النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة النحل: الآية ٦٧ قلتُ: هذا تشنيعٌ شنيعٌ حتى يُلحِقَ فيه العلماءَ الأخيار في قصورِ الفهم بالكفارِ، والمسألةُ أُصوليةٌ، وهي أنَّ الأخبارَ عن الأحكام الشرعيةِ، هل يجوزُ نسخُها أم لا؟ اختُلِف في ذلك، والصحيحُ جوازُه؛ لهذه الآيةِ وما كان مثلُها (١)، ولأنَّ الخبرَ عن مشروعيةٍ حكم ما يَتضمنُ طلبَ ذلك المشروعِ، وذلك الطلبُ هو الحكمُ الشرعيُّ الذي يُستدلُّ على نسخِه. والله أعلم. وأمَّا ما ذكروا من الأحاديثِ، فالأولُ والثاني ضعيفان(٢)؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد رُوي عنه بالنقلِ الثابتِ أنه قال: ((كلُّ شرابٍ أسكرَ فهو حرامٌ)) (٣) وقال: (كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام)) (٤) وقال: ((ما أسكر كثيرُه فقليله حرام)»(٥). قال النَّسائيُّ: وهؤلاءِ أهلُ الثَّبت والعدالةِ مشهورون بصحةِ النقل، وعبدُ الملك لا يقومُ مقامَ واحدٍ منهم، ولو عاضَده مِن أشكالِه جماعةٌ، وبالله التوفيق(٦). وأمَّا الثالثُ - وإن كان صحيحاً - فإنَّه ما كان يسقيهِ للخادم على أنَّه مسكر، وإنَّما كان يسقيه؛ لأنَّه متغيرُ الرائحةِ، وكان # يَكره أن تُوجَد منه الرائحةُ، فلذلك لم يَشرِبْه، ولذلك تَحيَّل عليه أزواجُه في عسلٍ زينبَ، بأنْ قيل له: إنَّا نجدُ منكَ ريحَ مغافِير؟ يعني: ريحاً منكرةً، فلم يَشربْه بعدُ(٧). وسيأتي في ((التحريم)). (١) في (ظ): لهذه الأمة ولا كان مثلها. (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٣/٣. (٣) أخرجه البخاري (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٤) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) والنسائي في الكبرى (٥١٩١)، وأحمد (٤٦٤٤)، من حديث عبد الله بن عمر. (٥) أخرجه النسائي في الكبرى (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٣٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٧ ، من حديث عبد الله بن عمرو. (٦) السنن الكبرى للنسائي إثر حديث (٥١٩١). (٧) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٣/٣، وحديث المغافير أخرجه البخاري (٥٢٦٧) و(٦٦٩١)، ومسلم (١٤٧٤)، وأحمد (٢٥٨٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي النهاية في غريب الحديث ٣٧٤/٣: مغافير: واحدها مُغْفُور بالضم، وله ريح كريهة منكرة، ويقال أيضاً: المغاثير. ٣٦٢ سورة النحل: الآية ٦٧ وأمَّا حديثُ ابنِ عباس، فقد رُوي عنه خلافُ ذلك من روايةٍ عطاء وطاوس ومجاهد، أنَّه قال: ما أَسكر كثيرُه فقليلُه حرامٌ، ورواه عنه قيس بن حَبْتَر (١)، وكذلك فُتياه في المسكر؛ قاله الدَّارَقُطْنيُّ. والحديثُ الأول رواه عنه عبدُ الله بن شدَّاد، وقد خالفه الجماعةُ، فسقط القولُ به مع ما ثبت عن النبيِّ ﴾. وأمَّا ما روي عن عمرَ من قوله: ليسَ يقطعُه في بطونِنا إلا النبيذُ. فإنه يريدُ غيرَ المسكر بدليل ما ذكرنا. وقد روى النَّسائيُّ عن عتبةَ بن فَرْقَد قال: كان النبيذُ الذي شربَه عمرُ بن الخطاب قد خُلِّل. قال النسائيُّ: وممَّا يدلُّ على صحةِ هذا حديثُ السائب، قال الحارثُ بن مِسْكين قراءةً عليه وأنا أسمعُ: عن ابنِ القاسم، حدثني مالك، عن ابنٍ شهاب، عن السَّائب بن يزيد، أنه أخبره أنَّ عمر بن الخطاب خرجَ عليهم فقال: إني وجدتُ من فلانٍ ريحَ شراب، فزعم أنه شرابُ الطّلاء، وأنا سائلٌ عمَّا شَرِب، فإن كان مسكراً جَلدتُه، فجلده عمرُ بن الخطاب الحدَّ تامًّا(٢). وقد قال في خطبته على منبرِ رسول الله ﴿: أمَّا بعد، أيها الناسُ، فإنه نزلَ تحريمُ الخمر وهي من خمسة: من العنبٍ، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير، والخمرُ ما خَامَرَ العقلَ(٣). وقد تقدَّم في ((المائدةِ))(٤). فإن قيل: فقد أَحلَّ شربَه إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، وأبو جعفر الطّحاويُّ وكان إمامَ أهلٍ زمانه، وكان سفيانُ الثوريُّ يَشربُه. قلنا: ذكرَ النَّسائيّ في كتابِه(٥) أنَّ أَولَ مَن أحلَّ المسكر من الأَنبذة إبراهيمُ النخعيُّ. وهذه زلةٌ من عالمٍ وقد حَذَّرنا من زلةِ العالم، ولا (١) في النسخ: دينار، والمثبت من سنن الدارقطني بعد رقم (٤٦٦٦)، ولم نجد قيس بن دينار في الرواة عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) السنن الكبرى (٥١٩٧) و(٥١٩٨)، والمجتبى ٣٢٦/٨. (٣) صحيح البخاري (٥٥٨١)، وصحيح مسلم (٣٠٣٢). (٤) ١٥٩/٨. (٥) السنن الكبرى (٥٢٤١)، والمجتبى ٣٣٥/٨. ٣٦٣ سورة النحل: الآية ٦٧ حجةً في قولِ أحدٍ مع السنة (١). وذكر النسائيُّ(٢) أيضاً عن ابن المبارك قال: ما وجدتُ الرخصةَ في المسكرِ عن أحدٍ صحيحاً إلا عن إبراهيمَ. قال أبو أسامة: ما رأيتُ رجلاً أطلبَ للعلم من عبدِ الله بنِ المبارك في(٣) الشاماتِ ومصرَ، واليمنِ والحجاز(٤). وأمَّا الطحاويُّ وسفيانُ، لو صحَّ ذلك عنهما، لم يُحتَجّ بهما على