النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة النحل: الآيتان ٩٣ - ٩٤
﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ بخذلانِه إيَّاهم؛ عَدْلاً منه فيهم. ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَُّ﴾
بتوفيقه إيَّاهم؛ فضلاً منه عليهم(١)، ولا يُسأل عما يفعل، بل تُسألون أنتم. والآية تردُّ
على أهل القَدَر كما تقدم. واللام في ((وليبيننَّ)) و(لتسألنَّ)) مع النون المشذَّدة يدلَّان
على قَسَم مضمر، أي: واللهِ ليُسِّننَّ لكم ولتُسْألَّ (٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَأْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ
الشُّهَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (@)
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنَّخِذُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ كرَّر ذلك تأكيداً. ﴿فَزِلَّ قَدَمٌّ بَعْدَ
أُبُّونِهَا﴾ مبالغة في النهي عنه لِعظَم موقعِه في الدِّين، وتردُّده في معاشرات الناس، أي:
لا تعقِدوا الأَيمان بالانطواء على الخديعة والفسادِ؛ فتزِلَ قَدَمٌ بعد ثبوتِها، أي: عن
الإيمان بعد المعرفة باللهِ. وهذه استعارةٌ للمستقيم الحالِ يقع في شرِّ عظيم ويَسقط
فيه؛ لأنَّ القَدَم إذا زلَّت نقلت الإنسانَ من حالِ خيرٍ إلى حال شرِّ، ومن هذا المعنى
قول كُثَيِّر:
فلما توافينا ثَبَتُّ وَزَلَّتِ (٣).
والعرب تقول لكلِّ مبتلّى بعد عافية، أو ساقطٍ في وَرْطة: زلَّت قَدَمُه(٤)؛ كقول
الشاعر :
وتُقتَل إن زلَّت بكَ القَدّمانِ(٥)
سَيُمنَعُ منكَ السبقُ إن كنتَ سابقاً
ويقال لمن أخطأ في شيء: زلَّ فيه.
(١) تفسير البغوي ٣/ ٨٣ .
(٢) تفسير السمر قندي ٢٤٨/٢، والوسيط ٣/ ٨٠، والمحرر الوجيز ٤١٨/٣.
(٣) ديوان كثير ص٧٩، وصدره: وكثّا سلكنا في صَعود من الهوى، والكلام من المحرر الوجيز ٤١٩/٣ .
(٤) مجاز القرآن ٣٦٧/١.
(٥) البيت لبشر بن أبيّ بن حمام العبسي، وهو في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٤٥٣/١.

٤٢٢
سورة النحل: الآيات ٩٤ - ٩٦
ثم توعَّد تعالى بعدُ بعذاب في الدنيا وعذابٍ عظيم في الآخرة(١). وهذا الوعيدُ
إنَّما هو فيمن نقَض عهدَ رسولِ الله ﴾، فإنَّ مَن عاهدَه ثم نقَض عهدَه؛ خرج عن
الإيمان، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُواْ السُّوَّهَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي: بصدِّكم. وذَوْقُ
السُّوء في الدنيا هو ما يَحُلُّ بهم مِن المكروه(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
مَا عِندَكُمْ يَنَفَدِّ وَمَا عِندَ الَِّ بَانٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوّا
كُتُرْ تَعْلَمُونَ (@)
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً﴾ نهيٌّ عن الرُّشَا وأَخْذِ الأموال على
نَقْضِ العهد، أي: لا تَنقضوا عهودَكم لعَرَض قليل من الدنيا. وإنما كان قليلاً - وإن
كَثُرَ - لأنه ممَّا يَزولُ، فهو على التحقيق قليلٌ، وهو المراد بقوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُّ وَمَا
عِندَ الَِّ بَانٍ﴾ فبيَّن الفَرْقَ بين حالِ الدنيا وحالِ الآخرة؛ بأنَّ هذه تنفَد وتَحولُ، وما
عندَ الله مِن مواهبٍ فَضْله ونعيمٍ جنَّته ثابتٌ لا يزول لمن وَفَّى بالعهدِ، وثَبَتَ على
العقد(٣). ولقد أحسنَ من قال:
يوماً وتبقى في غدٍ آثامُهُ
المالُ ينفَدُ حِلُّه وحرامُه
حتى يطيبَ شرابُه وطعامُهُ (٤)
ليس التّقِيُّ بمثَّقِ لإلهه
آخر :
أليسَ مصيرُ ذاكَ إلى انتقالٍ
هَبِ الدنيا تُساقُ إليكَ عفْواً
أظلَّك ثم آذنَ بالزوالِ (٥)
وما دنياكَ إلا مِثْلُ فَيْءٍ
(١) المحرر الوجيز ٤١٩/٣.
(٢) ينظر زاد المسير ٤٨٧/٤ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٤١٩/٣ .
(٤) البيتان في بهجة المجالس ٣/ ٨٠، ووفيات الأعيان ١٤١/٦.
(٥) البيتان لأبي العتاهية، وهما في ديوانه ص٢٩٧ .

٤٢٣
سورة النحل: الآيات ٩٥ - ٩٧
قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِمَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ﴾ أي: على الإسلام والطاعاتِ وعن
المعاصي. ﴿أَجْرَهُر ◌ِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الطاعاتِ، وجعلها أحسنَ؛
لأنَّ ما عداها من الحسَن مباحٌ، والجزاءُ إنَّما يكون على الطاعاتِ من حيث الوعدُ مِن
الله.
وقرأ عاصمٌ وابنُ كثير: ((ولنجزِيَنَّ)) بالنون؛ على التعظيم. الباقون: بالياءِ(١).
وقيل: إنَّ هذه الآيةَ: ((ولا تشتروا)) إلى هنا، نزلت في امرئ القيسٍ بنِ عابسٍ
الكنديِّ وخصمِه ابن أَسُوع، اختصما في أرضٍ فأراد امرؤ القيسِ أن يَحْلِفَ، فلما
سمعَ هذه الآيةَ، نَكَلَ وأقَرَّ له بحقِّه، والله أعلم(٢).
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَتَّهُ حَيَوَةً
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾
شرطٌ وجوابُه. وفي الحياة الطيبة خمسةُ أقوال:
الأوّل: أنه الرزقُ الحلالُ؛ قاله ابن عباس، وسعيد بنُ جُبير، وعطاء،
والضحَّاك(٣).
الثاني: القناعةُ؛ قاله الحسن البصري، وزيد بنُ وهب، ووَهْبُ بنُ منِّه. ورواه
الحَكَم، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، وهو قولُ عليّ بن أبي طالب ﴾(٤).
(١) السبعة ص ٣٧٥، والتيسير ص١٣٨ . ولابن ذكوان الوجهان.
(٢) هكذا أورده السمرقندي في التفسير ٢٤٩/٢ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٨٧/٤ - ٤٨٨ في سبب
نزول هذه الآية، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص٤٧ في سورة البقرة، في سبب نزول قوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَّلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ الآية ١٨٨، والخبر عند مسلم (١٣٩) من حديث وائل بن حجر ﴾،
وفيه أن الخصم اسمه ربيعة بن عبدان.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير ١٤/ ٣٥٠ - ٣٥٢ عن ابن عباس والضحاك، وأورده البغوي في التفسير
٨٣/٣ عن سعيد بن جبير وعطاء.
(٤) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥٢/١٤ عن الحسن البصري وعلي بن أبي طالب، وأورده ابن الجوزي =

