النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
سورة الإسراء: الآيات ٥٠ - ٥٢
وقال آخر :
لمَّا رأتْني أنغضَتْ ليَ الرأسا(١)
وقال آخر :
لا ماءَ في المَقْراةِ إن لم تنهضِ بمَسَدٍ فوقَ المَحالِ النُّغَّضِ (٢)
المحال والمحالة: البكرة العظيمة التي تَستَقي بها الإبل(٣).
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوْ﴾ أي: البعث والإعادة. وهذا الوقت ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ
قَرِيبًا﴾ أي: هو قريب؛ لأنَّ عسى واجب(٤)، نظيره: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ
قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. و﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. وكلُّ ما هو آتٍ فهو
قریب.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن ◌َّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الدعاء النداء إلى المحشر بكلامٍ
تسمعه الخلائق، يدعوهم اللهُ تعالى فيه بالخروج. وقيل: بالصيحة التي يسمعونها،
فتكون داعيةً لهم إلى الاجتماع في أرض القيامة(٥). قال :﴿: ((إنكم تُدْعَون يوم القيامة
بأسمائكم وأسماءِ آبائكم فأحسنوا أسماءكم»(٦). ﴿فَتَسْتَجِبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: باستحقاقه
الحمد على الإحياء، وقال أبو سهل: أي: والحمد لله، كما قال:
لبِسْتُ ولا من غَدْرةٍ أتقنَّعُ(٧)
فإني بحمد الله لا ثوبَ فاجرٍ
(١) مجاز القرآن ١/ ٣٨٢، وتفسير الطبري ١٤ / ٦٢٠.
(٢) الصحاح (نغض).
(٣) الصحاح (محل).
(٤) تفسير الطبري ١٤/ ٦٢١، والوسيط للواحدي ٣/ ١١١.
(٥) النكت والعيون ٢٤٨/٣ .
(٦) أخرجه أحمد (٢١٦٩٣)، وأبو داود (٤٩٤٨) من طريق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، عن أبي
الدرداء مرفوعاً. إسناده منقطع؛ عبد الله بن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء. المراسيل ص٩٨ .
(٧) قائله غيلان بن سلمة الثقفي كما في تفسير البغوي ٤١٣/٤، وزاد المسير لابن الجوزي ٤٠٠/٨ .
١٠٢
سورة الإسراء: الآية ٥٢
وقيل: حامدين لله تعالى بألسنتكم(١). قال سعيد بن جُبير: يخرج الكفار من
قبورهم وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، ولكن لا ينفعهم اعترافٌ ذلك اليوم (٢).
وقال ابن عباس: ((بحمده)): بأمره(٣)، أي: تُقِرُّون بأنه خالِقُكم(٤). وقال قتادة:
بمعرفته وطاعته(٥). وقيل: المعنى: بقدرته. وقيل: بدعائه إيَّاكم(٦). قال علماؤنا:
وهو الصحيح؛ فإنَّ النفخ في الصور إنما هو سببٌ لخروج أهل القبور، وبالحقيقة إنما
هو خروج الخلق بدعوة الحق؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾
فيقومون يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدك. قال: فيوم القيامة يوم يُبدأ بالحمد ويُختم
به؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ وقال في آخره: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم
بِْحَقِّ وَقِيلَ اْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
﴿وَتَظُنُّونَ إِن ◌َِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني بين النفختين؛ وذلك أنَّ العذاب يُكَفُّ عن
المعذَّبين بين النفختين، وذلك أربعون عاماً فينامون، فذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا
مِن مَّرْقَدِنًا﴾ [يس: ٥٢] فيكون خاصًّا للكفار. وقال مجاهد: للكافرين هَجْعةٌ قبل يوم
القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صِيحَ بأهل القبور قاموا مذعورين (٧). وقال قتادة:
المعنى: أنَّ الدنيا تحاقرت في أعينهم وقلَّتْ حين رأوا يوم القيامة. الحسن: ﴿وَتَُّّونَ
إِن ◌َّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في الدنيا؛ لطول لبثكم في الآخرة (٨).
(١) النكت والعيون ٢٤٩/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٧/٢، والوسيط للواحدي ١١٢/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤٥/٥ .
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٢ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٤٥/٣ .
(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٢ .
(٦) ذكرهما الطبري في تفسيره ١٤ / ٦٢٢ قولا واحداً.
(٧) أخرجه هناد في الزهد (٣١٧).
(٨) النكت والعيون ٢٤٩/٣، وأخرج قول قتادة الطبري ١٤/ ٦٢٣ .
١٠٣
سورة الإسراء : الآية ٥٣
قوله تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ
٥٣)
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا
قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ تقدَّم إعرابه(١). والآية نزلت في
عمر بن الخطاب، وذلك أنَّ رجلاً من العرب شتمه، وسبَّه عمر وهَمَّ بقتله، فكادت
تثير فتنة، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ ذكره الثعلبيُّ
والماورديُّ وابن عطية والواحدي(٢). وقيل: نزلت لمَّا قال المسلمون: إِيذن لنا يا
رسول الله في قتالهم فقد طالَ إيذاؤهم إيَّانا. فقال: ((لم أُومَرْ بعدُ بالقتال)) فأنزل الله
تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا أَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾. قاله الكلبي(٣). وقيل: المعنى: قل لعبادي
الذين اعترفوا بأنِّي خالِقُهم وهم يعبدون الأصنام، يقولوا التي هي أحسن من كلمة
التوحيد والإقرار بالنبوة. وقيل: المعنى: وقل لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في
التوحيد، أن يقولوا الكلمة التي هي أحسن. كما قال: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(٤) [الأنعام: ١٠٨]. وقال الحسن: هو أن يقول للكافر
إذا تشطط: هداك الله! يرحمك الله! وهذا قبل أن أُمِروا بالجهاد(٥). وقيل: المعنى
قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى الله عنه(٦)؛ وعلى هذا تكون الآيةُ عامّةً
في المؤمن والكافر، أي: قل للجميع. والله أعلم. وقالت طائفة: أمر الله تعالى في
هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصَّةً بحسن الأدب، وإلانة القول، وخفض الجناح،
واطّراح نزغات الشيطان، وقد قال﴾: ((وكونوا عباد الله إخوانا))(٧). وهذا أحسن،
(١) ١٢ / ١٤٣ .
