النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
قُرْبَى، كما تقدم(١). وذُكِرَ عن ابن عباس وقتادة أنَّ هذا كلَّه منسوخٌ بقوله: ﴿مَا كَانَ
لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾(٢) فإذا كان
والدا المسلم ذِمِّيْن استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا، إلا الترحُمَ لهما بعد موتهما
على الكفر؛ لأن هذا وحده نُسِخَ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع نسخ، فهو
دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيَّين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه
الآية خُصَّ بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل: إنَّ قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا﴾
نزلت في سعد بن أبي وَقَّاص، فإنه أسلم، فألقت أمُّه نفسَها في الرَّمْضاء متجرِّدة،
فذُكِرَ ذلك لسعد، فقال: لِتَمُتْ، فنزلت الآية. وقيل: الآية خاصةٌ في الدعاء للأبوين
المسلمين. والصواب أنَّ ذلك عموم كما ذكرنا، وقال ابن عباس قال النبيّ #: ((من
أمسى مُرْضِياً لوالدَيْه وأصبح، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة، وإن
واحداً فواحداً، ومن أمسى وأصبح مُسْخِطاً لوالديه، أمسى وأصبح وله بابان
مفتوحان إلى النار، وإن واحداً فواحداً)) فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟
قال: ((وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه))(٣). وقد روينا بالإسناد المثَّصل عن جابر بن
عبد الله قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ﴾ فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي.
فقال النبيُّ# للرجل: ((فأُتِني بأبيك)) فنزل جبريل عليه السلام على النبيِّ# فقال: إنَّ
(١) ٣٩٨/١٠ - ٤٠١.
(٢) المحرر الوجيز ٤٤٩/٣ .
(٣) أخرجه هناد في الزهد (٩٩٣) من طريق سعيد بن سنان، عن رجل، عن ابن عباس مرفوعاً. وفي إسناده
رجل مبهم.
وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل ٢١١/٢ من طريق المغيرة بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس
مرفوعاً. ثم قال: قال أبو زرعة: المغيرة لم يسمع من عطاء شيئاً، وهو مرسل. وأخرجه عبد الرزاق في
مصنفه (٢٠١٢٨) من طريق أبان، عن سعد بن مسعود القيسي أو غيره، عن ابن عباس مرفوعاً. أبان:
هو ابن أبي عياش، وهو متروك الحديث. ميزان الاعتدال ١/ ١٠ - ١١، وسعد بن مسعود فيه جهالة،
فقد ذكروا في الرواة عنه اثنين، وذكره ابن حبان في ثقاته ٢٩٦/٤ على عادته في توثيق المجاهيل.
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧) من طريق سليمان التيمي، عن سعد بن مسعود أيضاً، عن ابن
عباس موقوفاً. وتحرف اسم سعد في مطبوعه إلى سعيد.

٦٢
سورة الإسراء: الآيتان ٢٣ - ٢٤
الله عزَّ وجلَّ يُقرِئُكَ السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيءٍ قاله في نفسه
ما سمِعَتْه أُذُناه. فلما جاء الشيخ قال له النبيّ ﴾: «ما بالُ ابنِكَ يشكوك أتريد أن تأخذَ
مالَه؟» فقال: سَلْه يا رسول الله، هل أُنفِقُه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على
نفسي؟! فقال له رسول الله﴾: («إيهِ، دَعْنا من هذا، أخبرني عن شيءٍ قُلتَه في نفسك
ما سمِعَتْه أُذناك)) فقال الشيخ: واللهِ يا رسول الله، ما زال الله عزَّ وجلَّ يزيدنا بِكَ
يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمِعَتْه أُذُناي. قال: ((قُلْ وأنا أسمع)) قال: قلتُ:
تُعَلُّ بما أجْني عليكَ وتُنْهَلُ
غَذَوتُكَ مولوداً ومُنْتُكَ يافِعاً.
لسُقْمِكَ إلا ساهراً أتملْمَلُ
إذا ليلةٌ ضافَتْكَ بالسُّقمِ لم أَبِتْ
طُرِقْتَ به دوني فَعَيْنيَ تَهْمُلُ
كأنِّي أنا المطروقُ دونَكَ بالذي
لَتعلَمُ أنَّ الموتَ وقتٌ مؤجَّلُ
تخافُ الرَّدى نفسي عليكَ وإنَّها
إليها مَدَى ما كنتُ فيك أؤْمِّلُ
فلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ التي
كأنَّكَ أنتَ المُنْعِمُ المتفضِّلُ
جعلتَ جزائي غِلظةً وفَظاظةٌ
فعلتَ كما الجارُ المُصَاقِبُ يفعلُ
فليتَكَ إذ لم تَرْعَ حقَّ أُبوَّتي
عليَّ بمالٍ دون مالِكَ تَبْخَلُ
فأوْليتَني حقَّ الجِوار ولم تكُنْ
قال: فحينئذٍ أخذَ النبيُّ﴾ بتلابيب ابنِه وقال: ((أنتَ ومالُكَ لأبيك))(١). قال
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٦٦)، وفي الصغير (٩٤٧) من طريق عبيد بن خلصة، عن عبد الله بن
نافع المدني، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، به. قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٤/ ١٥٥ : رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه من لم أعرفه، والمنكدر بن محمد
ضعيف وقد وثقه أحمد، والحديث بهذا التمام منكر.
وأخرج ابن ماجه (٢٢٩١) من طريق يوسف بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله،
أن رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي مالاً وولداً، وإنَّ أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: «أنت ومالك
لأبيك)». قال البوصيري: إسناده صحيح، ورجاله ثقات على شرط البخاري. قلنا: ولهذا الحديث شواهد
عدة تنظر في مسند أحمد (٦٦٧٨).
وأما الأبيات فقائلها امرؤ القيس وهي في ديوانه ص ١٨٠ - ١٨١، وفيه في البيت الأول: ((وعِلْتُكَ))
بدل ((ومِنْتُك))، وفي البيت الثاني: ((نابتْكَ بالشَّكوِ)) بدل ((ضافتْكَ بالسقم))، و((لشكواك)) بدل ((لسقمك))،
وفي البيت الرابع: ((وإني لأعلم)) بدل ((وإنها لتعلم))، و((حتمٌ)) بدل ((وقتٌ)).