٤٢٤
سورة النحل: الآية ٩٧
الثالث: توفيقُه إلى الطاعات، فإنَّها تؤدِّيه إلى رضوانِ الله؛ قال معناه
الضخَّاك(١). وقال أيضاً: من عمل صالحاً وهو مؤمنٌ في فاقةٍ ومَيْسرة، فحياتُه طيِّبة،
ومن أَعرضَ عن ذِكْر اللهِ ولم يُؤْمِن بربِّه، ولا عَمِلَ صالحاً، فمعيشتُه ضَنْكٌ لا خيرَ
فيها(٢). وقال مجاهد وقتادةُ وابنُ زيد: هي الجنَّة، وقاله الحسن(٣)، وقال: لا تطيبُ
الحياةُ لأحدٍ إلا في الجنَّة (٤). وقيل: هي السعادة، روي عن ابنِ عباس أيضاً (٥). وقال
أبو بكر الورَّاق: هي حلاوةُ الطاعة (٦).
وقال سهلُ بنُ عبد الله التُّسْتَرِيُّ: هي أن ينزعَ عن العبدِ تدبیرَه، ویردَّ تدبیرَه إلی
الحقِّ. وقال جعفرٌ الصادقُ: هي المعرفةُ بالله، وصِدْقُ المَقام بين يدي الله. وقيل:
الاستغناءُ عن الخَلْقِ، والافتقارُ إلى الحقِّ. وقيل: الرِّضا بالقضاء(٧).
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: في الآخرة. ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال:
((فلنحيينَّه))، ثم قال: ((ولنجزينَّهم))؛ لأنَّ ((مَن)) يصلح للواحد والجمْع(٨)، فأعاد مرَّة
على اللفظ، ومرَّة على المعنى؛ وقد تقدَّم. وقال أبو صالح: جلس ناسٌ مِن أهلٍ
التوراة، وناسٌ مِن أهل الإنجيل، وناسٌ مِن أهل الأوثان، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ،
وقال هؤلاء: نحن أفضلُ؛ فنزلت(٩).
= في زاد المسير ٤٨٨/٤ - ٤٨٩ عن الحسن ووهب بن منبِّه، والنحاس في معاني القرآن ١٠٤/٤ عن
ابن عباس.
(١) النكت والعيون ٢١٢/٣، وزاد المسير ٤٨٩/٤.
(٢) أخرجه الطبري في التفسير ١٤/ ٣٥٢ .
(٣) أخرجه عنهم الطبري في التفسير ٣٥٣/١٤ - ٣٥٤، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٢١٢/٣ عن
مجاهد وقتادة.
(٤) الوسيط للواحدي ٨٢/٣ .
(٥) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥٣/١٤، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٢١٢/٣
(٦) زاد المسير ٤٨٩/٤ .
(٧) النكت والعيون ٢١٢/٣ .
(٨) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٦٨/١ .
(٩) أخرجه عنه الطبري في التفسير ٣٥٦/١٤ - ٣٥٧، ونقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٩/٣ .

٤٢٥
سورة النحل: الآية ٩٨
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
فيه مسألةٌ واحدةٌ: وهي أنَّ هذه الآيةَ متَّصِلةٌ بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً
لِكَلِّ شَيْءٍ﴾. فإذا أخذْتَ في قراءتِه، فاستعذ بالله مِن أن يَعْرِضَ لك الشيطانُ؛
فيصدَّك عن تدبُّره والعملِ بما فيه. وليس يريد استعذ بعد القراءة؛ بل هو كقولك: إذا
أكلتَ فقُل: بسم الله، أي إذا أردتَ أن تأكُل(١).
وقد روى [ابن] جُبير بنُ مُطْعِم عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ الله # حین افتتح
الصلاةَ قال: ((اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن الشيطانِ مِن هَمْزِهِ ونَفْخِه ونَفْئِه))(٢). وروى أبو
سعيد الخُدْريُّ أنَّ النبيَّ # كان يتعوَّذ في صلاته قبل القراءة(٣).
قال الكِيَا الطبري: ونُقل عن بعضٍ السلَف التعوُّذ بعد القراءةِ مطلقاً، احتجاجاً
بقوله: تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ﴾ ولا شكَّ أنَّ ظاهِرَ
ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذةُ بعد القراءةِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ
فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]. إلا أنَّ غيرَه محتمِلٌ، مثلُ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾
[الأحزاب: ٥٣]؛ وليس المرادُ به أن يسألَها مِن وراءِ حجاب بعد سؤالٍ متقدِّم. ومثلُه
قولُ القائل: إذا قلتَ فاضْدُق، وإذا أحرمتَ فاغتسِل؛ يعني: قبل الإحرام. والمعنى
في جميع ذلك: إذا أردتَ ذلك؛ فكذلك الاستعاذةُ(٤). وقد تقدَّم هذا المعنى، وتقدَّم
القولُ في الاستعاذة مستوفّى(٥).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢١٨/٣ .
(٢) سنن أبي داود (٧٦٤) وما بين حاصرتين منه، وسلف ١٣٦/١.
(٣) سنن أبي داود (٧٧٥)، وسلف ١٣٦/١ .
(٤) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٤٥/٤ - ٢٤٦ .
(٥) ١٣٥/١ وما بعدها.

٤٢٦
سورة النحل: الآيتان ٩٩ - ١٠٠
٩٩
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَلُونَ
إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بالإغواء والكُفْر، أي:
ليس لك قدرةٌ على أن تَحملهم على ذنبٍ لا يُغْفَر؛ قاله سفيان. وقال مجاهد: لا حجَّةً
له على ما يَدعوهم إليه مِن المعاصي. وقيل: إنَّه ليس له عليهم سلطانٌ بحال؛ لأنَّ اللهَ
تعالى صَرَفَ سلطانَه عليهم حين قال عَدُوُّ اللهِ إبليسُ لعنه اللهُ: ﴿وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ *
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩-٤٠] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ﴾(١) [الحجر: ٤٢].
قلت: قد بَيَّنَّا أنَّ هذا عامّ يَدخلُه التخصيصُ، وقد أَغوى آدمَ وحوَّاءَ عليهما
السلام بسلطانِه، وقد شَوَّش على الفضلاءِ أوقاتَهم بقوله: ((مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟)) حسبما
تقدَّم في آخر الأعراف بيانه(٢).
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي: يطيعونه. يقال: تولَّيتُه، أي: أطعتُه،
وتولَّيتُ عنه، أي: أَعْرَضْتُ عنه(٣).
﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: بالله؛ قاله مجاهد والضحَّاك(٤). وقيل: يرجع
(به)) إلى الشيطان؛ قاله الربيعُ بنُ أنس(٥) والقُتَبيُّ(٦). والمعنى: والذين هم من أجلِه
مشركون. يقال: كفرتُ بهذه الكلمة، أي: مِن أَجلِها. وصار فلانُ بك عالماً، أي:
(١) النكت والعيون ٢١٣/٣، وأثر سفيان أخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل (٢٥)، والطبري في التفسير
٣٥٨/١٤ - ٣٥٩. وأثر مجاهد في تفسيره ٣٥٢/١، وأخرجه عنه الطبري ٣٥٨/١٤ بنحوه، وينظر
زاد المسير ٤ /٤٩٠ .
(٢) ٩/ ٤٢٣، وسلف تخريج الحديث هناك.
(٣) تفسير الرازي ١١٥/٢٠.
(٤) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ١٤/ ٣٦٠ - ٣٦١، وينظر تفسير مجاهد ٣٥١/٤.
(٥) أخرجه عنه الطبري في التفسير ٣٦١/١٤.
(٦) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٤٨ - ٢٤٩ .

٤٢٧
سورة النحل: الآيات ٩٩ - ١٠٢
مِن أَجلِك. أي: والذي تولَّى الشيطانَ مشركونَ بالله(١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُكَزِّفُ قَالُواْ
إِنَّمَا أَنَتَ مُفٍَّْ بَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (3َ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن زَّبِّكَ
بِالْحَقِّ لِيُنَبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
(١٠٢)
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ فَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُزِّدُ﴾ قيل:
المعنى: بدَّلنا شريعةً متقدِّمة بشريعةٍ مستأنفَة؛ قاله ابنُ بحر(٢). مجاهد: أي: رفعنا آيةً
وجعلنا موضعَها غيرَها(٣). وقال الجمهورُ: نَسَخنا آيَةً بآيةٍ أشدَّ منها عليهم(٤). والنسخُ
والتبديلُ: رَفْعُ الشيء مع وَضْعِ غيرِه مكانه. وقد تقدَّم الكلامُ في النَّسْخِ في البقرةِ
مستوفّی(٥).
﴿قَالُوا﴾ يريد كفَّار قريش. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: كاذبٌ مختلِقٍ؛ وذلك لما
رَأَوا مِن تبديلِ الحُكُم. فقال الله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ شَرَعَ الأحكامَ
وتبدیلَ البعضِ بالبعض.
وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يعني: جبريلَ، نزلَ بالقرآنِ كلِّه ناسخِه
ومنسوخِه(٦). ورُويَ بإسنادٍ صحيحٍ عن عامر الشَّعْبِيِّ قال: وُكِّل إسرافيلُ بمحمَّد ﴾
ثلاثَ سنينَ، فكان يأتيهِ بالكلمة والكلمة، ثم نزّل عليه جبريلُ بالقرآن(٧). وفي
((صحيح مسلم) أيضاً أنه نزَل عليه بسورة الحمد مَلَكٌ لم يَنزِل إلى الأرضِ قَطُ. كما
(١) زاد المسير ٤٩١/٤ .
(٢) النكت والعيون ٢١٤/٣ .
(٣) تفسير مجاهد ٣٥٢/١، وأخرجه عنه الطبري في التفسير ١٤/ ٣٦٣.
(٤) النكت والعيون ٢١٤/٣، دون قوله: أشدّ منها عليهم.
(٥) ٢/ ٣٠٠ وما بعدها.
(٦) المحرر الوجيز ٤٢١/٣.
(٧) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ١٣٢/٢، وابن عبد البر في الاستيعاب ٧٠/١ - ٧١.

٤٢٨
سورة النحل: الآيات ١٠١ - ١٠٣
تقدَّم في الفاتحة بيانه(١).
﴿مِّن رَّيِّكَ بِأَلَنَّ﴾ أي: مِن كلام ربِّك. ﴿لِيُنَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بما فيه مِن
الحُجَجِ والآيات. ﴿وَهُدَى﴾ أي: وهو هدّى ﴿وَيُثْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى
١٠٣
◌ُلْجِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىِّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَتُ تُبِينُ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ اختلف في اسم هذا
الذي قالوا إنَّما يعلِّمه؛ فقيل: هو غلامُ الفاكهِ بنِ المغيرة، واسمه جَبْر، كان نصرانيًّا
فأسلم، وكانوا إذا سمعوا من النبيِّ # ما مضى وما هو آتٍ ــ مع أنَّه أمِّيٍّ لم يَقرأ -
قالوا: إنَّما يُعلِّمه جَبْر وهو أعجميٍّ؛ فقال الله تعالى: ﴿لِّسَاثُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِنٌ مُبِينٌ﴾ أي: كيف يعلِّمه جَبْر - وهو أعجميٍّ - هذا الكلام
الذي لا يَستطيعُ الإنسُ والجِنُّ أن يُعارِضوا منه سورةً واحدةً فما فوقَها. وذكر النقّاشُ
أنَّ مولى جَبْر كان يَضْرِبه ويقول له: أنت تعلُّم محمداً، فيقول: لا واللهِ، بل هو
يعلِّمني ويهديني.
وقال ابنُ إسحاق: كان النبيُّ :﴿ - فيما بلغني - كثيراً ما يَجلسُ عند المَرْوَة إلى
غلامِ نصرانيٍّ يقال له: جَبْرٌ، عبدُ بني الحَضْرمي، وكان يقرأُ الكُتُبَ، فقال
المشركون: واللهِ ما يُعلِّم محمداً ما يأتي به إلا جَبْرٌ النصرانيُّ(٢).
وقال عكرمة: اسمه يَعيش، عبدٌ لبني الحَضْرمي، كان رسولُ الله # يلقِّنه
القرآنَ؛ ذكره الماورديُّ(٣).
(١) ١٧٨/١ - ١٧٩، والحديث في صحيح مسلم (٨٠٦). وقد ذكر المصنف ثمة أن جبريل عليه السلام
نزل بالفاتحة، بمكة، وأن الملك نزل بثوابها بالمدينة.
(٢) سيرة ابن هشام ٣٩٣/١، وأخرجه عنه أيضاً الطبري في التفسير ٣٦٦/١٤.
(٣) النكت والعيون ٢١٤/٣ - ٢١٥، وأخرجه الطبري في التفسير ٣٦٥/١٤.