(٢) النكت والعيون ٢٤٩/٣، والمحرر الوجيز ٤٦٤/٣، ولم نقف عليه عند الواحدي.
(٣) ونقله عنه الواحدي في الوسيط ١١٢/٣.
(٤) تفسير الرازي ٢٢٨/٢٠ بمعناه.
(٥) تفسير البغوي ١١٩/٣، وقول الحسن في المحرر الوجيز ٤٦٤/٣، والوسيط للواحدي ١١٢/٣،
وزاد المسير ٤٧/٥، وأخرجه الطبري بنحوه ٦٢٣/١٤ - ٦٢٤.
(٦) مجمع البيان ١٥/ ٦١ .
(٧) المحرر الوجيز ٤٦٤/٣. والحديث أخرجه أحمد (٧٧٢٧)، والبخاري (٦٠٦٤)، ومسلم (٢٥٦٣) من
حديث أبي هريرة ﴾.
١٠٤
سورة الإسراء: الآيتان ٥٣ - ٥٤
وتكون الآيةُ محكمةً.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَعُ بَيْهُمْ﴾ أي: بالفساد وإلقاء العداوة والإغواء. وقد
تقدَّم في آخر الأعراف ويوسف(١). يقال: نزغ بيننا أي: أفسد. قاله اليزيدي. وقال
غيره: النزع: الإغراء. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِسَنِ عَدُوًّا فُبِينًا﴾ أي: شديد العداوة. وقد
تقدَّم في البقرة(٢). وفي الخبر ((أنَّ قوماً جلسوا يذكرون الله عزَّ وجلَّ، فجاء الشيطان
ليقطع مجلسهم، فمنعته الملائكة، فجاء إلى قوم جلسوا قريباً منهم لا يذكرون الله،
فحرَّشَ بينهم، فتخاصموا وتواثبوا، فقال هؤلاء الذاكرون: قوموا بنا نُصلِح بين
إخواننا، فقاموا وقطعوا مجلِسَهم، وفرح بذلك الشيطان)). فهذا من بعض عداوته.
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَ
عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (@
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ﴾ هذا خطابٌ
للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفِّقكم للإِسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك
فیعذبکم. قاله ابن جُریج(٣).
و((أعلم)) بمعنى عليم، نحو قولهم: الله أكبر، بمعنى كبير (٤).
وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو
إن يشأ يُعذّبكم بتسليطهم عليكم، قاله الكلبي . ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: وما
وكَلناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلاً لهم
تؤخَذ بهم. قاله الكلبي. وقال الشاعر:
(١) ٩/ ٤٢٢ - ٤٢٥ و ٤٦٠/١١ .
(٢) ١٣/٣.
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٢٤ - ٦٢٥ .
(٤) سلف هذا المعنى ٦/ ٤٠٠ .
١٠٥
سورة الإسراء: الآيات ٥٤ - ٥٦
برَدِّ الأمورِ الماضياتِ وكيلُ
ذكرتُ أبا أرْوَى فبتُّ كأنَّني
أي: كفيل(١).
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ التَِّرْعِنَ عَلَى
بَعْضٍّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّيْتِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾
أعاد بعد أن قال: ((ربكم أعلم بكم)) ليبيِّن أنه خالقُهم وأنه جعلهم مختلفين في
أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومآلهم(٢)؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]. وكذا
النبيُّون فضَّل بعضَهم على بعضٍ عن علم منه بحالهم. وقد مضى القول في هذا في
((البقرة))(٣). ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُودَ زَّبُورًا﴾ الزَّبور: كتابٌ ليس فيه حلالٌ ولا حرام، ولا
فرائضُ ولا حدود، وإنما هو دعاءٌ وتحميدٌ وتمجيد(٤). أي: كما آتينا داود الزبور فلا
تُنكروا أن يُؤتى محمدٌ القرآن(٥). وهو في مُحاجَّةِ اليهود.
قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ
﴾
٥٦
وَلَا تَحْوِيلًا
قوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُوْ اَلَّذِيْنَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ﴾ لما ابتُليتْ قريشٌ بالقَحْط وشَكوا إلى
رسول الله # أنزل الله هذه الآية، أي: ادعوا الذين تعبدون من دون الله وزعمتُم
أنهم آلهة (٦). وقال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعُزيراً. ابن مسعود: يعني
(١) النكت والعيون ٢٥٠/٣، والبيت نُسب إلى شقران العلامي كما في بهجة المجالس ١١٢/٣. وذكر
المبرد في التعازي والمرائي ص ٢٠٥ أنَّ عليًّا ﴾ تمثل هذا البيت عند قبر فاطمة عليها السلام بعد دفنها.
(٢) تفسير البغوي ١١٩/٣، وفي مطبوعه: ((ومللهم)) بدل ((ومآلهم)) كما هو المثبت من نسخة (ظ)، وفي
بقية النسخ: ((ومالهم)).
(٣) ٤ / ٢٥٢ - ٢٥٧ .
(٤) الوسيط للواحدي ١١٢/٣ ونسبه إلى قتادة، وتفسير البغوي ١٢٠/٣ من غير نسبة.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٤٥/٣ .
(٦) الوسيط للواحدي ١١٢/٣. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٢. وتفسير البغوي ١٢٠/٣.
:
١٠٦
سورة الإسراء : الآيات ٥٦ - ٥٧
الجن(١). ﴿فَلَ يَمْلِكُونَ كَثْفَ الثُّرِّ عَنكُمْ﴾ أي: القحط سبع سنين، على قول
مقاتل(٢). ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ من الفقر إلى الغنى، ومن السَّقَم إلى الصحة(٣).
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَةٌ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا
(٥٧)
قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ((أولئك)) مبتدأ، ((الذِين)) صفة ((أولئك))
وضمير الصلة محذوف، أي: يدعونهم. يعني: أولئك المدعوُّون. و﴿ يَبْنَّغُونَ﴾
خبر(٤)، أو يكون حالاً، و((الّذِين يَدْعُون)) خبر، أي: يدعون إليه عباداً إلى عبادته.
