النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة النحل: الآية ٨٠ وروى مَعْن بن عيسى عن مالك أنَّه سُئل عن جلد الخنزير إذا دبغ، فكرهه. قال ابن وَضَّاح: وسمعت سُحْنُوناً يقول: لا بأس به؛ وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن عليّ وأصحابه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أيُّما مَسْكِ دُبغ؛ فقد طهر))(١). قال أبو عمر (٢): يَحتمل أنْ يكون أراد بهذا القول عمومَ الجلود المعهود الانتفاعُ بها، فأمَّا الخنزير فلم يدخل في المعنى؛ لأنَّه غير معهود الانتفاع بجلده، إذ لا تعمل فيه الذَّكاة. ودليلٌ آخر: وهو ما قاله النَّصْر بن شُمَيل: إنَّ الإهابَ جلدُ البقر والغنم والإبل، وما عداه فإنَّما يُقال له: جلدٌ، لا إهابٌ. قلت: وجلدُ الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضاً غيرُ معهود الانتفاع به فلا يطهر؛ وقد قال : ((أَكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ حرامٌ))(٣) فليست الذَّكاةُ فيها ذكاءً، كما أنَّها ليست في الخنزير ذکاة. وروى النَّسائيُّ عن المقدام بن معدٍ یکرب قال: نھی رسولُ الله# عن الحرير والذَّهب ومَيّاثر النمور(٤). التاسعة: اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلودُ الميتة ما هو؟ فقال أصحاب مالك - وهو المشهور من مذهبه -: كلُّ شيءٍ دَبَغَ الجلدَ من ملح، أو قَرَظ، أو شَبِّ، أو غير ذلك؛ فقد جاز الانتفاع به. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول داود(٥) . (١) أخرجه بهذا اللفظ عن ابن عباس الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٠، وابن عبد البر في التمهيد ١٧٨/٤. وسلف تخريجه ٢٦/٣ بلفظ: أيما إهاب، والكلام السابق في الاستذكار ٣٤٧/١٥ - ٣٤٨. (٢) في التمهيد ١٧٨/٤ . (٣) أخرجه مسلم (١٩٣٣) عن أبي هريرة، وسلف ٧/ ٢٥١ . (٤) سنن النسائي الكبرى (٤٥٦٦)، والمجتبى ١٧٦/٧ . والمياثر جمع مِيْثَرة: وهو السرج. المصباح المنير (وثر). (٥) الاستذكار ٣٤٩/١٥، وينظر المبسوط ٢٠٢/١، والقَرَظ: وَرَق السَّلَم يُدبغ به الأديم. المصباح المنير (قرظ). والشَّبُّ: حجارة الزَّاج. القاموس (شبب)، وينظر المغرب للمطرزي ص٤٣٢ ، والمصباح المنير (شبب). ٤٠٢ سورة النحل: الآية ٨٠ وللشافعيّ في هذه المسألة قولان؛ أحدهما: هذا، والآخر: أنه لا يُطَهِّر إلا الشَّبُّ والقَرَظ؛ لأنَّه الدباغ المعهود على عهد النبيّ #، وعليه خرج الخطاب(١)، والله أعلم. النَّسائيّ: عن ميمونة زوج النبيِّ# أنَّه مرَّ برسول اللـه ﴾ رجالٌ من قريش يجرُّون شاةً لهم مثلَ الحصان؛ فقال لهم رسول الله ﴿: ((لو أخذتم إهابها)). قالوا: إنَّها ميتة. فقال رسول الله ﴾: ((يُطهِّرها الماءُ والقَرَظ))(٢). العاشرة: قوله تعالى: ﴿أَثَثًا﴾؛ الأثاثُ: متاع البيت، واحدها أَثَاثة؛ هذا قول أبي زيد الأنصاري(٣). وقال الأمويُّ: الأثاث: متاع البيت، وجمعه أُنَّة وأُنُث(٤). وقال غيرهما: الأثاثُ: جميع أنواع المال، ولا واحدَ له من لفظه(٥). وقال الخليل: أصلُه من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعضٍ حتى يكثر، ومنه: شعر أثيث، أي: كثير. وأَثَّ شعرُ فلانٍ يَبِثُّ أَنَّا: إذا كثُر والتفَّ(٦)؛ قال امرؤ القيس(٧): (١) في (د) و(م): خرّج الخطابي - والله أعلم - ما رواه النسائي ... ، والمثبت من (ظ) و(ف). وهو الموافق لما في التمهيد ١٨٣/٤ - ١٨٤، والاستذكار ٣٤٩/١٥ - ٣٥٠، والكلام منه (٢) المجتبى ١٧٤/٧ - ١٧٥، والكبرى (٤٥٦٠)، وأخرجه أحمد (٢٦٨٣٣)، وأبو داود (٤١٢٦). (٣) المحرر الوجيز ٤١٢/٣. وذكر الطبري في تفسيره ٣١٨/١٤ أن الأثاث مثل المتاع؛ لم يسمع له بواحد، وقال: حُكي عن بعض النحويين أنه كان يقول: واحد الأثاث أثاثة، ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك. (٤) ينظر تهذيب اللغة ١٦٦/١٥، وتفسير الرازي ٩٢/٢٠. (٥) المحرر الوجيز ٤١٢/٣ . (٦) تفسير الطبري ٣١/١٤، وينظر زاد المسير ٤/ ٤٧٧ . (٧) في ديوانه ص١٦، وسلف البيت ص ٣٩٥ من هذا الجزء. ٤٠٣ سورة النحل: الآيتان ٨٠ - ٨١ أثيثٍ كقِنْوِ النّخلة المُتَعَثْكِلِ وفَرْعٍ يَزِين المتنَ أسودَ فاحمٍ وقيل: الأثاثُ: ما يلبس ويفترش(١). وقد تأثَّئت: إذا اتخذت أثاثاً. وعن ابن عباس : ((أثاثً)): مالاً(٢). وقد تقدَّم القول في الحين(٣)، وهو هنا وقتٌ غير معيَّن بحسَب كلِّ إنسان، إمَّا بموته، وإمَّا بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث. ومن هذه اللفظة قول الشاعر: أهاجَتْكَ الظعائنُ يومَ بانُوا بذي الزِّيِّ الجميلِ من الأَثاث (٤) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَفِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ ((٨) يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتْلِمُونَ فيه ستُّ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿ظِلَلًا﴾ الظّلال: كلُّ ما يُستظَلُّ به من البيوت والشجر. وقوله: ﴿مِّغَا خَلَقَ﴾ يعمُّ جميعَ الأشخاص المِظِلَّة(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَكْنَنَا﴾ الأكنان: جمع كِنَّ، وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك(٦)؛ وهي هنا الغيران في الجبال(٧)، جعلها الله عدَّةً للخلق يأوون إليها، ويتحصَّنون