النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة النحل: الآية ١٠٦
أو الاعتراف(١). قال ابن المنذر (٢): وبالقول الأوَّل أَقولُ.
الثانية عشرة: واختلفوا في وجوبِ الصداق للمستكرهة، فقال عطاء والزُّهْرِيُّ:
لها صداقُ مثلِها؛ وهو قولُ مالكِ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ وأبي ثور. وقال
الثَّوْرِيُّ: إذا أُقيمَ الحدُّ على الذي زنى بها بَطَلَ الصَّداقُ. ورُويَ ذلك عن الشعبي، وبه
قال أصحابُ مالكٍ وأصحابُ الرأي. قال ابن المنذر: القولُ الأول صحيحٌ(٣).
الثالثة عشرة: إذا أُكرِهَ الإنسانُ على إسلام أهلِه لِمَا لم يَحِلَّ، أَسْلَمَها ولم يَقْتُلْ
نفسَه دونها، ولا احتمل أذَّةً في تخليصها. والأصلُ في ذلك ما خَرّجه البخاريُّ عن
أبي هريرة قال: قال رسول اللـه ﴾: ((هاجر إبراهيمُ عليه السلام بسارةَ، ودخل بها
قرية فيها ملكٌ من الملوك أو جبارٌ من الجبابرة، فأرسلَ إليه أن أُرسِلْ بها إليّ، فأرسلَ
بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلّي، فقالت: اللهم إن كنتُ آمنتُ بك وبرسولك فلا
تسلّط عليَّ هذا الكافر، فغُطّ حتى رَكَض برجله)) (٤). ودلَّ هذا الحديثُ أيضاً على أنّ
سارةً لمَّا لم يكنْ عليها ملامةٌ، فكذلك لا يكونُ على المستكرهة ملامةٌ، ولا حدَّ فيما
هو أكبرُ من الخَلْوة. والله أعلم.
الرابعة عشرة: وأمّا يمينُ المكْرَهِ فغيرُ لازمةٍ عند مالكِ والشافعي وأبي ثور وأكثرٍ
العلماء. قال ابن الماجشون: وسواءٌ حلَفَ فيما هو طاعةٌ لله أو فيما هو معصيةٌ إذا
أكره على اليمين؛ وقاله أصْبَغ. وقال مطرّف: إن أُكره على اليمين فيما هو لله معصيةٌ
أو ليس في فِعْلِه طاعةٌ ولا معصيةٌ فاليمينُ فيه ساقطة، وإن أُكره على اليمين فيما هو
طاعةٌ مثلُ أن يأخذَ الوالي رجلاً فاسقاً فيُكرِهَه أن يحلِفَ بالطلاق [أنْ] لا يشربَ
(١) أخرجه أحمد (٢٧٦)، والبخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١) (١٥).
(٢) في الإشراف ٢/ ٤١ .
(٣) الإشراف ٢/ ٤٢ .
(٤) أخرجه البخاري (٦٩٥٠)، ومسلم (٢٣٧١) (١٥٤)، والكلام نقله المصنف من أحكام القرآن لابن
العربي ١١٦٩/٣ - ١١٧٠.

٤٤٢
سورة النحل: الآية ١٠٦
خمراً، أو لا يفسقَ ولا يَغُشَّ في عمله، أو الوالدُ يحلِّفُ ولدَه تأديباً له فإن اليمينَ
تلزَمُ، وإن كان المكرِهُ قد أخطأ فيما يكلِّف من ذلك. وقال به ابن حبيب(١). وقال أبو
حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين: إنه إنْ حَلَفَ أَلَّا يفعلَ ففعل حَنِث(٢)، قالوا: لأن
المكْرَه له أن يورِّيّ في يمينه كلِّها، فلمَّا لم يورٌّ، ولا ذهبتْ نيَّته إلى خلاف ما أُكره
عليه، فقد قَصَدَ إلى اليمين. احتج الأوَّلون بأن قالوا: إذا أُكره عليها فنيَّتُه مخالفةٌ
لقوله؛ لأنه كارهٌ لِمَا حلفَ عليه.
الخامسة عشرة: قال ابن العربيّ(٣): ومن غريب الأمرِ أنَّ علماءَنا اختلفوا في
الإكراه على الحِنث هل يقعُ به أم لا؟ وهذه مسألةٌ عراقيةٌ سَرَتْ لنا منهم، لا كانتْ
هذه المسألةُ ولا كانوا! وأيُّ فَرقٍ يا معشرَ أصحابِنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا
تَلْزَمُ، وبين الحِنْث في أنه لا يقع؟ فاتقوا الله وراجعوا بصائركم، ولا تغترُّوا بهذه
الروايةِ فإنها وصمةٌ في الدِّرایة.
السادسة عشرة: إذا أُكرهَ الرجلُ على أن يحلِفَ وإلا أُخِذَ له مالٌ، كأصحابٍ
المَكْس (٤) وظَلَمةِ السعاة وأهل الاعتداء، فقال مطرف(٥): لا تَقِيَّة له في ذلك، وإِنما
يدرَأُ المرءُ بيمينه عن بدنه لا مالِهِ. وقال ابنُ الماجشون: لا يحنّثُ وإن درأ عن ماله
ولم يخف على بدنه. وقال ابن القاسم بقول مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد
الحكم وأضبغ(٦).
قلت: قولُ ابنِ الماجشون صحيحٌ؛ لأنَّ المدافعةَ عن المال كالمدافعة عن
(١) النوادر والزيادات ٣٠٦/١٠، والمحرر الوجيز ٤٢٤/٣.
(٢) تحفة الفقهاء ٢/ ٢٩١ .
(٣) في أحكام القرآن ١١٦٩/٣ .
(٤) المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وأصله الجباية. اللسان (مكس).
(٥) في النسخ: مالك، والمثبت من المحر الوجيز ٤٢٤/٣، والكلام منه.
(٦) المحرر الوجيز ٤٢٤/٣، وينظر النوادر والزيادات ٣٠٧/١٠.