٦٣
سورة الإسراء: الآيات ٢٣ - ٢٥
الطبرانيُّ اللَّخمِيُّ: لا يُروى - يعني هذا الحديث - عن ابن المُنكدِر بهذا التمام والشعر
إلا بهذا الإسناد، وتفرَّدَ به عُبيد(١) بن خَلَصة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمَّ إِن تَكُونُواْ صَِلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ
٢٢٥
لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ﴾ أي: من اعتقاد الرحمة بهما والحُنوِّ
عليهما، أومن غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر بِرِّهما رياء(٢). وقال ابن
جُبير: يريد البادرة التي تبدُر، كالفَلْتة والزَّلَّة، تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما،
لا يريد بذلك بأساً(٣)؛ قال الله تعالى: ﴿إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ﴾ أي: صادقين في نية البرِّ
بالوالدين فإنَّ الله يغفر البادرة.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا﴾ وعدٌ بالغفران مع شرط الصلاح والأَوْبة
بعد الأَوْبة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى(٤). قال سعيد بن المُسيِّب: هو العبد يتوبُ
ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ ثم يُذْنِبُ. وقال ابن عباس : الأوَّاب: الحفيظُ الذي إذا ذكر
خطاياه استغفر منها. وقال عُبيد بن عُمير: هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء، ثم
يستغفرون الله عزَّ وجلَّ. وهذه الأقوال متقاربة(٥). وقال عَوْن العُقَيْلِيُّ: الأوَّابون: هم
الذين يُصلُّون صلاة الضُّحى(٦). وفي الصحيح: ((صلاةُ الأوَّابين حين تَرْمَضُ
(١) في النسخ: عبيد الله.
(٢) المحرر الوجيز ٤٤٩/٣ .
(٣) أخرجه بمعناه الطبري ١٤/ ٥٥٦ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٤٩/٣ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ١٤٣/٤، وقول سعيد بن المسيب أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٦/١ ،
والطبري ٥٥٨/١٤ - ٥٥٩. وقول عبيد بن عمير أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٥٤٠)، والطبري
٥٦٠/١٤، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٨/٣ .
(٦) أخرجه الطبري ٥٥٨/١٤ .

٦٤
سورة الإسراء: الآيات ٢٥ - ٢٧
الفِصال))(١). وحقيقة اللفظ من آبَ يؤوبُ إذا رجع(٢).
٢٦
قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ أي: كما راعيتَ حقَّ الوالدَيْن فصِلٍ
الرحم، ثم تصدَّقْ على المسكين وابن السبيل(٣). وقال عليُّ بن الحسين في قوله
تعالى: ﴿وَمَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾: هم قرابة النبيِّ ◌َ﴿، أُمِرَ ﴿ بإعطائهم حقوقَهم من بيت
المال(٤). أي: من سهم ذَوِي القربى من الغَزْوِ والغنيمة، ويكون خطاباً لِلؤُلاةِ أو من
قام مقامهم(٥). وألحقَ في هذه الآية ما يتعيَّنُ من صلة الرحم، وسَدِّ الخَلَّةِ، والمواساة
عند الحاجة بالمال، والمعونة بكلِّ وجه (٦).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا نُبَذِّرْ﴾ أي: لا تُسرف في الإنفاق في غير حق(٧). قال
الشافعيُّ : والتبذير: إنفاق المال في غير حقِّه، ولا تبذير في عمل الخير(٨). وهذا
قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك: التبذير: هو أخذ المال من حقِّه ووضعُه في
غير حقِّه، وهو الإِسراف، وهو حرامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ
(١) أخرجه مسلم (٧٤٨) من حديث زيد بن أرقم . رمض الفصال: أن تحترق الرمضاء - وهي الرمل -
فتبرك الفصال من شدة حرها وإحراقها أخفافها. إكمال المعلم ٩٩/٣ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٣٥/٣، ومعاني القرآن للنحاس ١٤٣/٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٠/ ١٩٣.
(٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٥٠، وأخرجه بمعناه الطبري ١٤ / ٥٦٣.
(٥) تفسير الرازي ٢٠/ ١٩٣.
(٦) المحرر الوجيز ٤٥٠/٣.
(٧) أخرجه بمعناه ابن أبي شيبة ٩/ ٩٥، والبخاري في الأدب المفرد (٤٤٤)، والطبري ١٤ / ٥٦٥ - ٥٦٧
عن ابن مسعود ، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤٤٥)، والطبري ١٤ / ٥٦٧ عن ابن عباس ﴾
(٨) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٥/٣ .

٦٥
سورة الإسراء: الآيات ٢٦ - ٢٨
الشَّيَاطِينِّ﴾(١) . وقوله ((إخوان)) يعني أنهم في حكمهم؛ إذِ المبذِّرُ ساعٍ في فسادٍ
كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تُسوِّله لهم أنفسهم، أو أنهم يُقرَنون بهم غداً في النار.
ثلاثة أقوال(٢). والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اُلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ أي:
احذروا متابعته والتشبُّه به في الفساد. والشيطان اسم الجنس. وقرأ الضحاك: ((إخوان
الشيطان)) على الانفراد، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك ﴾(٣).
الثالثة: مَنْ أنفقَ مالَه في الشهوات زائداً على قدر الحاجات وعَرَّضه بذلك للنَّفاد
فهو مبذِّر، ومَنْ أنفقَ رِبْحَ مالِه في شهواته وحَفِظَ الأصلَ أو الرَّقبةَ فليس بمبذِّر، ومَنْ
أنفقَ درهماً فِي حرام فهو مبذُّر، ويُحجر عليه في نفقتِهِ الدرهمَ في الحرام، ولا يُحجَر
عليه إن بذَلُه فِي الشهوات إلا إذا خِيفَ عليه النَّفاد(٤).
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَنْتِغَّةَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا
مَيْسُورًا
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: وهو أنه سبحانه وتعالى خصَّ نبيَّه # بقوله: ﴿وَإِنَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبِغَاءُ رَحْمَةٍ
مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا﴾، وهو تأديبٌ عجيبٌ وقولٌ لطيفٌ بديع، أي: لا تُعرِضْ عنهم إعراضَ
مُستهينٍ عن ظهر الغنى والقدرة فتَحْرِمَهم، وإنما يجوز أن تُعرِضَ عنهم عند عجزٍ
يَعْرِضُ وعائقٍ يعوق، وأنت عند ذلك ترجو من الله سبحانه وتعالى فتح باب الخير
لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحالُ فقُلْ لهم قولاً ميسوراً(٥).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٩١/٣.
(٢) القول الأول ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٤٥٠، والقول الثاني ذكره الواحدي في الوسيط
١٠٥/٣، والقول الثالث ذكره الطبرسي في مجمع البيان ٤٠/١٥.
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٠/٣ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٩١/٣ .
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٦/٣ .