٤٢٩
سورة النحل: الآية ١٠٣
وذكر الثعلبيُّ عن عكرمةَ وقتادةَ أنَّه غلامٌ لبني المغيرةَ، اسمه يَعيش، وكان يقرأُ
الكُتُبَ الأعجميَّة، فقالت قريش: إنما يعلِّمه بشر، فنزلت(١). المهدويُّ عن عكرمةً:
هو غلامٌ لبني عامر بن لؤي، واسمه يَعيش(٢).
وقال عبدُ الله بنُ مسلم الحَضْرميُّ: كان لنا غلامان نصرانيان مِن أهل عين
التمر، اسمُ أحدِهما يسار، واسمُ الآخَرِ جَبْر. كذا ذكر الماورديُّ والقشيريُّ
والثعلبيُّ؛ إلا أنَّ الثعلبيَّ قال: يقال لأحدهما: نَبْت، ويكنى أبا فُكَيْهة، والآخَر:
جبر، وكانا صَيْقَلَين يعملانِ السيوفَ؛ وكانا يقرأان كتاباً لهم. الثعلبي: يقرأانِ التوراةَ
والإنجيلَ. الماورديُّ والمهدويُّ: التوراة. فكان رسولُ الله# يمرُّ بهما ويَسمع
قراءتهما، وكان المشركونَ يقولون: يتعلَّم منهما. فأنزل اللهُ هذه الآيةَ وأَكذبهم(٣).
وقيل: عنَوْا سلمانَ الفارسيَّ ﴾؛ قاله الضحَّاكِ(٤).
وقيل: نصرانياً بمكّة اسمه بَلْعام، وكان غلاماً يقرأُ التوراةَ؛ قاله ابنُ عباس. وكان
المشركونَ يَرَوْنَ رسولَ الله : ﴿ حين يَدخلُ عليه ويَخرج مِن عنده، فقالوا: إنَّما يُعلِّمه
بَلْعام(٥).
وقال القُتَبِيّ: كان بمكّة رجلٌ نصرانيٍّ يقال له: أبو ميسرةَ، يتكلّم بالروميَّة، فربما
قعَد إليه رسولُ اللهِ ﴾، فقال الكفَّار: إنَّما يَتعلَّم محمَّدٌ منه، فنزلت. وفي رواية: أنَّه
عدَّاس غلامُ عتبةَ بنِ ربيعةً(٦).
(١) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٣٦٥/١٤ - ٣٦٦، وينظر الوسيط ٨٤/٣، وتفسير الرازي ١١٧/٢٠.
(٢) تفسير الرازي ٢٠/ ١١٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٦٧/١٤ - ٣٦٨، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٧ - ٢٨٨ . وينظر النكت
والعيون ٢١٥/٣ .
(٤) أخرجه الطبري في التفسير ٣٦٨/١٤، وينظر تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٠٣، وزاد المسير ٤٩٣/٤.
(٥) أخرجه الطبري في التفسير ٣٦٥/١٤، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٢١٤/٣ ونسبه إلى
مجاهد.
(٦) تفسير الرازي ١١٧/٢٠.

٤٣٠
سورة النحل: الآية ١٠٣
وقيل: عابسٌ غلامُ حُوْيطِب بنِ عبد العُزَّى، ويسارٌ أبو فُكيهة مَولى ابنٍ
الحَضْرمي، وكانا قد أَسلما(١). والله أعلم.
قلت: والكلُّ مُحتمِل؛ فإنَّ النبيَّ :﴿ ربَّما جلَس إليهم في أوقاتٍ مختلفة ليعلمهم
مما علَّمه اللهُ، وكان ذلك بمكة.
وقال النخَّاسُ(٢): وهذه الأقوالُ ليست بمتناقضةٍ لأنَّه يجوز أن يكونوا أَوْمَؤُوا
إلى هؤلاءِ جميعاً، وزعموا أنهم يعلِّمونه.
قلت: وأما ما ذكره الضحَّاك من أنَّه سلمان، ففيه بُعْدٌ؛ لأنَّ سلمانَ إنَّما أتى
النبيَّ * بالمدينة، وهذه الآيةُ مكيَّة(٣).
ا﴿ِسَابُ الَّذِى يُلْبِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾ الإلحادُ: الميلُ؛ يقال: لحد وألحد،
أي: مال عن القصد (٤). وقد تقدَّم في الأعراف(٥).
وقرأ حمزةُ: ((يَلْحَدون)) بفتح الياء والحاء(٦)، أي: لسان الذي يميلونَ إليه
ويشيرون أعجميٍّ. والعُجْمة: الإخفاءُ وضدُّ البيان. ورجلٌ أَعجمُ وامرأةٌ عجماءُ، أي:
لا يُفصِح، ومنه: عُجْم الذَّنَب، لاستتارِهِ. والعجماءُ: البهيمةُ؛ لأنَّها لا تُوضِح عن
نفسها. وأَعجمتُ الكتابَ، أي: أزلتُ عُجْمَتَه. والعرب تُسمِّي كلَّ مَن لا يَعرِف لغتَهم
ولا يتكلَّم بكلامِهم أعجميًّا. وقال الفرَّاءُ: الأعجمُ: الذي في لسانِهِ عُجْمَةٌ وإن كان
مِن العرب، والأعجميُّ أو العَجَميُّ: الذي أصلُه مِن العجم. وقال أبو علي: الأعجميُّ
الذي لا يُفصِحِ، سواءٌ كان من العربِ أو من العَجَم، وكذلك الأعجمُ والأعجميُّ:
(١) معاني القرآن للفراء ٢/ ١١٣ وللزجاج ٢١٩/٣، وتفسير البغوي ٨٦/٣، وزاد المسير ٤٩٣/٤.
(٢) في معاني القرآن ٤/ ١٠٧.
(٣) المحرر الوجيز ٤٢١/٣، وزاد المسير ٤٩٣/٤.
(٤) الوسيط ٣/ ٨٥، وينظر غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٤٩ .
(٥) ٣٩٥/٩.
(٦) وقرأ بها أيضاً من السبعة الكسائي. السبعة لابن مجاهد ص ٣٧٥، والتيسير ص١٣٨ .