٤٤٣
سورة النحل: الآية ١٠٦
النفس؛ وهو قول الحسن وقتادةً وسيأتي. وقال رسولُ الله﴾: ((إن دماءكم وأموالكم
وأعراضكم عليكم حرامٌ» (١) وقال: ((كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ؛ دمُه ومالُه
وِرضُه))(٢). وروى أبو هريرةَ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللـه # فقال: يا رسول الله،
أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أَخْذَ مالي؟ قال: ((فلا تُعْطِه مالك)). قال: أرأيت إن قاتلَني؟
قال: ((قاتِلْه)) قال: أرأيتَ إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)) قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال:
((هو في النار)). خرَّجه مسلم. وقد مضى الكلام فيه(٣).
وقال مطرّف وابن الماجشون: وإن بدَرَ الحالفُ بيمينه للوالي الظالم قبل أن
يُسألها؛ ليَذُبَّ بها عما خافَ عليه من ماله وبدنه، فحلَفَ له فإنها تَلْزَمُه. وقاله ابنُ عبد
الحكم وأصبغ. وقال أيضاً ابن الماجشون فيمن أَخَذَه ظالمٌ فحلَفَ له بالطلاق البتّةَ
من غيرِ أن يُحلِّفَه وترَكَه وهو كاذبٌ، وإنما حلَفَ خوفاً من ضرْبِهِ وقَتْلِه وأخذِ ماله:
فإن كان إنَّما تبرّع باليمين غلبةً خوفٍ ورجاءَ النجاةِ من ظُلْمه، فقد دخل في الإكراه
ولا شيءَ عليه، وإن لم يحلِفْ على رجاء النجاةِ فهو حانث(٤).
السابعة عشرة: قال المحققون من العلماء: إذا تلفَّظَ المُكرَهُ بالكفر؛ فلا يجوزُ له
أن يُجرِيَه على لسانه إلا مُجرَى المعاريض، «فإنَّ في المعاريض لمندوحةً عن
الكذب))(٥). ومتى لم يكن كذلك كان كافراً؛ لأن المعاريضَ لا سلطانَ للإكراه عليها.
مثاله: أن يقال له: اكفر بالله، فيقولُ: باللاهي، فيزيدُ الياء. وكذلك إذا قيل له: اكفر
بالنبي، فيقول: هو كافر بالنبيّ، مشدّداً وهو المكان المرتفعُ من الأرض. ويُطلَقُ على
ما يُعمَلُ من الخُوصِ (٦) شِبهَ المائدة، فيقصِدُ أحدَهما بقلبه، ويبرأ من الكفر، ويبرأ
(١) أخرجه البخاري (١٧٣٩) ومسلم (١٦٧٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وسلف ٢٢٨/٣.
(٢) أخرجه أحمد (٨٧٢٢)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٢)، من حديث أبي هريرة.
(٣) ٧/ ٤٤٤، وهو عند مسلم (١٤٠).
(٤) المحرر الوجيز ٤٢٤/٣، والنوادر والزيادات ٣٠٧/١٠ - ٣٠٨.
(٥) سلف ١١/ ٤٤٠ .
(٦) الخوص: ورق النخل. القاموس المحيط (خوص).

٤٤٤
سورة النحل: الآية ١٠٦
من إثمه. فإن قيل له: اكفر بالنبيء مهموزاً فيقول: هو كافرٌ بالنبيء، يريد بالمُخبِرِ. أيَّ
مخبرٍ كان، كُطَلَيحةً(١) ومُسَيْلِمةَ الكذابِ. أو يريد به النبيَّ الذي قال فيه الشاعر:
مكانَ النبيِّ من الكائب(٢)
فأصبح رَثْماً دُقاق الحَصَى
الثامنة عشرة: أجمع العلماء على أنَّ مَن أُكره على الكفر فاختار القتل، أنه أعظمُ
أجراً عند الله ممن اختار الرُّخصة(٣).
واختلفوا فيمن أُكره على غير القتلِ من فعلِ ما لا يَحِلُّ له؛ فقال أصحاب مالك:
الأخذ بالشِّدَّة في ذلك واختيارُ القتل والضربِ أفضلُ عند الله من الأخذ بالرخصة،
ذكره ابنُ حبیب وسُحنون.
وذكر ابنُ سُحنون عن أهل العراقِ أنه إذا تهدَّد بقتل أو قطع أو ضربٍ يخاف منه
التلف، فله أنْ يفعلَ ما أُكره عليه مِن شربٍ خمرٍ أو أكل خنزير؛ فإنْ لم يفعل حتى
قُتل، خِفنا أن يكونَ آئماً؛ لأنه كالمضطر (٤).
وروى خَبَّاب بنُ الأَرَتِّ قال: شكونا إلى رسول الله :﴿ وهو متوسِّدٌ بُرْدَةً له في
ظل الكعبة فقلنا: أَلَا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان مَن قبلَكم يُؤخذ
(١) هو: طليحة بن خويلد الأسدي، ارتدَّ وادعى النبوة، ثم هرب إلى الشام، وأسلم إسلاماً صحيحاً،
وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، ويقال إنه استشهد بنهاوند. الإصابة ٢٤٤/٥ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٦/٣ ، والبيت لأوس بن حجر من قصيدة يرثي بها فَضالة بن كلدة
الأسدي وهو شاعر أيضاً وكان صديقاً لأوس بن حجر، والبيت في ديوانه ص١١ ، والاشتقاق ص ٤٦٢ ،
والمعاني الكبير ١٢٣٠/٣، والتعازي والمراثي ص٣٣ . والرواية في الديوان والمعاني والتعازي:
لأصبح بدل فأصبح، ووقع في الديوان والتعازي: كمتن النبي، وفي المعاني الكبير: كظهر النبي.
قال المبرد في التعازي والمراثي ص ٣٥: لو دافع الجبل العظيم متحاملاً عليه، لأصبح الجبل رتماً
كظهر النبي، وهو رمل بعينه، من الكائب، أي: كمكان هذا من هذا. ومثَّله أبو عبيدة فقال: كقولك:
كظهر المربد من البصرة. والمرتوم: المحطوم المدقوق، يقال: رَتّم أنفه، أي: دقه. وقوله: دُقاق
الحصى، أي: دقيق، مثل قولك: رجل طُوال وطويل.
(٣) النوادر والزيادات ٢٤٨/١٠ .
(٤) ينظر النوادر والزيادات ٢٤٧/١٠ .