٦٦
سورة الإسراء: الآية ٢٨
الثانية: في سبب نزولها؛ قال ابن زيد: نزلت الآية في قوم كانوا يسألون
رسولَ الله ﴿ فيأبى أن يُعطيّهم؛ لأنه كان يعلم منهم نفقةَ المال في فساد، فكان
يُعرِضُ عنهم رغبةً في الأجر في منعهم؛ لئلا يُعينَهم على فسادهم(١). وقال عطاء
الخراساني في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَّةَ رَحْمَةٍ مِن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ قال: ليس هذا
في ذكر الوالدين، جاء ناسٌ من مُزَيْنَة إلى النبيِّ # يستحملونه، فقال: ((لا أجِدُ ما
أحمِلُكم عليه)) فتوَلَّوْا وأعينُهم تَفيضُ من الدمع حَزَناً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَ
عَنْهُمْ أَبْتِغَّةَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْهُوهَا﴾ والرحمة الفَيْءُ(٢).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ أمره بالدعاء لهم، أي: يَسِّر فقرَهم
عليهم بدعائك لهم. وقيل: ادْعُ لهم دعاءً يتضمنُ الفتحَ لهم والإصلاح(٣). وقيل:
المعنى: ((وإِما تُعرِضَنَّ)) أي: إن أعرضتَ يا محمد عن إعطائهم لضيقِ يدٍ فقُلْ لهم
قولاً ميسوراً، أي: أحسِنِ القولَ وابسُطِ العذر، وادعُ لهم بسَعة الرزق، وقل: إذا
وجدتُ فعلتُ وأكرمتُ؛ فإنَّ ذلك يعمل في مَسَرَّة نفسِه عملَ المواساة(٤). وكان عليه
الصلاة والسلام إذا سُئِلَ وليس عنده ما يُعطي سكت انتظاراً لرزقٍ يأتي من الله
سبحانه وتعالى كراهةَ الرَّدِّ، فنزلت هذه الآية، فكان ﴿ إذا سُئِلَ وليس عنده ما يُعطي
قال: ((يرزقُنا اللهُ وإياكم من فضله))(٥). فالرحمة على هذا التأويل: الرزق المنتظر.
وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة. والضمير في ((عنهم)) عائدٌ على من تقدَّم
ذِكْرُهم من الآباء والقرابة والمساكين وأبناء السبيل(٦). و﴿قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ أي: ليِّناً لطيفاً
(١) المحرر الوجيز ٤٥٠/٣ .
(٢) زاد المسير ٢٨/٥، وينظر ما تقدم ٣٣٤/١٠.
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٠/٣ .
(٤) تفسير الرازي ٢٠/ ١٩٤ بمعناه.
(٥) معاني القرآن للزجاج ٢٣٥/٣ - ٢٣٦، والحديث أورده الديلمي في الفردوس ٣٢٢/١ من حديث
عائشة، و ٢٦/٥ من حديث أنس.
(٦) المحرر الوجيز ٣/ ٤٥٠، وتفسير الرحمة هنا بأنها الرزق المنتظر أخرجه الطبري ١٤/ ٥٧٠ - ٥٧١ عن
مجاهد، وهو في تفسيره ١/ ٣٦١ .

٦٧
سورة الإسراء: الآيتان ٢٨ - ٢٩
طيباً، مفعول بمعنى الفاعل، من لفظ اليسر كالميمون، أي: وعداً جميلاً(١)، على ما
بيَّنَّاه. ولقد أحسن من قال:
للسائلين فإني ليِّنُ العُودِ
إلَّا تكن وَرِقٌ يوماً أجودُ بها
إمّا نَوالي وإمَّا حسنُ مردودي(٢)
لا يَعْدَمُ السائلون الخيرَ من خُلقي
تقول: يَسَّرتُ لك كذا إذا أعددته(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اٌلْبَسْطِ فَنَفْعُدَ
مَلُومًا نَّحْسُورًا
(٢٩)
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدََكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ هذا مَجازٌ عَبَّر به عن
البخيل الذي لا يقدِرُ من قلبه على إخراج شيءٍ من ماله، فضربَ له مثلَ الغُلِّ الذي
يمنع من التصرف باليد. وفي ((صحيح البخاري)) ومسلم عن أبي هريرة ﴾ قال: ضرب
رسولُ اللـه * مَثَلَ البخيلِ والمتصدِّقِ كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديدٍ قد
اضْطَرَّت أيدِيَهما إلى تُدِيِّهما وتَراقيهما، فجعلَ المتصدِّق كلَّما تصدَّقَ بصدقةٍ انبسطت
عنه حتى تَغْشَى أنامِلَه وتَعْفُوَ أثرَه، وجعل البخيلُ كلَّما هَمَّ بصدقةٍ قَلَصت وأخذت كلُّ
حَلْقٍ بمكانها. قال أبو هريرة : فأنا رأيتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقول بأصبعيه هكذا في
جيْبه، فلو رأيتَه يُوَسِّعها ولا تتوسَّع (٤).
(١) النكت والعيون ٢٣٩/٣، والوسيط للواحدي ١٠٥/٣، والمحرر الوجيز ٤٥٠/٣، وزاد المسير
٢٩/٥.
(٢) البيتان في الكامل ٣/ ١٠٧٢ دون نسبة.
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٠/٣ .
(٤) صحيح البخاري (٥٧٩٧) واللفظ له، وصحيح مسلم (١٠٢١). وأخرجه أحمد (٩٠٥٧). ووقع في
بعض الروايات لهذا الحديث عند مسلم وغيره: ((جُنَّتان)) بدل ((جُبَّتان)) ووقع في بعضها الآخر بالوجهين
على أنه شك من بعض الرواة؛ قال السندي في حاشية على مسند أحمد ٤٥٤/١٢: الجُبَّة بالباء: هو
ثوب مخصوص، والجُنَّة بالنون: هي الدرع، وصُوِّب النون؛ لقوله: ((من حديد))، ولقوله: ((اتسعت =