وقرأ ابن مسعود ((تدعون)) بالتاء على الخطاب(٥). الباقون بالياء على الخبر. ولا
خلاف في ((يبتغون)) أنه بالياء. وفي ((صحيح مسلم))(٦) من كتاب التفسير عن عبد الله
ابن مسعود في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال:
نفرٌ من الجنِّ أسلموا وكانوا يُعْبَدون، فبقيَ الذين كانوا يعبدون على عبادتهم، وقد
أسلم النفر من الجنِّ. وفي روايةٍ قال: نزلت في نفرٍ من العرب كانوا يعبدون نفراً من
الجنِّ، فأسلم الجِنِّيون، والإنسُ الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ﴿أُوْلَكَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
وعنه أيضاً أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائلُ من العرب. ذكره الماوردي(٧).
وقال ابن عباس ومجاهد: هم عُزِيرٌ وعيسى(٨). و((يبتغون)): يطلبون من الله الزُّلفةَ
(١) مجمع البيان ١٥/ ٦٢ .
(٢) زاد المسير ٤٩/٥ .
(٣) الوسيط للواحدي ٣/ ١١٣ ونسبه إلى ابن عباس.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٢٤٦/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٢، والبيان ٩٢/٢ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٤٦/٣، ومعاني القرآن للنحاس ١٦٥/٤، وهي قراءة شاذة.
(٦) (٣٠٣٠): (٢٨) و (٣٠).
(٧) في النكت والعيون ٢٥١/٣ .
(٨) أخرجه الطبري ١٤ / ٦٣٠ - ٦٣١ عنهما.
١٠٧
سورة الإسراء: الآيتان ٥٧ - ٥٨
والقربة، ويتضرَّعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة(١) أعلمهم اللهُ
تعالى أنَّ المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم، والهاء والميم في ((ربهم)) تعود على
العابدين أو على المعبودين أو عليهم جميعاً، وأما ((يدعون)) فعلى العابدين،
((ويبتغون)) على المعبودين(٢). ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون ((أيُّهم
أقرب)) بدلاً من الضمير في ((يبتغون))، والمعنى يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله(٣).
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهٍُ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: مَخُوفاً لا أمانَ لأحدٍ
منه، فينبغي أن يُحذر منه ويُخاف (٤). وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف
مِيزانان(٥) على الإنسان، فإذا استوَيا استقامت أحواله، وإن رجح أحدُهما بطل
الآخر (٦).
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا
عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِنَبِ مَسْطُورً
٥٨)
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّ نَحْنُ مُهْلِكُهَا﴾ أي: مُخربوها(٧). ﴿قَبْلَ يَوْمِ
اُلْقِيمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة
فبالعذاب (٨). وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنى والربا في قريةٍ أذِنَ اللهُ في هلاكهم(٩).
فقيل: المعنى: وإن من قريةٍ ظالمة، يقوِّي ذلك قولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ الْقُرَىّ
(١) الوسيط للواحدي ١١٣/٣.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦ بمعناه.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٤٥/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢٨/٢، ومشكل إعراب القرآن ٤٣٢/١.
(٤) تفسير أبي الليث ٢٧٣/٢ .
(٥) في جميع النسخ: زمانان، والتصويب من النكت والعيون.
(٦) النكت والعيون ٢٥٢/٣.
(٧) تفسير البغوي ٣/ ١٢٠.
(٨) الوسيط للواحدي ١١٣/٣ .
(٩) أخرجه الطبري ٦٣٤/١٤، وهو في الوسيط ١١٣/٣.
١٠٨
سورة الإسراء: الآيتان ٥٨ - ٥٩
إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. أي: فليتَّقِ المشركون، فإنَّه ما من قريةٍ كافرةٍ إلا
سيحِلُّ بها العذاب. ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَابِ﴾ أي: في اللَّوح. ﴿مَسْطُورً﴾ أي: مكتوباً(١).
والسَّطْرُ: الخط والكتابة، وهو في الأصل مصدر. والسَّطَرُ - بالتحريك - مثلُه. قال
جرير:
مَنْ شاءَ بايعتُه مالي وخُلْعَتَهُ ما تُكْمِلُ الثَّيْمُ في ديوانهم سَطَّرا
الخُلْعة بضمِّ الخاء: خيار المال. والسَّطّر جمع أسطار، مثل سبب وأسباب، ثم
يُجمع على أساطير، وجَمْعُ السطرِ أسطُرٌ وسُطور، مثل أفلُسٌ وفلوس(٢). والكتاب
هنا يراد به اللوح المحفوظ(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ
النَّاقَةَ مُبْصِرَةٌ فَظَلَمُواْ بِهِأْ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا.
٥٩٦
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعْنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ في الكلام
حذف، والتقدير: وما منعنا أن نُرسِلَ بالآيات التي اقترحوها إلا أن يُكذِّبوا بها
فيهلكوا كما فُعِلَ بمن كان قبلهم(٤). قال معناه قَتادة وابن جُريج وغيرُهما(٥). فأخَّرَ
الله تعالى العذابَ عن كفار قريش؛ لعلمه أنَّ فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمناً(٦).
وقد تقدَّم في ((الأنعام)»(٧) وغيرها أنهم طلبوا أن يُحوِّلَ اللهُ لهم الصَّفا ذهباً وتتنخَّى
الجبالُ عنهم، فنزل جبريل وقال: إن شئتَ كان ما سألَ قومُكَ، ولكنهم إن لم يؤمنوا
(١) مجاز القرآن ٣٨٣/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٤٧/٣.
(٢) الصحاح (سطر) و(خلع)، والبيت في إصلاح المنطق ص ١٠٩.
(٣) تفسير الطبري ١٤/ ٦٣٤ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٦٧.
(٥) أخرجه عنهما الطبري ١٤ / ٦٣٦ - ٦٣٧ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٠/٢.
(٧) ٤٩٤/٨
١٠٩
سورة الإسراء: الآيتان ٥٩ - ٦٠
لم يُمْهَلوا، وإن شئتَ استأنيتُ بهم. فقال: ((لا، بل استَأْنِ بهم))(١). و((أن)) الأولى في
محلٌّ نصب بوقوع المنع عليهم، و((أن)) الثانية في محل رفع(٢). والباء في ((بالآيات))
زائدة. ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلين(٣)، والله تعالى لا
يكون ممنوعاً عن شيء، فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع عنه.