٤٣١
سورة النحل: الآيات ١٠٣ - ١٠٥
المنسوبُ إلى العَجَم، وإن كان فصيحاً(١).
وأراد باللسانِ القرآنَ؛ لأنَّ العربَ تقول للقصيدة والبيت: لسانٌ؛ قال الشاعر:
لسانُ الشَّرِّ تُهْدِيها إلينا وخُنتَ وما حَسِبْتكَ أن تَخُونا
يعني باللسان: القصيدةَ(٢).
﴿وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌ تُِّيكُ﴾ أي: أفصحُ ما يكون من العربية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِئَايَتِ اَللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيءُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: هؤلاء المشركون الذين لا
يُؤمنون بالقرآن ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بَِايَتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
١٠٥
الْكَذِبُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾ هذا جوابُ
وَصْفِهِم النبيَّ ﴾ بالافتراء. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ هذا مبالغةٌ في وَصْفِهم بالكذب؛
أي: كلُّ كذبٍ قليلٌ بالنسبة إلى كذِبهم. ويقال: كذب فلان، ولا يقال: إنه كاذبٌ؛
لأنَّ الفعل قد يكون لازماً، وقد لا يكون لازماً. فأما النعتُ فيكون لازماً، ولهذا
يقال: عصى آدمُ ربَّه فغَوَى، ولا يقال: إنه عاصٍ غارٍ. فإذا قيل: كذب فلان، فهو
كاذبٌ، كان مبالغةً في الوصف بالكذب؛ قاله القشيريُّ(٣).
(١) تفسير الرازي ١١٨/٢٠.
(٢) النكت والعيون ٢١٥/٣، والبيت في تفسير الطبري ١٤/ ٣٧٠، والمحرر الوجيز ٤٢١/٣.
(٣) ينظر زاد المسير ٤٩٤/٤، وتفسير الرازي ١١٩/٢٠ - ١٢٠ . وقال ابن الجوزيّ: أي إنَّ الكذب نعتٌ
لازمٌ لهم، وعادةٌ من عاداتهم.

٤٣٢
سورة النحل: الآية ١٠٦
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ.
بَلْإِيمَنِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِلْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
فيه إحدى وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ هذا متصلٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُضُوا
اَلْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فكان مبالغةً في الوصف بالكذب؛ لأنّ معناه: لا
ترتدُّوا عن بيعةِ الرسولِ ﴿، أي: مَنْ كفرَ مِن بعدِ إيمانِه وارتدَّ، فعليه غضبُ الله.
قال الكلبي: نزلتْ في عبد الله بن سعدِ بن أبي سَرْحٍ، ومِقْيَسٍ بن صُبابةَ، وعبدٍ
الله بن خَطَّل، وقيسٍ بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ﴾(١).
وقال الزجاج: ((مَن كفر باللهِ مِن بعد إِيمانِهِ)) بدلٌ ممن يفتري الكذبَ، أي: إنَّما
يفتري الكذبَ مَن كفَرَ بالله من بعدِ إيمانه(٢). لأنه رأى الكلامَ إلى آخرِ الاستثناء غيرَ
تامِّ، فعلَّقه بما قبله.
وقال الأخفش: ((مَن)) ابتداءٌ وخبرُه محذوفٌ، اكتُفِيَ منه بخبر ((مَن)) الثانية،
كقولك: مَن يأْتِنا مَن يُحسِنْ نكرِمْه(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ هذه الآية نزلت في عَمّارٍ بن ياسر، في
قول أهل التفسير؛ لأنه قاربَ بعضَ ما نَدَبوه إليه؛ قال ابنُ عباس: أخذَه المشركون،
وأخذوا أباه وأمَّ سُمَيَّةَ، وصُهَيباً ويلالاً وحَبّاباً وسالماً، فعذَّبوهم، ورُبطتْ سُمَيةٌ بين
بعيرين، ووُجِئَ قُبُلها بحربة، وقيل لها: إنكِ أسلمْتِ من أجل الرجال، فقُتلتْ وقُتلَ
(١) النكت والعيون ٢١٥/٣ - ٢١٦.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢١٩/٣ .
(٣) معاني القرآن للأخفش ٦٠٨/٢ بمعناه، وذكره الطبري ١٤/ ٣٧٢ عن بعض نحويِّي الكوفة، وفيه: مَن
يأتنا، فَمَن يُحسِن نكرمه، بمعنى: مَن يُحسن ممَّن يأتنا نكرمه.
:

٤٣٣
سورة النحل: الآية ١٠٦
زوجُها ياسر، وهما أولُ قتيلين في الإسلام. وأمَّا عَمَّارٌ، فأعطاهم ما أَرادوا بلسانه
مُكْرَهاً، فشكا ذلك إلى رسولِ الله﴾، فقال له رسولُ اللـه :﴾: ((كيف تجدُ قلبك))؟
قال: مطمئٌّ بالإيمان. فقال رسول اللـه ﴿: ((فإنْ عادوا فَعُدْ))(١).
وروى منصورُ بن المُعْتَمِر، عن مجاهدٍ قال: أولُ شهيدةٍ في الإسلام أمُّ عمار،
قتلَها أبو جهل(٢). وأَولُ شهيدٍ من الرجال مِهْجَعٌ مولى عمرَ(٣). وروى منصورٌ أيضاً
عن مجاهد قال: أولُ من أظهر الإسلامَ سبعةٌ: رسولُ الله﴾، وأبو بكر، وبلالٌ،
وخَبَّابٌ، وصهيب، وعَمَّار، وسُميَّة أمُّ عمار. فأمَّا رسولُ اللـه :﴿ فمنعَه أبو طالب،
وأما أبو بكر فمنعه قومُه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدراعَ الحديد، ثم صَهَروهم في
الشمس حتى بلغَ منهم الجهدُ كلَّ مبلغٍ من حرِّ الحديد والشمس، فلمَّا كان من العشيِّ
أتاهم أبو جهل ومعه حربةٌ، فجعل يَسُبُّهم ويوبِّخهم، وأتى سُميَّةَ فجعل يسبُّها
ويَرْفُثُ، ثم طعن فَرْجَها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها رضي الله عنها. قال:
وقال الآخرون ما سألوا(٤) إلا بلالاً، فإنَّه هانتْ عليه نفسُه في الله، فجعلوا يُعذبونه
ويقولون له: ارجعْ عن دينك، وهو يقول: أَحَدٌ أحد، حتى ملُّوه، ثم كتَّفوه وجعلوا
في عُنُقِه حبلاً من ليف، ودفعوه إلى صِبيانهم يلعبون به بين أَخْشَبَيْ مكةَ، حتى ملُوه
(١) أسباب النزول للواحدي ص٢٨٨، وأخرجه الطبري ١٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤ بنحوه من طريق عطية العوفي
عن ابن عباس. قال الحافظ في الفتح ٣١٢/١٢: وفي سنده ضعف. اهـ. وأخرجه عبد الرزاق في
تفسيره ٣٦٠/١، والطبري ٣٧٤/١٤ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال الحافظ في الفتح
٣١٢/١٢: وهذا مرسل ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي [السنن الكبرى ٢٠٨/٨ - ٢٠٩] من هذا
الوجه، فزاد في السند فقال: عن أبي عبيدة عن أبيه، وهو مرسل أيضاً. اهـ. وقال في الدراية ٢/ ١٩٧ :
وإسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢٣٣/٣، وابن أبي شيبة ٧٦/١٤ .
(٣) أخرجه ابن سعد ٣٩١/٣ - ٣٩٢، وابن أبي شيبة ٧٧/١٤ عن القاسم بن عبد الرحمن. وأخرجه
عبد الرزاق (٩٧٢٧) مطولاً عن عكرمة ومهجع العكِّي هو مولى عمر بن الخطاب، أصابه سباةٌ، فمنَّ
عليه عمر فأعتقه، وكان من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدراً، واستشهد بها. الإصابة ٢٩٧/٩ .
(٤) في (م): سئلوا.