٦٨
سورة الإسراء: الآية ٢٩
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ضربَ بَسْطَ اليد مثلاً لذهاب
المال، فإنَّ قَبْضَ الكفِّ يحبِسُ ما فيها، وبَسْطَها يُذهِبُ ما فيها، وهذا كلُّه خطابٌ
للنبيِّ﴾ والمرادُ أُمَّتُه، وكثيراً ما جاء في القرآن؛ فإن النبيَّ ﴾ لمَّا كان سيِّدَهم
وواسِطتَهم إلى ربِّهم عَبَّر به عنهم على عادة العرب في ذلك(١). وأيضاً فإنه عليه
الصلاة والسلام لم يكن يدَّخِرُ شيئاً لغد، وكان يجوع حتى يشُذَّ الحجرَ على بطنه
من الجوع، وكان كثيرٌ من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم، فلم يُعنِّفْهمُ
النبيُّ ◌َ﴿ ولم يُنكِرْ عليهم؛ لصحة يقينهم وشِدَّة بصائرهم، وإنما نهى الله سبحانه
وتعالى عن الإفراط في الإنفاق، وإخراج ما حَوَتْه يدُه من المال مَنْ خِيفَ عليه
الحسرةُ على ما خرج من يده، فأما مَنْ وَثِقَ بموعودِ الله عزَّ وجلَّ وجزيلٍ ثوابه فيما
أنفقه فغيرُ مُرادٍ بالآية، والله أعلم(٢). وقيل: إنَّ هذا الخطاب للنبيِّ﴿ في خاصَّة
نفسه، علَّمه فيه كيفية الإنفاق، وأمره بالاقتصاد(٣). قال جابر وابن مسعود: جاء غلامٌ
إلى النبيِّ﴾ فقال: إنَّ أمي تسألُكَ كذا وكذا. فقال: ((ما عندنا اليوم شيء)). قال:
فتقول لك: اڭسُني قميصك. فخلع قميصه فدفعه إليه، وجلس في البيت عرياناً. وفي
رواية جابر: فأذَّنَ بلالٌ للصلاة وانتظروا رسولَ الله﴾ فلم (٤) يخرج، واشتغلتٍ
القلوب، فدخل بعضُهم فإذا هو عارٍ؛ فنزلت هذه الآية (٥). وكلُّ هذا في إنفاق الخير،
وأما إنفاق الفساد فقليلُه وكثيرُه حرام، كما تقدَّم (٦).
الثالثة: نهت هذه الآية عن استفراغ الوُجْدٍ فيما يطرأ أولاً من سؤال المؤمنين؛
= الحلقة))، نعم، إطلاق الجُبَّة على الجُنَّة بالنون مجازاً غير بعيد. وقوله: تعفو أثره: تستر أثره.
قلصت: تضامّت واجتمعت. فتح الباري ٣٠٦/٣ .
(١) من بداية المسألة الأولى إلى هنا من أحكام القرآن لابن العربي ١١٩٢/٣.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٩٩/٣، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٧/٣.
(٣) أحكام القرآن للطبري ٢٥٨/٣ .
(٤) كلمة ((فلم)) من (ظ).
(٥) زاد المسير ٢٩/٥ - ٣٠، والروايتان لم نقف على من أخرجهما.
(٦) المحرر الوجيز ٤٥١/٣، وقد تقدم عند تفسير الآية (٢٦) من هذه السورة.

٦٩
سورة الإسراء: الآيات ٢٩ - ٣١
لئلا يبقى مَنْ يأتي بعد ذلك لا شيءَ له، أو لئلا يُضيِّعَ المُنفِقُ عيالَه. ونحوُه من كلام
الحكمة: ما رأيتُ قظُ سَرَفاً إلا ومعه حقٌّ مُضَيَّعٌ. وهذه من آيات فقه الحال، فلا يُبَيَّنُ
حكمُها إلا باعتبار شخصٍ من الناس(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَّحْسُورًا﴾ قال ابن عرفة: يقول: لا تُسرِفْ ولا
تُتْلِفْ مالَكَ فتبقى محسوراً منقطعاً عن النفقة والتصرف، كما يكون البعير الحسير،
وهو الذي ذهبت قوَّتُه فلا انبعاثَ به؛ ومنه قوله تعالى: ﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ
حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] أي: كليل منقطع(٢). وقال قتادة: أي: نادماً على ما سلف
منك(٣). فجعله من الحسرة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الفاعل من الحسرة حَسِرٌ وحسران، ولا
يُقال: محسور. والملوم: الذي يُلام على إتلاف ماله، أو يلومُه مَنْ لا يُعطيه(٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيًّا
بَصِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
خِطْئًا كَبِيرًا ﴾﴾
فيه مسألتان :
الأولى: قد مضى الكلام في هذه الآية في الأنعام(٥)، والحمد لله. والإملاق:
الفقر وعدم الملك. أملقَ الرجلُ أي: لم يبق له إلا الملَقات؛ وهي الحجارةُ العِظامُ
المُلْس(٦). قال الهُذَليُّ يصف صائداً :
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٤٥١، والحكمة التي ذُكرت قائلها معاوية بن أبي سفيان كما ذكر الجاحظ في البيان
والتبيين ٢٦٧/٣ .
(٢) وبنحوه قال الفراء في معاني القرآن ١٢٢/٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٧/١، والطبري ١٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦.
(٤) تفسير البغوي ١١٣/٣ بمعناه.
(٥) ٩ / ١٠٧ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٥١/٣ .

٧٠
سورة الإسراء: الآيتان ٣٠ - ٣١
أُتِيحَ لها أُقَيْدِرُ ذو حَشِيفٍ إذا سامَتْ على الملَقَاتِ ساما
الواحدة مَلَقةٍ (١). والأُقَيْدر تصغير الأقدر، وهو الرجل القصير. والحَشِيف من
الثياب: الخَلَق. وسامت: مرَّت(٢). وقال شَمِر: أملَقَ لازمٌ ومتعدٍّ، أملق إذا افتقر،
وأملق الدهر ما بيده. قال أوس :
وأَمْلَق ما عندي خطوبٌ تَنَبَّلُ(٣)
الثانية: قوله تعالى: ﴿خِطْئًا﴾ قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء
وبالهمزة والقصر. وقرأ ابن عامر: ((خَطَأَ)) بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي
قراءة أبي جعفر يزيد(٤). وهاتان قراءتان مأخوذتان من ((خطئ)) إذا أتى الذنب على
عمد(٥). قال ابن عرفة: يُقال: خَطِئ في دينه (٦) خَطَأَ إذا أثِمَ فيه، وأخطأ: إذا سلكَ
سبيلَ خَطَأٍ عامداً أو غيرَ عامد(٧). قال: ويقال: خَطِئَ في معنى أخطأ (٨). وقال
الأزهري: يقال خَطِئَ يخطأ خِطْئاً إذا تعمَّد الخطأ؛ مثلُ أثِم يَأثم إثماً، وأخطأ إذا لم
يتعمَّد، إخْطاءً وخَطَأَ (٩)؛ قال الشاعر:
عليَّ وإنَّ ما أهلكتُ مالُ(١٠)
دَعِيني إنما خَظْئي وصَوْبي
(١) تهذيب اللغة ٩/ ١٨٢، والهذلي هو صخر الغي، والبيت في ديوان الهذليين ٦٣/٢.
(٢) اللسان (قدر).
(٣) تهذيب اللغة ٩/ ١٨٢ ، وهذا عجزُ بيتٍ صدرُه:
((ولما رأيتُ العُدْمَ قَيِّدَ نائلي)) وهو في ديوان أوس بن حجر ص٩٤ .
(٤) السبة ص٣٧٩ - ٣٨٠، والتيسير ص١٣٩ - ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢، وسيذكر المصنف أن ابن كثير
- وهو من السبعة - كان يقرؤها: ((خِطاءً)).
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٤٧.
(٦) في (م) و(د): ذنبه.
(٧) نقله عن ابن عرفة الصغانيُّ في العباب الزاخر واللباب الفاخر (خطأ).
(٨) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: ٣٧٦/١ : خطئِتَ وأخطأتَ لغتان.
(٩) تهذيب اللغة ٤٩٦/٧ - ٤٩٧ بمعناه.
(١٠) قائله أوس بن غَلفاء كما في طبقات فحول الشعراء ١٦٧/١، وخزانة الأدب ٣١٣/٨، وعندهما:
((ذريني)) بدل ((دعيني))، وفي الخزانة: ((أنفقت)) بدل ((أهلكت)).