مَن خالفهما من الأئمةِ في تحريم المسكر مع ما ثبتَ من السنةِ، على أنَّ الطحاويَّ قد ذكر في كتابِه الكبير في الاختلافِ خلاف ذلك. قال أبو عُمر بنُ عبد البر في كتابٍ ((التمهيد)(٥) له: قال أبو جعفر الطحاويُّ: اتفقتِ الأمةُ على أن عصيرَ العنب إذا اشتدَّ وغَلَى وقَذْفَ بالزَّبد، فهو خمرٌ ومُستحلُّه كافر. واختلفوا في تَقِيع التمرِ إذا غلى وأَسكر. قال: فهذا يدلُّ(٦) على أنَّ حديث يحيى ابن أبي كثير، عن أبي هريرة، عن النبيِّ # أنه قالَ: ((الخمرُ من هاتينِ الشَّجرتين: النخلةِ والعنبِ)»(٧) غيرُ معمولٍ به عندَهم؛ لأنَّهم لو قَبِلوا الحديثَ لكَفَّروا(٨) مستحلَّ نقيعِ التمر، فثبتَ أنه لم يدخل في الخمرِ المحرَّمةِ غيرُ عصيرِ العنب الذي قدِ اشتدَّ وبلغ أن يُسكِر. قال: ثم لا يَخلو من أن يكون التحريمُ معلّقاً بها فقط غيرَ مقيسٍ عليها غيرُها، أو يجبُ القياس عليها، فوجدناهم جميعاً قد قاسوا عليها نقيعَ التمرِ إذا غَلَى وأَسكر كثيرُه، وكذلك نقيعُ الزبيب. قال: فوجبَ قياساً على ذلك أن يَحرُمَ كلُّ ما أسكر من الأشربة. قال: وقد روي عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((كلُّ مسكرٍ حرامٌ))(٩) (١) التمهيد ٢٥٥/١ . (٢) في السنن الكبرى (٥٢٤٢)، والمجتبى ٣٣٥/٨ . (٣) ليست في النسخ، وهي من تحفة الأشراف (١٨٩٤١). (٤) السنن الكبرى للنسائي (٥٢٤٣)، والمجتبى ٣٣٥/٨ . (٥) ٢٥٦/١ . (٦) في (د) و(ز) و(م): يدلك، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد. (٧) أخرجه مسلم (١٩٨٥)، وأحمد (٧٧٥٣). (٨) في (د) و(ز) و(م): لأكفروا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٢٥٦/١. (٩) سلف آنفاً. ٣٦٤ سورة النحل: الآيتان ٦٧ - ٦٨ واستغني عن سندِهِ؛ لقبولِ الجميع له، وإنَّما الخلافُ بينهم في تأويله، فقال بعضُهم: أرادَ به جنسَ ما يُسكِر. وقال بعضُهم: أرادَ به ما يقعُ السكر عندَه، كما لا يسمى قاتلاً إلا مع وجودِ القتلِ(١). قلت: فهذا يدلُّ على أنه مُحرَّم عندَ الطحاوي؛ لقوله: فوجبَ قياساً على ذلك أن يَحرُم كلُّ ما أسكرَ من الأشربة. وقد روى الدَّارَقُطْنيُّ في ((سننه)(٢) عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: إنَّ الله لم يحرِّم الخمرَ لاسمِها، وإنَّما حَرَّمها لعاقبتِها. فكلُّ شرابٍ يكون عاقبتُه كعاقبةِ الخمر، فهو حرامٌ كتحريم الخمر. قال ابنُ المنذر (٣): وجاءَ أهلُ الكوفة بأخبارٍ معلولة، وإذا اختلفَ الناسُ في الشيءِ وجبَ ردُّ ذلك إلى كتابٍ الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما رُوي عن بعضٍ التابعين أنَّه شربَ الشرابَ الذي يُسكِر كثيرُه، فللقوم ذنوبٌ يستغفرون اللهَ منها، وليسَ يخلو ذلك من أحدٍ معنيين: إمَّا مخطئٌ أخطأ في التأويلِ على حديثٍ سمعه، أو رجلٌ أَتى ذنباً لعلَّه أن يُكثِرِ من الاستغفارِ لله تعالى، والنبيُّ # حجةُ الله على الأوَّلين والآخرين من هذه الأمة. وقد قيل في تأويلِ الآية: إنَّها إنَّما ذُكِرت للاعتبار، أي: مَن قدَرَ على خلقِ هذه الأشياء قادرٌ على البعث، وهذا الاعتبارُ لا يختلفُ بأن كانتِ الخمرُ حلالاً أو حراماً، فاتخاذُ السَّكَرِ لا يدلُّ على التحريم، وهو كما قال تعالى: ﴿قُلْ فِهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ لِبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ فيه ثلاثُ مسائل: (١) التمهيد ٢٥٦/١. (٢) برقم (٤٦٦٩). (٣) في الإشراف ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٩ . ٣٦٥ سورة النحل: الآية ٦٨ الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ قد مضى القولُ في الوَخْي وأنه قد يكون بمعنى الإلهام(١)، وهو ما يَخلقُه الله تعالى في القلبِ ابتداءً من غيرِ سبب ظاهر، وهو من قوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَمَهَا لُّرَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ٧]. ومن ذلك البهائمُ وما یخلُق الله سبحانه فيها من دَرْكِ منافعها، واجتنابٍ مضارها، وتدبير معاشِها(٢). وقد أخبر عزَّ وجلَّ بذلك عن المَوات فقال: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. قال إبراهيم الحَرْبيُّ: لِله عزَّ وجلَّ في المَواتِ قدرةٌ لم يُدْرَ ما هي، لم يأتِها رسولٌ من عندِ الله، ولكنَّ الله تعالى عرَّفها ذلك، أي: أَلهمَها. ولا خلافَ بين المتأوِّلين أنَّ الوحيَ هنا بمعنى الإلهام. وقرأ يحيى بنُ وَثَّاب ((إلى النَّحَلِ)) بفتح الحاء(٣). وسُمِّي نحلاً؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ نَحَله العسلَ الذي يَخرجُ منه؛ قاله الزَّجاج (٤). الجوهريُّ: والنحلُ والنحلةُ: الدَّبْرُ، يقع على الذكر والأنثى، حتى يقال: يَعْسُوب(٥). والنحلُ يؤنث في لغةٍ أهل الحجاز، وكلُّ جمع ليس بينه وبينَ واحِده إلا الهاء(٦). ورُوي من حديث أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((الذِّبانُ كلُّها في النار يجعلُها عذاباً لأهل النارِ إلا النحل)) ذكره الترمذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول)»(٧). ورَوى عن ابن عباس قال: نهى رسولُ اللـه# عن قتلِ النملةِ والنحلةِ، والهُذْهُدِ والصُّرَدِ. خرَّجه أبو داود أيضاً (٨)، وسيأتي في ((النمل))(٩) إن شاء الله تعالى. (١) ١٣٠/٥. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٤/٣ . (٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٧٣ . (٤) تفسير الرازي ٢٠/ ٧٠ . (٥) الصحاح (نحل). (٦) ينظر المذكر والمؤنث للفراء ص ٢٠، والمذكر والمؤنث السجستاني ص٧٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/٢، وتفسير الرازي ٢٠/ ٧٠ . (٧) ص١٣٢، الأصل الرابع والتسعون. (٨) نوادر الأصول ص١٣١، الأصل الرابع والتسعون. وهو عند أبي داود (٥٢٦٧)، وأحمد (٣٠٦٦). (٩) عند تفسير الآية ١٨ منها. ٣٦٦ سورة النحل: الآيتان ٦٨ - ٦٩ الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ أَِّذِى مِنَ الِبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ هذا إذا لم يكن لها مالكٌ. ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ جعل الله بيوتَ النحلِ في هذه الثلاثةِ الأنواع، إمَّا في الجبال وكُوَاها، وإمَّا في متجوفِ الأشجار، وإمَّا فيما يعرِش ابنُ آدم من الأجباح(١) والخلايا والحيطانِ وغيرها. وعَرَش معناهُ هنا: هيَّأْ، وأكثرُ ما يُستعمل فيما يكون من إتقانِ الأغصانِ والخشب وترتيبٍ ظلالها، ومنه العريشُ الذي صُنِع لرسولِ الله # يومَ بدر، ومن هذا لفظةُ العرش. يقالُ: عَرَش يَعْرِش ويعرُش بكسرِ الراء وضمها، وقُرِئ بهما. قرأ ابنُ عامر بالضمِّ، وسائرُهم بالكسرِ، واختلف في ذلك عن عاصم(٢). الثالثة: قال ابنُ العربيّ(٣): ومِن عجيبٍ ما خلقَ الله في النحل أنْ أَلهمَها لاتخاذ بيوتِها مُسدَّسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعةِ الواحدةِ، وذلك أنَّ الأشكالَ من المثلَّث إلى المُعشَّر إذا جُمع كلُّ واحدٍ منها إلى أمثالِه لم يتصل، وجاءت بينهما فُرَجٌ، إلا الشكلَ المسدَّس؛ فإنه إذا جُمِع إلى أمثالِه، اتصلَ كأنه كالقطعةِ الواحدةِ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَةٌ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَُّونَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّعْرَتِ﴾ وذلك أنَّها إنَّما تأكل النوَّارَ من الأشجارِ. ﴿فَأَسْلُكِ سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: طرقَ ربك. والسُّبُل: الطرقُ، وأضافَها إليه؛ لأنه خالقها. أي: ادخلي طرقَ ربك؛ لطلبِ الرزق في الجبالِ وخلالِ الشجر. ﴿ذُلُلَا﴾ جمعُ ذَلول، وهو المنقاد، أي: مطيعة مسخّرة. فـ((ذُلُلاً)) حالٌ من النحل، أي: تنقادُ وتذهبُ حيث شاء صاحبُها؛ لأنَّها تتبعُ أصحابَها حيث ذهبوا؛ قاله ابنُ زيد. وقيل: المرادُ بقوله: ((ذُلُلاً)) السُّبلُ. يقول: مذلَّلٌ طرقُها سهلةٌ للسلوكِ عليها؛ واختاره الطبريُّ، (١) جمع الجَبْح، وهي خلية العسل. القاموس المحيط (جبح). (٢) التيسير ص١١٣، والسبعة ص٣٧٤، والمحرر الوجيز ٤٠٦/٣، والكلام منه. (٣) في أحكام القرآن ١١٤٤/٣ . ٣٦٧ سورة النحل: الآية ٦٩ و((ذُلُلاً)) حالٌ من السُّبلِ. والْيَعْسُوبُ سيدُ النحل، إذا وقفَ وَقَفَتْ، وإذا سارَ سارت(١). قوله تعالى: ﴿يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِ﴾ فيه تسعُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ رجعَ الخطابُ إلى الخبرِ على جهة تعدیدِ النعمة، والتنبيهِ على العِبرة فقالَ: ((يخرج من بطونها شراب)) يعني: العسل. وجمهورُ الناسِ على أنَّ العسلَ يخرجُ من أفواهِ النحل، ووردَ عن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾ أنه قالَ في تحقيرِه للدنيا: أشرف لباسِ ابنِ آدم فيها لعابُ دودة، وأشرفُ شرابِهِ رَجِیعُ نحلة. فظاهرُ هذا أنَّه من غيرِ الفم(٢). وبالجملةِ فإنَّه يخرج ولا يُدرَى من فِيها أو أسفلِها، ولكن لا يتمُّ صلاحُه إلا بحمَّى أنفاسِها. وقد صنعَ أرسطا طاليس بيتاً من زجاجٍ لينظرَ إلى كيفيةِ ما تصنع، فأَبتْ أن تعملَ حتى لطختْ باطن الزجاج بالطين؛ ذكره الغَزنويُّ. وقال: ((مِن بطونِها))؛ لأنَّ استحالةَ الأطعمةِ لا تكونُ إلا في البطن(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿تُخْلِفُ أَلْوَنُهُ﴾ يريدُ أنواعَه من الأحمر والأبيض والأصفر، والجامد والسائل، والأمُّ واحدةٌ والأولاد مختلفون دليلٌ على أن القدرةَ نوَّعته بحسبٍ تنويع الغذاء، كما يختلفُ طعمه بحسبٍ اختلافِ المراعي، ومن هذا المعنى قولُ زينب للنبيِّ﴾: جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُطَ. حين شبَّهت رائحتَه برائحةِ المغافير (٤). الثالثة: قولُه تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ﴾ الضميرُ للعسل؛ قاله الجمهور(٥). أي: في العسلِ شفاءٌ للناس. ورُوي عن ابنِ عباس والحسن، ومجاهد والضحاك، والفراء (١) تفسير الطبري ٢٨٨/١٤ - ٢٨٩، ومعاني القرآن للفراء ١٠٩/٢، والنكت والعيون ١٩٩/٣، والمحرر الوجيز ٤٠٦/٣، وتفسير السمر قندي ٢٤١/٢، والصحاح (عسب). (٢) معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢١٠ - ٢١١، والمحرر الوجيز ٤٠٦/٣ . (٣) معاني القرآن للزجاج ٢١٠/٣ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٥/٣، والمحرر الوجيز ٤٠٦/٣ . وقول السيدة زينب رضي الله عنها أخرجه البخاري (٦٩٧٢)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١)، وأحمد (٢٤٣١٦) من حديث عائشة رضي الله عنها. وجَرَسَتْ، أي: أكلت. والعُرْفُط: شجرٌ. اللسان (جرس) و(عرفط). (٥) المحرر الوجيز ٤٠٦/٣ . ٣٦٨ سورة النحل: الآية ٦٩ وابن كَيْسان: الضميرُ للقرآن، أي: في القرآن شفاءٌ(١). النحاسُ(٢): وهذا قولٌ حسن؛ أي(٣): فيما قَصصنا عليكم من الآياتِ والبراهينِ شفاءٌ للناس. وقيل: العسلُ فيه شفاءٌ، وهذا القولُ بَيِّن أيضاً؛ لأنَّ أكثرَ الأشربةِ والمعجوناتِ التي يُتعالجُ بها أصلُها من العسلِ. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ (٤): مَن قال إنَّه القرآن بعيدٌ، ما أَراهُ يصحُّ عنهم، ولو صحَّ نقلاً لم يصحّ عقلاً؛ فإن مساقَ الكلام كلِّه للعسل، ليس للقرآنِ فيه ذكرٌ. قال ابن عطية(٥): وذهبَ قومٌ من أهل الجهالةِ إلى أنَّ هذه الآيةَ يُراد بها أهلُ البيت وبنو هاشم، وأنَّهم النحلُ، وأنَّ الشرابَ القرآنُ والحكمة، وقد ذكر هذا بعضُهم في مجلسِ المنصور أبي جعفر العباسيِّ، فقال له رجلٌ ممَّن حضر: جعلَ الله طعامَك وشرابَك مما يخرجُ من بطونِ بني هاشم، فأضحكَ الحاضرينَ، وبُهِت الآخرُ، وظهرتْ سخافةُ قولِه(٦). الرابعة: اختلفَ العلماءُ في قولِه تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِ﴾ هل هو على عمومِه أم لا؟ فقالت طائفةٌ: هو على العموم في كلِّ حال ولكلِّ أحد، فرُوي عن ابنِ عمرَ أنه كان لا يشكو قرحةً ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً، حتى الدُّمَّل إذا خرجَ عليه طَلى عليه عسلاً. وحكى النَّقَّاش عن أبي وَجْرةً أنه كانَ يكتحلُ بالعسلِ، ويستمشي بالعسلِ، ويتداوى بالعسل. وروى أن عوف بنَ مالك الأشجعي مرضَ فقيل له: ألا (١) النكت والعيون ١٩٩/٣ - ٢٠٠، والمفهم ٦١٠/٥، ومعاني القرآن للفراء ١٠٩/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٤٦/٣، وأخرج أثر مجاهد ابن أبي شيبة ٤٨٦/١٠، والطبري في التفسير ٢٨٩/١٤. (٢) في معاني القرآن ٤/ ٨٤ - ٨٥ . (٣) في (م): أو، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس، والكلام منه. (٤) في أحكام القرآن ١١٤٦/٣ . (٥) في المحرر الوجيز ٣/ ٤٠٧، وينظر الكشاف للزمخشري ٤١٨/٢ . (٦) المفهم ٥/ ٦١٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٤٥/٣ - ١١٤٦، وتفسير الرازي ٢٠/ ٧٢ . ٣٦٩ سورة النحل: الآية ٦٩ نعالجك؟ فقال: ائتوني بالماء، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَّكَ﴾ [ق: ٩] ثم قال: ائتوني بعسل، فإن الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِِ﴾، وائتوني بزيت، فإن الله تعالى يقول: ﴿مِن شَجَرَقِ مُبَرَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ. ومنهم مَن قال: إنَّه على العموم إذا خُلِط بالخل ويطبخ(١)، فيأتي شراباً يُنْتَفَع به في كل حالةٍ من كل داء. وقالت طائفة: إن ذلك على الخصوص، ولا يقتضي العمومَ في كل علةٍ وفي كل إنسان، بل إنه خبرٌ عن أنه يشفي كما يشفي غيرُه من الأدويةِ في بعض، وعلى حالٍ دون حال؛ ففائدةُ الآية إخبارٌ منه في أنه دواءٌ، كما(٢) كَثُر الشفاءُ به، وصار خليطاً ومُعيناً للأدويةِ في الأشربةِ والمعاجين. وليس هذا بأولٍ لفظِ خُصِّص، فالقرآنُ مملوء منه، ولغةُ العرب يأتي فيها العامُّ كثيراً بمعنى الخاص، والخاصُّ بمعنى العام. وممَّا يدل على أنه ليس على العموم أنَّ (شفاء)) نكرةٌ في سياقِ الإِثبات، ولا عمومَ فيها باتفاق أهلِ اللسان، ومحقِّقي أهل العلم، ومختلفي أهلِ الأصول. لكنْ قد حملته طائفةٌ من أهلِ الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسلِ من كلِّ الأوجاعِ والأمراض، وكانوا يُشفَون من عِللهم ببركةِ القرآن، وبصحةِ التصديق والإيقانِ. ابنُ العربي: ومَن ضَعُفت نيتُه، وغَلبْهُ على الدِّين عادتُه، أخذه مفهوماً على قولِ الأطباء، والكلُّ مِن حِكَم الفَعَّال لما يشاء(٣). الخامسة: إنْ قال قائل: قد رأينا مَن ينفعُه العسلُ ومَن يضره، فكيفَ يكون شفاءً للناس؟ قيل له: الماءُ حياة كلِّ شيءٍ وقد رأينا مَن يقتله الماءُ إذا أخذه على ما يُضادُّه من علةٍ في البدن، وقد رأينا شفاءَ العسلِ في أكثر هذه الأشربة؛ قال معناه الزَّجاج(٤). (١) في (ظ): يصبح. (٢) في النسخ: لما، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٠٦/٣، والكلام منه، وينظر الكشاف ٤١٨/٢، وتفسير الرازي ٧٢/٢٠ - ٧٣ . (٣) المفهم ٦١٠/٥، وأحكام القرآن ١١٤٦/٣. (٤) في معاني القرآن وإعرابه ٢١١/٣ . : ٣٧٠ سورة النحل: الآية ٦٩ وقد اتفقَ الأطباءُ عن بَكْرةٍ أبيهم على مدح عموم منفعةِ السَّگنْجبين(١) في كل مرض، وأصلُه العسل، وكذلك سائرُ المعجونات. على أنَّ النبيَّ ﴾ قد حَسَم ذا(٢) الإشكال، وأزاحَ وجهَ الاحتمالِ حين أمرَ الذي يشتكي بطنَه بشرب العسل، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقاً، أمرهُ بعَود الشراب له فبرئ؛ وقال: ((صدقَ اللهُ، وكَذب بطنُ أخيك))(٣). السادسة(٤): اعترض بعضُ زنادقةِ الأطباء على هذا الحديث فقال: قد أجمعتِ الأطباء على أنَّ العسل يُسهل، فكيف يُوصَف لمن به الإسهالُ؟ فالجواب: أنَّ ذلك القولَ حقٌّ في نفسه لمن حصلَ له التصديقُ بنبيّه عليه الصلاة والسلام، فيستعمله على الوجهِ الذي عيَّنه، وفي المحلِّ الذي أمره، بعقدٍ نية وحُسن طَويَّة، فإنه يرى منفعته ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحبٍ هذا العسل وغيره كما تقدَّم. وأمَّا ما حَكَى من الإجماعِ، فدليلٌ على جهلِه بالنقل حيثُ لم يقيِّد وأطلق. قال الإمامُ أبو عبد الله المازريُّ: ينبغي أن يُعلمَ أنَّ الإسهالَ يَعرِض من ضروبٍ كثيرة؛ منها: الإِسهالُ الحادث عن التُّخم والهَيْضات(٥)؛ والأطباءُ مجمعون في مثل هذا على أنَّ علاجه بأن يُترك للطبيعة وفعلِها، وإن احتاجت إلى مُعينٍ على الإسهال، أُعينت ما دامتِ القوّة باقية، فأمَّا حبسُها فضرر، فإذا وضحَ هذا قلنا: فيمكنُ أن يكون ذلك الرجلُ أصابه الإسهالُ عنِ امتلاء وهَيْضة، فأمره النبيُّ :﴿ بشربِ العسل، فزاده إلى أن فَنِيت المادةُ، فوقف الإسهالُ فوافقه شربُ العسل. فإذا خرجَ هذا عن صناعةِ الطب، أذِن ذلك بجهلِ المعترضِ بتلك الصناعة. قال: ولسنا نستظهرُ على قولٍ نبيِّنا بأن يصدقَه الأطباءُ (١) شرابٌ يُتَّخذ من خل وعسل. معرب سركنكبين. معجم متن اللغة (سكنجبين). (٢) في (د) و(ز) و(م): داء، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٦/٣ ، : والكلام منه. (٣) أخرجه أحمد (١١١٤٦)، والبخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧) عن أبي سعيد الخدري ﴾. (٤) المفهم ٦٠٨/٥ - ٦٠٩ . (٥) الهَيْضَة: مرض من أعراضه القيء الشديد والإسهال والهزال، (الكولرا). المعجم الوسيط (هيض). ٣٧١ سورة النحل: الآية ٦٩ بل لو كذَّبوه، لكذَّبناهم وكفَّرناهم(١) وصدَّقناه ﴿؛ فإن أَوجدونا بالمشاهدةِ صحةً ما قالوه، فنفتقر حينئذٍ إلى تأويل كلام رسول اللـه ﴿ وتخريجِه على ما يصحُّ؛ إذ قامتٍ الدَّلالةُ على أنه لا يكذب. السابعة: في قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ دليلٌ على جوازِ التعالج بشرب الدواء وغير ذلك خلافاً لمن كره ذلك من جِلَّة العلماء(٢)، وهو يردُّ على الصوفية الذين يزعمون أنَّ الولاية لا تتمُّ إلا إذا رضي بجميع ما نزلَ به من البلاء، ولا يجوزُ له مداواة، ولا معنى لمن أنكر ذلك، روى الصحيحُ عن جابرٍ، عن رسول اللـه # أنه قال: ((لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أُصيب دواءُ الداءِ؛ بَرَأ بإِذن الله))(٣). وروى أبو داود، والترمذيُّ عن أسامةَ بن شريك قال: قالتِ الأعرابُ: ألا نَتَداوَى يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم. يا عبادَ الله تداوَوْا؛ فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضعَ له شفاءً أو دواءً إلا داءً واحداً)) قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: ((الهَرَم)) لفظ الترمذي(٤)، وقال: حديثٌ حسن صحيح. ورَوَى عن أبي خِزَامة، عن أبيه قال: سألت رسولَ الله# فقلت: يا رسول الله، أَرأيت رُقَى نسترقيها، ودواءً نتداوی به، وتُقاةً نتقيها، هل تَرُدُّ من قَدَر الله شيئاً؟ قال: ((هي من قدرِ الله))(٥) قال: حديثٌ حسن، ولا يُعرف لأبي خِزامةَ غيرُ هذا الحديثِ. وقال : ((إن كان في شيءٍ من أَدويتكم خيرٌ، ففي شرطةٍ مِحجَم، أو شربةٍ من عسل، أو لَذْعةٍ بنار، وما أُحبُّ أن أكْتَوِيَ)) أخرجه الصحيحُ(٦). (١) في (م): ولكفرناهم، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في المفهم ٦٠٩/٥. (٢) القبس ١١٢٩/٣. (٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٤). (٤) سنن أبي داود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، وهو عند أحمد (١٨٤٥٤). (٥) سنن الترمذي (٢٠٦٥)، وهو عند أحمد (١٥٤٧٢). (٦) البخاري (٥٦٨٣)، ومسلم (٢٢٠٥)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ٣٧٢ سورة النحل: الآية ٦٩ والأحاديثُ في هذا الباب أكثرُ من أن تُحصى، وعلى إباحةِ التداوي والاسترقاءِ جمهورُ العلماء. رُوي أنَّ ابن عمر اكتوى من اللَّقْوة، ورُقي من العقرب(١). وعن ابن سِيرين، أنَّ ابنَ عمر كان يسقي ولدَه التِّرياقَ(٢). وقال مالك: لا