٤٤٥
سورة النحل: الآية ١٠٦
الرجلُ فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل
نصفين، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمِه وعَظْمِه، فما يَصُدُّه ذلك عن دينه. واللهِ
لَيَتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يخاف إلا الله
والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون))(١).
فوَصْفُه # هذا عن الأمم السالفةِ على جهة المدح لهم، والصبرِ على المكروه في
ذات الله تعالى، وأنهم لم يكفروا في الظاهر ويُبْطِنوا الإيمانَ ليدفعوا العذابَ عن
أنفسهم. وهذه حجّةُ مَن آثرَ الضربَ والقتلَ والهوانَ(٢) على الرخصة، والمقامَ بدار
الجِنَان. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في سورة الأُخدود(٣) إن شاء اللهُ تعالى.
وذكر أبو بكر محمد (٤) بن الفرج البَغْداديّ قال: حدَّثنا سُرَيج(٥) بنُ يونس، عن
إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن: أنَّ عيوناً لمسيلمة أخذوا
رجلين من أصحاب النبيِّ ﴾ فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أنَّ
محمداً رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسولُ الله؟ قال: نعم. فخلَّى عنه.
وقال للآخر: أتشهد أنَّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: وتشهدُ أني رسول الله؟.
قال: أنا أصمُّ لا أسمع، فقدَّمه فضرب عنقه. فجاء هذا إلى النبيِّ ﴾ فقال: هلكتُ!
قال: ((وما أَهلكَك))؟ فذكر الحديثَ، قال: ((أمَّا صاحبُك فأخذ بالثقة، وأما أنت
فأخذت بالرخصة. علامَ أنت عليه الساعة))؟ قال: أشهد أنك رسولُ الله. قال: ((أنتَ
على ما أنتَ عليه))(٦).
(١) أخرجه أحمد (٢١٠٥٧)، والبخاري (٣٦١٢).
(٢) قوله: والهوان، ليس في (د) و(ز) و(ظ).
(٣) عند تفسير الآيات (٤ - ٧) منها.
(٤) في (ظ): وذكر أبو محمد، وفي باقي النسخ: وذكر أبو بكر محمد بن محمد، والمثبت هو الصواب،
وهو محمد بن الفرج البغدادي الأزرق، توفي سنة (٢٨١هـ) السير ٣٩٤/١٣.
(٥) في (ف): شريج، وفي باقي النسخ: شريح، وهما تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨ عن إسماعيل بن إبراهيم، به. وأخرجه أبو داود في المراسيل
(٣٢٦) من طريق خالد، عن يونس، به.

٤٤٦
سورة النحل: الآية ١٠٦
الرخصة فيمن حلَّفه سلطانٌ ظالم على نفسه، أو على أن يدلَّه على رجل أو مالٍ
رجل؛ فقال الحسن: إذا خاف عليه وعلى ماله؛ فلْيحلف ولا يكفِّر يمينه، وهو قول
قتادةَ إذا حلف على نفسه أو مالٍ نفسه. وقد تقدَّم ما للعلماء في هذا (١).
وذكر موسى بنُ معاوية(٢) أنَّ أبا سعيد بنَ أشرسَ صاحبَ مالكِ استحلفه السلطانُ
بتونسَ على رجلٍ أراد السلطانُ قتلَه أنه ما آواه، ولا يَعلمُ له موضعاً، قال: فحلف له
ابنُ أشرس، وابنُ أشرس يومئذٍ قد علم موضعَه وآواه، فحلَّفه بالطلاق ثلاثاً، فحلف
له ابنُ أشرس، ثم قال لامرأته: اعتزلی، فاعتزلته، ثم رکب ابنُ أشرس حتی قدم
على البهلول بنِ راشد(٣) القيروانَ، فأخبره بالخبر، فقال له البهلول: قال مالك: إنك
حانث. فقال ابنُ أشرس: وأنا سمعت مالكاً يقول ذلك، وإنما أردت الرخصة - أو
كلامُ هذا معناه - فقال له البهلول بنُ راشد: قال الحسن البصريُّ: إنه لا حِنْثَ عليك.
قال: فرجع ابنُ أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن.
وذكر عبد الملك بنُ حبيب قال: حدَّثني [علي بن] معبد، عن المسيب بنِ
شريك، عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى
أن يَخْلِفَ ليقيَه بيمينه؟ فقال: نعم؛ وَلأنْ أحلفَ سبعين يميناً وأحنَثَ أحبُّ إليَّ أنْ
أَدُلَّ على مسلم(٤).
وقال إدريس بنُ يحيى: كان الوليد بنُ عبد الملك يأمر جواسيسَ يتجسَّسون
(١) في المسألة الرابعة عشرة.
(٢) أبو جعفر الصُّمادِحي، المغربي الإفريقي، الإمام المفتي. كان ثقة مأموناً، عالماً بالحديث والفقه
صالحاً. السير ١٠٨/١٢.
(٣) أبو عمر، كان ثقة مجتهداً ورعاً مستجاب الدعوة. مات سنة (٢٨٣) هـ. ترتيب المدارك ٣٣٠/١.
والقصة فيه بنحوها.
(٤) النوادر والزيادات ٣٠٩/١٠، وما سلف بين حاصرتين منه. والمسيب بن شريك وأبو شيبة - وهو
يوسف بن إبراهيم الجوهري - ضعيفان. ميزان الاعتدال ٤/ ١١٤ و ٤٦١ .

٤٤٧
سورة النحل: الآية ١٠٦
الخلق يأتونه بالأخبار، قال: فجلس رجلٌ منهم في حَلْقة رجاء بنِ حَيْوة، فسمع
بعضَهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه، فقال: يا رجاء، أُذْكَرُ بالسوء في مجلسك ولم
تغيِّر! فقال: ما كان ذلك يا أميرَ المؤمنين! فقال له الوليد: قل: آللهِ الذي لا إله إلا
هو، قال: آللهِ الذي لا إله إلا هو؛ فأمر الوليدُ بالجاسوس فضربه سبعين سَوْطاً،
فكان يَلقى رجاء فيقول: يا رجاء، بك يُستقى المطر، وسبعون سوطاً في ظهري!
فيقول رجاء: سبعون سَوطاً في ظهرك خيرٌ لك من أن يُقتلَ رجلٌ مسلم(١).
التاسعة عشرة: واختلف العلماء في حَدِّ الإكراه؛ فروي عن عمر بنِ الخطاب ﴾
أنه قال: ليس الرجل آمناً على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته(٢). وقال ابن
مسعود: ما كلامٌ يَدرأ عني سَوْطين إلَّا كنتُ متكلِّماً به. وقال الحسن: التَّقِيَّة جائزةٌ
لمؤمن إلى يوم القيامة(٣). إلَّ أنَّ الله تبارك وتعالى ليس يجعل في القتل تقيَّة. وقال
النَّخَعيُّ: القيد إكراه، والسِّجن إكراه، والوعيد إكراه(٤). وهذا قولُ مالك، إلا أنه
قال: والوعيد المخوف إكراهٌ وإن لم يقع، إذا تحقَّق ظلمُ ذلك المتعدِّي وإنفاذُه لما
يتوَّد به(٥)، وليس عند مالكٍ وأصحابِه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان
يؤلم من الضَّرب، وما كان من سجن يدخل منه الضِّيقُ على المكرَه. وإكراهُ السلطان
وغيرِهِ عند مالكٍ إكراه(٦).
(١) ذكر هذه القصة ابن عساكر في تاريخ دمشق ١١٣/١٨ - ١١٤، والذهبي في السير ٥٦١/٤ عن عبد
الرحمن بن یزید بن جابر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١٤٢٤) و(١٨٧٩٢) وفيه: أجعته بدل أخفته. والبيهقي ٣٥٨/٧-٣٥٩
بلفظ: إذا جُوعت. وأورده ابن عبد البر في الاستذكار ١٨/ ١٥٥ بلفظ: إذا أُخيف أو ضرب أو أوثق.
(٣) النوادر والزيادات ٢٤٦/١٠، ٢٥١، وكلام ابن مسعود في المحرر الوجيز ٤٢٣/٣ أيضاً، وتقدم في
المسألة الخامسة.
(٤) النوادر والزيادات ٣٠٦/١٠ عن النخعي وشريح، وفيه: والوعيد المخوف كره. وقوله: والوعيد إكراه،
ليس في (م). وأخرجه عن شريح عبد الرزاق (١١٤٢٣)، والبيهقي ٣٥٩/٧ .
(٥) المحرر الوجيز ٤٢٤/٣، وينظر النوادر والزيادات ٢٥١/١٠.
(٦) النوادر والزيادات ٢٤٩/١٠.