٧١
سورة الإسراء: الآيتان ٣٠ - ٣١
والخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء، وهو ضدُّ الصواب(١). وفيه لغتان: القصر
وهو الجيد، والمدُّ وهو قليل. ورُويَ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ((خَطْأَ))
بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة(٢). وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومدّ
الهمزة(٣). قال النحاس: ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً (٤)، ولذلك جعلها أبو حاتم
غلطاً. قال أبو عليّ: هي مصدرٌ من خاطَأً يُخاطِئُ، وإن كُنَّا لا نجِدُ خاطأ، ولكن
وجدنا تخاطأ، وهو مطاوعُ خاطأ، فدلَّنا عليه؛ ومنه قول الشاعر:
تَخَاطَأتِ النَّبْلُ أحشاءَهُ وأخَّرَ يومي فلم أَعْجَلٍ
وقول الآخر في وصف مَهاةٍ :
تخاطأهُ القَنَّاصُ حتى وجدتُهُ وخرطومُه في مَنْقِعِ الماءِ راسبُ (٥)
الجوهري: تخاطأه أي: أخطأه؛ وقال أوفى بن مطر المازني:
بأنَّ خليلَكَ لم يُقتَلِ
ألَا أبْلِغا خُلَّتي جابراً
وأخَرَ يومي فلم يَعْجَلٍ(٦)
تخاطأتِ النَّبْلُ أحشاءَهُ
وقرأ الحسن: ((خَطَاءً)) بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة. قال أبو حاتم: لا
يُعرف هذا في اللغة، وهي غلطٌ غيرُ جائز(٧). وقال أبو الفتح(٨): الخطأ من أخطأتُ
بمنزلة العطاء من أعطيتُ، هو اسم بمعنى المصدر. وعن الحسن أيضاً: ((خَطَى)) بفتح
(١) تقدم عند المصنف ٨/٧ - ٩ .
(٢) هذه القراءة ذكرها ابن جني في المحتسب ١٩/٢ عن ابن عامر.
(٣) السبعة ص٣٧٩، والتيسير ص١٣٩.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٤٧ بمعناه.
(٥) الحجة في القراءات لأبي علي الفارسي ٩٦/٥ - ٩٧ بمعناه، ومن قوله قرأ ابن كثير إلى هذا الموضع
في المحرر الوجيز ٤٥٢/٣، والبيت الأول قائله أوفى بن مطر كما سيأتي، والبيت الثاني قائله رجلٌ
من بني بكر كما نسبه الراغب الأصبهاني في محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء ٢/ ٦١٢ .
(٦) الصحاح (خطأ)، والبيتان في كتاب الأمثال للمفضل الضبي ص٦٨ .
(٧) المحرر الوجيز ٤٥٢/٣ .
(٨) في المحتسب ٢/ ٢٠ .

٧٢
سورة الإسراء: الآيات ٣٠ - ٣٣
الخاء والطاء منوّنةً من غير همز(١).
٣٢
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ أَلْزِنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
فيه مسألة واحدة:
قال العلماء: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوْ اُلزٌِّ﴾ أبلَغُ من أن يقول: ولا تزنوا؛ فإنَّ
معناه: لا تدنوا من الزنى.
والزنى يُمَدُّ ويُقصر، لغتان. قال الشاعر:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزِّناءُ فريضةَ الرَّجْم (٢)
و﴿سَبِيلًا﴾ نصب على التمييز؛ التقدير: وساء سبيلُه سبيلاً. أي: لأنه يؤدِّي إلى
النار(٣). والزنى من الكبائر، ولا خلافَ فيه وفي قُبحه ولا سيما بحليلة الجار، وينشأ
عنه استخدام ولد الغير واتخاذُه ابناً وغيرُ ذلك من الميراث وفساد الأنساب باختلاط
المياه. وفي الصحيح أنَّ النبيَّ ﴾ أتَى بامرأةٍ مُجِحٌّ على باب فُسطاطِ فقال: ((لعلَّه يريد
أن يُلِمّ بها)) فقالوا: نعم. فقال رسول الله ﴾: (لقد هَمَمْتُ أن ألْعَنه لَعْناً يدخل معه
قبرَه، كيف يُوَرِّئُه وهو لا يَحِلُّ له؟! كيف يستخدمه وهو لا يَحِلُّ له؟!))(٤).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣)
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّ بِآلْحَقِّ﴾ قد مضى الكلام فيه في
(١) المحرر الوجيز ٤٥٢/٣
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨، والبيت قائله النابغة الجعدي، وهو في ديوانه ص٢٣٥ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٥١/٣ .
(٤) صحيح مسلم (١٤٤١) من حديث أبي الدرداء . وأخرجه أحمد (٢٧٥١٩). قال السندي في حاشيته
على المسند: قوله: ((مُجِحٌ)): هي القريبة الولادة. ((يُلِمُّ بها)) من الإلمام، أي: يجامعها قبل الاستبراء.
((كيف يورثه)) من التوريث، أي: كيف يجعل ما في بطنها وارثاً له، أي: ربما تأتي بمولود في مدة
يشتبه أن الولد له، أو للزوج السابق، وحينئذ لا يحل التوريث لاحتمال أن لا يكون منه، ولا الاستخدام
لاحتمال أنه منه، والحاصل أنه إذا اشتبه الأمر فلا يحلُّ له أن يدعوه ابناً ولا عبداً.

