النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة الإسراء: الآية ٥ خلال الديار لا قتل. ذكره القشيريُّ أبو نصر. وذكر المهدويُّ عن مجاهد أنه جاءهم بُختَنَصَّر فهزمه بنو إسرائيل، ثم جاءهم ثانيةً فقتلهم ودمَّرهم تدميراً. ورواه ابن أبي نَجيح عن مجاهد. ذكره النحاس(١). وقال محمد بن إسحاق في خبرٍ فيه طول: إنَّ المهزوم سَنْحَاریب ملك بابل، جاء ومعه ستُّ مئة ألف راية، تحت كلِّ رايةٍ مئة ألف فارس، فنزل حول بيت المقدس، فهزمه الله تعالى، وأماتَ جميعهم إلا سَنْحاريب وخمسةَ نفَرٍ من كُتَّابِهِ، وبعثَ ملكُ بني إسرائيل - واسمه صِدِّيقة - في طلب سَتْحاريب، فأُخِذ مع الخمسة، أحدُهم بُختَنَصَّر، فطرحَ في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإيلياء، ويرزقهم كلَّ يومٍ خُبزتينٍ من شعيرٍ لكلِّ رجلٍ منهم، ثم أطلقَهم، فرجعوا إلى بابل، ثم مات سَنْحاريب بعد سبع سنين، واستُخلِفَ بُختَنَصَّر، وعظُمتِ الأحداثُ في بني إسرائيل، واستَحلُّوا المحارمَ، وقتلوا نبيَّهم شَعْيَا، فجاءهم بُختَنَصَّر ودخل هو وجنوده بيت المقدس، وقتلَ بني إسرائيل حتى أفناهم(٢). وقال ابن عباس وابن مسعود: أوَّل الفساد قتلُ زكريا(٣). وقال ابن إسحاق: فسادُهم في المرة الأولى قتلُ شَعْيا نبيّ الله في الشجرة؛ وذلك أنه لمَّا مات صِدِّيقة مَلِكُهم مَرِجَ أمرُهم وتنافسوا على المُلْك وقَتلَ بعضُهم بعضاً، وهم لا يسمعون من نبيِّهم؛ فقال الله تعالى له: قُمْ في قومِكَ أُوحٍ على لسانك، فلمَّا فرغَ ممَّا أوحى الله إليه عَدَوْا عليه ليقتلوه، فهرب، فانفلقَتْ له شجرةٌ فدخلَ فيها، وأدركَه الشيطانُ، فأخذ هُذْبةً من ثوبه فأراهم إيَّاها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها (٤). وذكر ابن إسحاق أنَّ بعض العلماء أخبره أنَّ زكريا مات موتاً (١) في معاني القرآن له ١٢٢/٤ . (٢) أخرجه الطبري ١٤ /٤٥٩ - ٤٦٨. والجوامع جمع جامعة: وهي الغُلَّ؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. الصحاح (جمع). (٣) أخرجه الطبري ١٤ / ٤٥٦ - ٤٥٧ . (٤) هو تتمة رواية ابن إسحاق السابقة. مَرِجَ الأمر: اختلط. الصحاح (مرج). ٢٢ سورة الإسراء: الآية ٥ ولم يُقْتَلْ، وإنما المقتول شَعْيَا(١). وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿ثم بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الذِيَارِ﴾: هو سَنْحاريبُ من أهل نِينَوَى بالمَوْصل ملكُ بابل. وهذا خلاف ما قال ابن إسحاق، فالله أعلم. وقيل: إنهم العمالقة وكانوا كُفَّاراً. قاله الحسن(٢). ومعنی جاسوا : عاثوا وقتلوا، وکذلك جاسوا وهاسوا وداسوا. قاله ابن عَزیز، وهو قول القُتَبِيِّ(٣). وقرأ ابن عباس: ((حاسوا)) بالحاء المهملة(٤). قال أبو زيد: الحَوْس والجَوْس والعَوْس والهَوْس: الطواف بالليل. وقال الجوهري(٥): الجَوْسُ مصدرُ قولِكَ: جاسوا خلال الديار، أي: تخلَّلوها فطلبوا ما فيها، كما يجوس الرجلُ الأخبار، أي: يطلبها، وكذلك الاجتياس. والجَوَسان - بالتحريك -: الطَّوَفان بالليل. وهو قول أبي عبيدة (٦). وقال الطبري (٧): طافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين. فجمع بين قولَي(٨) أهل اللغة. قال ابن عباس: مشَوا وتردّدوا بين الدُّور والمساكن(٩). وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم(١٠). وأُنشِدَ لحسَّان: (١) أخرجه أيضاً الطبري ١٤ / ٤٦٩ . (٢) زاد المسير ٩/٥. (٣) في غريب القرآن ص٢٥١، وعنده: أي: عاثوا بين الديار وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم یجوسون ویحوسون. (٤) ذكر في المحتسب ١٥/٢ هذه القراءة لأبي السَّمَّال. وهي قراءة شاذة. (٥) في الصحاح (جوس). (٦) نقل الماوردي في النكت والعيون ٢٣٠/٣ عن أبي عبيدة أنه قال: معناه: فتّشوا وطلبوا خلال الديار. وذهب الزجاج في معاني القرآن ٢٢٧/٣ إلى مثل قول الجوهري. (٧) في تفسيره ١٤/ ٤٧١ . (٨) في (م) و(د): قول. (٩) تفسير الطبري ١٤/ ٤٧٠، والنكت والعيون ٢٢٩/٣. (١٠) معاني القرآن للفراء ١١٦/٢. ٢٣ سورة الإسراء: الآيتان ٦.٥ فجاسَ به الأعداءَ عَرْضَ العساكرِ ومنَّا الذي لاقى بسيفِ محمدٍ وقال قطرب: نزلوا؛ قال: فُجُسْنا ديارَهُمُ عَنوةً وأُبْنا بساداتهم مُوثَقينا (١) ﴿وَكَانَ وَهْدًا مَّفْعُولًا﴾ أي: قضاءً كائناً لا خُلْفَ فيه(٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِیرًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الدَّولة والرجعة؛ وذلك لمَّا تُبْتُم وأطعتُم (٣). ثم قيل: ذلك بقتل داودَ جالوتَ أو بقتل غيره، على الخلاف في من قتلهم(٤). ﴿وَأَمْدَدْنَكُمْ يِأَقْوَلٍ وَبَنِنَ﴾ حتى عاد أمركم كما كان. ﴿وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أي: أكثر عدداً ورجالاً من عدوّكم(٥). والنَّفير: مَنْ ينفِرُ مع الرجل من عشيرته؛ يقال: نفير ونافر، مثل: قدير وقادر(٦). ويجوز أن يكون النَّفير جمع نَفْر كالكَليبِ والمَعيزِ والعَبيد(٧)؛ قال الشاعر: فأكرِمْ بقحطانَ من والدٍ وحِمْيرَ أكرِمْ بقومٍ نَفيرا(٨) والمعنى: أنهم صاروا بعد هذه الوقعة الأولى أكثرَ انضماماً وأصلحَ أحوالاً، جزاءً من الله تعالى لهم على عَوْدِهم إلى الطاعة. (١) النكت والعيون ٢٢٩/٣ - ٢٣٠ . (٢) تفسير البغوي ١٠٦/٣ . (٣) تفسير