ثم بيَّن ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمِنْ بها فقال: ﴿ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾
أي: آيةٌ دالَّةً مضيئةً نَيِّرةً على صدق صالح، وعلى قدرة الله تعالى(٤). وقد تقدَّم
ذلك(٥). ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: ظلموا بتكذيبها(٦). وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من
عند الله، فاستأصلهم الله بالعذاب(٧).
﴿وَمَا تُرْسِلُ بِلاَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ فيه خمسة أقوال: الأوّل ـ العِبَر والمعجزات التي
جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذِّبين. الثاني - أنها آيات
الانتقام تخويفاً من المعاصي. الثالث - أنها تقلُّبُ الأحوال من صغرٍ إلى شبابٍ، ثم
إلى تكهُّلٍ، ثم إلى مشيبٍ؛ لتعتبِرَ بتقلُّبٍ أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. وهذا قول أحمد
بن حنبل ﴾. الرابع - القرآن. الخامس - الموت الذَّريع. قاله الحسن(٨).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا الرََّيَا أَلَِّيّ أَرَيْنَكَ إِلََّ
فِتْنَةُ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِّ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا تُفِيَنًا كَبِيرًا (٥)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِّ﴾ قال ابن عباس: الناس هنا أهل
(١) أخرجه أحمد (٢٣٣٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) معاني القرآن للفراء ١٢٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢٩/٢، وتفسير الطبري ١٤/ ٦٣٧.
(٣) تفسير الطبري ١٤/ ٦٣٧
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٦٧.
(٥) ٢٦٦/٩ - ٢٦٧ و١٥٤/١١.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٤٧ .
(٧) تأويل مشكل القرآن ص٣٥٩.
(٨) زاد المسير لابن الجوزي ٥٢/٥، وذكر الماوردي ٢٥٢/٣ الأقوال الثلاثة الأولى، وأخرج أحمد في
الزهد ص٣٢٨، والطبري ٦٣٩/١٤ قول الحسن. ومعنى الذريع: السريع. الصحاح (ذرع).
١١٠
سورة الإسراء: الآية ٦٠
مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم، أي: أنَّ الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي؛
لتحقق كونه. وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح.
وقيل: معنى ((أحاط بالناس)) أي: أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته لا يقدرون
على الخروج من مشيئته. قاله مجاهد وابن أبي نَجيح. وقال الكلبيّ: المعنى: أحاط
علمُه بالناس. وقيل: المرادُ عصمتُه من الناس أن يقتلوه حتى يبلِّغ رسالة ربه(١)، أي:
وما أرسلناك عليهم حفيظاً، بل عليك التبليغ، فبلِّغ بجِدِّك فإنا نعصِمُكَ منهم
ونحفظك، فلا تَهَبْهم، وامْضٍ لما آمُركَ به من تبليغ الرسالة، فقدرتُنا محيطةٌ بالكل.
قال معناه الحسن وعروة وقتادة وغيرهم(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا أَلَِّىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ لمَّا بَيَّن أنَّ إنزال آياتٍ
القرآن تتضمَّنُ التخويف ضَمَّ إليه ذِكْرَ آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة.
وفي البخاريِّ والترمذيِّ عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىِّ أَرَيْتَكَ إِلَّا
فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عَيْن، أُرِيها النبيُّ ﴾ ليلةَ أسْرِيَ به إلى بيت المقدس.
قال: ﴿وَالشَّجَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ﴾: هي شجرة الزَّقُوم. قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا
حديثٌ صحيح(٣). وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقتادة
وسعيد بن جُبير والضحاك وابن أبي نَجيح وابن زيد. وكانت الفتنة ارتدادَ قومٍ كانوا
أسلموا حين أخبرهم النبيّ # أنه أُسْرِيَ به (٤). وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية
تقضي بفساده؛ وذلك أنَّ رؤيا المنام لا فتنةَ فيها، وما كان أحدٌ لِيُنكِرها. وعن ابن
عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله ﴾ أنه يدخل مكة في سنة
الحُدَيْبِيَةِ، فَرُدَّ، فافتتنَ المسلمون لذلك، فنزلت الآية(٥)، فلما كان العام المقبل
(١) النكت والعيون ٢٥٣/٣، وذكر أبو الليث في تفسيره ٢٧٤/٢ قول الكلبي.
(٢) وأخرجه عنهم الطبري ١٤/ ٦٣٨ - ٦٣٩ .
(٣) صحيح البخاري (٣٨٨٨)، وسنن الترمذي (٣١٣٤).
(٤) النكت والعيون ٢٥٣/٣ دون ذكر عائشة ومعاوية.
(٥) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣. وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ١٤/ ٦٤٦ .
١١١
سورة الإسراء: الآية ٦٠
دخلها، وأنزل الله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّنْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧]. وفي هذا
التأويل ضعف؛ لأنَّ السورة مكيةٌ وتلك الرؤيا كانت بالمدينة(١). وقال في رواية
ثالثة: إنه عليه السلام رأى في المنام بني مروان يَنْزُونَ على منبره نَزْوَ القِرَدة، فساءه
ذلك، فقيل: إنما هي الدنيا أُعطوها، فسُرِّيَ عنه(٢). وما كان له بمكة منبرٌ ولكنه يجوز
أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة(٣). وهذا التأويل الثالث قاله أيضاً سهل بن سعد ﴾.
قال سهل: إنما هذه الرؤيا هي أنَّ رسول اللـه :﴿ كان يرى بني أمية ينزون على منبره
نَزْوَ القِرَدة، فاغتمَّ لذلك، وما استجمع ضاحكاً من يومئذٍ حتى مات ﴿ .. فنزلتِ الآيةُ
مخبرةً أنَّ ذلك من ملكهم (٤) وصعودهم يجعلها الله فتنةً للناس وامتحاناً. وقرأ الحسن
ابن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَُّ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى
حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١]. قال ابن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا
عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية(٥).