٧٣
سورة الإسراء: الآية ٣٣
الأنعام(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ
منصُورًا﴾ فیه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ فُئِلَ مَظْلُوْمًا﴾ أي: بغير سببٍ يوجب القتل(٢). ﴿فَقَدْ
جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ﴾ أي: لمستحِقٌّ دمِه(٣).
قال ابن خُوَيْز مَنْداد: الوليُّ يجب أن يكون ذكراً؛ لأنه أفرده بالولاية بلفظ
التذكير.
وذكر إسماعيل بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ ﴾ ما يدلُّ على
خروج المرأة عن مطلق لفظ الوليِّ، فلا جَرَم، ليس للنساء حقٌّ في القصاص لذلك
ولا أثرَ لعَفْوِها، وليس لها الاستيفاء(٤).
وقال المخالف: إنَّ المراد هاهنا بالولي الوارث؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْفُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن
وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهَّ﴾
[الأنفال: ٧٥] فاقتضى ذلك إثباتَ القَوَدِ لسائر الورثة(٥)، وأمَّا ما ذكروه من أنَّ الوليّ
في ظاهره على التذكير وهو واحد، كأنَّ ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر
والمؤنث فيه(٦)، وتتمته في كتب الخلاف.
﴿سُلْطَاناً﴾ أي: تسليطاً، أي: إن شاءَ قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدِّية.
(١) ١٠٩/٩ .
(٢) النكت والعيون ٢٤٠/٣ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢٣٧/٣، وزاد المسير ٣٢/٥.
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٩/٣
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٢٠١/٣، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٢٥٩/٣ - ٢٦٠.
(٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٢٦٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٩٥/٣.

٧٤
سورة الإسراء: الآية ٣٣
قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأشهب والشافعي. وقال ابن وهب:
قال مالك: السلطانُ أمر الله. ابن عباس: السلطان: الحُجَّة. وقيل: السلطان: طلبه
حتى يدفع إليه. قال ابن العربي: وهذه الأقوال متقاربة، وأوضحها قول مالك: إنه أمر
الله، ثم إنَّ أمرَ الله عزَّ وجلَّ لم يقَعْ نَصًّا، فاختلف العلماء فيه، فقال ابن القاسم عن
مالك وأبي حنيفة: القتل خاصَّةً. وقال أشهب [عنه]: الخيرة؛ كما ذكرنا آنفاً، وبه
قال الشافعيُّ (١). وقد مضى في سورة البقرة(٢) هذا المعنى.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَ يُسْرِفِ فِىِ الْقَتْلِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: لا يَقتلْ غيرَ قاتله.
قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير. الثاني: لا يَقتلْ بدل وَلِيِّه اثنين كما
كانت العرب تفعله. الثالث: لا يُمثِّل بالقاتل. قاله طَلْق بن حبيب. وكلُّه مرادٌ؛ لأنه
إسرافٌ منهيٍّ عنه(٣). وقد مضى في ((البقرة)) القول في هذا مستوفّى.
وقرأ الجمهور ((يُسْرِف)) بالياء(٤)، يريد الولي(٥)، وقرأ ابن عامر وحمزة
والكسائي: ((تسرف)) بالتاء من فوق، وهي قراءة حُذيفة(٦). وروى العلاء بن عبد
الكريم عن مجاهد قال: هو للقاتل الأوّل، والمعنى عنده(٧): فلا تسرف أيها
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٩٦/٣ - ١١٩٧، ولم يعزُ القول الأول لابن عباس، وما بين حاصرتين
منه. والقول الأول أخرجه الطبري ٥٨٣/١٤ عن ابن عباس والضحاك.
(٢) ٦٤/٣ وما بعدها.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٩٧، وعزا القول الأول إلى الحسن وحده، والقول الثاني إلى
مجاهد. وقد أخرج ابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٣، والطبري ١٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦ القول الأول والثالث عن طلق
ابن حبيب، وأخرجهما أيضاً عبد الرزاق في تفسيره ٣٧٧/١، والطبري ١٤/ ٥٨٧ عن قتادة. وأما القول
الثاني فأخرجه عبد الرزاق ٣٧٧/١، وابن أبي شيبة ٩/ ٤٢٣، والطبري ١٤ /٥٨٦ عن سعيد بن جبير.
(٤) السبعة ص ٣٨٠ .
(٥) معاني القرآن للفراء ١٢٣/٢، والنكت والعيون ٢٤٠/٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٥٣/٣، وينظر السبعة ص ٣٨٠، والنشر ٣٠٧/٢ وذكر أنها قراءة خلفٍ ولم يذكر
ابن عامر، وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ١٢٣/٢ هذه القراءة بإسنادها عن حذيفة.
(٧) في (م) و(د): عندنا.

٧٥
سورة الإسراء: الآيتان ٣٣ - ٣٤
القاتل(١). وقال الطبريُّ: هو على معنى الخطاب للنبيِّ﴾ والأئمة من بعده. أي: لا
تقتلوا غير القاتل(٢). وفي حرف أُبَيِّ: ((فلا تُسرِفوا في القتل))(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ أي: مُعاناً، يعني الوليَّ. فإن قيل: وكم
من وَلِيٍّ مخذولٍ لا يصلُ إلى حقِّه. قلنا: المعونةُ تكون بظهور الحجة تارةً وباستيفائها
أخرى، وبمجموعهما ثالثةً، فأيُّها كان فهو نصرٌ من الله سبحانه وتعالى (٤).
وروى ابن كثير عن مجاهد قال: إن المقتول كان منصوراً. النحاس: ومعنى
قوله: إن الله نصره بوليّه. وروى أنه في قراءة أبَيِّ ((فلا تسرِفوا فِي القتلِ إِن وَلِيّ
المقتول كان منصوراً)). قال النحاس: الأبْيَنُ بالياء ويكون للوليّ؛ لأنه إنما يقال: ((لا
يُسرِفْ)) لمن(٥) كان له أن يقتلُ، فهذا للوليّ. وقد يجوز بالتاء ويكون للوليِّ أيضاً، إلا
أنه يحتاج فيه إلى تحويل المخاطبة(٦).
قال الضحاك: هذا أوَّلُ ما نزل من القرآن في شأن القتل، وهي مكية (٧).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ
بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
٣٤
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قد
مضى الكلام فيه في الأنعام(٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ١/ ١٥١.
(٢) نقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥٣/٣، وينظر تفسير الطبري ١٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦ .
(٣) معاني القرآن للفراء ١٢٣/٢، وهي قراءة شاذة.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٩٧/٣ .
(٥) في (م) و(د): إن.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٥١ - ١٥٢.
(٧) أخرجه الطبري ١٤ / ٥٨٦ .
(٨) ٩ / ١١١ - ١١٣.