٤٤٨
سورة النحل: الآية ١٠٦
وتناقَض الكوفيُّون فلم يجعلوا السِّجنَ والقيدَ إكراهاً على شرب الخمر وأكلٍ
الميتة؛ لأنه لا يُخاف منهما التَّلَفُ. وجعلوهما إكراهاً في إقراره: لفلانٍ عندي ألفُ
(١)
درهم(١).
قال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أنَّ الألم والوجَعَ الشديد إكراهٌ ما يدلُّ على
أنَّ الإكراه يكون مِن غير تَلَفِ نفس [أو عضو](٢).
وذهب مالكٌ إلى أنَّ مَن أُكره على يمين بوعيد أو سجٍ أو ضربٍ أنه يَحلف ولا
حِنْث عليه؛ وهو قول الشافعيِّ وأحمدَ وأبي ثَوْرٍ وأكثرِ العلماء(٣).
الموفية عشرين: ومن هذا الباب ما ثبت: ((إنَّ من المعاريض لمندوحةً عن
الكَذِب)»(٤). وروى الأعمش، عن إبراهيم النَّخَعيِّ أنه قال: لا بأس إذا بلَغ الرجلَ
عنك شيءٌ أن تقول: واللهِ، إنَّ الله يعلم ما قلتُ فيك مِن ذلك مِن شيءٍ(٥). قال
عبد الملك بنُ حبيب: معناه: إنَّ الله يعلم الذي(٦) قلت، وهو في ظاهره انتفاءٌ من
القول، ولا چِنث على من قال ذلك في يمينه، ولا گذِبَ علیه في كلامه.
وقال النخعيُّ: كان لهم كلامٌ مِن ألغاز الأيمانِ يدرؤون به عن أنفسهم، لا يرون
ذلك من الكذب، ولا يخشون فيه الحِنث. قال عبد الملك: وكانوا يسمُّون ذلك:
المعاريضَ من الكلام، إذا كان ذلك في غير مكرٍ ولا خديعةٍ في حقٌّ.
وقال الأعمش: كان إبراهيم النخعيُّ إذا أتاه أحدٌ یکره الخروجَ إلیه، جلس في
مسجد بيته، وقال لجاريته: قولي له: هو واللهِ في المسجد(٧).
(١) ينظر النوادر والزيادات ٢٥٠/١٠.
(٢) النوادر والزيادات ٢٤٩/١٠ ، وما بین حاصرتین منه.
(٣) ينظر النوادر والزيادات ٣٠٦/١٠، والإشراف ٤٦٥/١ .
(٤) سلف ١١/ ٤٤٠، وص ٤٤٣ من هذا الجزء.
(٥) ينظر النوادر والزيادات ٩/٤ .
(٦) في (ظ) و(ف) و(م): أن الذي، وهو خطأ.
(٧) ينظر النوادر والزيادات ٩/٤ .

٤٤٩
سورة النحل: الآيات ١٠٦ - ١٠٩
وروى مغيرةُ، عن إبراهيم، أنه كان يُجيز للرجل من البَعْث إذا عُرضوا على
أميرِهم أن يقول: واللهِ ما أهتدي إلَّا ما سدَّد لي غيري، ولا أركب إلَّا ما حملني
غيري، ونحو هذا من الكلام.
قال عبد الملك: يعني بقوله: غيري، الله تعالى، هو مسدِّدُه وهو يحمله؛ فلم
یکونوا یرون على الرجل في هذا چِنثاً في يمينه، ولا كذباً في كلامه، وكانوا يكرهون
أنْ يقالَ هذا في خديعةٍ وظلم وجحدانِ حقٌّ، فمن اجترأ وفعل أَثِم في خديعته، ولم
تجب عليه كفَّارةٌ في يمينه(١).
الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: وسَّعه
القَبول الكفر، ولا يَقدِرُ أحدٌ على ذلك إلَّا الله؛ فهو يردُّ على القَدَرية. و((صدراً)) نصبٌ
على المفعول(٢). ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذابُ جهنّم.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ( أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللّهُ عَلَى قُلُوبِهِزْ وَسَنْعِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ
١٠٩
الْخَسِرُونَ
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الغضب. ﴿بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي:
اختاروها على الآخرة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ((أنَّ)) في موضع خفضٍ عطفاً على ((بأنهم)). ﴿لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِينَ﴾ ثم وصفهم فقال: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي:
عن فهم المواعظ. ﴿وَسَمْعِهِمْ﴾ عن كلام الله تعالى. ﴿وَأَبْصَرِهِمْ﴾ عن النظر في
الآيات. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عمَّا يراد بهم. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ
الْخَسِرُونَ﴾ تقدَّم(٣).
(١) ينظر المصدر السابق.
(٢) تفسير الرازي ١٢٣/٢٠.
(٣) ٩٤/١١ - ٩٥ .
:

٤٥٠
سورة النحل: الآيتان ١١٠ - ١١١
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُوَّ
جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَنَهَدُواْ
وَصَبَرُوا﴾ هذا كلَّه في عمَّار. والمعنى: وصبروا على الجهاد؛ ذكره النخَّاس(١).
وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنَهم المشركون
وعذَّبوهم، وقد تقدَّم ذِكرُهم في هذه السورة(٢).
وقيل: نزلت في ابن أبي سَرْح، وكان قد ارتدَّ ولَحِقٍ بالمشركين، فأمر النبيُّ ﴾
بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان، فأجاره النبيُّ #؛ ذكره النَّسائيُّ عن عِكرمة،
عن ابن عباس قال في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِهِ إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فنُسخ واستثني من ذلك، فقال: ﴿ثُمَّ
إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهو عبد الله بن سعد بنِ أبي سَرْح الذي کان علی مصر، كان
يكتب لرسول اللـه ﴾، فأزلَّه الشيطانُ فلحق بالكفار، فأمر به أن يُقتلَ يومَ الفتح،
فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسولُ الله﴾(٣).
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَن نَفْسِهَا وَتُوَّ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿یَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ أي: إنَّ الله غفور رحيم في
ذلك(٤)، أو ذَكِّرهم ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَنْ ثَّفْسِهَا﴾ أي: تُخاصم وتحاجُ عن
نفسها.
(١) في معاني القرآن ١٠٨/٤، وينظر ص ٤٣٢-٤٣٤ من هذا الجزء.
(٢) ص٤٣٢-٤٣٤ من هذا الجزء، وينظر أسباب النزول للواحدي ص٢٨٩ .
(٣) المجتبى ١٠٧/٧، والكبرى (٣٥١٨)، وأخرج أبو داود (٤٣٥٨) القطعة الأخيرة منه.
(٤) يعني التقدير: غفور رحيم يومَ تأتي كلُّ نفس ... إعراب القرآن للنحاس ٤١٠/٢.

٤٥١
سورة النحل: الآية ١١١
جاء في الخبر: إنَّ كل أحدٍ يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، من شدَّة هول يومٍ
القيامة، سوى محمدٍ ﴿ فإنه يسأل في أمته (١).
وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، خوَّفنا، هيِّجنا، حدِّثنا،
نبِّهنا. فقال له كعب: يا أميرَ المؤمنين، والذي نفسي بيده، لو وافيتَ يومَ القيامة بمثل
عمل سبعين نبيًّ، لأنَتْ عليك تاراتٌ(٢) لا يُهِمُّك إلَّا نفسُك، وإنَّ لِجهنم زفرةً لا يبقى "
مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٍّ منتخَب إلا وقع جائياً على رُكبتيه، حتى إنَّ إبراهيم الخليل لَيُدْلي
بالخُلَّة فيقول: يا ربِّ، أنا خليلُك إبراهيم، لا أسألك اليومَ إلا نفسي! قال: يا
كعب، أين تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تَُّدِلُ
عَنْ نَّفْسِهَا وَتُوَى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾(٣).
وقال ابن عباس في هذه الآية: ما تزال الخصومةُ بالناس يومَ القيامة حتى تُخاصِمَ
الروحُ الجسد، فتقول الروح: ربِّ، الروحُ منك أنت خلقته، لم تكن لي يدٌ أَبْطِشُ
بها، ولا رجلٌ أمشي بها، ولا عين أُبصِر بها، ولا أذن أسمع بها، ولا عقل أَعقِل
به، حتى جئتُ فدخلت في هذا الجسد، فَضَعِّف عليه أنواعَ العذاب ونجِّني، فيقول
الجسد: ربِّ، أنت خلقتني بيدك، فكنتُ كالخشبة، ليس لي يدٌ أَبطِشُ بها، ولا قَدَمٌ
أَسعَى به، ولا بصرِّ أُبصِر به، ولا سَمْعٌ أَسمع به، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطقَ
لساني، وبه أَبصرَتْ عيني، وبه مشَتْ رجلي، وبه سمعتْ أُذني، فضعِّف عليه أنواعَ
العذاب ونجِّني منه. قال: فيضرِبُ اللهُ لهما مَثَلاً: أعمى ومُفْعَداً دخلا بستاناً فيه
ثمار، فالأعمى لا يُبصِر الثمرة، والمُقْعد لا ينالُها، فنادى المُقعَدُ الأعمى: إِيتني
(١) أخرجه مطولاً أحمد (٩٦٢٣)، والبخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﴾. وفي
الباب عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، تنظر في مسند أحمد.
(٢) جمع تارة.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ١٥٤/١٣ - ١٥٥، وأحمد في الزهد ص١٥١، وأبو نعيم في الحلية
٣٦٨/٥ - ٣٦٩ بنحوه.

٤٥٢
سورة النحل: الآيتان ١١١ - ١١٢
فاحملْنِي آكلْ وأُطعِمْك، فدنا منه فحمله، فأصابوا من الثمرة، فعلى من يكون
العذاب؟! قال: عليكما جميعاً العذاب؛ ذكره الثعلبي(١).
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللّهُ مَثَلًا قَرْبَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا
رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ﴾ هذا متَّصلٌ بذِكر المشركين. وكان رسول الله ﴾
دعا على مُشركي قريش وقال: ((اللَّهمَّ اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، واجعلها عليهم سنينَ
كَسِني يوسفَ))، فابتُلُوا بالقحط حتى أكلوا العِظام(٢)، ووجَّه إليهم رسولُ الله ﴾
طعاماً فَفُرِّق فيهم(٣).
﴿كَانَتْ ءَامِنَةٌ﴾ لا يُهاج أهلُها ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من البَرِّ
والبحر، نظيره: ﴿يُحِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] الآية(٤). ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ
اللَّهِ﴾ الأَنْعُم: جمع النِّعمة؛ كالأَشُدّ: جمع الشِّدَّة(٥). وقيل: جمع نُعْمَى، مثل:
بُؤسى وأَبؤس(٦). وهذا الكفران تكذيبٌ بمحمد ﴾.
﴿فَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ أي: أذاق أهلَها. ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ سمَّاه لباساً؛ لأنه يظهر
عليهم من الهُزال وشُحوبة اللونِ وسوء الحال ما هو كاللِّباس(٧). ﴿بِمَا كَانُوا
(١) وذكره أيضاً البغوي في تفسيره ٨٧/٣ .
(٢) أخرجه أحمد (٣٦١٣)، والبخاري (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨) من حديث ابن مسعود، وفي الباب
عن أبي هريرة ﴾ عند أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥)، وقد سلف ٣٠٤/٤.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٨٨/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٥٠١/٤، والرازي في تفسيره ١٣٠/٢٠.
:
(٤) تفسير البغوي ٨٨/٣ .
(٥) هذا قول سيبويه كما في إعراب القرآن للنحاس ٤١٠/٢، والمحرر الوجيز ٤٢٦/٣. وقال قطرب وأبو
عبيدة في مجاز القرآن ٣٦٩/١: واحد الأنعم: نُعْم. وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٢١/٣ .
(٦) لم نقف على من ذكر هذا الجمع، وفي معاجم اللغة: أَبْؤُس جمع بُؤس، وأَنْعُم جمع نُعْم. وقال
الطبري في تفسيره ١٤ / ٣٨٥: وكان بعض أهل الكوفة يقول: أنعم جمع نعماء، مثل: بأساء وأبؤس.
(٧) النكت والعيون ٢١٧/٣ .