قوله تعالى: ﴿وَالشَجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ﴾ فيه تقديم وتأخير، أي: ما جعلنا الرؤيا
التي أريناكَ والشجرةَ الملعونةَ في القرآن إلا فتنةً للناس(٦)، وفتنتُها أنهم لمَّا خُوِّفوا بها
قال أبو جهلٍ استهزاءً: هذا محمد يتوغَّدكم بنارٍ تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت
الشجر والنارُ تأكل الشجر، وما نعرف الزَّقُوم إلا التمر والزُّبْد، ثم أمر أبو جهلٍ جاريةً
(١) تفسير الرازي ٢٣٦/٢٠ بمعناه.
(٢) تفسير أبي الليث ٢٧٦/٢، وزاد المسير لابن الجوزي ٥/ ٥٤ .
(٣) تفسير الرازي ٢٣٦/٢٠ .
(٤) في (م): تملكهم.
(٥) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣، وخبر سهل بن سعد أخرجه الطبري ١٤ / ٦٤٦ عن محمد بن الحسن بن
زبالة، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده سهل بن سعد، فذكر الخبر.
وقد نقله ابن كثير في تفسيره عن الطبري بإسناده ومتنه ثم قال: وهذا السند ضعيف جداً؛ فإن محمد بن
زبالة متروك، وشيخه أيضاً ضعيف بالكلية.
(٦) الوسيط للواحدي ١١٤/٣، وتفسير الرازي ٢٣٦/٢٠ .
١١٢
سورة الإسراء: الآية ٦٠
فأحضرت تمراً وزُبداً وقال لأصحابه: تزقَّموا(١). وقد قيل: إنَّ القائل: ما نعلمُ الزَّقُومَ
إلا التمرَ والزُّبِدَ ابنُ الزِّبَعْرَى(٢)، حيث قال: كثَّر الله من الزَّقُوم في داركم؛ فإنه التمرُ
بالزُّبِدِ بِلُغة اليمن(٣). وجائزٌ أن يقول كلاهما ذلك. فافتتن أيضاً لهذه المقالة بعضُ
الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيَّه عليه الصلاة والسلام أنه إنما جعل الإسراء وذكر
شجرة الزَّقُوم فتنةً واختباراً ليَكْفر مَنْ سبق عليه الكفرُ ويُصدِّقَ من سبقَ له الإيمان،
كما رُويَ أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيق ﴾ قيل له صبيحة الإسراء: إنَّ صاحبكَ يزعم أنه جاء
البارحةَ من بيت المقدس! فقال: إن كان قال ذلك فلقد صَدَقَ. فقيل له: أتُصدّقُه قبل
أن تسمعَ منه؟ فقال: أين عقولُكم؟ أنا أُصدِّقه بخبر السماء، فكيف لا أُصدّقه بخبر
بيت المقدس، والسماء أبعَدُ منها بكثير (٤).
قلت: ذكر هذا الخبر ابنُ إسحاق، ونصُّه: قال: كان من الحديث فيما بلغني عن
مَسراه# عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخُذْرِيِّ وعائشة ومعاوية بن أبي سفيان
والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزُّهْريِّ وقتادة وغيرِهم من أهل العلم وأمِّ هانئ
بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كُلِّ يُحدِّث عنه بعضَ ما ذكر من أمره
حين أُسري بِهِ ﴾، وكان في مسراه وما ذُكِرَ عنه بلاءٌ وتمحيصٌ وأمرٌ من أمر الله
عزَّ وجلَّ في قدرته وسلطانه فيه عبرةٌ لأولي الألباب، وهدى ورحمةٌ وثباتٌ لمن آمن
وصدَّقَ وكان من أمر الله تعالى على يقين، فأسرى به﴿ كيف شاء وكما شاء؛ ليُرِيَه
(١) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣. وأخرج أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا جهل قال: يخوِّفنا
محمد بشجرة الزقوم! هاتوا تمراً وزبداً فتزَّموا.
(٢) كما في الوسيط ١١٤/٣، وتفسير الرازي ٢٣٦/٢٠ .
(٣) لم نقف عليه هكذا، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٥٤/٥ أن ابن الزِّبعرى قال: إن الزقوم بلسان
البربر التمر والزبد. وذكر الخطابي في غريب الحديث ٤٨٧/١، والزمخشري في الفائق ١١٧/٢ أن
ذلك بلغة إفريقيا.
(٤) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣، والخبر أخرجه الحاكم ٦٢/٣، والبيهقي في الدلائل ٣٦٠/٢ - ٣٦١ عن
عائشة رضي الله عنها.
١١٣
سورة الإسراء: الآية ٦٠
من آياته ما أراد، حتى عاينَ ما عاينَ من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها
ما يريد. وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول: أُتِيَ رسولُ الله # بالبراق -
وهي الدابة التي كانت تُحمَلُ عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها - فحُمِلَ
عليها، ثم خرج به صاحبُهُ يُرى الآياتِ فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى
بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفرٍ من الأنبياء قد جُمِعوا له،
فصلَّى بهم، ثم أُتِيَ بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. قال: فقال
رسول الله ﴾: ((فسمعتُ قائلاً يقول حين تُرِضتْ عليَّ: إن أخذ الماء فغَرِقَ وغَرِقَتْ
أمَّتُه، وإن أخذ الخمر فغَوِيَ وغَوَتْ أمته، وإن أخذ اللبن فهُدِيَ وهُدِيَتْ أمَّتُه. قال:
فأخذتُ إناءَ اللبن فشربتُ، فقال لي جبريل: هُدِيتَ وهُدِيتْ أمتُك يا محمد)).
قال ابن إسحاق: وحُدِّثتُ عن الحسن أنه قال: قال رسول الله : ((بينما أنا
نائمٌ في الحِجْر جاءني جبريل عليه السلام فهمزني بقدمه، فجلستُ فلم أرَ شيئاً، ثم
عُذْتُ لمضجَعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أرَ شيئاً، فعُدْتُ
لمضجَعِي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلستُ، فأخذ بعضُدي، فقمتُ معه،
فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابةٌ أبيضُ، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان
يَحْفِز بهما(١) رجليه، يضع حافرَه في منتهى طَرْفِه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا
يفوتُني ولا أفوتُه».