٧٦
سورة الإسراء: الآيتان ٣٤ - ٣٥
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِلْعَهْدِّ﴾ قد مضى الكلام فيه في غير موضع(١). قال
الزَّجَّاج: كلُّ ما أمر الله به ونَهى عنه فهو من العهد(٢). ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَنْشُولاً﴾
عنه، فحذف؛ كقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ به. وقيل: إنَّ العهدَ يُسألُ تبكيتاً لناقضه،
فيُقال: نُقِضْتَ، كما تُسأَلُ المَوْؤُودة تبكيتاً لوائدها(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَوْقُوْ اَلْكْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَوْقُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ تقدَّم الكلام فيه أيضاً في الأنعام(٤).
وتقتضي هذه الآية أنَّ الكيل على البائع، وقد مضى في سورة (يوسف))(٥) فلا معنى
للإِعادة. والقُسطاس (بضم القاف وكسرها): الميزان بلغة الروم. قاله ابن عَزيز(٦).
وقال الزَّجَّاج: القسطاس: الميزان صغيراً كان أو كبيراً. وقال مجاهد: القسطاس:
العدل، وكان يقول: هي لغة رومية، وكأنَّ الناس قيل لهم: زِنوا بمَعْدِلَةٍ في وزنكم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ((القُسطاس))
بضمِّ القاف، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر القاف، وهما لغتان(٧).
الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وفاءُ الكيل وإقامةُ الوزن خيرٌ
(١) ينظر ٨/٢ و١١٥/٩.
(٢) نقله عنه الواحدي في الوسيط ١٠٧/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤/٥.
(٣) تفسير الرازي ٢٠٦/٢٠ .
(٤) ٩ / ٢١٤ .
(٥) ٤٤٠/١١ .
(٦) وذكره أبو الليث في تفسيره ٢٦٨/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤/٥.
(٧) المحرر الوجيز ٤٥٥/٣، لكنه لم ينسب القول الأول في معنى القسطاس إلى الزجاج، والذي قاله
الزجاج في معاني القرآن ٢٣٨/٣: القسطاس: ميزان العدل، أيُّ ميزانٍ كان من موازين الدراهم أو
غيرها. وقول مجاهد في تفسيره ١/ ٣٦٢ . وتنظر القراءتان في السبعة ص ٣٨٠، والتيسير ص ١٤٠.

٧٧
سورة الإسراء: الآيتان ٣٥ - ٣٦
عند ربك وأبرك. ((وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) أي: عاقبة(١). قال الحسن: ذُكِرَ لنا أنَّ رسول الله ﴾
قال: ((لا يقدِرُ رجلٌ على حرام ثم يَدَعُه ليس به(٢) إلا مخافةُ الله تعالى إلا أبدلَه اللهُ
في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَاَلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ
كَنَ عَنْهُ مَسْئُولًا
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ﴾ أي: لا تتبَعْ ما لا تعلم ولا يَعنِيكَ(٤). قال
قتادة: لا تقُلْ: رأيتُ، وأنتَ لم ترَ، وسمعتُ، وأنت لم تسمع، وعلمتُ، وأنت لم
تعلم(٥). وقاله ابن عباس رضي الله عنهما (٦). وقال مجاهد: لا تَرْم أحداً بما ليس لك
به علم(٧). وقاله ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً(٨). وقال محمد ابن الحنفية: هي شهادة
الزور(٩). وقال القُتَبِيُّ: المعنى: لا تُتبعه الحَدْسَ والظُّنون(١٠). وكلها متقاربة. وأصل
القَفْوِ البَهْتُ والقذفُ بالباطل(١١)؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((نحن بنو النضر
(١) عزاه في الدر المنثور ١٨٢/٤ إلى سعيد بن جبير.
(٢) في (م) و(د): لديه.
(٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٩٣ ولكن من طريق قتادة، عن ابن عباس، مرفوعاً. وإسناده منقطع؛ لأن قتادة لم
يسمع من أحدٍ من الصحابة سوى أنس بن مالك. المراسيل ص١٣٩ .
(٤) تفسير الطبري ١٤ / ٥٩٤ .
(٥) أخرجه الطبري ١٤ / ٥٩٤ .
(٦) زاد المسير ٣٥/٥ .
(٧) تفسير مجاهد ٣٦٣/١، وذكره النحاس في معاني القرآن ١٥٥/٤ - ١٥٦، وأخرجه الطبري
٥٩٤/١٤ - ٥٩٥.
(٨) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٩٤ .
(٩) ذكره النحاس أيضاً ١٥٥/٤، وأخرجه الطبري ١٤ / ٥٩٤ .
(١٠) غريب القرآن ص٢٥٤ .
(١١) تفسير الطبري ١٤/ ٥٩٥ بمعناه.

٧٨
سورة الإسراء: الآية ٣٦
ابن كنانة لا نَقفو أُمَّنا، ولا ننتفي من أبينا))(١) أي: لا نَسُبُّ أُمَّنا. وقال الكُمَيت:
فلا أرمي البريء بغير ذنبٍ ولا أَقْفُو الحواصِنَ إن قُفينا (٢)
يقال: قَفَوْتُه أقْفُوه، وقُفْتُه أَقُوفُه، وقَقَّيتُه إذا اتَّبَعتُ أثره(٣). ومنه القافة؛ لتتبعهم
الآثار(٤). وقافية كلِّ شيء آخره، ومنه قافية الشِّعر؛ لأنها تقفو البيت(٥). ومنه اسمُ
النبيِّ ◌َ﴿ المُقَفِّي؛ لأنه جاء آخر الأنبياء. ومنه القائف، وهو الذي يتبع أثر الشَّبَه.
يقال: قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك(٦). وتقول: فَقَوْتُ الأثر، بتقديم الفاء على
القاف. ابنُ عطية: ويشبه أن يكون هذا من تلغُبِ العرب في بعض الألفاظ، كما
قالوا: رَعَمْلي في لَعَمْري. وحكى الطبريُّ عن فرقةٍ أنها قالت: قَفا وقافَ مثل عَثا
وعاثَ. وذهب منذر بن سعيد إلى أنَّ قَفا وقافَ مثلُ جَبَذَ وجَذَبَ. وبالجملة فهذه الآية
تنهى عن قول الزُّور والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة. وقرأ بعض
الناس فيما حكى الكسائي ((تَقُفْ)) بضم القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح: ((والفَآد)»
بفتح الفاء، وهي لغةٌ لبعض الناس، وأنكرها أبو حاتم وغيره(٧).
الثانية: قال ابن خُوَيْزِ منداد: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة؛ لأنه لمَّا قال:
﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلٌَّّ﴾ دلَّ على جواز ما لنا به علم، فكلُّ ما عَلِمه الإنسان أو
غلب على ظنّه جاز أن يحكم به، وبهذا احتججنا على إثبات القُرْعة والخَرْص؛ لأنه
ضربٌ من غَلَبة الظنِّ، وقد يُسَمَّى علماً اتساعاً. فالقائف يُلحِقُ الولد بأبيه من طريق
الشبه بينهما، كما يُلحِقُ الفقيهُ الفرعَ بالأصل من طريق الشَّبَه. وفي الصحيح عن
(١) أخرجه أحمد (٢١٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦١٢) من حديث الأشعث بن قيس ﴾
(٢) ذيل ديوان الكميت ص٤٦٦ . الحواصن جمع حصان: وهي المرأة العفيفة المتزوجة. اللسان (حصن).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٠٠.
(٤) تفسير البغوي ١١٤/٣ .
(٥) تهذيب اللغة ٩/ ٣٢٧ .
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٠٠.
(٧) المحرر الوجيز ٤٥٦/٣، وهي قراءة شاذة. وقول الطبري في تفسيره ١٤/ ٥٩٦ .