بأسَ بذلك(٣). وقد احتجَّ مَن كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال: قال رسولُ اللـه﴾: «دخلتْ أمةٌ بقَضِّها وقَضِيضها الجنةَ؛ كانوا لا يَستَرْقُون، ولا يَكْتَوُون، ولا يَتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون))(٤). قالوا: فالواجبُ على المؤمن أن يتركَ ذلك اعتصاماً بالله، وتوكلاً عليه، وثقةً به، وانقطاعاً إليه(٥)؛ فإنَّ الله تعالى قد عَلِم أيام المرضِ، وأيام الصحة، فلو حَرَص الخلقُ على تقليلِ ذلك، أو زيادته ما قَدَروا، قال الله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. وممَّن ذهب إلى هذا جماعةٌ من أهلِ الفضل والأثر، وهو قولُ ابنٍ مسعود، وأبي الدرداء رضوان الله علیھما. دخل عثمانُ بن عفان على ابنٍ مسعود في مرضِه الذي قُبِض فيه، فقال له عثمان: ما تشتكي؟ قال: ذُنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمةً ربي. قال: أَلا أَدعو لك طبيباً؟ قال: الطبيبُ أَمرضني ... وذكر الحديث(٦). وسيأتي بكمالِه في فضلِ الواقعةِ إن شاء الله تعالى. (١) أخرجه مالك في الموطأ ٩٤٤/٢، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٧٧٤)، من طريق أيوب، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣٢٣/٤، من طريق أبي حنيفة، وابن أبي شيبة ٧/ ٦٤، والبيهقي ٩/ ٣٤٣ ، من طريق عبيد الله بن عمر، كلهم عن نافع، أنَّ ابن عمر ... واللَّقوةُ: داءٌ في الوجه. القاموس (لقو). (٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٧/٥، بهذا اللفظ. وأخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ٧٧ ، بنحوه. والترياق: دواء مركب، وهو مُعرَّب من اليونانية. القاموس (ترق). (٣) التمهيد ٢٧٧/٥ . (٤) أخرجه ابن حبان (٧٢٦)، وإسناده ضعيف من أجل محمد بن عيسى بن حيان المدائني. ويغني عنه ما أخرجه البخاري (٥٧٥٢)، من حديث ابن عباس﴾. وذكر فيه رسول الله # سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. (٥) ينظر القبس ١١٢٧/٣. (٦) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٩٧)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٦٩/٥. ٣٧٣ سورة النحل: الآية ٦٩ وذكر وكيع قال: حدَّثنا أبو هلال، عن معاويةَ بنِ قُرة قال: مرِضَ أبو الدَّرداءِ، فعادوه وقالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيبُ أَضجعني(١). وإلى هذا ذهب الربيعُ ابن خُثَيْم(٢). وكره سعيدُ بن جُبير الرُّقَى(٣)، وكان الحسنُ يكره شربَ الأدوية كلِّها إلا اللبنَ والعسل (٤). وأجاب الأَوّلون عن الحديث بأنَّه لا حجةَ فيه؛ لأن يحتملُ أن يكون قَصدَ إلى نوع من الكيّ مكروهٍ؛ بدليلٍ كَيِّ النبيِّ # أُبِيًّ يومَ الأحزابِ على أَكْحَلِه لمَّا رُمِي(٥). وقال: ((الشفاء في ثلاثة)) كما تقدّم(٦). ويحتملُ أن يكونَ قصد إلى الرُّقى بما ليس في كتابِ الله، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢]، على ما يأتي بيانُه. ورَقَى أصحابَه، وأَمَرهم بالرُّقيةِ (٧)، على ما يأتي بيانُه. الثامنة: ذهبَ مالكٌ وجماعةُ أصحابه إلى أنْ لا زكاةَ في العسل وإن كان مطعوماً مُقتاتاً(٨). واختلفَ فيه قولُ الشافعي، والذي قطعَ به في قوله الجديد: أنه لا زكاةً فيه (٩). وقال أبو حنيفة بوجوبٍ زكاةِ العسل في قليلِه وكثيره؛ لأنَّ النصابَ عنده فيه (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/٨، و٣٠٩/١٣، وأحمد في الزهد ص١٦٨، وأبو نعيم في الحلية ٢١٨/١ . (٢) أخرجه عنه ابن أبي شيبة ٥/٨، و ٣٩٩/١٣ - ٤٠٠ . (٣) التمهيد ٢٧٠/٥ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/٨ . (٥) أخرجه مسلم (٢٢٠٧)، من حديث جابر، والأكحل عرقٌ في اليد يُقصد. الصحاح (كحل). (٦) أخرجه بهذا اللفظ البخاري (٥٦٨٠) و(٥٦٨١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره المصنف من قبل من حديث جابر ﴾. (٧) أخرجه البخاري (٥٧٤٤)، ومسلم (٢١٩١)، من حديث عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله # كان يرقي يقول: ((امسح الباسَ ربَّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت)). وأخرج البخاري أيضاً (٥٧٣٨)، ومسلم (٢١٩٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أَمرني رسول الله #، أو: أمر أن يُسترقى من العين. (٨) النوادر والزيادات ١٠٩/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١١٤٧/٣. (٩) مختصر اختلاف العلماء للجصاص ٤٥٦/١، وبدائع الصنائع ٥١٢/٢ . ٣٧٤ سورة النحل: الآيتان ٦٩ - ٧٠ ليس بشرط. وقال محمد بنُ الحسن: لا شيء فيه حتى يبلغَ خمسة (١) أفراق، والفَرْقُ ستة وثلاثون رطلاً من أرطالِ العراق. وقال أبو يوسف: في كلِّ عشرةِ أزقاق زِقُ(٢)؛ متمسكاً بما رواه الترمذيُّ(٣) عن ابنِ عمرَ قال: قالَ رسول اللـه ﴾: ((في العسلِ في كل عشرةٍ أزقاق زِقٍّ)) قال أبو عيسى: في إسناده مقالٌ، ولا يصحُّ عن النبيِّ# في