٤٣٤
سورة النحل: الآية ١٠٦
وتركوه. قال: فقال عمار: كلُّنا تكلمَ بالذي قالوا، لولا أنَّ الله تدارَكنا، غيرَ بلال؛
فإنه هانت عليه نفسُه في الله، فهان على قومِه حتى ملُّوه وتركوه. والصحيحُ أن أبا بكرٍ
اشترى بلالاً فأَعتقه (١).
وروى ابنُ أبي نجيح، عن مجاهد، أنَّ ناساً من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم
بعضُ أصحاب محمدٍ# بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منّا حتى تهاجروا
إلينا، فخرجوا يريدونَ المدينةَ حتى أدركتْهم قريشٌ بالطريق، ففتنوهم فكفروا
مُكْرَهين، ففيهم نزلت هذه الآية(٢). ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيلُ بن إسحاق.
وروى الترمذيُّ عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﴾: ((ما خُيِّر عمَّارٌ بين أمرين
إلا اختار أرشدَهما)) هذا حديثٌ حسن غريب(٣).
وروى عن أنسٍ بن مالك قال: قال رسول الله﴾: ((إنّ الجنةَ تشتاقُ إلى ثلاثة:
عليٍّ وعمارٍ وسلمانَ بنِ ربيعة)). قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ [حسن] غريب لا نعرفه إلا
من حديثٍ الحسن بن صالح (٤).
الثالثة: لمَّا سمحَ الله عزَّ وجلَّ بالكفر به - وهو أصلُ الشريعة - عندَ الإكراه، ولم
يؤاخِذْ به، حملَ العلماءُ عليه فروعَ الشريعةِ كلَّها، فإذا وقع الإكراهُ عليها لم يؤاخذ
به، ولم يَتَرتَّبْ عليه حكمٌ، وبه جاء الأثرُ المشهور عن النبيِّ﴾: ((رُفِعَ عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه)»(٥) الحديث. والخبرُ وإن لم يصحَّ سندُه، فإنَّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٨/٣، وأخرجه عن مجاهد ابن سعد ٢٣٣/٣ دون قول عمار ﴾،
وأخرجه مع قول عمار ابن عساكر في تاريخه ٣٦٧/٤٣. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤٩/١٢ و٣١٣/١٤،
وابن ماجه (١٥٠)، وأحمد (٣٨٣٢) من حديث ابن مسعود ﴾.
(٢) تفسير مجاهد ٣٥٣/١، وأسباب النزول للواحدي ص٢٨٨، وتفسير البغوي ٨٦/٣ .
(٣) سنن الترمذي (٣٧٩٩)، ومسند أحمد (٢٤٨٢٠). ووقع عند الترمذي: أسدَّهما، بدل: أرشدهما.
(٤) سنن الترمذي (٣٧٩٧)، وما بين حاصرتين منه، ومن التحفة ١٦٦/١.
(٥) سلف ٥٠١/٤ ، وذكر هناك أن النوويَّ حسَّنه في الأربعين، وأعلَّه أبو حاتم كما نقله ابنه في العلل
٤٣١/١، لكن قال الحافظ في الفتح ١٦١/٥ : أُعل بعلةٍ غيرِ قادحة.

٤٣٥
سورة النحل: الآية ١٠٦
معناه صحيحٌ باتفاقٍ من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ(١). وذكر أبو محمد
عبدُ الحق أنَّ إسناده صحيحٌ، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في ((الفوائد))، وابنُ
المنذر في كتاب ((الإقناع)»(٢).
الرابعة: أَجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن أُكرِه على الكفر حتى خَشِيَ على نفسه
القتلَ، أنه لا إثمَ عليه إن كفرَ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، ولا تَبِين منه زوجتُه ولا يُحكمُ
عليه بحكم الكفر، هذا قولُ مالكِ والكوفيين والشافعيّ، غيرَ محمدٍ بن الحسن فإنه
قال: إذا أَظهرَ الشركَ كان مرتدًّا في الظاهر، وفيما بينَه وبين الله تعالى على الإسلام،
وتَبِينُ منه امرأتُه ولا يصلَّى عليه إن مات، ولا يَرِثُ أباه إن مات مسلِماً(٣). وهذا قولٌ
يردُّه الكتابُ والسنة، قال الله تعالى: ((إلّا مَن أكرِه)) الآية. وقال: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ
مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ
قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ اَلْأَرْضَِّ﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَاَلِسَآءِ
وَاُلِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. فعذَرَ اللهُ المستضعفين الذين لا(٤) يمتنعون مِن ترْكِ ما أَمَرَ
الله به(٥)، والمكرَهُ لا يكون إلا مُستضعَفاً غيرَ ممتنِعِ من فعلٍ ما أُمِرَ به؛ قاله
البخاريُّ.
الخامسة: ذهبتْ طائفةٌ من العلماء إلى أنَّ الرُّخصةَ إنما جاءت في القول، وأمَّا
في الفعلِ؛ فلا رخصةً فيه، مثل أن يُكْرَهوا على السجود لغيرِ الله أو الصلاةِ لغيرِ
القِبلة، أو قتلٍ مسلمٍ أو ضَرْبِه أو أكلِ مالِه، أو الزِّنى وشرب الخمر وأكلِ الربا؛
يروى هذا عن الحسن البصريِّ﴾. وهو قول الأوزاعيِّ وسُخنون(٦) من علمائنا.
(١) في أحكام القرآن ١١٦٨/٣ - ١١٦٩.
(٢) ٢ /٥٨٤ .
(٣) الإشراف ٢٤٥/٢ .
(٤) قوله: لا، ليس في (ف) و(م)، والمثبت من (د) و(ز) و(ظ) وصحيح البخاري قبل الحديث (٦٩٤٠).
(٥) قال الحافظ في الفتح ٣١٣/١٢ في شرح هذه العبارة: يعني إلا إذا غُلبوا.
(٦) ينظر فتح الباري ٣١٤/١٢ .