قال ابن إسحاق: وحُدِّثتُ عن قتادة أنه قال: حُدِّثت أنَّ رسول اللـه ل﴾ قال: ((لمَّا
دنوتُ منه لأركبَه شَمَسَ(٢)، فوضع جبريلُ يدَه على مَعْرَفَتِهِ(٣)، ثم قال: ألا تستحي يا
بُراقُ مما تصنع، فواللهِ ما ركبكَ عبدٌ للهِ قبلَ محمدٍ أکرمُ علیه منه. قال: فاستحيا
(١) أي: يدفع بهما. الصحاح (حفز).
(٢) يقال: شمست الدابة: إذا شردت وجمحت ومنعت ظهرها. اللسان (شمس).
(٣) المعرفة: الموضع الذي ينبت عليه العُرف. الصحاح (عرف).
١١٤
سورة الإسراء: الآية ٦٠
حتى ارفَضَّ عَرَقاً (١)، ثم قَرَّ حتى ركبتُه)).
قال الحسن في حديثه: فمضى رسولُ الله # ومضى معه جبريل حتى انتهى
إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفرٍ من الأنبياء، فأمَّهم
رسولُ اللهِ﴾ فصلَّى بهم، ثم أُتِيَ بإناءين: في أحدهما خمرٌ، وفي الآخر لبن، قال:
فأخذَ رسولُ الله ﴿ إناءَ اللبن فشرب منه وتركَ إناءَ الخمر. قال: فقال له جبريل:
هُدِيتَ الفِظْرةَ وهُدِيَتْ أمَّتُك، وحُرِّمتْ عليكم الخمر. ثم انصرفَ رسول الله :﴿ إلى
مكة، فلمَّا أصبح غَدا على قريشٍ فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا واللهِ
الإمرُ(٢) البَيِّنُ! واللهِ إنّ العِيرَ لتُظْرَدُ شهراً من مكة إلى الشام، مُذْبِرةً شهراً ومُقبِلةً
شهراً، فيذهب ذلك محمدٌ في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتدَّ كثيرٌ مِمَّن كان
أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكرٍ فقالوا: هل لكَ يا أبا بكرٍ في صاحبك؟! يزعم أنه
قد جاء هذه الليلة بيتَ المقدس، وصلَّى فيه، ورجع إلى مكة. قال: فقال أبو بكر
الصديق : إنَّكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، هاهو ذا في المسجد يُحدِّث به الناس.
فقال أبو بكر: واللهِ لِئِنْ كان قاله لقد صدق، فما يُعَجِّبكم من ذلك؟! فوالله إنه
ليخبرني أنَّ الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعةٍ من ليل أو نهارٍ فأُصدِّقُه،
فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله {# فقال: يا نبيَّ الله،
أحدَّثتَ هؤلاء أنك جئتَ بيتَ المقدس هذه الليلة؟ قال ((نعم)) قال: يا نبيَّ الله، فصِفْه
لي فإني قد جئتُه؟ فقال الحسن: فقال رسول اللـه﴾: «رُفِعَ لي حتى نظرتُ إليه))
فجعلَ رسولُ اللـهِ :﴿ يصِفُهُ لأبي بكرٍ ويقول أبو بكر ﴾: صدقْتَ، أشهدُ أنَّكَ رسولُ
الله. كلَّما وصف له منه شيئاً قال: صدقْتَ، أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله. قال: حتى إذا
انتهى قال رسولُ اللـه:﴿ لأبي بكرٍ ﴾: ((وأنتَ يا أبا بكر الصِّدِّيق)) فيومئذ سمَّاه
الصِّدِّيق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتدَّ عن الإسلام لذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
(١) أي: جرى عرقه وسال. النهاية (رفض).
(٢) أي: العجب. النهاية (أمر).
١١٥
سورة الإسراء: الآيات ٦٠ - ٦٢
الرُِّيَا الَِّي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِّ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا مُغْيَانًا
كبيرًا﴾ .فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله ﴿ وما دخل فيه من حديث
قتادة (١). وذِكْرُ باقي الإسراء عمن تقدَّم في السيرة.
وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو أميَّة، وأنَّ النبيَّ # نفى الحَكّم(٢). وهذا قول
ضعيفٌ مُحدَث(٣)، والسورة مكية، فيبعُد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه الآية مدنية،
ولم يثبت ذلك. وقد قالت عائشة لمروان: لعنَ اللهُ أباكَ وأنت في صلبه، فأنتَ
قطعةٌ(٤) من لعنةِ الله(٥). ثم قال: ﴿وَالشَّجَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ﴾ ولم يجْرِ في القرآن
لَعْنُ هذه الشجرة، ولكنَّ الله لعن الكفار وهم آكلوها. والمعنى: والشجرة الملعونة
في القرآن آكلوها، ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكلِّ طعام مكروهٍ ضارِّ:
ملعون(٦). وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة: هي هذه الشجرة التي تلتوي على
الشجر فتقتلُه، يعني الكَشُون (٧). ﴿وَتُوِّفُهُمْ﴾ أي: بالزَّقوم ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التخويف
إلا الكفر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ قَالَ ◌َ أَسْجُدُ
لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾ قَالَ أَرَهَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ
٦٣
الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِلًا
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ﴾ تقدّم ذِكْرُ كَوْنِ الشيطان عدوَّ
(١) سيرة ابن هشام ٣٩٦/١ - ٣٩٩.
(٢) تفسير الرازي ٢٣٧/٢٠.
(٣) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣ .
(٤) في (م): ((بعض))، وفي (د) و(ز): ((قطط))، والمثبت من (ظ)، فقد وقعت في رواية النسائي والخطابي
((فضض)): وهي القطعة. النهاية (فضض)، وتصحفت في مطبوع الحاكم إلى ((قصص)).
(٥) تفسير الرازي ٢٠/ ٢٣٧، وقول عائشة أخرجه النسائي في الكبرى (١١٤٢٧)، والخطابي في غريب
الحديث ٥١٧/٢، والحاكم ٤٨١/٤ من طريق محمد بن زياد، عن عائشة. وصححه الحاكم! لكن
تعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع، محمد لم يسمع من عائشة.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٢٤٨/٣ .
(٧) النكت والعيون ٢٥٤/٣، وأخرجه الطبري ١٤/ ٦٥٢.