٤٥٣
سورة النحل: الآيتان ١١٢ - ١١٣
يَصْنَعُونَ﴾ أي: من الكفر والمعاصي.
وقرأه حفص بنُ غياث ونصر بن عاصم وابنُ أبي إسحاق والحسن، وأبو عمرٍو
فيما روى عنه عبدُ الوارث وعبيدٌ وعباسٌ: ((والخوفَ)) نصباً بإيقاع ((أذاقها)) عليه(١)،
عطفاً على ((لباسَ الجوعِ))، أي: أذاقها الله لباس الجوع (٢) وأذاقها الخوفَ. وهو
بعث النبيِّ# سراياه التي كانت تُطيف بهم(٣). وأصل الذَّوق بالفم، ثم يُستعار فيوضع
موضعَ الابتلاءِ(٤).
وضرب مكة مثلاً لغيرها من البلاد، أي: إنها مع جوار بيتِ الله وعِمارةٍ
مسجده، لمَّا كفر أهلُها؛ أصابهم القَخْط، فكيف بغيرها من القُرى. وقد قيل: إنها
المدینة، آمنت برسول الله #، ثم کفرت بأنْعُم الله بقتل عثمان بن عفان، وما حدث
بها بعد رسولِ الله# من الفتن. وهذا قول عائشةً وحفصة زَوجَي النبيِّ﴾. وقيل: إنه
مَثَلٌ مضروبٌ بأيٍّ قريةٍ كانت على هذه الصفةِ من سائر القرى(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ
ظَلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ هذا يدلُّ على أنها مكة. وهو قول
ابنِ عباس ومجاهدٍ وقتادة(٦). ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ وهو الجوع الذي وقع بمكة.
(١) ذكر رواية عبد الوارث وعبيد عن أبي عمرو ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٥٠٠ وهي غير المشهورة
عن أبي عمرو، والقراءة المشهورة عنه كقراءة الجماعة. وعبيد: هو ابن عقيل بن صبيح أبو عمرو
الهلالي البصري. قال البخاري: مات في رمضان سنة ٢٠٧ هـ وعباس هو ابن الفضل بن عمرو أبو
الفضل الواقفي الأنصاري البصري، قاضي الموصل. توفي سنة ١٨٦ هـ غاية النهاية ٤٩٦/١ و ٣٥٣.
(٢) قوله: أي: أذاقها الله لباس الجوع، ليس في (د) و(م).
(٣) تفسير البغوي ٨٨/٣ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ١٠٩/٤ .
(٥) النكت والعيون ٢١٧/٣، وقول حفصة رضي الله عنها أخرجه الطبري ١٤/ ٣٨٤.
(٦) أخرجه عنهم الطبري ١٤/ ٣٨٣.

٤٥٤
سورة النحل: الآيات ١١٤ - ١١٧
وقيل: الشدائد، والجوعُ منها.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلا ◌َتِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: كلوا يا معشرَ المسلمين من الغنائم.
وقيل: الخطاب للمشركين؛ لأن النبيَّ ﴾ بعث إليهم بطعام رِقَّةً عليهم، وذلك أنهم
لما ابتُلُوا بالجوع سبعَ سنين، وقطع العرب عنهم المِيرَةُ(١) بأمر النبيِّ # أكلوا العظام
المُحرَقةَ والجِيفةَ والكلاب الميتة والجلود والعِلْهِز، وهو الوَبَر يعالج بالدَّم. ثم إنَّ
رؤساء مكة كلَّموا رسولَ الله ﴾ حين جُهدوا، وقالوا: هذا عذابُ الرجال، فما بالُ
النساء والصِّبيان؟ وقال له أبو سفيان: يا محمد، إنك جئتَ تأمر بصلة الرَّحم والعفو،
وإنَّ قومك قد هلكوا؛ فادعُ اللهَ لهم. فدعا لهم رسولُ الله ﴾، وأَذِن للناس بحمل
الطعام إليهم وهم بعدُ مشركون(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُمِّلَ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهٌِ فَمَنِ اضْطَ غَيَرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِمٌ ﴾﴾
تقدم في ((البقرة)) القولُ فيها مستوفّى(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِنَّفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١٦) مَتَحُ قَلِيلٌ
وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فيه مسألتان:
(١) أي: الطعام.
(٢) زاد المسير ٥٠١/٤، وهذا الكلام جزء من الحديث الذي فيه: ((اللهم اجعلها عليهم سنين كسني
يوسف)) السالف قريباً.
(٣) ٢٢/٤ وما بعدها.

٤٥٥
سورة النحل: الآيتان ١١٦ - ١١٧
الأولى: قوله تعالى: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ ((ما)» هنا مصدريَّة، أي: لوصف(١). وقيل:
اللام لامُ سببٍ وأَجْل، أي: لا تقولوا لأجل وصفكم («الكَذِبَ)) (٢) بنزع الخافض،
أي: لِمَا تصف ألسنتكم من الكذب. وقُرئ: ((الكُذُبُ)) بضمِّ الكاف والذال والباء،
نعتاً للألسنة، وقد تقدَّم(٣).
وقرأ الحسن هنا خاصَّةً: ((الكَذِبِ)) بفتح الكاف وخفضٍ الذال والباء(٤)، نعتاً
لـ ((ما))؛ التقدير: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب(٥). وقيل: على البدل من ((ما))
أي: ولا تقولوا للكذب(٦) الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلالٌ وهذا حرام؛ لتفتروا على
اللهِ الكذب.
الآية خطابٌ للكفار الذين حرَّموا البحائرَ والسَّوائب، وأحلُّوا ما في بطون الأنعام
وإنْ كان مَيْتَةً. فقوله: ((هذا حلال)) إشارةٌ إلى ميتة بطونِ الأنعام، وكلّ ما أحلُوه.
وقوله: ((وهذا حرام)) إشارةٌ إلى البحائر والسوائب وكلِّ ما حرَّموه(٧).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: ما هم فيه مِن
نعيم الدنيا يزولُ عن قريب. وقال الزجَّاج(٨): أي: متاعُهم متاعٌ قليل. وقيل: لهم
متاعٌ قليل(٩)، ثم يُردُّون إلى عذابٍ أليم.
(١) بنحوه في إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤١٠، ومشكل إعراب القرآن ٤٢٦/١.
(٢) ينظر تفسير البغوي ٨٨/٣ .
(٣) ص٣٤٧ من هذا الجزء.
(٤) القراءات الشاذة ص ٧٣، والمحتسب ١٢/٢.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤١٠، ومشكل إعراب القرآن ٤٢٦/١، والكشاف ٤٣٣/٢ . قال أبو حيان
في البحر ٥٤٥/٥: وهذا عندي لا يجوز؛ وذلك أنهم نصوا على أن ((أن)) المصدرية لا ينعت المصدر
المنسبك منها ومن الفعل ... وحكم باقي الحروف المصدرية حكم ((أن)).
(٦) في (د) و(ز) و(ظ): الكذب، والمثبت من (ف) و(م)، وينظر معاني القرآن للأخفش ٦٠٩/٢ ،
والمحرر الوجيز ٤٢٩/٣ .
(٧) المحرر الوجيز ٤٢٩/٣ .
(٨) في معاني القرآن ٢٢٢/٣، ونقله المصنف عن الوسيط للواحدي ٨٩/٣.
(٩) من قوله: وقيل: لهم متاع قليل، ليس في (ظ) و(ف).