أبي الليث ٢٦٠/٢، وتفسير البغوي ١٠٦/٣، وزاد المسير ١٠/٥. (٤) النكت والعيون ٢٣٠/٣، وزاد المسير ١٠/٥. (٥) الوجيز على هامش مراح لبيد ١/ ٤٧٢ . (٦) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٥١ . (٧) معاني القرآن للزجاج ٢٢٨/٣، ومعاني القرآن للنحاس ١٢٤/٤. (٨) قائله تبع بن بكر الحميري كما في النكت والعيون ٣/ ٢٣٠، والمحرر الوجيز ٤٣٩/٣ - ٤٤٠. ٢٤ سورة الإسراء: الآية ٧ قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَأَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ اُلْآَخِرَةِ لِيَسْئُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِسُتَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَثْبِيرًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: نَفْعُ إحسانكم عائدٌ عليكم. ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ أي: فعليها(١)، نحو: سلامٌ لك، أي: سلامٌ عليك. قال: فخَرَّ صريعاً لليدين وللفمِ(٢) * أي: على اليدين وعلى الفم. وقال الطبري(٣): اللام بمعنى إلى، يعني: وإن أسأتُم فإليها، أي: فإليها ترجع الإساءة؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَ لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها. وقيل: فلها الجزاء والعقاب(٤). وقال الحسين بن الفضل: فلها رَبِّ يغفر الإساءة. ثم يحتمل أن يكون هذا خطاباً لبني إسرائيل في أول الأمر؛ أي: أسأتُم فحلَّ بكم القتلُ والسَّبْيُ والتخريبُ، ثم أحسنتم فعاد إليكم الملك والعُلُوّ وانتظامُ الحال. ويحتمل أنه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمدٍ ﴾(٥)، أي: عرفتم استحقاقَ أسلافِكم للعقوبة على العصيان فارتقبوا مثله. أو يكون خطاباً لمشركي قريش على هذا الوجه. (١) مجمع البيان ١٦/١٥ . (٢) عجز لبيت، صدره: وهتكت بالرمح الطويل إهابه. ينظر أدب الكاتب لابن قتيبة ص ٥١١ ، وعجز. البيت اختُلف على صدره اختلافاً كبيراً، وكذلك اختلف على قائله، فيقال: هو لجابر بن حُني كما في المفضليات ص٢١٢، ويقال: للمقشعر بن جديع النصري كما في الحماسة البصرية ٦٩/١، ويقال: الربيعة بن مُكدَّم كما في زهر الأكم ١٠٤/١ ، ويقال: لعصام بن مقشعر البصري، أو لشداد بن معاوية العبسي، أو لكعب بن مدلج الأسدي، أو الأشتر النخعي كما في معجم الشعراء ص١١٤ ، ويقال: لكعب بن حدير كما في شرح أدب الكاتب للجواليقي ص٣٥٩، ويقال: للمكعبر الأسدي، أو للمكعبر الضبي، أو لشريح بن أوفى، أو للأشعث بن قيس كما في الاقتضاب ص٤٣٩ ، ويقال غير ذلك. (٣) في تفسيره ١٤/ ٤٧٨ . (٤) تفسير البغوي ١٠٦/٣ . (٥) مجمع البيان ١٦/١٥ . ٢٥ سورة الإسراء: الآية ٧ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ من إفسادكم، وذلك أنهم قتلوا في المرة الثانية يحيى بن زكريا عليهما السلام، قتله مَلِكٌ من بني إسرائيل يقال له لاخت. قاله القُتَّبِيُّ. وقال الطبري: اسمه هيردوس. ذكره في التاريخ(١)، حمله على قتله امرأةٌ اسمُها أزبيل(٢). وقال السُّدِّي: كان ملكُ بني إسرائيل يُكرِمُ يحيى بن زكريا ويستشيره في الأمر، فاستشاره الملكُ أن يتزوَّجَ بنت امرأةٍ له، فنهاه عنها وقال: إنها لا تحِلُّ لك، فحقدت أمُّها على يحيى عليه السلام، ثم ألبَستِ ابنتها ثياباً حُمراً رقاقاً، وطيّتها وأرسلتها إلى الملك وهو على شرابه، وأمرَتْها أن تتعرَّضَ له، وإن أرادها أبَتْ حتى يُعطيّها ما تسألهُ، فإذا أجاب سألتْ أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طَسْتٍ من ذهب، ففعلت ذلك، حتى أُتي برأس یحیی بن زکریا والرأسُ يتكلّم، حتى وُضِعَ بين يديه وهو يقول: لا تحِلُّ لك، لا تحِلُّ لك، فلمَّا أصبح إذْ دَمُه يَغْلي، فألقى عليه الترابَ فغلى فوقه، فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغَ سُوْرَ المدينة وهو في ذلك يَغْلي. ذكره الثعلبي وغيره(٣). وذكر ابن عساكر الحافظ في ((تاريخه)) عن الحسين بن عليّ قال: كان ملكٌ من هذه الملوك ماتَ وتركَ امرأته وابنته، فورِث مُلْكَه أخوه، فأراد أن يتزوَّجَ امرأةً أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا في ذلك - وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء - فقال له: لا تتزوَّجْها فإنها بَغِيٍّ، فعَرفَتْ ذلك المرأةُ أنه قد ذكرها وصرَفَه عنها، فقالت: من أين هذا؟ حتى بلغها أنه من قِبَلٍ يحيى، فقالت: لَيُقتَلَنَّ يحيى أو لَيُخرَجَنَّ من ملكه، فعمَدت إلى ابنتها وصنَّعتها، ثم قالت: اذهبي إلى عمِّكِ عند الملأ فإنه إذا رآكِ سيدعوكٍ ويُجلِسُكِ في حَجْرِهِ، ويقول: سليني ما شئتِ، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتُكِ، فإذا قال لكِ ذلك فقولي: لا أسألُ إلا رأسَ يحيى. قال: وكانت الملوك إذا تكلّمَ أحدُهم بشيءٍ على رؤوس الملأ ثم لم يُمْضِ له (١) ٥٩٠/١، وفي (م) و(د): هردوس، والمثبت من تاريخ الطبري، ومن باقي النسخ الخطية. (٢) تفسير البغوي ٣٦/٤. (٣) الثعلبي في عرائس المجالس ص ٣٨٢، وأخرجه الطبري ١٤/ ٤٨٠ - ٤٨١ . ٢٦ سورة الإسراء: الآية ٧ نُزِعَ من ملكه، ففعلت ذلك. قال: فجعل يأتيه الموتُ من قتله يحيى، وجعل يأتيه الموتُ من خروجه من ملكه، فاختار ملكَه فقتله. قال: فساخَتْ بأمِّها الأرضُ. قال ابن جُدْعان: فحدَّثتُ بهذا الحديث ابنَ المُسيِّبِ فقال: أفما أخبرَكَ كيف كان قَتْلُ زكريا؟ قلت: لا. قال: إنَّ زكريا حيث قُتِلَ ابنُه انطلقَ هارباً منهم، واتَّبعوه حتى أتى على شجرةٍ ذاتٍ ساقٍ، فَدَعَتْه إليها، فانطوَتْ عليه، وبقيَتْ من ثوبه مُدْبةٌ تكفَّتها الرياح، فانطلقوا إلى الشجرة فلم يجدوا أثرَه بعدها، ونظروا بتلك الهُدْبة، فدَعَوا بالمنشار، فقطعوا الشجرة فقطعوه معها (١). قلت: وقع في ((التاريخ الكبير)) للطبري(٢): فحدثني أبو السائب قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: بعَثَ عيسى ابنُ مريم يحيى بنَ زكريا في اثني عشر من الحواريِّين يُعلِّمون الناس. قال: كان فيما نَهَوْهم عنه نكاحُ ابنةِ الأخ. قال: وكان لملِكهم ابنةُ أخٍ تُعجبه ... وذكر الخبر بمعناه. وعن ابن عباس قال: بُعِثَ يحيى بنُ زكريا في اثني عشر من الحواريِّين يُعلِّمون الناس، وكان فيما يُعلِّمونهم ينهونهم عن نكاح بنتِ الأخت، وكان لملِكِهم بنتُ أُختٍ تعجبه، وكان يريد أن يتزوَّجها، وكان لها كلَّ يوم حاجةٌ يقضيها، فلما بلغ ذلك أمَّها أنهم نهَوا عن نكاح بنت الأخت قالت لها: إذا دخلتٍ على الملكِ فقال: أَلكِ حاجةٌ؟ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا، فقال: سليني سوى هذا. قالت: ما أسألُكَ إلا هذا. فلمَّا أَبَتْ عليه دعا بِطَسْتٍ ودعا به فذبحه، فندَرت قطرةٌ من دمِه على وجه الأرض، فلم تزل تَغْلي حتى بعثَ اللهُ عليهم بُخْتَنصَّر، فأُلقيَ في نفسه أن يَقتُلَ على ذلك الدَّم منهم حتى يسكن ذلك الدم، فقَتل عليه منهم سبعين ألفاً، وفي رواية: خمسةً وسبعين ألفاً(٣). قال سعيد بن المُسيِّب: هي دِيَةُ كل نبيٍّ(٤). وعن ابن عباس (١) تاريخ دمشق ٢٠٦/٦٤، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. تهذيب التهذيب ١٦٢/٣ - ١٦٤. (٢) ١/ ٥٨٦ . (٣) أخرجه ابن عساكر ٢٠٧/٦٤ ، وهو من نفس الطريق الذي رواه الطبري. (٤) أخرجه ابن عساكر ٢١٠/٦٤، وفيه: سعيد بن عبد العزيز بدل ابن المسيب. ٢٧ سورة الإسراء: الآية ٧ قال: أوحى اللهُ إلى محمدٍ ﴿ أني قتلتُ بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وإني قاتلٌ بابنِ ابنَتِكَ سبعين ألفاً وسبعين ألفاً (١). وعن شِمْر بن عطية قال: قُتِلَ على الصخرة التي في بيت المقدس سبعون نبياً منهم يحيى بن زكريا (٢). وعن زيد بن واقد(٣) قال: رأيتُ رأس يحيى عليه السلام حيث أرادوا بناء مسجد دمشق أُخرِجَ من تحت ركنٍ من أركان القُبَّةِ التي تَلي المحراب مما يلي الشرق، فكانتِ البشرةُ والشعرُ على حاله لم يتغيَّر (٤). وعن قُرَّة بن خالد(٥) قال: ما بكتِ السماءُ على أحدٍ إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن عليّ؛ وحُمرتُها بكاؤها(٦). وعن سفيان بن عُيَيْنة قال: أوحَشُ ما يكونُ ابنُ آدَمَ في ثلاثة مواطن: يومَ وُلِدَ فيخرجُ إلى دارٍ هَمٍّ، وليلةَ يبيتُ مع الموتى فيُجاورُ جيراناً لم يَرَ مثلَهم، ويومَ يُبعَثُ فيَشْهدُ مشهَداً لم يَرَ مثلَه؛ قال الله تعالى ليحيى في هذه الثلاثة المواطن: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَّوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا﴾ (٧) [مريم: ١٥]. کلُّه من التاريخ المذكور. واختُلِفَ فيمن كان المبعوث عليهم في المرة الآخرة، فقيل: بُخْتَنصَّر. وقاله القشيري أبو نصر، لم يذكر غيره(٨). قال السُّهَيْلِيُّ: وهذا لا يصح؛ لأنَّ قَتْلَ يحيى كان بعدَ رَفْع عيسى، ويُختَنصَّر كان قبل عيسى ابن مريم عليهما السلام بزمانٍ طويل، وقبل الإسكندر، وبين الإسكندر (١) أخرجه الحاكم ٢٩٠/٢ و٥٩٢ و١٧٨/٣، والخطيب في تاريخه ١٤٢/١، وابن عساكر ٢٢٥/٤ و ٢١٦/٦٤، وابن الجوزي في المنتظم ٣٤٦/٥ . (٢) أخرجه ابن عساكر ٢١٧/٦٤، وتحرف اسم شمر في جميع النسخ إلى سمير. (٣) أبو عمر - ويقال: أبو عمرو - القرشي مولاهم، الدمشقي الفقيه. توفي سنة (١٣٨هـ). السير ٢٩٦/٦. (٤) أخرجه ابن عساكر ٢٤١/٢ و٢١٨/٦٤ . (٥) الحافظ، أبو خالد، ويقال: أبو محمد السدوسي البصري. توفي سنة (١٥٤ هـ). السير ٧ /٩٥ . (٦) أخرجه ابن عساكر ٢١٧/٦٤ . (٧) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٥٩٨)، وابن عساكر ٦٤/ ١٧٤ . (٨) ونقله في النكت والعيون ٣/ ٢٣٠، وفي زاد المسير ١١/٥ عن مجاهد. ٢٨ سورة الإسراء: الآية ٧ وعيسى نحوٌّ من ثلاث مئة سنة، ولكنه أُريدَ بالمرة الأخرى حين قتلوا شَعْيا، فقد كان بُختَنصَّر إذ ذاكَ حيًّا، فهو الذي قتلهم وخرَّبَ بيتَ المقدس، وأتبعهم إلى مصر وأخرجهم منها(١). وقال الثعلبي(٢): ومن روى أنَّ بُختَنصَّر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا فغلَظٌ عند أهل السِّيَرِ والأخبار؛ لأنَّهم مُجمعون على أن بُختَنصَّر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شَعْيا وفي عهد إرْمِياء. قالوا: ومن عهد إرْمِياء وتخريب بُخْتَنصَّر بيتَ المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا عليهما السلام أربعُ مئة سنة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدُّون من عهد تخريب بيت المقدس إلى عمارته في عهد كوسك(٣) سبعين سنة، ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمانيةً وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر إلى مولد يحيى ثلاثَ مئةٍ وثلاثاً وستين سنة (٤). قلت: ذكر جميعَه الطبري في التاريخ(٥) رحمه الله. قال الثعلبي(٦): والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق قال: لمَّا رفعَ اللهُ عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى - وبعض الناس يقول: لمَّا قتلوا زكريا - بعثَ اللهُ إليهم ملكاً من ملوك بابل يُقال له: خردوس، فسار إليهم بأهل بابل وظهر عليهم بالشام، ثم قال لرئيس جنوده: كنتُ حلفتُ بإلهي لَئِنْ أظهرني اللهُ على بيت المقدس لأقتلنّهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، وأمرَ أن يقتلَهم حتى يبلُغَ ذلك منهم، فدخل الرئيسُ بيت المقدس فوجد (١) زاد المسير ١١/٥، وتفسير الرازي ١٥٨/٢٠. (٢) في عرائس المجالس ص٣٤٣ - ٣٤٤. (٣) في مطبوع العرائس: كربن. (٤) في مطبوع العرائس: ثلاث مئة وثلاثون سنة. (٥) ١/ ٥٧١ - ٥٧٩ . (٦) ص٣٤٤ . ٢٩ سورة الإسراء: الآية ٧ فيها دماءً تَغْلي، فسألهم فقالوا: دَمُ قُربانٍ قرَّبناه فلم يُتَقبَّلْ مِنَّا منذ ثمانين(١) سنة. قال: ما صَدَقتموني. فذْبَحَ على ذلك الدم سبعَ مئةٍ وسبعين رجلاً من رؤسائهم فلم يهدأ، فأمر(٢) بسبعة آلاف من سَبْيهم(٣) وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يَبْرُد، فقال: يا بني إسرائيل، أُصدُقوني قبل ألا أترك منكم نافخَ نارٍ من أنثى ولا من ذكرٍ إلا قتلتُه. فلمَّا رأوا الجَهد قالوا: إنَّ هذا دمُ نبيٍّ منَّا كان ينهانا عن أمورٍ كثيرةٍ مِن سَخَط الله فقتلناه، فهذا دمه، كان اسمه يحيى بن زكريا، ما عصى اللهَ قظُ طرفة عينٍ ولا هَمَّ بمعصية. فقال: الآن صدَقتُموني. وخرَّ ساجداً، ثم قال: لمِثْلِ هذا يُنتقَم منكم. وأمر بغلق الأبواب وقال: أخْرِجوا من كان هاهنا من جيش خردوس. وخلا في بني إسرائيل وقال: يا نبيَّ الله، يا يحيى بن زكريا، قد عَلِمَ ربي وربُّكَ ما قد أصاب قومَك من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أُبقي منهم أحداً. فهدأ دمُ يحيى بن زكريا بإذن الله عزَّ وجلَّ، ورفع عنهم القتل وقال: ربِّ، إني آمنتُ بما آمن به بنو إسرائيل وصدَّقتُ به. فأوحى الله تعالى إلى رأسٍ من رؤوس الأنبياء: إنَّ هذا الرئيس مؤمنٌ صدوق. ثم قال: إنَّ عدوَّ الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لا أعصيه، فأمرهم فحفروا خَنْدَقاً وأمر بأموالهم من الإبل والخيل والبغال والحمير والبقر والغنم فذبحوها حتى سال الدم إلى العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قُتِلوا قبل ذلك فظُرِحوا على ما قُتِلَ من مواشيهم، ثم انصرف عنهم إلى بابل، وقد كاد أن يُفني بني إسرائيل. قلت: قد ورد في هذا الباب حديث مرفوع فيه طولٌ من حديث حُذيفة، وقد كتبناه في كتاب ((التذكرة))(٤) مقطّعاً في أبوابٍ في أخبار المَهْدِيِّ، نذكر منها هنا ما (١) في مطبوع العرائس: ثمان مئة. (٢) قبلها في (م): ((فأتى بسبع مئة غلام من غلمانهم فذُبحوا فلم يهدأ)). (٣) في مطبوع العرائس: بنيهم. (٤) ص ٦٢٠ - ٦٢١ . : . ٣٠ سورة الإسراء: الآية ٧ يُبيِّن معنى الآية ويُفسِّرها حتى لا يحتاج معه إلى بيان، قال حذيفة: قلتُ: يا رسول الله، لقد كان بيتُ المقدس عند الله عظيماً جسيمَ الخطرِ عظيمَ القدر. فقال رسول الله ﴾: («هو من أجَلِّ البيوت، ابتناه الله لسليمان بن داود عليهما السلام من ذهبٍ وفضَّةٍ ودُرِّ وياقوتٍ وزُمرُّدٍ)) وذلك أنَّ سليمان بن داود لمَّا بناه سَخَّرَ اللهُ له الجِنَّ فأَتَوه بالذهب والفضَّة من المعادن، وأتوه بالجواهر والياقوت والزُّمرُّد، وسخَّرَ اللهُ تعالى له الجِنَّ حنى بنَوه من هذه الأصناف. قال حذيفة: فقلتُ: يا رسول الله، وكيفَ أُخِذَتْ هذه الأشياءُ من بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﴿: ((إنَّ بني إسرائيل لمَّا عصَوا اللهَ وقتلوا الأنبياء سلَّطَ اللهُ عليهم بُختَنصَّر وهو من المجوس، وكان ملكُه سبع مئة سنة، وهو قوله: ﴿فَإِذَا جَاءُ وَهْدُ أُوْلَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ فَاسُواْ خِلَلَ الذِيَائِّ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ فدخلوا بيت المقدس، وقتلوا الرجال وسَبوا النساءَ والأطفالَ، وأخذوا الأموال وجميع ما كان في بيت المقدس من هذه الأصناف، فاحتملوها على سبعين ألفاً ومئة ألف عجَلَة حتى أودعوها أرض بابل، فأقاموا يستخدمون بني إسرائيل ويستملكونهم بالخزي والعقاب والنكال مئة عام، ثم إنَّ الله عزَّ وجلَّ رحِمَهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن يسير إلى المجوس في أرض بابل، وأن يستنقِذَ مَنْ في أيديهم من بني إسرائيل، فسار إليهم ذلك الملك حتى دخل أرض بابل، فاستنقذ مَنْ بقي من بني إسرائيل من أيدي المجوس، واستُنقِذَ ذلك الحُليُّ الذي كان من بيت المقدس، وردّه الله إليه كما كان أول مرة، وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عُدتُم إلى المعاصي عُدْنا عليكم بالسَّبْي والقتل، وهو قوله: ﴿عَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْعَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْناً﴾ فلما رجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس عادوا إلى المعاصي، فسلَّط الله عليهم ملك الروم قَيْصر، وهو قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَزَّةٍ وَلِيُنَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا﴾ فغزاهم في البرِّ والبحر، فسباهم وقتلهم، وأخذ أموالهم ونساءهم، وأخذَ حُليَّ جميعٍ بيت المقدس، واحتمله على سبعين ألفاً ومئة ألف عجلة حتى أودعه في كنيسة الذهب - فهو فيها ٣١ سورة الإسراء: الآية ٧ الآن - حتى يأخذه المهدِيُّ فيردّه إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبع مئة سفينة يُرْسَى بها على يافا، حتى تُنقل إلى بيت المقدس. وبها يجمع اللهُ الأوّلين والآخرين ... )) وذكر الحديث(١). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ أي: من المرَّتين(٢)، وجواب ((إذا)) محذوف، تقديره: بعثناهم، دلَّ عليه ((بعثنا)) الأوَّل. ﴿لِيَسْئُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي: بالسَّبْي والقتل فيظهر أثر الحزن في وجوهكم؛ فـ((ليسوؤوا)) متعلِّقٌ بمحذوف، أي: بعثنا عباداً ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم(٣). قيل: المراد بالوجوه السادة، أي: ليُذِلُّوهم(٤). وقرأ الكسائي: ((لنسوءً" بنون وفتح الهمزة، فعلُ مُخبرٍ عن نفسه مُعظّم؛ اعتباراً بقوله: ((وقضينا)) و((بعثنا)) و((رددنا)) ونحوه عن عليٍّ. وتصديقها قراءة أُبيِّ: (لَنَسوءنْ)) بالنون وحرف التوكيد(٥). وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وَثَّاب وحمزة وابن عامر: (ليسوءَ)) بالياء على التوحيد وفتح الهمزة(٦)، ولها وجهان: أحدهما: ليسوء اللهُ (١) أخرجه بنحوه الطبري ١٤/ ٤٥٧ - ٤٥٩ عن عصام بن رواد، عن أبيه رواد بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. عصام بن رواد ليَّنه أبو أحمد الحاكم فيما ذكره الذهبي في الميزان ٦٦/٣. ورؤَّاد بن الجراح قال فيه ابن حجر في التقريب: اختلط بأخرة فتُرك، وفي حديثه عن الثوري ضعف شديد. وقال ابن كثير متعقِّباً الطبري: هو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب. (٢) المحرر الوجيز ٤٤٠/٣. (٣) ينظر الوسيط ٩٧/٣ - ٩٨. (٤) ينظر مجمع البيان ١٤/ ١٧ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٤٠/٣، وينظر الوسيط ٩٨/٣، وقراءة الكسائي في السبعة ص٣٧٨ ، والتيسير ص١٣٩، وأما قراءة أُبي فقد ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٥، وذكرها ابن جني في المحتسب ١٥/٢: ((لنسوءاً)) بالتنوين. وقال النحاس في المعاني ١٢٥/٤ : بالنون الخفيفة واللام المفتوحة والوقف عليه مثل: ((لنسفعاً». (٦) النشر ٣٠٦/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤١٦/٢، والمحرر الوجيز ٤٤٠/٣. : ٣٢ سورة الإسراء: الآيتان ٧ - ٨ وجوهَكم. والثاني: ليسوءَ الوعدُ وجوهَكم (١). وقرأ الباقون: ((ليسوؤوا)) بالياء وضمِّ الهمزة على الجمع، أي: ليسوء العبادُ الذين هم أولو بأسٍ شديدٍ وجوهَكم (٢). ﴿وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَبِرُواْ﴾ أي: ليُدمِّروا ويُهلكوا. وقال قُظْرُب: يهدموا؛ قال الشاعر: فما الناسُ إلا عاملانِ فعاملٌ يُتَبِّرُ ما يَبْني وآخرُ رافِعُ(٣) ﴿مَا عَلَوْ﴾ أي: غلبوا عليه من بلادكم ﴿تَنْبِيرًا﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْجَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَاً وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِنَ حَصِيرًا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ وهذا مما أخبروا به في كتابهم. و((عسى)) وعدٌ من الله أن يكشف عنهم، و((عسى)) من الله واجبة. ﴿أَنْ يَرْحَمَّكُمْ﴾ بعد انتقامه منكم، وكذلك كان؛ فكثَّر عددَهم وجعل منهم الملوك. ﴿وَإِنْ عُدُمْ عُدْنَا﴾ قال قتادة: فعادوا، فبعثَ الله عليهم محمداً ﴾، فهم يُعطون الجزية بالصَّغار. ورُوي عن ابن عباس(٥). وهذا خلاف ما تقدَّم في الحديث وغيره. وقال القُشَيْرِيُّ: وقد حلَّ العقاب ببني إسرائيل مرتين على أيدي الكفار، ومرةً على أيدي المسلمين. وهذا حين عادوا فعاد الله عليهم، وعلى هذا يصِحُّ قولُ قتادة. (١) معاني القرآن للفراء ١١٦/٢ - ١١٧ وعنده في الوجه الثاني: ليسوء العذابُ وجوهكم. والوسيط ٩٨/٣، وزاد المسير ١١/٥، وعندهما: ليسوء البعثُ وجوهكم. (٢) تفسير الطبري ٤٧٨/١٤ - ٤٧٩، وتفسير البغوي ١٠٦/٣، وينظر السبعة ص٣٧٨ ، والتيسير ص١٣٩ . (٣) النكت والعيون ٢٣١/٣، والبيت قائله لبيد، وهو في ديوانه ص٨٩ . (٤) تفسير الطبري ١٤/ ٥٠٤، وتفسير البغوي ١٠٧/٣ . (٥) النكت والعيون ٢٣١/٣، والوسيط ٩٨/٣، وتفسير البغوي ١٠٧/٣، ومجمع البيان ١٨/١٤، وزاد المسير ١١/٥ - ١٢. وقول ابن عباس مختصر، أخرجه الطبري ٥٠٦/١٤، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٣، وفي مصنفه (٩٨٨٢)، والطبري ١٤ / ٥٠٦ . ٣٣ سورة الإسراء: الآية ٨ ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِنَ حَصِيرًا﴾ أي: محْبِساً وسِجْناً، من الحَصْر وهو الحبس(١). قال الجوهري: يُقال: حصرَه يحصرُه حصراً: ضيَّقَ عليه وأحاط به. والحصير: الضيِّقُ البخيل. والحصير: البارِيَّة. والحصير: الجَنْب، قال الأصْمَعِيُّ: هو ما بين العِرْقِ الذي يظهر في جنب البعير والفرس معترِضاً فما فوقه إلى مُنقَطَعِ الجَنْب. والحصير: الملك؛ لأنه محجوب. قال لبید : وقماقِمٍ غُلْبِ الرِّقابِ كأنَّهِمْ جِنِّ لدى