١١٦
سورة الإسراء: الآيتان ٦١ - ٦٢
الإنسان، فانجرَّ الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوّهم
على ربهم قصةً إبليس حين عصى ربَّه وأبى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله
تعالى في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِيْلِسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ أي: من
طين(١). وهذا استفهام إنكار(٢). وقد تقدَّم القول في خلق آدم في البقرة والأنعام(٣)
مستوفّى. ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ﴾ أي: قال إبليس(٤). والكاف لتوكيد المخاطبة. ﴿هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَلَى﴾ أي: فضَّلته عليَّ(٥). ورأى جوهر النار خيراً من جوهر الطين ولم يعلم
أنَّ الجواهر متماثلة. وقد تقدَّم هذا في الأعراف(٦). و((هذا)» نُصِبَ بأرأيت، ((الذي))
نعتُهُ(٧). والإكرام: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحمد(٨). وفي الكلام حذفٌ تقديره: أخبِرْني
عن هذا الذي فضَّلْتَه عليَّ، لِمَ فضَّلْتَه وقد خلقتني من نارٍ وخلقته من طين؟ فحُذِف
لعلم السامع(٩). وقيل: لا حاجة إلى تقدير الحذف، أي: أترى هذا الذي كرَّمته عليَّ
لأفعلنَّ به كذا وكذا. ومعنى ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ في قول ابن عباس: لأستولِيَنَّ عليهم (١٠).
وقاله الفراء(١١). مجاهد: لأحتوِيَنَّهم(١٢). ابن زيد: لأُضِلَّنَّهم (١٣). والمعنى متقارب،
(١) تفسير الطبري ١٤/ ٦٥٣.
(٢) مجمع البيان ١٥/ ٧٠، وتفسير الرازي ٣/٢١.
(٣) ٤١٧/١ - ٤١٨ و٣١٨/٨ - ٣١٩.
(٤) الوسيط للواحدي ١١٥/٣ .
(٥) تفسير البغوي ١٢٢/٣، وفي النسخ سوى (ظ): توكيد للمخاطبة.
(٦) ٩ / ١٦٥ .
(٧) إملاء ما منَّ به الرحمن على هامش الفتوحات الإلهية ٤٨٨/٣، وإعراب ((هذا)» ذكره الزجاج في معاني
القرآن ٢٤٩/٣ .
(٨) في اللسان (كرم): الكريم: اسم جامع لكل ما يحمد.
(٩) معاني القرآن للنحاس ١٧١/٤ .
(١٠) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٢/٢.
(١١) في معاني القرآن له ١٢٧/٢، وأخرجه الطبري ٦٥٥/١٤.
(١٢) أخرجه الطبري ١٤ / ٦٥٤ - ٦٥٥، وهو في تفسير مجاهد ٣٦٥/١.
(١٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٦٥٥ .
١١٧
سورة الإسراء: الآيات ٦١ - ٦٣
أي: لأستأصلنَّ ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنَّهم (١). ورُوي عن العرب:
إِحْتَنَكَ الجرادُ الزرعَ إذا ذهب به كلِّه. وقيل: معناه: لأسوقنَّهم حيث شئتُ وأقودَنَّهم
حيث أردتُ(٢). من قولهم: حَتَكْتُ الفرسَ أحنِكه وأحتُكه حنكاً إذا جعلتُ في فيه
الرَّسن. وكذلك احتنكه(٣). والقول الأوّل قريبٌ من هذا؛ لأنه إنما يأتي على الزرع
بالحَنَك. وقال الشاعر :
جَهْداً إلى جَهْدٍ بنا وأضعفَتْ
أشكو إليك سَنَةً قد أجحفَتْ
واحتنكَتْ أموالَنا واجتلفَتْ(٤)
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾(٥) [الحجر: ٤٢] وإنما قال إبليس ذلك ظنًّا، كما قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] أو علم من طبع البشر تركُبَ الشهوة
فيهم(٦)، أو بنى على قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾(٧) [البقرة: ٣٠].
وقال الحسن: ظنَّ ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عَزْماً (٨).
٢٦٣
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّآءُ مَّوْفُورًا
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَذْهَبْ﴾ هذا أمر إهانة، أي: اجهَدْ جَهْدكَ فقد أنظرناك. ﴿فَمَنْ
تَبِعَكَ﴾ أي: أطاعك من ذرية آدم (٩). ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءٍ قَوْفُورًا﴾ أي: وافراً.
(١) الوسيط للواحدي ١١٥/٣.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٧١ .
(٣) الصحاح (حنك) وعنده: إذا جعلت فيه الرسن.
(٤) الرجز في مجاز القرآن ٣٨٤/١، والمحرر الوجيز ٣/ ٤٧٠ من غير نسبة.
(٥) الوسيط للواحدي ١١٥/٣، وتفسير البغوي ١٢٢/٣.
(٦) تفسير الرازي ٢١/ ٤ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٣٢.
(٨) مجمع البيان ١٥/ ٧٠ .
(٩) الوسيط للواحدي ٣/ ١١٥، وزاد المسير ٥٧/٥ .
١١٨
سورة الإسراء: الآيتان ٦٣ - ٦٤
عن مجاهد وغيره. وهو نصبٌ على المصدر، يقال: وفَرتُه أفِرُه وَفْراً، ووَفَر المالُ
بنفسه يَفِرُ وُفوراً فهو وافر، فهو لازمٌ ومُتَعدِّ(١)
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِىِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
٦٤
فیه ست مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ﴾ أي: استزِلَّ واستخِفَّ(٢)، وأصله القطع،
ومنه تفزَّزَ الثوب إذا انقطع(٣). والمعنى استزِلَّه بقَطْعِكَ إِيَّاه عن الحق. واستفَزَّه الخوفُ
أي: استَخَفَّه. وقعد مُسْتَوْفِزاً أي: غير مطمئن(٤). ((واسْتَفْزِز)) أمر تعجيز، أي: أنت لا
تقدر على إضلال أحد، وليس لك على أحدٍ سلطان فافعل ما شئت.
الثانية: قوله تعالى: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ وصوتُه كلُّ داع يدعو إلى معصية الله تعالى. عن
ابن عباس. مجاهد: الغِناء والمزامير واللهو. الضحاك: صوت المزمار(٥). وكان آدم
عليه السلام أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل، وأولاد قابيل أسفله، وفيهم بناتٌ
حِسان، فَزَمَر اللعين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزَنَوْا. ذكره الغزنويّ. وقيل:
((بصوتك)): بوسوستك(٦).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ﴾ أصل الإجلاب السوقُ بجلبةٍ
(١) تفسير الرازي ٥/٢١ .