٤٥٦
سورة النحل: الآيات ١١٦ - ١١٨
الثانية: أسند الدَّارِميُّ أبو محمدٍ في ((مسنده)): أخبرنا هارون، عن حفص، عن
الأعمش قال: ما سمعتُ إبراهيمَ قِظُ يقول: حلال، ولا: حرام، ولكن كان يقول:
کانوا یکرهون، وکانوا یستحبُّون(١).
وقال ابن وَهْب: قال مالك: لم يكن من فُتْيا الناسِ أن يقولوا: هذا حلال وهذا
حرام، ولکن یقولون: إيَّاکم كذا وكذا، ولم أكن لأصنعَ هذا.
ومعنى هذا: أنَّ التحليل والتحريمَ إنما هو لله عزَّ وجلَّ، وليس لأحد أن يقولَ أو
يُصرِّحَ بهذا في عين من الأعيان، إلّا أن يكونَ البارئُ تعالى يُخبر بذلك عنه. وما
يؤدي إليه الاجتهادُ في أنه حرامٌ يقول: إني أكره [كذا]. وكذلك كان مالكٌ يفعل
اقتداءً بمن تقدَّم مِن أهل الفتوى. فإن قيل: فقد قال فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ
حرام: إنها حرام، ويكون ثلاثاً(٢). فالجواب أنَّ مالكاً لمَّا سمع عليَّ بن أبي طالب
یقول: إنها حرام، اقتدى به. وقد یقوی الدليلُ على التحریم عند المجتهد، فلا بأس
عند ذلك أن يقولَ ذلك، كما يقول: إنَّ الربا حرام؛ في غير الأعيان السُّنَّة(٣). وكثيراً
ما يطلق مالكٌ رحمه الله: فذلك حرام لا يصلح؛ في الأموال الرِّبَويَّة، وفيما خالف
المصالحَ وخرج عن طريق المقاصد؛ لقوَّة الأدلةِ في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَّنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيَّكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيَّن أنَّ الأنعامَ والحَرْث حلالٌ لهذه الأمة،
فأما اليهودُ فَحُرِّمت عليهم منها أشياء. ﴿حَرَّنَا مَا قَصَصْنَا عَلَكَ مِن قَبْلُ﴾ أي: في سورة
(١) مسند الدارمي (١٨٤)، وإبراهيم: هو النخعي.
(٢) الموطأ ٥٥٢/٢. والكلام من أحكام القرآن لابن العربي ١١٧١/٣، وما بين حاصرتين منه.
(٣) الأعيان الستة هي: الذهب والفضة، والبُرّ والشعير، والتمر والملح. أحكام القرآن لابن العربي
١١٧١/٣، والكلام منه.

٤٥٧
سورة النحل: الآيات ١١٨ - ١٢٠
الأنعام(١). ﴿وَمَا ظَلَئْنَهُمْ﴾ أي: بتحريم ما حرَّمنا عليهم، ولكن ظلموا أنفسهم،
فحرَّمنا عليهم تلك الأشياءَ عقوبةٌ لهم، كما تقدّم في ((النساء))(٢).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمُ (3َ)﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ الشُّوَءَ﴾ أي: الشِّرك(٣)؛ قاله ابنُ عباس.
وقد تقدم في النساء(٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا﴾ دعا عليه الصلاة والسَّلام
مشركي العرب إلى مِلَّة إبراهيم، إذ كان أباهم وبانيَ البيتِ الذي به عِزُّهم.
والأُمَّة: الرجل الجامعُ للخير(٥)، وقد تقدَّم محاملُه(٦).
وقال ابن وهب وابنُ القاسم عن مالك، قال: بلغني أنَّ عبد الله بن مسعود قال:
يرحم اللهُ معاذاً، كان أُمَّة قانتاً. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر اللهُ عزَّ وجلَّ
بهذا إبراهيمَ عليه السلام. فقال ابن مسعود: إنَّ الأُمَّة الذي يُعلِّم الناسَ الخير، وإنَّ
القانت هو المُطيع (٧). وقد تقدم القنوت في ((البقرة))(٨) و((حنيفاً)) في ((الأنعام))(٩).
(١) أخرج هذا القول الطبري ١٤/ ٣٩١ - ٣٩٢ عن الحسن وعكرمة وقتادة.
(٢) ٢١٥/٧ - ٢١٦ .
(٣) الوجيز للواحدي ٤٦٨/١ (على هامش مراح لبيد).
(٤) ٦/ ١٥١، وينظر الوسيط للواحدي ٨٩/٣.
(٥) تهذيب اللغة ١٥/ ٦٣٤ .
(٦) ٣٩٧/٢.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ١١٧٢/٣. وأخرجه الطبري ٣٩٤/١٤ - ٣٩٥، و٣٩٦ - ٣٩٧،
والطبراني في الكبير (٩٩٤٣)، والحاكم ٣٥٨/٢، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٠ من غير طريق مالك.
(٨) ٣٣٤/٢ و١٨٣/٤ - ١٨٥.
(٩) ٨/ ٤٤٢، لكن ذكر المصنف ثمة معناه مختصراً، وقد بسط معناه في سورة البقرة ٢/ ٤١٤.