٤٣٦
سورة النحل: الآية ١٠٦
وقال محمدُ بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتُك. فقال:
إن كان الصنمُ مقابِلَ القِبلة فليسجدْ وتكون نيته لله تعالى، وإن كان لغير القِبلة فلا
يسجدْ وإن قتلوه(١). والصحيحُ أنه يسجدُ وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود
حينئذٍ. ففي الصحيح عن ابنِ عمرَ قال: كان رسول الله# يصلِّي وهو مُقبلٌ من مكةً
إلى المدينة على راحلتِهِ حيث كان وجهُه، قال: وفيه نزلتْ ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ
الَّ﴾ (٢) [البقرة: ١١٥] في رواية (٣): ويُوتِر عليها، غيرَ أنه لا يصلِّي عليها المكتوبةً.
فإذا كان هذا مُباحاً في السفر في حالةِ الأمن لِتَعَبِ النزولِ عن الدابة للتنفُّل،
فكيف بهذا؟
واحتجَّ مَن قَصَرَ الرخْصَةَ على القولِ بقولِ ابنِ مسعود : : ما من كلامٍ يَدرأُ عنّي
سوطين من ذي سلطانٍ إلا كنتُ متكلِّماً به (٤). فقصَرَ الرخصةَ على القول ولم يَذْکرِ
الفعل، وهذا لا حجةً فيه؛ لأنه يَحتملُ أن يجعلَ للكلام مثالاً وهو يريدُ أنَّ الفعل في
حکمه.
وقالت طائفةٌ: الإكراهُ في الفعل والقولِ سواءٌ إذا أَسَرَّ الإيمان. روي ذلك عن
عمرَ بنِ الخطاب ومكحولٍ، وهو قولُ مالكٍ وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم
عن مالك: أنّ من أُكْرِهَ على شرب الخمر أوتَرْكِ الصلاة أو الإفطارِ في رمضانَ، أنَّ
الإثمَ عنه مرفوع (٥).
السادسة: أجمعَ العلماءُ على أنَّ مَن أُكرِهَ على قَتْل غيرِه أنه لا يجوزُ له الإقدامُ
(١) النوادر والزيادات ٢٤٧/١٠.
(٢) صحيح مسلم (٧٠٠) (٣٣)، وسلف ٣٢٦/٢ و٤٥٥.
(٣) عند مسلم (٧٠٠) (٣٩).
(٤) أخرجه ابن حزم في المحلى ١١/ ١٤٢.
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٤٢٣/٣، وفتح الباري ٣١٤/١٢، وأورد العيني في عمدة القاري ٩٨/٢٤ أثر
عمر ومكحول.

٤٣٧
سورة النحل: الآية ١٠٦
على قتله ولا انتهاك حُرمته بجَلْدٍ أو غيرِهِ، ويَصبرُ على البلاء الذي نزل به، ولا يحلُّ
له أن يَقْدِيَ نفسَه بغيره، ويسألُ اللهَ العافيةَ في الدنيا والآخرة(١).
واختُلِفَ في الزنى، فقال مُطَرِّفٌ وأَضْبَغُ وابنُ عبد الحكم وابن الماجِشُون: لا
يفعل أحدٌ ذلك، وإن قُتل لم يفعلْه، فإن فَعَلَه فهو آثمٌ ويلزمه الحَدُّ(٢)؛ وبه قال أبو ثَوْرِ
والحسن(٣). قال ابن العربي(٤): الصحيحُ أنه يجوزُ الإقدامُ على الزنى، ولا حَدَّ
عليه، خلافاً لمن أَلزمه ذلك؛ لأنه رأى أنَّها شهوةٌ خُلقِية لا يُتصوَّرُ الإكراهُ عليها،
وغَفَل عن السبب في باعثِ الشهوة وهو الإلجاءُ إلى ذلك، وهو الذي أسقطَ حُكْمَه،
وإنَّما يجب الحَدُّ على شهوةٍ بَعَثَ عليها سببٌ اختياري، فقاس الشيءَ على ضِدِّه، فلم
يَحْلَ(٥) بصوابٍ من عنده.
وقال ابن خُوَيْزِ مَنْداد في أحكامه: اختلفَ أصحابُنا متى أُكرِهَ الرجلُ على الزنى،
فقال بعضهم: عليه الحدُّ؛ لأنه إنَّما يفعلُ ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حدَّ عليه.
قال ابن خُوَيْزِ منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفةَ: إن أَكرهه غيرُ السلطان حُدَّ، وإن
أكرهه السلطانُ؛ فالقياسُ أن يُحدَّ، ولكنْ أستحسنُ ألَّا يُحَدَّ وخالفَه صاحباهُ فقالا:
لا حدَّ عليه في الوجهين، ولم يُراعُوا الانتشارَ وقالوا: متى عَلِمَ أنه يتخلَّصُ من القتل
بفعلِ الزنى، جاز أن ينتشرَ(٦). قال ابنُ المنذر(٧): لا حدَّ عليه، ولا فرقَ بين السلطان
في ذلك وغيرِ السلطان.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٥/٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٢٤/٣، ولم يذكر ابن الماجشون.
(٣) الإشراف ٢/ ٤٣.
(٤) في أحكام القرآن ١١٦٥/٣ - ١١٦٦ .
(٥) قال الأزهري في تهذيب اللغة ٢٣٧/٥ : ويقال: ما حَليتُ منه شيئاً حَلْياً، أي: ما أصبت.
(٦) المبسوط ٥٩/٩ .
(٧) في الإشراف ٢/ ٤٣ .

٤٣٨
سورة النحل: الآية ١٠٦
السابعة: اختلف العلماءُ في طلاقِ المكْرَه وعتاقِه؛ فقال الشافعيُّ وأصحابه: لا
يَلْزمه شيءٌ (١). وذكر ابن وهب عن عمرَ وعلي وابنٍ عباس أنهم كانوا لا يَرون طلاقَه
شيئاً(٢). وذكره ابن المنذر(٣) عن ابن الزبير وابن عمر، وابن عباسٍ وعطاء، وطاوسَ
والحسنٍ، وشريح والقاسم، وسالم ومالكٍ، والأوزاعيّ وأحمدَ، وإسحاقَ وأبي ثور.
وأجازت طائفةٌ طلاقَه، رُويَ ذلك عن الشَّعبي والنَّخَعيِّ وأبي قلابةَ والزهري وقتادة،
وهو قول الكوفيين. قال أبو حنيفة: طلاقُ المكره يلزم(٤)؛ لأنه لم يعدَمْ فيه أكثرَ من
الرضا، وليس وجودُه بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياسٌ باطل؛ فإنَّ الهازلَ
قاصدٌ إلى إيقاع الطلاق راضٍ به، والمكره غيرُ راضٍ، ولا نيةَ له في الطلاق، وقد
قال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما الأعمال بالنيات))(٥). وفي البخاري: وقال ابنُ
عباس فيمن يُكْرِهه اللصوصُ فيطلِّق: ليس بشيءٍ، وبه قال ابنُ عمر وابنُ الزبير،
والشعبيُّ والحسن(٦).
وقال الشعبي: إن أَكْرَهه اللصوصُ؛ فليس بطلاق، وإن أكْرهه السلطانُ؛ فهو
طلاق. وفسَّره ابنُ عيينةَ فقال: إنَّ اللصَّ يُقدِمِ على قتله، والسلطانُ لا يقتله(٧).
الثامنة: وأمَّا بيعُ المكْرَهِ والمضغوط؛ فله حالتان:
الأولى: أنْ يبيعَ مالَه في حقِّ وجَبَ عليه، فذلك ماض سائغٌ لا رجوعَ فیه عند
(١) الأم ٢١٠/٣، والإشراف ١٩٢/٤، والاستذكار ١٨/ ١٥٢.
(٢) النوادر والزيادات ٢٥٣/١٠، وأخرج الآثار عنهم عبد الرزاق في المصنف ٤٠٦/٦ - ٤٠٩، وابنُ
أبي شيبة ٤٨/٥ - ٤٩ .
(٣) في الإشراف ٤/ ١٩٢.
(٤) تحفة الفقهاء ١٩٥/٢ .
(٥) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) (١٥٥)، من حديث عمر بن الخطاب ﴾، وسلف ٢٧٠/٣ .
(٦) صحيح البخاري قبل حديث (٦٩٤٠).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١١٤٢٢).