(٢) تفسير أبي الليث ٢٧٥/٢، والنكت والعيون ٢٥٥/٣، وزاد المسير ٥٨/٥.
(٣) هذا المعنى لم نجده في معاجم اللغة في ((تفزز)) بزايين، وإنما وجدناه في ((تفزر)) بزايٍ بعدها راء. ينظر
الصحاح (تفزر).
(٤) الصحاح (فزز)، وفي مطبوعه: ((مستفزاً)) بدل ((مستوفزاً)، وهو خطأ، ينظر الصحاح (وفز).
(٥) النكت والعيون ٢٥٥/٣، وأخرج الطبري ١٤ /٦٥٧ قولي ابن عباس ومجاهد.
(٦) تفسير أبي الليث ٢٧٥/٢ .
١١٩
سورة الإسراء: الآية ٦٤
من السائق(١)؛ يقال: أجلبَ إجلاباً.
والجَلَب والجَلَبة: الأصوات، تقول منه: جلَّبوا بالتشديد. وجَلَبَ الشيء يجلِبُه
ويجلُبُه جلَباً وجَلْباً. وجلبتُ الشي إلى نفسي واجتلبته بمعنّى(٢). وأجلب على العدوّ
إجلاباً، أي: جمَّع عليهم(٣). فالمعنى: أجمِعْ عليهم كلَّ ما تقدر عليه من مكايدك (٤).
وقال أكثر المفسرين: يريد كلَّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله تعالى. وقال ابن عباس
ومجاهد وقتادة: إنَّ له خيلاً ورَجْلاً من الجنِّ والإنس، فما كان من راكبٍ وماشٍ
يقاتل في معصية الله فهو من خیل إبليس ورجالته(٥). وروى سعيد بن جبير ومجاهد
عن ابن عباس قال: كلُّ خيلٍ سارت في معصية الله، وكلُّ رجلٍ مَشَتْ في معصية
الله، وكلُّ مالٍ أُصيب من حرام، وكلُّ ولد بَغِيَّةٍ فهو للشيطان(٦). والرَّجْل جمع
راجل، مثلُ صَحْبٍ وصاحب(٧). وقرأ حفص: ((ورَجِلِكَ)) بكسر الجيم وهما لغتان(٨)،
يقال: رَجْلٌ وَرَجِلٌ بمعنى راجل(٩). وقرأ عكرمة وقتادة: ((ورجالك)) على الجمع(١٠).
الرابعة: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اٌلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ أي: اجعل لنفسك شركةً في ذلك.
فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله. قاله الحسن. وقيل: هي التي أصابوها من
غير حِلِّها. قاله مجاهد. ابن عباس: ما كانوا يحرِّمونه من البَحِيرة والسائبة والوَصِيلة
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢٠٥، والنكت والعيون ٢٥٥/٣ .
(٢) الصحاح (جلب).
(٣) تفسير الرازي عن الزجاج ٦/٢١ .
(٤) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢٥٠ .
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٢٠٥/٣، وأخرجه عنهم الطبري ١٤ / ٦٥٨ - ٦٥٩.
(٦) معاني القرآن للنحاس ١٧٣/٤.
(٧) مجاز القرآن ٣٨٤/٣، وغريب القرآن لابن قتيبة ص٢٥٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢٠٥/٣ .
(٨) تفسير البغوي ٣/ ١٢٤، وينظر السبعة ص٣٨٣، والتيسير ص ١٤٠.
(٩) الوسيط للواحدي ١١٦/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ١١٦/٣.
(١٠) المحتسب ٢٢/٢، والقراءات الشاذة ص٧٧ .
١٢٠
سورة الإسراء: الآية ٦٤
والحام. وقاله قتادة. الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. والأولاد قيل: هم أولاد
الزنى. قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس. وعنه أيضاً: هو ما قتلوا من
أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم. وعنه أيضاً: هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العُزَّى
وعبد اللّات وعبد الشمس ونحوه. وقيل: هو صِبغة أولادهم في الكفر حتى هوَّدوهم
ونصَّروهم، كصُنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم. قاله قتادة (١).
وقول خامس - رُويَ عن مجاهد قال: إذا جامع الرجلُ ولم يُسَمِّ انطوى الجانُّ على
إحْلِيله فجامَعَ معه(٢)، فذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌ ﴾
[الرحمن: ٧٤٫٥٦] وسيأتي. ورُويَ من حديث عائشة قالت قال رسول الله﴾: ((إن
فيكم مُغَرِّبين)) قلت: يا رسول الله، وما المغرِّبون؟ قال: ((الذين يشترك فيهم الجِنُّ).
رواه الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)) (٣). قال الهَرَويُّ: سُمُّوا مغرِّبين لأنه دخل
فيهم ◌ِرْقٌ غريب (٤). قال الترمذي الحكيم: فللجِنِّ مساماءٌ(٥) بابن آدم في الأمور
والاختلاط؛ فمنهم من يتزوَّج فيهم، وكانت بِلْقِيسُ ملكة سَبَأ أحدُ أبويها من الجِنّ.
وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى(٦).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: مَنِّهم الأمانيَّ الكاذبة، وأنه لا قيامة ولا
حساب، وأنه إن كان حسابٌ وجنةٌ ونارٌ فأنتم أوْلى بالجنة من غيركم. يقوِّيه قوله
تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرًا﴾ [النساء: ١٢] أي: باطلاً(٧).
(١) النكت والعيون ٢٥٥/٣ - ٢٥٦، وتفسير البغوي ١٢٢/٣، وزاد المسير ٥٨/٥ - ٥٩، وأخرج هذه
الأقوال كلَّها الطبري ١٤ / ٦٦٠ - ٦٦٥ .
(٢) تفسير البغوي ١٢٣/٣ بمعناه عن جعفر بن محمد.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وقد ذكره البغوي ١٢٣/٣ .
(٤) قاله الأزهري في تهذيب اللغة ١١٩/٨ .
(٥) أي: مفاخرة. اللسان (سما).
(٦) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة النمل، في المسألة التاسعة.
(٧) تفسير أبي الليث ٢٧٦/٢ .