٤٥٨
سورة النحل: الآيات ١٢١ - ١٢٣
وَءَاتَيْنَهُ فِی
قوله تعالى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةٍ أَجْتَبَهُ وَهَدَنهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ
الذُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿شَاكِرًا﴾ أي: كان شاكراً. ﴿لِأَنْعُيِةِ﴾ الْأَنْعم: جمع نِعْمة، وقد
تقدَّم(١). ﴿أَحْتَبَهُ﴾ أي: اختاره.
﴿وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ * وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ قيل: الولد الطيِّب. وقيل:
الثناءُ الحَسن. وقيل: النبوَّة. وقيل: الصلاة [عليه] مقرونةً بالصلاة على محمد عليه
الصلاة والسلام في التشهد. وقيل: إنه ليس أهلُ دين إلَّا وهم يتولَّوْنه(٢). وقيل: بقاءُ
ضيافته وزيارة قبره(٣). وكلُّ ذلك أعطاه اللهُ، وزاد، ﴾.
﴿وَإِنَّهُ فِ اْآَخِرَةِ لَمِنَ الَّذِينَ﴾. ((مِن)) بمعنى: مع، أي: مع الصالحين؛ لأنه
كان في الدنيا أيضاً مع الصالحين. وقد تقدَّم هذا في ((البقرة)) (٤).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
قال ابن عمر: أُمِر باتِّباعه في مناسك الحجِّ كما علَّم إبراهيمَ جبريلُ عليهما
السلام(٥). وقال الطبري: أُمِرَ باتّباعه في التبرُّؤ من الأوثان والتديُّن(٦) بالإسلام.
وقيل: أُمِر باتِّباعه في جميع مِلَّته إلَّا ما أُمر بتركه؛ قاله بعضُ أصحاب الشافعيِّ على
كل ما حكاه الماوردي(٧).
(١) ص٤٥٢ من هذا الجزء.
(٢) وردت هذه الأقوال في زاد المسير ٥٠٤/٤، وما بين حاصرتين منه.
(٣) النكت والعيون ٢١٩/٣ .
(٤) ٤٠٦/٢ .
(٥) الوسيط للواحدي ٣/ ٩١ .
(٦) في النسخ: التزين، والمثبت من النكت والعيون ٢١٩/٣ - وعنه نقله المصنف - وزاد المسير ٥٠٤/٤-٥٠٥،
وهو بمعناه في تفسير الطبري ٣٩٨/١٤ .
(٧) في النكت والعيون ٢١٩/٣ .

٤٥٩
سورة النحل: الآيتان ١٢٣ - ١٢٤
والصحيح الاتباعُ في عقائد الشرعِ دون الفروع؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨].
مسألة: في هذه الآية دليلٌ على جواز اتِّباع الأفضلِ للمفضول لمَّا تقدَّم إلى
الصواب (١) والعمل به، ولا دَرَك على الفاضل في ذلك(٢)؛ لأن النبيَّ﴾ أفضلُ
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد أُمِر بالاقتداء بهم فقال تعالى: ﴿فَهُدَهُمُ
أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقال هنا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَّعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ
بَّنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١٢٤
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ أي: لم يكن في شرع
إبراهيمَ ولا مِن دينه، بل كان سَمْحاً لا تغليظَ فيه، وكان السبتُ تغليظاً على اليهود في
رفض الأعمال وتركِ التبسُّط في المعاش؛ بسبب اختلافهم فيه(٣)، ثم جاء عيسى عليه
السلام بيوم الجمعة فقال: تفرَّغوا للعبادة في كل سبعة أيام يوماً واحداً، فقالوا: لا
نريد أن يكونَ عيدُهم بعد عيدِنا، فاختاروا الأحد (٤).
وقد اختلف العلماءُ في كيفيةٍ ما وقع لهم من الاختلاف، فقالت: طائفة: إنَّ
موسى عليه السلام أمرهم بيوم الجمعة وعيَّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره،
فناظروه أنَّ السبتَ أفضلُ، فقال الله له: دَعْهم وما اختاروا لأنفسهم.
وقيل: إن الله تعالى لم يُعيِّنْه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة(٥)،
(١) في (د) و(ز): الأصول، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق المحرر الوجيز ٤٣١/٣، والكلام منه
ومن النكت والعيون ٢١٩/٣ . وينظر مجمع البيان ١٣٦/١٤.
(٢) أي: لا تَبِعة. الصحاح (درك).
(٣) بنحوه المحرر الوجيز ٤٣١/٣.
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٩٠، وتفسير الرازي ١٣٧/٢٠.
(٥) يعني: أمرهم بتعظيم يوم في الأسبوع، ولم يرد في المعاجم الجمعة بمعنى الأسبوع. ووقع في (د)
و(ف): يوم الجمعة.

٤٦٠
سورة النحل: الآية ١٢٤
فاختلف اجتهادُهم في تعيينه، فعيَّنت اليهودُ السبت؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من
الخَلْقِ. وعيَّنت النصارى يومَ الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه بالخلق. فألزِم كلٌّ منهم ما
أُذَّاه إليه اجتهادُه. وعيَّن اللهُ لهذه الأمةِ يومَ الجمعة من غير أنْ يَكِلَهم إلى اجتهادهم؛
فضلاً منه ونعمة(١)، فكانت خيرَ الأمم أُمَّةً.
روى الصحيحُ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله﴾: «نحن الآخرون الأوَّلون
يومَ القيامة، ونحن أوَّلُ مَن يدخل الجنة، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتابَ مِن قَبْلنا وأوتيناه مِن
بعدهم، فاختلفوا فيه، فهدانا اللهُ لمَا اختلفوا فيه من الحقّ، فهذا يومُهم الذي
اختلفوا فيه، فهدانا الله له - قال: يوم الجمعة - فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غدٍ
للنصارى»(٢).
فقوله: ((فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه)) يقوِّي قولَ مَن قال: إنه لم يُعيَّن لهم، فإنه
لو عُيِّن لهم وعاندوا لمَا قيل: ((اختلفوا)). وإنما كان ينبغي أن يقالَ: فخالَفوا فيه
وعاندوا. ومما يُقوِّيه أيضاً قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أضلَّ اللهُ عن الجمعة مَن كان
قبلنا))(٣). وهذا نصٌّ في المعنى.
وقد جاء في بعض ظُرُقه: ((فهذا يومُهم الذي فرض اللهُ عليهم، فاختلفوا فيه))(٤).
وهو حُجَّةٌ للقول الأول. وقد روي: ((إنَّ الله كتب الجمعةَ على مَن قَبْلَنا(٥)، فاختلفوا
فيه وهدانا اللهُ له، فالناسُ لنا فيه تَبَعٌ))(٦).
قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ يريد: في يوم الجمعة كما بيَّنَّاه؛ اختلفوا
(١) المفهم ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢.
(٢) أخرجه أحمد (٧٣١٠)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥): (٢٠)، وسلف ٣٤٦/١٠.
(٣) المفهم ٢/ ٤٩٢، والحديث أخرجه مسلم (٨٥٦): (٢٢) من حديث حذيفة ﴾ مطولاً.
(٤) أخرجه مسلم (٨٥٥): (٢١)، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١١٧٣/٣، والمفهم ٤٩٢/٢ .
(٥) في (د) و(م): كان قبلنا.
(٦) أخرجه أحمد (٧٢١٤) من حديث أبي هريرة ﴾.