٧٩
سورة الإسراء: الآية ٣٦
عائشة: أنَّ رسول اللـه ﴾ دخل عليَّ مسروراً تَبْرُقُ أساريرُ وجْهِه، فقال: ((ألم تَرَيْ أنَّ
مُجَزِّزاً نظرَ إلى زيد بن حارثة وأسامةً بن زيد عليهما قَطيفةٌ قد غَطَّيا رؤوسَهما وبَدَتْ
أقدامُهما فقال: إنَّ بعض هذه الأقدام لَمِنْ بعض»(١). وفي حدیث یونس بن یزید:
وكان مُجَزِّزٌ قائفاً(٢).
الثالثة: قال الإمام أبو عبد الله المازَرِيُّ: كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة
لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيضَ من القطن، هكذا ذكره أبو داود عن
أحمد بن صالح. قال القاضي عياض: وقال غيرُ أحمد: كان زيدٌ أزهرَ اللون، وكان
أسامةُ شديدَ الأُدْمة، وزيد بن حارثة عربيٍّ صريحٌ من کَلْب، أصابه سِباء(٣)، حسبما
يأتي في سورة الأحزاب (٤) إن شاء الله تعالى.
الرابعة: استدلَّ جمهور العلماء على الرجوع إلى القافة عند التنازع في الولد
بسرور النبيِّ ﴿ بقول هذا القائف، وما كان عليه السلام بالذي يُسَرُّ بالباطل ولا يُعجِبُه.
ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة وإسحاق والثَّوريُّ وأصحابُهم، متمسكين بإلغاء النبيِّ ﴾
الشَّبَه في حديث اللِّعان(٥)؛ على ما يأتي في سورة النور(٦) إن شاء الله تعالى.
الخامسة: واختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخَذُ بذلك في أولاد الحرائر
والإماء أو يختصُّ بأولاد الإماء، على قولين: فالأوّل: قول الشافعيِّ ومالكِ
رضي الله عنهما في رواية ابن وهب عنه، ومشهورُ مذهبه قَصْرُه على ولد الأَمَة،
والصحيح ما رواه ابن وهب عنه وقاله الشافعيُّ ﴾؛ لأن الحديث الذي هو الأصل
في الباب إنما وقع في الحرائر، فإن أسامة وأباه حُرَّان فكيف يُلْغَى السببُ الذي خُرِّج
(١) صحيح البخاري (٦٧٧١)، وصحيح مسلم (١٤٥٩): (٣٩). وأخرجه أحمد (٢٤٠٩٩).
(٢) صحيح مسلم بإثر الرواية (١٤٥٩): (٤٠).
(٣) إكمال المعلم ٤/ ٦٥٦ .
(٤) عند تفسير الآية (٤).
(٥) المفهم ٤/ ٢٠٠ .
(٦) عند تفسير الآية (١٠).

٨٠
سورة الإسراء: الآية ٣٦
عليه دليلُ الحكم وهو الباعثُ عليه، هذا مما لا يجوز عند الأصوليين. وكذلك
اختلف هؤلاء، هل يُكتفَى بقول واحدٍ من القافة أو لابُدَّ من اثنين لأنها شهادة،
وبالأوّل قال ابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصُّه. وبالثاني قال مالكٌ والشافعيُّ رضي
الله عنهما (١).
السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي:
يُسألُ كلُّ واحدٍ منهم عما اكتسب، فالفؤاد يُسأل عما افتكر فيه واعتقده، والسمع
والبصر عما رأى من ذلك وسمع(٢). وقيل: المعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى يسأل
الإنسان عما حواه سمعُه وبصرُه وفؤادُه(٣)؛ ونظيره قوله﴾: ((كلُّكم راع وكلُّكم
مسؤولٌ عن رعيَّته))(٤) فالإنسان راعٍ على جوارحه، فكأنَّه قال: كلُّ هذه كان الإنسان
عنه مسؤولاً، فهو على حذف مضاف. والمعنى الأول أبلَغُ في الحُجَّة؛ فإنه يقع
تكذيبُه من جوارحه، وتلك غاية الخزي، كما قال: ﴿ الْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَِهِمْ وَتُكَلِمُنََّ
أَيَدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ
وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠].
وعبَّر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك؛ لأنها حواسُّ لها إدراك، وجعلها في
هذه الآية مسؤولة، فهي حالةُ من يعقل؛ فلذلك عبَّر عنها بأولئك. وقال سيبويه رحمه
الله في قوله تعالى: ﴿رَيُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: إنما قال: ((رأيتهم)) في نجوم؛
لأنه لمَّا وصفها بالسجود وهو من فِعْلٍ مَنْ يعقِلُ عبَّر عنها بكناية مَن يعقل(٥). وقد
تقدَّم. وحكى الزَّجَّاج (٦) أنَّ العرب تُعبِّر عمَّا يعقِلُ وعمّا لا يعقِلُ بأولئك، وأنشد هو
(١) المفهم ٤/ ٢٠١ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٠٠.
(٣) المحرر الوجيز ٤٥٦/٣ .
(٤) سلف ٦/ ٤٢٧ .
(٥) ينظر معناه في كتاب سيبويه ٢/ ٤٧ .
(٦) في معاني القرآن له ٢٣٩/٢.