بها، ويعتزلون عن الخَلْق فيها. وفي ((الصحيح)) (٨) أنَّه عليه الصلاة (١) غريب القرآن لابن قتيبة ص٢٤٦ . (٢) أخرجه الطبري ٣١٩/١٤ . (٣) ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨ . (٤) المحرر الوجيز ٤١٢/٣، والبيت لمحمد بن نمير الثقفي وسلف ص٣٩٣ من هذا الجزء. (٥) ينظر زاد المسير ٤ / ٤٧٧ . (٦) المحرر الوجيز ٤١٢/٣ . (٧) تفسير الطبري ١٤/ ٣٢١ وعزاه إلى قتادة. والغيران جمع الغار. القاموس (غور). (٨) صحيح البخاري (٣)، وصحيح مسلم (١٦٠)، وهو عند أحمد (٢٥٩٥٩) عن عائشة رضي الله عنها، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٨/٣ - ١١٥٩ . ٤٠٤ سورة النحل: الآية ٨١ والسلام كان في أولِ أمره يتعبَّد بغار حِرَاء ويمكثُ فيه الليالي ... الحديث. وفي ((صحيح البخاريّ))(١) قال: خرجَ رسول اللـه ﴾ من مكَّة مهاجراً هارباً من قومه؛ فارًّا بدينه مع صاحبه أبي بكر حتى لحقا بغارٍ في جبل ثَوْر، فكمَّنَا (٢) فيه ثلاثَ ليال يبيت عندهما فيه عبدُ الله بنُ أبي بكر، وهو غلام شابٌّ ثَقِف لَقِنْ(٣)، فيَدَّلِجُ من عندهما بسحَرٍ، فيصبحُ مع قريشٍ بمكة (٤) كبائت؛ فلا يسمع أمراً يُكادان به إلا وَعاه حتى يأتيَهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً من غنم، فيُرِيْحها عليهما حين(٥) تذهب ساعةٌ من العشاء فيَبِيتان في رِسْل - وهو لبنُ مِنحتهما ورَضِيفُهما (٦) - حتى يَنْعِقِ بهما عامرُ بنُ فُهَيْرة بغَلَس(٧)، يفعل ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث ... وذكر الحديث. انفردَ بإخراجه البخاري. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَّبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: القُمُصَ، واحدها سِربال(٨). ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: الدروعَ التي تقي النَّاس في (١) برقم (٣٩٠٥). (٢) في (ز) و(ظ): فمكث، وفي (د) و(ف): فمكثا. والمثبت من (م)، وهو موافق لما في صحيح البخاري. (٣) قوله: ثَقِف، بفتح المثلثة وكسر القاف، ويجوز إسكانها وفتحها، وبعدها فاء، أي: الحاذق، تقول: ثقفت الشيء: إذا أقمت عِوَجَه، وقوله: لَقِن، بفتح اللام وكسر القاف بعدها نون، أي: السريع الفهم. فتح الباري ٢٣٧/٧. ووقع في (ظ): لَقِف، بدل: لَقِن. ومعناه: خفيف حاذق، يقال: فلان ثَقِفٌّ لَقف. القاموس (لقف). (٤) لفظة: بمكة. من (م) وصحيح البخاري. (٥) في (د) و(ز) و(ظ): حتى، والمثبت من (ف) و(م) وهو الموافق لصحيح البخاري. (٦) لفظة: ورضيفهما. من (م) وصحيح البخاري. والرَّضيف؛ هو اللبن المرضوف، أي: التي وُضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد وتزول رخاوته. فتح الباري ٧/ ٢٣٧ . (٧) قوله: ينعق بهما، بالتثنية، هي لأبي ذر، أحد رواة صحيح البخاري، أي: يُسمعهما صوته إذا زجر غنمه. ورواية الآخرين: ينعق بها، أي: يصيح بغنمه، والنعيق صوت الراعي إذا زجر الغنم. فتح الباري. وقوله: الغلس، أي: ظلمة آخر الليل. (٨) الوسيط للواحدي ٧٦/٣ . ٤٠٥ سورة النحل: الآية ٨١ الحرب، ومنه قول کعب بن زهير: من نَسْج داودَ في الهَيْجَا سَرابِيلُ(١) شُمُّ العرانِين أبطالٌ لَبُوسُهِمُ الرابعة: إنْ قال قائل: كيف قال ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ اَلْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾ ولم يذكر السهل، وقال: ﴿تَقِيِكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البَرْد؟ فالجواب أنَّ القومَ كانوا أصحابَ جبال، ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهلَ حَرِّ، ولم يكونوا أهل بَرْد، فذكر لهم نعمه التي تختصُّ بهم(٢)؛ كما خصَّهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن والكتّان ولا الثلج؛ كما تقدم (٣)، فإنَّه لم يكن ببلادهم؛ قال معناه عطاء الخراسانيُّ(٤) وغيره. وأيضاً: فذِكرُ أحدهما يدلُّ على الآخر، ومنه قول الشاعر(٥): وما أدري إذا يَمَّمت أرضاً أُرِيدُ الخيرَ أَيُّهما يَلِيني أمِ الشَّرُّ الذي هو يبتغيني أَأَلْخيرُ الذي أنا أَبتغيهِ الخامسة: قال العلماء: في قوله تعالى: ﴿وَسَزَِّلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ دليلٌ على اتخاذ العباد عُدَّة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء، وقد لبسَها النبيُّ # تُقاةَ الجراحة وإنْ كان يطلبُ الشهادة، وليس على العبد أنْ يطلبها بأنْ يستسلمَ للحتوف، وللطعن بالسِّنان، وللضرب بالسيوف، ولكنَّه يلبسُ لَأُمةَ (٦) حربٍ؛ لتكون له قوّةً على قتال عدوِّه، ويقاتلُ لتكون كلمةُ الله هي العليا، ويفعلُ الله بعدُ ما يشاء. (١) ديوان كعب ص٩١ . وثُمّ جمع أَشَم؛ وهو الذي في قصبة أنفه علوٌ مع استواء أعلاه، والعرانين: جمع عرنين وهو الأنف. واللَّبوس بفتح اللام: اللباس. والمراد به هنا ما يلبس من السلاح والنسج المنسوج. شرح قصيدة بانت سعاد لابن هشام ص ٨٥ . (٢) النكت والعيون ٢٠٦/٣ . (٣) ص٣٩٤ من هذا الجزء. (٤) أخرجه الطبري ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ . (٥) هو المثقب العبدي، والبيتان في ديوانه ص٢١٢ - ٢١٣ . وينظر المحرر الوجيز ٤١٣/٣ . وأحكام القرآن لابن العربي ١١٥٩/٣ . (٦) اللَّأْمَة: الدرع. المصباح المنير (لوم). ٤٠٦ سورة النحل: الآيات ٨١ - ٨٣ السادسة: قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُنِدُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ شُتْلِمُونَ﴾ قرأ ابن مُخَيْصِن وحميد: ((تَتِمُّ) بتاءين، ((نعمتُه)): رفعاً على أنَّها الفاعل(١). الباقون: ((يُتِمُّ)) بضمِّ الياء؛ على أنَّ اللهَ هو يُتَمُّها. و (تُسْلِمون)»؛ قراءةُ ابن عباس وعكرمة: ((تَسْلَمون)) بفتح التَّاء واللام، أي: تَسْلَمون من الجراح، وإسناده ضعيف؛ رواه عَبَّاد بن العوَّام، عن حنظلةَ، عن شَهْر، عن ابن عباس(٢). الباقون: بضمِّ التاء، ومعناه: تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته؛ شكراً على نعمه(٣). قال أبو عبيد: والاختيارُ قراءة العامَّة؛ لأنَّ ما أنعمَ الله به علينا من الإسلام أفضلُ مما أنعم به من السلامة من الجراح. قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَوْأَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ اَلْمُّبِينُ قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ أي: ليس عليك إلَّا التبليغ، وأمَّا الهداية فإلينا. قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا وَأَكْتَرُهُمُ الْكَفِرُونَ قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ قال السُّدِّيُّ: يعني: محمداً ﴾، أي: يعرفون نبوَّته ﴿ثُمَّ يُكِرُونَ﴾ ويُكذِّبونه. وقال مجاهد: يريدُ ما عدَّد اللهُ عليهم في هذه السورة من النِّعم، أي: يعرفون أنَّها من عند الله ويُنكِرونها بقولهم إنَّهم ورثوا ذلك عن آبائهم (٤). وبمثله قال قتادة (٥). (١) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٤٠٥، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٣/٣. ونسباها لابن عباس رضي الله عنهما. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٢٢/١٤ من طريقين عن حنظلة، به. وحنظلة - وهو السدوسي - وشهر - وهو ابن حوشب - ضعيفان، وقد ردَّ الطبريُّ أيضاً هذه القراءة. (٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٥٩/٣ - ١١٦٠. (٤) النكت والعيون ٣/ ٢٠٧، وأخرج قوليهما الطبري ٣٢٥/١٤ - ٣٢٦. (٥) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٨٠ . ٤٠٧ سورة النحل: الآيتان ٨٣ - ٨٤ وقال عَوْن بن عبد الله: هو قولُ الرجل: لولا فلانٌ لكان كذا، ولولا فلانٌ ما أصبتُ كذا، وهو يعرف أن (١) النفع والضرَّ من عند الله. وقال الكَلْبِيُّ: هو أنَّ رسول اللـه ﴿ لمَّا عرَّفهم بهذه النِّعم كلِّها، عرفوها وقالوا: نَعم، هي كلُّها نِعَمٌّ من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا(٢). وقيل: يعرفونَ نعمة الله بتقلُّبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها. ويحتمل سادساً: يعرفونها في الشدَّة، وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعاً: يعرفونها بأقوالهم، وينكرونها بأفعالهم(٣). ويحتمل ثامناً: يعرفونها بقلوبهم، ويجحدونها بألسنتهم؛ نظيرها: ﴿وَحَمَدُواْ بِهَا وَأَسْتَّقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]. ﴿وَأَكْتُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾ يعني: جميعهم(٤)؛ حسبما تقدَّم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ٨٤ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا﴾ نظيره: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ وقد تقدّم(٥) [النساء: ٤١]. ﴿ِثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: في الاعتذار والكلام، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَثُ لَمْ فَغَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]. وذلك حين تُطبق عليهم جهنّم، كما تقدَّم في أوَّل (الحجر)»، ويأتي. ﴿َوَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ يعني: يُسترضون، أي: لا يُكلَّفون أنْ يُرضوا ربّهم؛ لأنَّ (١) في (د) و(م): وهم يعرفون، بدل: وهو يعرف أن، ومن هذا الموضع إلى آخر الكلام ليس من قول عون، وقد أخرجه الطبري ٣٢٦/١٤، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٢٠٧/٣ . (٢) تفسير البغوي ٣/ ٨٠ . (٣) النكت والعيون ٢٠٧/٣. (٤) زاد المسير ٤٧٩/٤ وعزاه إلى الحسن. (٥) ٣٢٥/٦. ٤٠٨ سورة النحل: الآيات ٨٤ - ٨٧ الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يُتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون(١). وأصل الكلمة من العَثْب، وهي المَوْجِدة؛ يقال: عَتَب عليه يَعتُب: إذا وَجَدَ عليه، فإذا فاوضه ما عَتَب عليه فيه، قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرَّتك فقد أعتَب، والاسم: العُتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يُرضي العاتبَ؛ قاله الهرَوِيُّ (٢). وقال النابغة : فإنْ كنتُ مظلوماً فعبداً ظلمتَه وإن تكُ(٣) ذا ◌ُنْبَى فمثلُكَ يُعْتِبُ(٤) ٨٥) قوله تعالى: ﴿وَ إِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَ هُمْ يُنُظَرُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: أشركوا. ﴿ اَلْعَذَابَ﴾ أي: عذاب جهنم بالدخول فيها . ﴿فَلَ يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَ هُمْ يُنُظَرُونَ﴾ أي: لا يُمهلَون؛ إذْ لا توبةَ لهم ثَمَّ. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ ﴾ وَأَلّقَوْاْ إِلَى اللَّهِ (٨٧) يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: أصنامَهم وأوثانَهم التي عبدوها، وذلك أنَّ اللهَ يَبعث معبودِيهم فيتبعونَهم حتى يُورِدوهم النَّارَ. وفي «صحيح مسلم)): ((من كان يَعبدُ شيئاً فَلْيَتَّبِعْه، فيتَّبِعِ مَن كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويتَّبِعُ مَن كان يعبدُ القمرَ القمرَ، ويتَّبعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ)). الحديث، خرَّجه مِن حديث أنس(٥)، والترمذيُّ مِن حديث أبي هريرة، وفيه: ((فيُمَثَّل لصاحبِ الصليبِ (١) تفسير البغوي ٣/ ٨٠ . (٢) نسبه الطبرسي للزجاج في مجمع البيان ١٠٩/١٤ . (٣) في (د) و(ز) و(م): كنت، والمثبت من (ظ) و(ف)، وهو الموافق لما في الديوان. (٤) ديوان النابغة الذبياني ص١٨، وفيه: فإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... (٥) صحيح مسلم (١٨٢). وهو قطعة من حديث أبي هريرة، وليس من حديث أنس. ٤٠٩ سورة النحل: الآيات ٨٦ - ٨٨ صليبُه، ولصاحبِ التصاويرِ تصاويرُه، ولصاحبِ النارِ نارُه، فيَتْبعون ما كانوا يعبدون)) وذكر الحديث(١). ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ﴾ أي: الذين جعلناهم لكَ شركاءَ. ﴿فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: ألقت إليهم الآلهةُ القولَ، أي: نَطَقَتْ بتكذيبٍ مَن عَبَدها؛ بأنَّها لم تكن آلهةً، ولا أَمَرَتهم بعبادتِها، فيُنطق اللهُ الأصنامَ حتى تظهر عند ذلك فضيحةُ الكفَّار. وقيل: المرادُ بذلك الملائكةُ الذين عبدوهم. ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ﴾ يعني: المشركينَ، أي: استسلموا لعذابِه، وخضعوا لعزّه. وقيل: استسلم العابدُ والمعبودُ، وانقادوا لحكمِه فیھم. ﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: زال عنهم ما زَيَّن لهم الشيطانُ، وما كانوا يؤمّلون مِن شفاعةِ آلهتهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال ابنُ مسعود: عقارب أنيابُها كالنخل الطّوال؛ وحيات مثلُ أَعناق الإبل؛ وأفاعي كأنَّها البَخَاتِيّ تَضربُهم، فتلك الزيادةُ، وقيل: المعنى: يَخرجون مِن النَّارِ إلى الزَّمْهرير، فيبادرونَ مِن شدَّة بَرْدِه إلى النَّار. وقيل: المعنى: زِدْنا القادةَ عذاباً فوق السَّفِلة؛ فَأَحَدُ العذابَيْن على كُفرهم، والعذابُ الآخَرُ على صدِّهم (٢). ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ في الدنيا مِن الكُفر والمعصية. (١) سنن الترمذي (٢٥٥٧)، وقال: حديث حسن صحيح. (٢) ينظر تفسير الطبري ٣٣٠/١٤ - ٣٣١، ومعاني القرآن للزجاج ٢١٦/٣، والوسيط ٢٤٦/٢، وتفسير البغوي ٨١/٣، والزمخشري ٤٢٤/٢ . ٤١٠ سورة النحل: الآية ٨٩ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّذٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمِ مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّدٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهم الأنبياءُ، شهداءُ على أُمَمهم يومَ القيامة، بأَنَّهم قد بلَّغوا الرسالةَ ودعَوْهم إلى الإيمان، وفي كلِّ زمانٍ شهيدٌ وإن لم يكن نبيًّا، وفيهم قولان: أحدُهما: أنَّهم أئمةُ الهدى الذين هم خلفاءُ الأنبياء. الثاني: أنَّهم العلماءُ الذين حَفِظَ اللهُ بهم شرائعَ أنبيائه (١). قلت: فعلى هذا لم تكن فترةٌ إلا وفيها مَن يوحِّد اللهَ؛ كقُسِ بنِ ساعدة، وزیدِ بنِ عمرٍو بنِ نُفيل الذي قال فيه النبيُّ ﴾: ((يُبعَث أمةً وحدَه))(٢)، وسَطِيح(٣)، ووَرَقَةَ بنِ نَوْفلِ الذي قال فيه النبيُّ #: ((رأيته ينغمس في أنهار الجنة))(٤). فهؤلاء ومَن كان مثلُهم حبّةٌ على أهل زمانِهم وشهيدٌ عليهم. والله أعلم. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ تقدَّم في البقرة والنساء(٥). (١) النكت والعيون ٢٠٨/٣ . (٢) سلف ٢/ ٣٩٧. (٣) هو ربيع بن ربيعة الكاهن، من بني مازن بن الأزد، كان يتكلم بكل أعجوبة في الكهانة. ثمار القلوب للثعالبي ص ١٢٥ - ١٢٦، وجمهرة أنساب العرب ص ٣٧٤ - ٣٧٥ . (٤) أخرجه ابن السكن كما في الإصابة ٣٠٦/١٠ بلفظ: رأيت ورقة على نهر من أنهار الجنة، وأخرج أبو يعلى ٤/ ٤١ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سئل النبي # عن أبي طالب: هل تنفعه نبوتك؟ قال: نعم ... ، وفيه: وسئل عن خديجة - لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن - فقال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة ... وسئل عن ورقة بن نوفل قال: أبصرته في بُطنان الجنة عليه سندس. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤١٦/٩: رواه أبو يعلى، وفيه مجالد، وهذا مما مدح من حديث مجالد، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ والبُطنان: الوسط. النهاية (بطن). (٥) ٤٣٥/٢ - ٤٣٧ و٣٢٥/٦ - ٣٢٦. ٤١١ سورة النحل: الآيتان ٨٩ - ٩٠ قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ نظيره: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقد تقدَّم، فلينظر هناك(١). وقال مجاهدٌ: تبياناً للحلالِ والحرام(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيَتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِفُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَلَّرُونَ فیه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ رُويَ عن عثمانَ بنِ مَظْعُون أنه قال: لما نَزلت هذه الآيةُ؛ قرأتُها على عليّ بن أبي طالب ﴾، فتعجّب، فقال: يا آلَ غالب، اتَّبِعوه تُفلحوا، فواللهِ إنَّ اللهَ أرسلَه لیأمرَكم بمكارم الأخلاقِ(٣). وفي حديث: إنَّ أبا طالب لما قيل له: إنَّ ابنَ أخيكَ زعمَ أنَّ اللهَ أنزل عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية، قال: اتَّبِعوا ابنَ أخي، فواللهِ إنَّه لا يأمرُ إلا بمحاسنِ الأخلاق. وقال عكرمةُ: قَرَأَ النبيُّ على الوليدِ بنِ المغيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ إلى آخرها، فقال: يا ابنَ أخي أَعِدْ! فأعاد عليه، فقال: والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لَطلاوةً، وإنَّ أَصله لمُورِقٌ، وأَعلاء لمثمرٌ، وما هو بقولٍ بشر(٤)]. وذكر الغَزْنَوِيُّ أنَّ عثمانَ بنَ مظعونٍ هو القارئُ. قال عثمانُ: ما أَسلمتُ ابتداءً إِلَّا حياءً مِن رسول الله # حتى نَزلت هذه الآيةُ وأنا عنده، فاستقرَّ الإيمانُ في قلبي، فقرأتُها على الوليدِ بنِ المغيرة فقال: يا ابنَ أخي أَعِدْ! فَأَعَدْتُ، فقال: واللهِ إنَّ له لحلاوةً، ... وذكر تمامَ الخبر(٥). (١) ٣٧١/٨. (٢) أخرجه عنه الطبري ١٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤. (٣) المحرر الوجيز ٤١٦/٣، وينظر تفسير السمر قندي ٢٤٧/٢، وتفسير الرازي ١٠٠/٢٠. (٤) تفسير البغوي ٣/ ٨٢، والرازي ١٠١/٢٠ . (٥) أخرجه السمرقندي في التفسير ٢/ ٢٤٧، وينظر تفسير الرازي ٢٠/ ١٠٠. ٤١٢ سورة النحل: الآية ٩٠ وقال ابنُ مسعود: هذه أَجمعُ آيةٍ في القرآن لخيرٍ يُمتَثل، ولشَرِّ يُجتَنب(١). وحكى النقَّاشُ قال: يُقال: زكاةُ العدلِ: الإحسانُ، وزكاةُ القُدْرة: العفو، وزكاةُ الغنى: المعروفُ، وزكاةُ الجاهِ: كَتْبُ الرَّجُلِ إلى إخوانه(٢). الثانية: اختلف العلماءُ في تأويلِ العدلِ والإحسانِ، فقال ابنُ عباس: العدلُ: لا إله إلا الله، والإحسانُ: أداءُ الفرائض. وقيل: العدلُ: الفرضُ، والإحسانُ: النافلةُ. وقال سفيانُ بنُ عُيينة: العدلُ هاهنا: استواءُ السريرة، والإحسانُ: أن تكون السريرةُ أفضلَ مِن العلانية(٣). عليُّ بن أبي طالب: العدلُ: الإنصافُ، والإحسانُ: التفضُّلُ. قال ابنُ عطيةً(٤): العدلُ: هو كلُّ مفروض من عقائدَ وشرائعَ؛ في أداء الأمانات، وتَرْكِ الظلم، والإنصافِ، وإعطاءِ الحقِّ. والإحسانُ: هو فعلُ كلِّ مندوبٍ إليه، فمن الأشياء ما هو كلُّه مندوبٌ إليه، ومنها ما هو فرضٌ، إلا أنَّ حَدَّ الإجزاءِ منه داخلٌ في العدل، والتكميلُ الزائدُ على الإجزاء داخلٌ في الإحسان. وأما قولُ ابنِ عباس ففيه نظر؛ لأنَّ أداءَ الفرائضِ هي الإسلامُ حسبما فسَّره رسولُ اللـه # في حديث سؤال جبريلَ، وذلك هو العدلُ، وإنَّما الإحسانُ التكميلاتُ والمندوبُ إليه حسبما يقتضيه تفسيرُ النبيِّ# في حديث سؤالٍ جبريل بقوله: ((أنْ تعبدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنّه يَراك)). فإنْ صحَّ هذا عن ابنِ عباس فإنَّما أراد الفرائضَ مكملة. وقال ابنُ العربي(٥): العدلُ بين العبد وبين ربِّه إيثارُ حقٌّه تعالى على حظّ نفسِه، (١) أخرجه الطبري في التفسير ٣٣٧/١٤، وهو عند البخاري في الأدب المفرد (٤٨٩) بنحوه، وينظر الوسيط ٧٩/٣، وتفسير الرازي ١٠٠/٢٠. (٢) المحرر الوجيز ٤١٦/٣ . (٣) ينظر تفسير الطبري ٣٣٥/١٤ - ٣٣٧، والنكت والعيون ٢٠٩/٣، وزاد المسير ٤٨٣/٤، وتفسير الرازي ٢٠/ ١٠١ . (٤) في المحرر الوجيز ٤١٦/٣ . (٥) في أحكام القرآن ٣/ ١١٦٠ . ٤١٣ سورة النحل: الآية ٩٠ وتقديمُ رضاه على هواه، والاجتنابُ للزواجر، والامتثالُ للأوامر. وأما العدلُ بينه وبين نفسِه فَمنعُها مما فيه هلاكُها؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمُوَةِ﴾ [النازعات: ٤٠] وعُزوبُ الأطماع عن الاتباع، ولزومُ القناعةِ في كلِّ حالٍ ومعنَى. وأما العدل بينه وبين الخَلْق؛ فبذلُ النصيحة، وتَرْكُ الخيانة فيما قَلَّ وكَثُر، والإنصافُ مِن نفسِك لهم بكلِّ وجه، ولا يكون منك إساءةٌ إلى أحدٍ بقولٍ ولا فعل، لا في سِرٍّ ولا في عَلَنٍ، والصبرُ على ما يُصيبك منهم مِن البلوى، وأقلُّ ذلك الإنصافُ وتَرْكُ الأذى. قلت: هذا التفصيل في العدل حَسَنٌ وعدلٌ. وأما الإحسانُ فقد قال علماؤنا: الإحسانُ مصدرُ أَحسنَ يُخْسِن إحساناً. ويقال على معنيين : أحدهما متعدٍّ بنفسِه؛ كقولك: أحسنتُ كذا، أي: حسَّنته وكمَّلته، وهو منقولٌ بالهمزة، مِن حَسُنَ الشيءُ. وثانيهما: متعدٍّ بحرفِ جرّ، كقولك: أحسنتُ إلى فلان، أي: أوصلتُ إليه ما يَنْتفِعُ به(١). قلت: وهو في هذه الآيةِ مرادٌ بالمعنيين معاً، فإنَّه تعالى يُحِبُّ مِن خَلْقه إحسانَ بعضِهم إلى بعض، حتى إن الطائرَ في سجنك، والسَِّّوْر في دارك، لا ينبغي أن تَقْصُر تعهُّده بإحسانك؛ وهو تعالى غنيٌّ عن إحسانهم، ومنه الإحسانُ والنِّعَم والفَضْل والمِنَن(٢). وهو في حديث جبريلَ بالمعنى الأوّل لا بالثاني؛ فإنَّ المعنى الأوَّل راجعٌ إلى إتقان العبادةِ ومراعاتها؛ بآدابِها المصحّحة والمكمِّلة، ومراقبة الحقِّ فيها، واستحضارٍ عظمتِه وجلالِه حالةَ الشُّروع وحالةَ الاستمرار. وهو المراد بقوله: ((أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكن تَرَاه، فإنَّه يَرَاكِ))(٣). (١) المفهم ١٤٢/١ - ١٤٣. (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٠/٣ - ١١٦١. (٣) المفهم ١٤٣/١. ٤١٤ سورة النحل: الآية ٩٠ وأربابُ القلوبِ في هذه المراقبة على حالين: أحدهما غالبٌ عليه مشاهدةٌ الحقِّ، فكأنَّه يراه، ولعلَّ النبيَّ :﴿ أَشار إلى هذه الحالةِ بقوله: ((وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة))(١). وثانيهما: لا ينتهي إلى هذا، لكن يَغْلِبُ عليه أنَّ الحقَّ سبحانه مُطَّلِع عليه ومشاهدٌ له، وإليه الإشارةُ بقولِه تعالى: ﴿ الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَّقُومُ وَقَلُّكَ فِ السَِّدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨]، وقوله: ﴿إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُنْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١](٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِيتَّآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي: القرابة؛ يقول: يُعطيهم المالَ، كما قال: ﴿وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] يعني: صِلَته. وهذا من بابِ عطفٍ المندوبِ على الواجب، وبه استدلَّ الشافعيُّ في إيجاب إيتاءِ المُكاتَب؛ على ما يأتي بیانه. وإنما خَصَّ ذا القُربى؛ لأنَّ حقوقَهم أَوْكَدُ، وصلتَهم أَوجبُ؛ لتأكيدِ حقِّ الرَّحِم التي اشتقَّ اللهُ اسمَها مِن اسمِه، وجَعَل صِلَتَها مِن صِلَتِه. فقال في ((الصحيح)): ((أما تَرْضَيْنَ أَنْ أصِل مَن وَصَلك، وأَقطعَ مَن قَطَعك))(٣). ولا سِيَّما إذا كانوا فقراءَ. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ﴾ الفحشاءُ: الفُخْشُ، وهو كلُّ قبيحٍ مِن قولٍ أو فعل. ابنُ عباس: هو الزنى. والمنكر: ما أَنكره الشرعُ بالنهي عنه، وهو يعمُّ جميعَ المعاصي والرذائلِ والدناءاتِ على اختلافِ أنواعها. وقيل: هو الشِّرْك. والبَغْيُ: هو الكِبْرِ والظُّلْم والحِقْد والتَّعدِّي؛ وحقيقتُه: تجاوز الحدِّ، وهو داخلٌ تحت المنكر، لكنه تعالى خصَّه بالذِّكْر؛ اهتماماً به؛ لشدَّة ضَرَره(٤). (١) رواه أحمد (١٢٢٩٣)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٦١ - ٦٢ من حديث أنس ﴾. (٢) المفهم ١٤٣/١. (٣) أخرجه البخاري (٤٨٣٠)، ومسلم (٢٥٥٤) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) ينظر المحرر الوجيز ٤١٦/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٦١/٣، وأثر ابن عباس أخرجه الطبري في التفسير ٣٣٦/١٤ . ٤١٥ سورة النحل: الآية ٩٠ وفي الحديث عن النبيِّ #: ((لا ذَنْبَ أسرعُ عقوبةٌ مِن بَغْي)) (١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((الباغي مصروعٌ))(٢). وقد وَعد اللهُ مَن بُغِيَ عليه بالنَّصْر. وفي بعضٍ الكتب المنزَّلة: لو بَغَى جبلٌ على جبلٍ، لجُعل الباغي منهما دَكًا(٣). الخامسة: ترجم الإمامُ أبو عبد الله محمَّد بنُ إسماعيل البخاريُّ في «صحيحه» فقال: باب قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيَتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِقُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾، وقولِه: ﴿إِنَّمَا بَغْبُّكُمْ عَّ أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَّنَهُ اللَّهُ﴾، وتركِ إثارة الشَّرِّ على مسلم أو كافر. ثم ذكر حديثَ عائشةَ في ◌ِخْر لَبِيد بنِ الأَعْصَم النبيَّ #(٤). قال ابنُ بَطَّال(٥): فتأوَّل ﴾ مِن هذه الآياتِ تَرْكَ إثارةِ الشَّرِّ على مسلم أو كافر؛ كما دلَّ عليه حديثُ عائشةً حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((أمّا اللهُ فقد شفاني، وأما أنا فأكره أَنْ أُثِير على الناس شرًّا))(٦). ووجه ذلك - والله أعلم - أنَّ تأوَّل في قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْمَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الندبَ بالإحسانِ إلى المُسِيْء، وتَرْكَ معاقبتِه على إساءتِه. فإن قيل: كيف يصحُّ هذا التأويلُ في آيات البغي؟ قيل: وجه ذلك - والله أعلم - أنَّه لمَّا أَعلم اللهُ عبادَه بأنَّ ضَرَر البغي ينصرفُ (١) هكذا أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٦/٣، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٢١٥) عن علي ﴾ بنحوه. وفي الباب عن أبي بكرة﴾ قال: قال رسول الله #: ما من ذنب أحرى أن يعجِّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا - مع ما يدخر له في الآخرة - من قطيعة الرحم والبغي. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٩)، وأبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (١٥١٣)، وابن ماجه (٤٢١١). (٢) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٦/٣ . (٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٨٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٣٢٢ موقوفاً على ابن عباس، وأخرجه وكيع في الزهد (٤٢٦)، وهناد في الزهد (١٣٩٥) عن مجاهد مرسلاً. قال ابن أبي حاتم في علل الحديث ٢٣٤/٢: والموقوف أصح. اهـ. والكلام من المحرر الوجيز ٤١٦/٣ . (٤) أخرجه البخاري (٣٢٦٨) و(٥٧٦٣)، ومسلم (٢١٨٩)، وسلف ٢٧٦/٢ . (٥) في شرحه لصحيح البخاري ٩/ ٢٥٧ . (٦) هو الحديث السالف الذكر. ٤١٦ سورة النحل: الآيتان ٩٠ - ٩١ على الباغي بقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، وضَمِن تعالى نُصرةَ من بُغِيَ عليه، كان الأَولى بمَن بُغِيَ عليه شُكْر اللهِ على ما ضَمِنَ مِن نصرهِ، ومقابلة ذلك بالعفو عمن بَغَى عليه؛ وكذلك فعَل النبيُّ # باليهودي الذي سحَره، وقد كان له الانتقامُ منه بقوله: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِّ﴾ [النحل: ١٢٦]. ولكن آثَرَ الصفحَ؛ أخذاً بقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. السادسة: تضمَّنت هذه الآيةُ الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، وقد تقدَّم القولُ فيهما(١). رُويَ أنَّ جماعةً رَفعت عاملَها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، فحاجَّها العاملُ وغَلَبها، بأنَّهم لم يُثبتوا عليه كبيرَ ظُلْم ولا جَوْرَه في شيءٍ؛ فقام فَتَّى مِن القوم فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإنه عدَل ولم يُحسِن. قال: فعجِب أبو جعفرٍ من إصابتِهِ، وعزَل العاملَ(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اَللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنَقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لفظٌ عامٌّ لجميع ما يُعقَّد باللسان ويلتزمه الإنسانُ مِن بيع، أو صِلَة، أو مواثقة في أمر موافقٍ للديانة. وهذه الآيةُ مضمَّن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ لأنَّ المعنى فيها: افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا؛ فعُطف على ذلك التقدير. وقد قيل: إنَّها نزلت في بَيعة النبيِّ# على الإسلام. وقيل: نزلت في التزامِ الحِلْفِ الذي كان في الجاهلية، وجاء الإسلامُ بالوفاء به؛ قاله قتادةُ ومجاهدٌ وابنُ زيد(٣). والعمومُ يتناول كلَّ ذلك كما بيَنَّاه. (١) ٥/ ٧٣ - ٧٦ . (٢) المحرر الوجيز ٣/ ٤١٧ . (٣) المحرر الوجيز ٤١٧/٣، وينظر تفسير الطبري ٣٣٨/١٤ - ٣٣٩، والنكت والعيون ٢١٠/٣. ٤١٧ سورة النحل: الآية ٩١ روى ((الصحيحُ)) عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم قال: قال رسول اللـه﴾: ((لا حِلْفَ في الإسلام، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزده الإسلامُ إلا شدَّةً) (١) يعني في نُصرة الحقِّ والقيامِ به والمواساة. وهذا كنحو حِلْف الفُصُول الذي ذكره ابنُ إسحاق(٢)، قال: اجتمعت قبائلُ مِن قريشٍ في دار عبدِ اللهِ بنِ جُدْعان؛ لشَرَفه ونسبِهِ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألَّا يجدوا بمكّة مظلوماً مِن أهلِها أو غيرِهم إلا قاموا معه حتى تُرَدَّ عليه مَظْلِمتُه؛ فسمَّت قريشٌ ذلك الحِلْفَ حِلْفَ الفُضول. أي: حِلْف الفضائل. والفضولُ هنا: جَمْعُ فَضْل(٣)، للكثرة، كفَلْس وقُلُوس. روى ابنُ إسحاق، عن ابن شهاب قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾. (لقد شَهِدْتُ فِي دارٍ عبدِ الله بنِ جُدْعان حِلْفاً ما أُحِبُّ أن لي به حُمْرَ النَّعَم، لو ◌ُدعى به في الإسلام لأَجبتُ))(٤). وقال ابنُ إسحاق(٥): تحامَل الوليدُ بنُ عُتبة على حسينِ بنِ عليٍّ في مال له، السلطانِ الوليد فإنه كان أميراً على المدينة، فقال له حسينُ بنُ عليٍّ: أَخْلِفُ بالله لتُنْصِفَنِّي مِن حقِّي، أو لآخذنَّ سيفي، ثم لأَقومنَّ في مسجدٍ رسول الله ﴾، ثمَّ الأَدعونَّ بِحلْف الفُضول. قال عبدُ اللهِ بنُ الزبير: وأنا أَحْلِفُ واللهِ لئن دعانا لآخُذَنَّ سيفي، ثم لأقومنَّ معه حتى ينتصفّ مِن حقٌّه، أو نموتَ جميعاً. وبلغتِ المِسْوَرَ بنَ مَخْرمة، فقال مثلَ ذلك. وبلغت عبد الرحمن بنَ عثمان بنِ عبيد الله التيمي، فقال مثلَ ذلك. فلما بلغَ ذلك الوليدَ أَنصفه. قال العلماءُ: فهذا الحِلْفُ الذي كان في الجاهلية هو الذي شدَّه الإسلام، وخصّه (١) سلف ٢٤٨/٧ . (٢) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٣٣ - ١٣٤. (٣) سلف ٢٤٨/٧ . (٤) السيرة النبوية لابن هشام ١٣٤/١، وسلف ٢٤٧/٧. (٥) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٣٥. ٤١٨ سورة النحل: الآية ٩١ النبيُّ عليه الصلاة والسلام مِن عموم قوله: ((لا حِلْفَ في الإسلام)). والحكمة في ذلك أنَّ الشرعَ جاء بالانتصار مِن الظالم، وأَخْذِ الحقِّ منه، وإيصالِه إلى المظلوم، وأَوجب ذلك بأصل الشريعة إيجاباً عامًّا على مَن قَدر مِن المكلَّفين، وجعل لهم السبيلَ على الظالمين، فقال تعالى: ﴿إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَّ أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢]. وفي ((الصحيح)): (أُنْصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسولَ الله، هذا ننصُرُه مظلوماً، فكيف ننصرُه ظالماً؟ قال: (َأخُذ على يدَيْه)) - في رواية: ((تمنعُه مِن الظلم)) - («فإنَّ ذلك نَصْرُه))(١). وقد تقدَّم قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الناسَ إذا رأوا الظالمَ ولم يأخذوا على يدَيْه، أَوشكَ أنْ يَعُمَّهم اللهُ بعقابٍ مِن عندِه))(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُضُواْ الْأَتْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يقول: بعد تشديدِها وتغليظها(٣)، يقال: توكيد وتأكيد، ووََّد وأكَّد، وهما لغتان(٤). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ يعني: شهيداً. ويقال: حافظاً، ويقال: ضامناً. وإنما قال: ((بَعْدَ تَوْكِيدِها)) فَرْقاً بين اليمين المؤكَّدة بالعَزْمِ، وبين لَغْوِ اليمين. وقال ابنُ وهب وابنُ القاسم عن مالك: التوكيدُ هو حَلِفُ الإنسانِ في الشيء الواحدِ مراراً، يُردِّد فيه الأَيمانَ ثلاثاً أو أكثرَ مِن ذلك، كقوله: واللهِ لا أنقصُه مِن كذا، واللهِ لا أنقصه مِن كذا، واللهِ لا أنقصه مِن كذا. قال: فكفَّارة ذلك واحدةٌ مثل كفّارة الیمین. وقال يحيى بنُ سعيد: هي العهودُ، والعهدُ يمينٌ، ولكنَّ الفرقَ بينهما أنَّ العهدَ لا (١) أخرجه البخاري (٢٤٤٣) وسلف ٢٤٩/٣ . (٢) سلف ٣٨٦/٣ . (٣) عزاه الطبري في تفسيره ١٤/ ٣٤٠ إلى قتادة. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢١٧، والمحرر الوجيز ٤١٧/٣ . ٤١٩ سورة النحل: الآيتان ٩١ - ٩٢ يُكفّر. قال النبيُّ﴾: ((يُنْصَبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة عند استه بقَدْرٍ غَدْرته، يقال: هذه غدرةُ فلانٍ))(١). وأما اليمينُ باللهِ فقد شرع اللهُ سبحانه فيها الكفَّارةَ بخصلةٍ واحدة، وحلِّ ما انعقدت عليه اليمينُ. وقال ابنُ عمر: التوكيدُ هو أن يَحْلِفَ مرَّتين، فإن حلَف واحدةً، فلا كفَّارةَ فيه. وقد تقدَّم في المائدة(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَنَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُرْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةِّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٩٧) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَا﴾ النَّقْضُ والنَّكْثُ واحدٌ، والاسمُ النِّكْثُ والنِّقْض، والجمع الأَنكاث. فشبّهت هذه الآيةُ الذي يَحْلِف ويُعاهِد ويُرِمِ عهدَه ثم يَنقُضه، بالمرأةِ تَغزل غَزْلها وتفتِله مُحْكَماً ثم تَحُلُّهُ(٣). ويُروى أنَّ امرأةً حمقاءَ كانت بمَّة تُسمَّى رَيْطةَ بنتَ عمرو بنِ كعبٍ بنِ سعدِ بنِ تيمٍ بنِ مُرَّة كانت تفعلُ ذلك، فبها وقَع التشبيهُ، قاله الفرَّاء(٤)، وحكاه عبدُ الله بنُ كثير، والسُّدِّيّ، ولم يسمِّيا المرأةَ. وقال مجاهد وقتادة: وذلك ضَرْبُ مَثَلٍ، لا على امرأةٍ معيَّنة(٥). و((أنكاثاً)) نصبٌ على الحال(٦). والدَّخَل: الدَّغَل والخديعةُ والغِشُّ. قال أبو عبيدة (٧): كلُّ أمرٍ لم يكن صحيحاً، فهو دَخَل(٨). (١) المحرر الوجيز ٥٣٦/١، وسلف ٣٩٠/٥. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٦٢/٣، وينظر ما سلف ١٢١/٨ وما بعدها. (٣) المحرر الوجيز ٤١٧/٣ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ١١٢ - ١١٣. (٥) المحرر الوجيز ٤١٧/٣ - ٤١٨، وأخرج أثر مجاهد وقتادة الطبري في التفسير ٣٤٢/١٤ - ٣٤٣. (٦) معاني القرآن للزجاج ٢١٧/٣، والمحرر الوجيز ٤١٨/٣ . (٧) معاني القرآن للفراء ١١٣/٢، والنكت والعيون ٢١١/٣، والمحرر الوجيز ٤١٨/٣، وتهذيب اللغة ٢٧١/٧ . (٨) في مجاز القرآن ٣٦٧/١ . ٤٢٠ سورة النحل: الآيتان ٩٢ - ٩٣ ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ﴾ قال المفسِّرون: نزلت هذه الآيةُ في العرب الذين كانت القبيلةُ منهم إذا حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما قبيلةٌ كثيرةٌ قويّة فداخلتها، غدرت الأُولى، ونقضت عهدها، ورجعت إلى هذه الکبری ۔ قاله مجاهد ۔ فقال الله تعالى: لا تنقضوا العهودَ مِن أجل أنَّ طائفةً أكثرُ مِن طائفةٍ أُخرى، أو أكثرُ أموالاً، فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرةَ والسَّعة في الدنيا لأعدائكم المشركين(١). والمقصود النَّهْيُ عن العَوْد إلى الكفر بسببٍ كثرة الكفَّار وكثرة أموالهم. وقال الفرَّاء: المعنى: لا تغدروا بقومٍ لِقلَّتهم وكثرتِكم، أو لقلَّتكم وكثرتِهم، وقد غرَّر تموهم بالأيمان (٢). ﴿أَرْبَ﴾ أي: أكثر؛ مِن رَبَا الشيء يَرْبُو: إذا كَثُرَ (٣). والضمير في ((به)) يحتمل أن يعودَ على الوفاءِ الذي أَمَرَ اللهُ به، ويحتمل أن يعودَ على الرِّباء، أي: إنَّ اللهَ تعالى ابتلى عبادَه بالتحاسد، وطلبٍ بعضِهم الظهورَ على بعض، واختبرهم بذلك ليرى مَن يجاهد نفسَه فيخالفها، ممَّن يَتَّبعها ويَعملُ بمقتضى هواها(٤)، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيَُّتَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن البعثِ وغيرِه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُ مَن يَشَآءُ ٩٣) وَيَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَلَتْتُعَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿وَلَوّ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي: على ملَّة واحدة. (١) تفسير مجاهد ٣٥١/١، والمحرر الوجيز ٤١٨/٣، وأخرجه الطبري ٣٤٥/١٤. (٢) معاني القرآن للفراء ١١٣/٢، ووقع في (د) و(ظ): عزرتموهم، وفي (م): عززتموهم، والمثبت من (ز)، ومصدر النقل. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٠٧ . (٤) المحرر الوجيز ٤١٨/٣ .