتى أَرْجفَ (١) أهلُ مكَّة وقالوا: وَعَدَنا محمَّدٌ
غداً، واليوم خمسَ عشْرة ليلةً، وقد أَصبحنا منها لا يُخبِرنا بشيء مما سألناه عنه،
وحتى أَحزن رسولَ الله ﴿ مُكْثُ الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلّم به أهلُ مَّة، ثم
جاءه جبريلُ عليه السلام من عندِ الله عزَّ وجلَّ بسورةٍ أصحاب الكهف، فيها معاتبتُه
إيَّاه على حزنِه عليهم، وخبرُ ما سألوه عنه من أَمْرِ الفِتْية، والرجلِ الطوَّاف، والرُّوح.
قال ابن إسحاق: فذُكر لي أنَّ رسولَ الله ﴾ قال لجبريلَ: «لقد احتبستَ عنِّي يا
جبريلُ حتى سُؤت ظنًّا)) فقال له جبريلُ: ﴿وَمَا نَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينًا وَمَا
خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَّ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
فافتتح السورةَ تبارك وتعالى بحمده، وذِكْرٍ نبؤَّة رسولِه # لِمَا أَنكروا عليه من
(١) أرجفَ القومُ: إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن. لسان العرب (رجف).

٢٠٠
سورة الكهف: الآيات ١ - ٣
ذلك فقال: ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ يعني: محمَّداً، إنَّك رسولٌ مِنِّي،
أي: تحقيقٌ لِمَا سألوا عنه من نبؤَّتك. ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَجَاً قَيِّمًا﴾ أي: معتدلاً لا
اختلاف فیه.
١
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّكُنْهُ﴾ أي: عاجلَ عقوبته في الدنيا، وعذاباً أليماً في
الآخرة، أي: من عندِ ربِّك الذي بعثك رسولاً.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِيِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنَّا مََّكِنِينَ فِيهِ أَبَدًّا﴾
أي: دارَ الخُلد لا يموتون فيها، الذين صدَّقوك بما جئتَ به مما كذَّبك به غیرُهم،
وعَمِلوا بما أَمرتهم به من الأعمال.
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ يعني: قريشاً في قولهم: إنَّا نعبدُ الملائكةَ
وهي بناتُ اللـه. ﴿مَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِلَّبَائِهِّ﴾ الذين أعظموا فراقَهم وعَيْبَ دينهم.
﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَيِهِمْ﴾ أي: لقولهم إنَّ الملائكةَ بناتُ اللـه. ﴿إِن
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا. فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفَا﴾
الحزنِه عليهم حين فاتَّه ما كان يَرجوه منهم، أي: لا تفعل. قال ابنُ هشامٍ (١): ((باخع
نفسك)) أي: مُهْلكُ نفسَك، فيما حدَّثني أبو عبيدة(٢). قال ذو الرُّمَّة(٣):
بشيءٍ نَحَتْه عن يَدَيْه المَقادِرُ
ألا أيَّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَه
وجمعها : باخعونَ وبَخَعة. وهذا البيت في قصيدةٍ له. وتقول العربُ: قد بخَعْتُ له
نُصْحِي ونَفْسي، أي: جَهَدت له(٤).
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال ابنُ إسحاق(٥):
(١) في السيرة النبوية ٣٠٢/١ .
(٢) في مجاز القرآن ٣٩٣/١ .
(٣) ديوانه ١٠٣٧/٢ .
(٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٩٣/١ .
(٥) ونقله عن ابن هشام في السيرة النبوية ٣٠٣/١.