بابِ الحصيرِ قيامُ ویُروی: ومَقامةٍ غُلْبِ الرقاب(٢) ...... على أن يكون ((غُلْب)) بدلاً من ((مَقامة)) كأنه قال: ورُبَّ غُلْبِ الرقاب. وروى غير (٣) أبي عُبيدة: * ... لدى طرَفِ الحصيرِ قيامٌ * أي: عند طرف البساط للنعمان بن المنذر. والحصير: المَحْبِس؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾(٤). قال القُشَيْرِيُّ: ويقال للذي يُفترش: حصير؛ لحَصْرِ بعضِه على بعضٍ بالنسج. وقال الحسن: أي: فراشاً ومهاداً (٥). ذهب إلى الحصير الذي يُفرش؛ لأنَّ العربَ تُسمِّي البساطَ الصغير حصيراً(٦). قال الثعلبي: وهو وجهٌ حسن(٧). (١) معاني القرآن للزجاج ٢٢٨/٣، وتفسير أبي الليث ٢٦١/٢، والنكت والعيون ٢٣١/٣، والوسيط ٩٨/٣، والمحرر الوجيز ٤٤٠/٣، وزاد المسير ١٢/٥، وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم، وأخرجه عنهم الطبري ١٤/ ٥٠٧ - ٥٠٨ . (٢) وهكذا في ديوانه ص ١٦١ . (٣) في (م) و(د) و(ز): عن. (٤) الصحاح (حصر)، ومن قوله: ((الحصير: الملك)) إلى نهاية البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٧١/١. (٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ٣٧٤ ، والطبري ١٤/ ٥٠٨ . (٦) تفسير الطبري ١٤/ ٥٠٩ . (٧) وكذا قال الطبري. ٣٤ سورة الإسراء : الآيات ٩ - ١١ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ لمَّا ذكر المِعراجَ ذكر ما قضى إلى بني إسرائيل، وكان ذلك دلالةٌ على نبوَّة محمدٍ ﴿، ثم بيَّن أنَّ الكتاب الذي أنزله الله عليه سبب اهتداء. ومعنى ﴿لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ أي: الطريقة التي هي أسدُّ وأعدلُ وأصوب، فـ ((التي)) نعتٌ لموصوفٍ محذوف، أي: الطريقة إلى نصِّ أقوم (١). وقال الزجاج (٢): للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله، والإيمان برسله. وقاله الكلبي والفرَّاء(٣). قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ﴾ تقدَّم(٤). ﴿أَنَّ لَمْ﴾ أي: بأنَّ لهم ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: الجنة. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ﴾ أي: ويبشِّرهم بأنَّ لأعدائهم العقاب. والقرآن مُعظَمُه وعدٌ ووعيد. وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((ويَبْشُر)) مخفَّفاً بفتح الياء وضمِّ الشين، وقد ذُكر(٥). قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِّ وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُولًا (١) قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ اُلْإِسَنُ بِالشَّرِّ دُعَمُ بِالْخَيْرِ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو دعاءُ الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يُحِبُّ أن يُستجابَ له: اللَّهُمَّ أهلِكْه، ونحوه. ﴿دُعََّمُ بِالْخَيْرِ﴾ أي: كدعائه ربَّ أن يَهَبَ له العافية، فلو استجابَ اللهُ دعاءَه على نفسه بالشرِّ هلكَ، لكن بفضله لا يستجيبُ له في ذلك(٦). نظيره: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ (١) تفسير الرازي ٢٠/ ١٦١. (٢) في معاني القرآن ٢٢٩/٣. (٣) معاني القرآن للفراء ١١٧/٢، ونقله في النكت والعيون ٢٣٢/٣ عن الكلبي. (٤) ٣٥٨/١ - ٣٥٩. (٥) ١١٣/٥ . (٦) تفسير الطبري ١٥/ ٥١٢ . ٣٥ سورة الإسراء: الآية ١١ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَلَهُم بِالْخَيْرِ﴾ وقد تقدّم (١). وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يدعو ويقول: ((اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)» (٢). وقيل: هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح (٣)، قال الشاعر وهو ابن جامع: وأرفَعُ من مِثْزَرِي الْمُسْبَلِ أطوفُ بالبيتِ فيمَنْ يطوفُ وأَتْلُو من الْمُحْكَمِ الْمُنْزَلِ وأسجدُ بالليلِ حتى الصباحِ يُسَخِّرُ لي رَبَّةَ المَحْمِلِ(٤) عسى فارجُ الْهَمِّ عن يوسفٍ قال الجوهري(٥): يُقال: ما على فلانٍ مَحْمِلٌ، مثالُ مجلس، أي: مُعتمَد. والمَحْمِل أيضاً: واحدُ محامِلِ الحاجِّ. والمِحْمَلُ مثال المِرْجَل: عِلاقة السيف. وحُذِفَتِ الواو من ((ويَدْعُ الإنسان)) في اللفظ والخطّ ولم تحذف في المعنى؛ لأنَّ موضعها رَفْعٌ، فحُذِفَتْ لاستقبالها اللام الساكنة، كقوله تعالى: ﴿سَنَّدْعُ الزَِّيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]، ﴿وَسَوّفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]، ﴿يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٦) [القمر: ٥]. ﴿وَكَنَ اَلْإِسَنُ عَجُلًا﴾ أي: طبعُه العَجَلة(٧)، فَيَعْجَل بسؤال الشرِّ كما يعجَلُ بسؤال الخير (٨). وقيل: أشار به إلى آدم عليه السلام حين نهض قبل أن تُركَّبَ فيه الروح على (١) ١٠ / ٤٦١. (٢) نقله في زاد المسير ١٣/٥ عن مقاتل. (٣) مجمع البيان ١٥/ ٢٠ . (٤) الأبيات في عيون الأخبار ٩١/٤ - ٩٢، والعقد الفريد ٩/٦ - ١٠. (٥) في الصحاح (حمل). (٦) معاني القرآن للفراء ٢/ ١١٧ - ١١٨، وليس عنده آية الشورى. (٧) تفسير البغوي ٢٤٤/٣ . (٨) الوسيط ٩٩/٣ . ٣٦ سورة الإسراء: الآية ١١ الكمال(١). قال سلمان: أوَّلُ ما خلقَ اللهُ تعالى من آدم رأسَه، فجعلَ ينظر وهو يُخلَقُ جسدُه، فلما كان عند العصر بقيت رِجلاه لم يُنْفَخْ فيهما الرُّوحُ، فقال: يا ربِّ عَجِّلْ قبل الليل؛ فذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا﴾(٢). وقال ابن عباس: لما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظر إلى جسده، فذهبَ لينهضَ فلم يقْدِر، فذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ ◌َجُلًا﴾(٣). وقال ابن مسعود: لمَّا دخل الرُّوحُ في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلمَّا دخلَ في جوفِه اشتهى الطعام، فوثَبَ قبل أن يبلغَ الرُّوحُ رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَبَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ذكره البيهقي(٤). وفي (صحيح مسلم) عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله : ﴿ قال: ((لَمَّا صوَّرَ اللهُ تعالى آدمَ في الجنة تركّه ما شاء الله أن يترُكَه، فجعلَ إبليسُ يُطيفُ به ينظرُ ما هو، فلما رآه أجوَفَ عَرَفَ أنه خُلِقَ خلقاً لا يتمالك)) وقد تقدّم(٥). وقيل: سلَّمَ عليه الصلاة والسلام أسيراً إلى سَوْدة، فباتَ يئِنُّ، فسألَتْه فقال: أنيني لِشدَّة القِدِّ والأسر. فأرخَتْ من كتافه، فلما نامت هرب، فأخبرتِ النبيَّ ﴾، فقال: ((قطعَ اللهُ يدَيكِ)) فلما أصبحت كانت تتوقّع الآفة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إني سألتُ اللهَ تعالى أن يجعلَ دعائي على من لا يستحقُّ من أهلي رحمةً؛ لأني بشرٌ أغضَبُ كما يغضَبُ البشر)) ونزلت الآية. ذكره القشيري أبو نصر رحمه الله (٦). وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله # يقول: ((اللَّهُمَّ إنَّما محمدٌ بشرٌ يغضَبُ كما يغضَبُ البشرُ، وإني قدِ اتَّخِذْتُ عندكَ عهداً لن تُخْلِفَنِه، فأيُّما مؤمنٍ آذيتُه أو سببتُه أو جلدتُه فاجعَلْها (١) النكت والعيون ٢٣٣/٣، ومجمع البيان ٢١/١٥. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ١١٠ - ١١١، والطبري ١٤/ ٥١٤. (٣) أخرجه الطبري ١٤/ ٥١٤ . (٤) في الأسماء والصفات (٧٧٣)، وقد تقدم مطولاً ١/ ٤١٧ - ٤١٩ . (٥) صحيح مسلم (٢٦١١)، وسلف ١٢/ ٢٠٧ . (٦) وذكره الزجاج في معاني القرآن ٢٢٩/٣، والرازي في تفسيره ١٦٢/٢٠، وفي رواية أن المستودعة هي عائشة رضي الله عنها كما في المسند (٢٤٢٥٩) ومسند إسحاق بن راهويه (١١٢٥)، وسنن البيهقي ٨٩/٩، وفي رواية أخرى أنها حفصة كما في المسند (١٢٤٣١)، والأحاديث المختارة (١٦٢٠). ٣٧ سورة الإسراء: الآيتان ١١ - ١٢ له كفارةً وقُرْبةً تُقرِّبُه بها إليك يوم القيامة)»(١). وفي الباب عن عائشة وجابر(٢). وقيل: معنى ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا﴾ أي: يؤثر العاجل وإن قَلَّ، على الآَجِلِ وإن =(٣) جَلَّ(٣). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَمَحَوْنَآ ءَايَةً أُلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِِّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْنَهُ تَفْصِيلًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ◌َلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ ءَايَنَيْنِ﴾ أي: علامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا، والآية فيهما: إقبالُ كلِّ واحدٍ منهما من حيثُ لا يعلمُ، وإدبارُه إلى حيث لا يعلم، ونقصانُ أحدهما بزيادة الآخر وبالعكس آيةٌ أيضاً، وكذلك ضوءُ النهار وظلمةُ الليل. وقد مضى هذا (٤). ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَّلِ﴾ ولم يقل: فمحونا الليل، فلما أضاف الآية إلى الليل والنهار دلَّ على أنَّ الآيتين المذكورتين لهما لاهما(٥). و((مَحَوْنَا)) معناه: طمسنا (٦). وفي الخبر: أنَّ اللهَ تعالى أمرَ جبريل عليه السلام فَأَمَرَّ جناحَه على وجه القمر فطمس عنه الضوء، وكان كالشمس في النور، والسوادُ الذي يُرى في القمر من أثر المحو. قال ابن عباس: جعلَ الله الشمس سبعين جزءاً والقمر سبعين جزءاً، فمحا من نور القمر تسعةً وستين جزءاً، فجعله مع نور الشمس، فالشمس على مئةٍ وتسع (٧) وثلاثين جزءاً والقمرُ على جزءٍ واحد. وعنه أيضاً: خلقَ اللهُ شمسين من نور عرشه، فجعل ما سبق (١) صحيح مسلم (٢٦٠١)، وأخرجه أحمد (٧٣١١). (٢) أخرجه أحمد (٢٤١٧٩)، ومسلم (٢٦٠٠) عن عائشة، وأحمد (١٤٧٥٠)، ومسلم (٢٦٠٢) عن جابر. (٣) ينظر تفسير الرازي ١٦٢/٢٠. (٤) ٢ / ٤٩٠ - ٤٩٤ . (٥) ينظر الكشاف ٢/ ٤٤٠. (٦) الوسيط ٩٨/٣. (٧) كلمة (وتسع)) ليست في النسخ، وأثبتت من المصادر؛ إذ لا يستقيم المعنى إلا بإثباتها. ٣٨ سورة الإسراء: الآية ١٢ في علمه أن يكون شمساً مثل الدنيا على قَدْرِها ما بين مشارقها إلى مغاربها، وجعل القمرَ دون الشمس، فأرسل جبريل عليه السلام فأمَرَّ جناحه علی وجهه ثلاث مرات - وهو يومئذٍ شمسٌ - فطُمِسَ ضوؤُه وبقي نورُه؛ فالسواد الذي ترونه في القمر أثرُ المحو، ولو تركه شمساً لم يُعْرفِ الليلُ من النهار. ذكر عنه الأوّل الثعلبيُّ(١) والثاني المَهدَوِيّ، وسيأتي مرفوعاً. وقال عليٍّ ﴾ وقتادة: يريد بالمحو اللطخةَ السوداءَ التي في القمر؛ ليكون ضوءُ القمر أقلَّ من ضوء الشمس، فيتميزَ به الليل من النهار(٢). ﴿وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا شمسَه مضيئةً للأبصار(٣). قال أبو عمرو ابن العَلاء: أي: يُبْصَرُ بها (٤). قال الكسائيّ: وهو من قول العرب: أبصرَ النهارَ إذا أضاء، وصار بحالةٍ يُبْصَرُ بها، وقيل: هو كقولهم خبيثٌ مُخْبِثٌ إذا كان أصحابُه خُبَثاء. ورجلٌ مُضْعِفٌ إذا كانت دوابُّه ضِعافاً؛ فكذلك النهار مُبْصِراً إذا كان أهله بُصَراء(٥). ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يريد التصرُّف في المعاش. ولم يذكُرِ السكونَ في الليل اكتفاءً بما ذكر في النهار. وقد قال في موضع آخر: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]. ﴿وَلِيَعْلَمُواْ عَدَدَ الِسِنِينَ وَاَلْحِسَابَّ﴾ أي: لو لم يفعل ذلك لما عُرِفَ الليلُ من النهار، ولا كان يُعرَفُ الحساب والعدد(٦). ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ نَفْصِيلًا﴾ أي: من أحكام التكليف؛ وهو كقوله: ﴿يَبْيَنَا لِكُلِّ (١) وذكره البغوي في تفسيره ٣/ ١٠٧، وذكره أيضاً السيوطي في الدر المنثور ١٦٧/٤ لكن نسبه إلى عكر مة. (٢) النكت والعيون ٢٣٢/٣، وأخرجه الطبري ٥١٥/١٤ من قول علي ﴾. (٣) النكت والعيون ٢٣٢/٣. (٤) وهو قول ابن قتيبة في الغريب ص ٢٥٢، وتأويل المشكل ص٢٢٨ . (٥) وهو قول أبي عبيدة كما ذكر الرازي في تفسيره ١٦٥/٢٠ - ١٦٦ . (٦) الوسيط ٩٩/٣، وزاد المسير ١٤/٥. ٣٩ سورة الإسراء: الآيات ١٢ - ١٤ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وعن ابن عباس أنَّ النبيّ :﴿ قال: ((لما أبرمَ اللهُ خلقَه فلم يبقَ من خلقه غيرُ آدم خلق شمساً من نور عرشه وقمراً، فكانا جميعاً شمسَين، فأما ما كان في سابق علم الله أن يَدَعها شمساً فخلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في علم الله أن يخلقَها قمراً فخلقها دون الشمس في العِظَم، ولكن إنما يُرى صِغَرُهما من شدة ارتفاع السماء وبُعدِها من الأرض، فلو تركَ اللهُ الشمسَ والقمرَ كما خلقهما لم يُعرَفِ الليلُ من النهار، ولا كان الأجير يدري إلى متى يعمل، ولا الصائمُ إلى متى يصوم، ولا المرأةُ كيف تَعْتَدُّ، ولا تُذْرَى أوقاتُ الصلوات والحج ولا تحِلُّ الديون، ولا حين يبذرون ويزرعون، ولا متى يسكنون للراحة لأبدانهم، وكأنَّ اللهَ نظرَ إلى عباده - وهو أرحم بهم من أنفسهم - فأرسل جبريلَ فأمَرَّ جناحَه على وجه القمر ثلاثَ مراتٍ - وهو يومئذٍ شمسٌ - فطمسَ عنه الضوء، وبقي فيه النور، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَيْنِّ﴾ الآية(١). قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنَنِ اَلْزَمْنَهُ طَِّرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنْشُورًا (٣ آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَنِ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾ قال الزَّجَّاجِ(٢): ذِكرُ العُنقِ عبارةٌ عن اللزوم كلزوم القِلادة للعنق. وقال ابن عباس: ((طائره): عمله وما قُدِّر عليه من خيرٍ وشر، وهو ملازمه أينما كان(٣). وقال مقاتل والكلبي: خيرُه وشرُّه معه لا يفارقه حتى يُحاسَبَ به (٤). وقال (١) أخرجه الطبري في تاريخه ٦٥/١ - ٦٦، وفي إسناده أبو نعيم عمر بن صبح، وهو متروك، وقد اتُّهم بالوضع. الميزان ٢٠٦/٣ - ٢٠٧ . (٢) في معاني القرآن ٣/ ٢٣٠. (٣) أخرجه الطبري ٥١٩/١٤ . (٤) تفسير البغوي ١٠٨/٣ . ٤٠ سورة الإسراء: الآيتان ١٣ - ١٤ مجاهد: عمله ورزقه(١). وعنه: ما من مولودٍ يولد إلا وفي عُنقه ورقةٌ فيها مكتوب: شَقِيٍّ أو سعيد(٢). وقال الحسن: ((ألزمناه طائره)) أي: شقاوته وسعادته، وما كُتِبَ له من خيرٍ وشرِّ وما طار له من التقدير (٣)، أي: صار له عند القسمة في الأزل. وقيل: أراد به التكليف، أي: قدرناه إلزام الشرع، وهو بحيث لو أراد أن يفعل ما أُمِر به وينزجر عما زُجر به أمكنه ذلك. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ يعني: كتابَ طائرِه الذي في عنقه(٤). وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد: ((طيره)) بغير ألف(٥)؛ ومنه ما روى في الخبر: ((اللَّهُمَّ لا خيرَ إلا خيرُكَ، ولا طَيْرَ إلا طيرُكَ، ولا ربَّ غيرُكَ))(٦). وقرأ ابن عباس والحسن ومجاهد وابن مُحَيْصِن وأبو جعفر ويعقوب: ((ويَخْرُج)) بفتح الياء وضمِّ الراء (٧)، على معنى: ويَخرجُ له الطائرُ كتاباً؛ فـ (كتاباً)) منصوبٌ على الحال. ويَحتمِلُ أن يكون المعنى: ويخرجُ الطائرُ فيصيرُ كتاباً. وقرأ يحيى بن وَثَّاب: ((ويُخْرِج)) بضمِّ الياء وكسر الراء، ورُوي عن مجاهد(٨)، أي: يُخرِجُ الله. وقرأ شيبة ومحمد بن السَّمَيْفَعِ، ورُويَ أيضاً عن أبي جعفر: ((ويُخْرَج)) بضمِّ الياء وفتح الراء (١) أخرجه الطبري ٥٢٠/١٤، والبيهقي في الشعب (٢١٦١)، ولم يُذكر: رزقه، وهو كذلك في تفسير مجاهد ٣٥٩/١. (٢) أخرجه الطبري ١٤/ ٥٢٠، وهو في تفسير مجاهد ٣٥٩/١ . (٣) زاد المسير ١٥/٥. (٤) النكت والعيون ٢٣٣/٣ . (٥) الشواذ ص ٧٥، والمحرر الوجيز ٤٤٢/٣، وزاد المسير ١٦/٥. (٦) أخرجه أحمد (٧٠٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (٧) معاني القرآن للفراء ١١٨/٢، ومعاني القرآن للنحاس ١٣١/٤، وتفسير الطبري ٥٢٢/١٤، والمحرر الوجيز ٤٤٣/٣، وزاد المسير ١٦/٥، والنشر ٣٠٦/٢، ولم يذكروا هذه القراءة عن أبي جعفر. (٨) هذه القراءة في معاني القرآن للفراء ١١٨/٢، وفي النشر ٣٠٦/٢ عن أبي جعفر، وهي من العشرة. وهي في زاد المسير ١٦/٥ عن قتادة وأبي المتوكل.