٤٣٩
سورة النحل: الآية ١٠٦
الفقهاء؛ لأنه يَلزمه أداءُ الحق إلى ربه من غير المبيع، فلمَّا لم يفعلْ ذلك، كان بيعُه
اختياراً منه فَزِمَه.
وأما بيعُ المكرَهِ ظلماً أو قهراً؛ فذلك بيعٌ لا يجوزُ عليه، وهو أولى بمتاعه،
يأخذُه بلا ثمن، ويتبَعُ المشتري بالثمن ذلك الظالمَ، فإنْ فاتَ المتاعُ، رجعَ بثمنه أو
بقيمتِهِ بالأكثرِ من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غيرَ عالمٍ بظلمه. قال مُطرفٌ:
ومَن كان من المشترين يعلم حالَ المُكرَه؛ فإنه ضامنٌ لِمَا ابتاعَ من رقيقه وعُروضه
كالغاصب، وكلُّ ما (١) أحدثَ المبتاع في ذلك من عتقٍ أو تدبير أو تحبيس، فلا يلزم
المكرَهَ، وله أخذُ متاعِه.
قال سُخنون: أجمعَ أصحابُنا وأهل العراق على أنّ بيعَ المكرَه على الظلم
والجَوْر لا يجوز. وقال الأَبْهَرِيُّ: إنه إجماع(٢).
التاسعة: وأمَّا نكاحُ المكرَهِ، فقال سُخنون: أَجمعَ أصحابُنا على إبطال نِكاح
المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه؛ لأنه لم ينعقد. قال محمد بن
سُحنون: وأجاز أهل العراق نكاحَ المكره، وقالوا: لو أُكره على أن ينكِحَ امرأةً
بعشرةِ آلافٍ درهم، وصداقُ مثلِها ألفُ درهم: إِنَّ النكاحَ جائزٌ وتَلزمُه الألفُ ويبطُلُ
الفَضْلُ. قال محمد: فكما أبطلوا الزائد على الألْفِ، فكذلك يلزمهم إبطالُ النكاحِ
بالإكراه (٣). وقولُهم خلافُ السُّنة الثابتةِ في حديث خَنْساءَ بنت خِذام الأنصاريةِ(٤)،
ولأمرِهِ ﴾ بالاستثمار في أَبضاعِهن، وقد تقدّم(٥)، فلا معنى لقولهم.
(١) في (د) و(ز) و(م): كلَّما، والمثبت من (ف) ومن المحرر الوجيز ٤٢٣/٣، والكلام منه.
(٢) النوادر والزيادات ٢٧٤/١٠ .
(٣) النوادر والزيادات ٢٥٧/١٠ - ٢٥٨ .
(٤) أخرجه أحمد (٢٦٧٨٦ زيادات عبد الله)، والبخاري (٥١٣٨) بلفظ: عن خنساء بنت خِذام أنَّ أباها
زوَّجها وهي كارهة، وكانت ثيباً، فردّ النبي # نكاحه.
(٥) ٣٨١/٥.

٤٤٠
سورة النحل: الآية ١٠٦
العاشرة: فإنْ وطئها المُكْرَهُ على النكاح غيرَ مكْرَهٍ على الوطء والرضا بالنكاح،
لَزِمَهُ النكاحُ عندنا على المسمَّى من الصَّداق، ودُرِئَ عنه الحدُّ. وإن قال: وطِئْتُها على
غير رضاً مني بالنكاح؛ فعليه الحدُّ والصداقُ المسمَّى؛ لأنه مدَّع لإبطالِ الصَّداقِ
المسمَّى، وتُحَدُّ المرأةُ إن تقدمتْ (١) وهي عالمةٌ أنه مكرةٌ على النكاح. وأمَّا المكرَهةُ
على النكاح وعلى الوطء، فلا حدَّ عليها، ولها الصداق، ويُحدُّ الواطئ، فاعلمْه.
قاله سحنون.
الحادية عشرة: إذا استُكرهتِ المرأةُ على الزنى؛ فلا حدَّ عليها؛ لقوله: ((إلا من
أكره)»، وقولِه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيانَ وما
استُكرِهوا عليه))(٢)، ولقولِ الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَمِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: ٣٣] يريدُ الفتياتِ. وبهذا المعنى حَكَم عمرُ في الوليدة التي استكرهَها العبدُ،
فلم يَحُدَّها(٣). والعلماء مُتفقون على أنه لا حدَّ على امرأةٍ مستكرهَة(٤).
وقال مالك(٥): إذا وُجِدت المرأةُ حاملاً وليس لها زوجٌ، فقالت: استُكْرِهتُ،
فلا يُقْبَلُ ذلك منها وعليها الحَدُّ، إلّا أن تكونَ لها بيِّنةٌ، أو جاءت تَدْمَى على أنها
أُتِيت(٦)، أو ما أشبهَ ذلك. واحتجَّ بحديث عمرَ بنِ الخطاب أنه قال: الرَّجْمُ في كتاب
الله حقٌّ على مَن زنى من الرجال والنساء إذا أَحْصَنَ إذا قامت البينةُ، أو كان الحَبَل
(١) في (ز) و(م): أقدمت، والمثبت من (ظ) و(د) و(ف)، وهو الموافق لما في النوادر والزيادات
٢٥٨/١٠ - ٢٥٩، والكلام منه.
(٢) سلف ٤ / ٥٠١ .
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٤٦)، ومالك في ((الموطأ) ٢/ ٨٢٧.
(٤) ينظر الاستذكار ١١٣/٢٤، والمنتقى ٢٧١/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن المنذر في الإشراف
٢/ ٤١ .
(٥) في الموطأ ٨٢٧/٢ - ٨٢٨.
(٦) في النسخ: أوتيت، والمثبت من الموطأ ٨٢٨/٢، والإشراف ٤١/٢.