هذا الباب كبيرُ شيءٍ، والعملُ على هذا عندَ أكثرٍ أهل العلم، وبه يقول أحمدُ وإسحاق، وقال بعضُ أهلِ العلم: ليس في العسلِ شيءٌ. التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِقَوْمٍ يَفَكَّرُونَ﴾ أي: يعتبرون؛ ومن العبرة في النحلِ بإنصافِ النظرِ وإلطافِ الفكر في عجيبٍ أمرِها، فيشهدُ اليقين بأنَّ ملهمها الصنعةَ اللطيفة مع البنيةِ الضعيفة، وحِذْقِها باحتيالها في تفاوت أحوالها، هو اللهُ سبحانه وتعالى؛ كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ الآية. ثم إنها تأكلُ الحامضَ والمُرَّ، والحلو والمالح والحشائشَ الضارةَ، فيجعله الله تعالى عسلاً حلواً وشفاءً، وفي هذا دليلٌ على قدرتِهِ(٤). قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنْوَقَّكُمْ وَمِنْكُم مَّنْ يُرَدُّ إِلَ أَزْذَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنْوَفَّكُمْ﴾ بَيِّن معناه. ﴿وَمِنْكُرُ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَزْزَلِ الْعُمُرِ﴾ يعني أردأَه وأَوضعَه. وقيل: الذي يُنقِص قوتَه وعقله ويُصَيِّره إلى الخَرَف ونحوه. وقال ابن عباس: يعني إلى أسفلِ العمر، يصيرُ كالصبي الذي لا عقل له(٥)، والمعنى (١) في (د) و(ز) و(م): ثمانية، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في بدائع الصنائع ٥١١/٢، وينظر مختصر الطحاوي ص ٤٧ ، والمبسوط ١٥/٣ - ١٦ . (٢) المبسوط السرخسي ١٦/٣. (٣) في سننه (٦٢٩). والزِّقُّ: السقاء. الصحاح (زقق). (٤) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٢٩١، وتفسير الرازي ٢٠/ ٧٣. (٥) الوسيط ٧٣/٣ ، وزاد المسير ٤ / ٤٦٧ . ٣٧٥ سورة النحل: الآيتان ٧٠ - ٧١ متقاربٌ. وفي ((صحيح البخاري)) (١) عن أنس بن مالك قال: كان رسولُ الله # يتعوَّذ يقول: ((اللَّهُمَّ إني أعوذُ بك من الكسل، وأعوذُ بك من الجُبنِ، وأعوذُ بك من الهَرَم، وأعوذُ بك من البخل)). وفي حديثٍ سعدِ بنِ أبي وَقّاص: ((وأعوذُ بك أن أُردَّ إلى أرذلِ العمرِ)) الحديث. خرَّجه البخاري(٢). ﴿لِكَنْ لَا يَعْلَ بَعْدَ عِلْرٍ شَيْئًا﴾ أي: يرجع إلى حالةِ الطفوليةِ فلا يعلم ما كانَ يعلمُ قبلُ من الأمورِ؛ لفرطِ الكبر(٣). وقد قيل: هذا لا يكونُ للمؤمنِ؛ لأن المؤمنَ لا يُنزَع عنه علمه (٤). وقيل: المعنى: لكيلا يعملَ بعد علمٍ شيئاً؛ فعَبَّر عن العملِ بالعلمِ لافتقاره إليه؛ لأنَّ تأثيرَ الكبر في عملِه أبلغُ من تأثيرِه في علمِه(٥). والمعنى المقصودُ الاحتجاجُ على منكري البعثِ، أي: الذي ردَّه إلى هذه الحال قادرٌ على أن يميتَه ثم يحييه(٦). قوله تعالى: ﴿وَلَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُوْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْرِزْقِ﴾ أي: جعلَ منكم غنيًّا وفقيراً، وحرّاً وعبداً (٧). ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ﴾ أي: في الرزق. ﴿بِّذِى رِزْقِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ﴾ أي: لا يردُّ المولى على ما ملكت يمينُهُ ممَّا رُزِق شيئاً حتى يستوي المملوكُ والمالكُ في المال. وهذا مَثَلٌ ضربَه الله لعَبَدةِ الأصنام، أي: إذا لم يكن عبيدُكم (١) برقم (٦٣٧١)، وهو عند مسلم (٢٧٠٦). (٢) برقم (٢٨٢٢). (٣) تفسير الطبري ١٤/ ٢٩٢، وزاد المسير ٤/ ٤٦٧. (٤) تفسير الوسيط ٧٣/٣، وتفسير الرازي ٢٠/ ٧٧ . (٥) النكت والعيون ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٢١١/٣، وتفسير الرازي ٢٠/ ٧٧، وزاد المسير ٤٦٨/٤ . (٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣/ ٢١٢، وزاد المسير ٤٦٨/٤. ٣٧٦ سورة النحل: الآيتان ٧١ - ٧٢ معكم سواءً، فكيفَ تجعلون عبيدي معي سواءً؟ فلمَّا لم يكنْ يَشركُهم عبيدُهم في أموالِهم؛ لم يَجُزْ لهم أن يشاركوا اللهَ تعالى في عبادةِ غيرِه من الأوثان والأنصابِ وغيرهما مما عُبِد؛ كالملائكةِ والأنبياءِ وهم عبيدُه وخَلقُه. حكى معناه الطبريُّ(١)، وقاله ابنُ عباس ومجاهدٌ وقتادة وغيرهم(٢). وعن ابن عباسٍ أيضاً: أنَّها نزلت في نصارى نَجْرَان حين قالوا: عيسى ابنُ الله. فقال الله لهم: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآَزِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ أي: لا يردُّ المولى على ما ملكت يمينهُ مما رُزِق حتى يكونَ المولى والعبدُ في المالِ شَرَعاً سواءً، فكيفَ تَرضَون لي ما لا تَرضَون لأنفسكم فتجعلون لي ولداً من عبيدي(٣). ونظيرُها: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ [الروم: ٢٨] على ما يأتي. ودلَّ هذا على أنَّ العبدَ لا يملكُ، على ما يأتي آنفاً (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَقَدَةً وَرَزَقَّكُمْ مِنَ الطَّيْبَتِّ ◌َفَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ جعل بمعنى خَلق؛ وقد تقدم. ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ يعني: آدم خُلِق منه حَواء. وقيل: المعنى: جعلَ لكم من أنفسكم، أي: من جِنسِكم ونوعِكم وعلى خلقتِكم، كما قال: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: من الآدميين(٥). وفي هذا ردٌّ على العربِ التي كانت تعتقد أنَّها كانت تَزوَّجُ الجنَّ وتُباضِعُها، حتى روي أنَّ عمرو بنَ هند (٦) (١) في التفسير ٢٩٢/١٤ - ٢٩٣، وينظر الوسيط ٧٣/٣، وزاد المسير ٤٦٨/٤ . (٢) أخرجه عنهم الطبري في التفسير ١٤/ ٢٩٣ - ٢٩٥ . (٣) تفسير الرازي ٧٩/٢٠، وزاد المسير ٤٦٨/٤ . (٤) كذا قال، وسيرد في تفسير الآية الآتية برقم (٧٥). (٥) المحرر الوجيز ٤٠٨/٣، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢١٢/٣، وبحر العلوم ٢٤٢/٢، والنكت والعيون ٢٠٢/٣ . (٦) كذا في النسخ وأحكام القرآن لابن العربي ١١٤٨/٣، وجاء في النوادر ص١٤٦ - ١٤٧، والجمهرة = ٣٧٧ سورة النحل: الآية ٧٢ تزوج منهم تغُولاً، وكان يَخْبَؤها عن البرقِ، لئلا تراهُ فتنفرَ، فلما كان في بعضٍ الليالي لمح (١) البرقُ وعاينتُهُ السِّعلاءُ(٢)، فقالت: عمرو! ونَفَرت، فلم يَرها أبداً. وهذا من أكاذيبِها، وإن كان جائزاً في حكم الله وحكمتِهِ، فهو ردّ على الفلاسفةِ الذين يُنكِرون وجودَ الجنّ، ويحيلون طعامهم (٣). ﴿أَزْوَجًا﴾ زوجُ الرجل هي ثانيتُه، فإنه فردٌ، فإذا انضافتْ إليه، كانا زوجين، وإنَّما جُعِلت الإضافةُ إليه دونها؛ لأنَّه أصلُها في الوجودِ كما تقدَّم(٤). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ فيه خمس مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُم بَنِينَ﴾ ظاهرٌ في تعديدِ النعمةِ في الأبناء، ووجودُ الأبناءِ يكون منهما معاً، ولكنَّه لمَّا كان خلقُ المولودِ فيها وانفصالُه عنها؛ أُضيف إليها، ولذلك تَبِعها في الرقِّ والحريةِ، وصار مثلَها في المالية. قال ابن العربيّ: سمعتُ إمامَ الحنابلة بمدينةِ السلام أبا الوفاء عليَّ بن عقيل يقول: إنَّما تبعَ الولدُ الأم في المالية، وصار بحكمِها في الرِّقِّ والحرِّية؛ لأنه انفصلَ عن الأب نطفةً لا قيمةً له، ولا ماليةَ فيه ولا منفعةَ، وإنَّما اكتسب ما اكتسبَ بها ومنها، فلأجلِ ذلك تبعها، كما لو أكلَ رجل تمراً في أرضٍ رجلٍ، وسقطت منه نواةٌ في الأرضٍ من يد الآكلِ، فصارت نخلةً، فإنها ملكُ صاحبِ الأرض دون الآكلِ بإجماعٍ من الأمةِ؛ لأنها انفصلت عن الآكلٍ ولا قيمةً لها(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَحَفَدَةٌ﴾ روى ابنُ القاسم عن مالكِ قال: وسألتُه عن = ١٥٢/٣، وسمط اللآلي ٧٠٣/٢، والفصول والغايات ص٢١٠، ورسالة الصاهل والشاحج ص٢٩٤ ، عمرو بن يربوع بن حنظلة. (١) في (م): لمع، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٨/٣. (٢) السِّعلاةُ: أخبث الغيلان. الصحاح (سعل). (٣) كذا في النسخ وأحكام القرآن لابن العربي، ولعلها: طاعتهم، وينظر الفهرست لابن النديم ص٣٧٠ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٨/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٨/٣ - ١١٤٩ . ٣٧٨ سورة النحل: الآية ٧٢ قوله تعالى: (بَنِينَ وَحَفَدَةً)) قال: الحَفَدةُ: الخدمُ والأعوانُ في رأيي. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ((وَحَفَدَةً)) قال: هم الأعوانُ، مَن أَعانَك فقد حَفَدك. قيل له: فهل تعرفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم وتقوله، أَوَ ما سمعت قولَ الشاعر: بأكفّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجمالِ (١) حَفَدَ الولائدُ حولهنَّ وأُسلِمَتْ أي: أَسرعنَ الخدمةَ. والولائدُ: الخدمُ، الواحدةُ وليدة؛ قال الأعشى: كلَّفتُ مجهولَها نُوقاً يمانيةٌ إذا الحُداةُ على أكسائِها حَفَدُوا(٢) أي: أسرعوا. وقال ابنُ عرفة: الحَفَدةُ عندَ العربِ الأعوانُ، فكلُّ مَن عمل عملاً أطاع فيه وسارعَ فهو حافدٌ، قال: ومنه قولُهم: ((إليك نسعى ونخفِدُ))(٣)، والحَفَدانُ: السرعةُ. قال أبو عبيد(٤): الحَفَدُ: العملُ والخدمةُ. وقال الخليل بن أحمد(٥): الحَفَدةُ عند العرب الخدمُ. وقاله مجاهد(٦). وقال الأزهري(٧): قيل: الحَفَدةُ أولادُ الأولادِ. ورُوي عن ابنِ عباس(٨). وقيل: الأَختان؛ قاله ابنُ مسعود، وعلقمةُ، وأبو الضحا، (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٥٠ - ١١٥١، وينظر القبس ١٠٧٢/٣ . والبيت نسبه ابن دريد في الجمهرة ١٢٣/٢ إلى الفرزدق، ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٦٤/١ والطبري في تفسيره ١٤/ ٣٠٢ ، والماوردي في النكت والعيون ٣/ ٢٠٢ إلى جميل، ونسبه أبو عبيد الهروي في غريب الحديث ٣٧٤/٣ إلى الأخطل، وسيأتي قريباً عند المصنف منسوباً إلى كثير، ولم نقف عليه في دواوين هؤلاء الشعراء، وهو عند الطبراني في الكبير (١٠٥٩٧) ١٠/ ٢٥٠ في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس، ونسبه لأمية ابن أبي الصلت، ولم نقف عليه في ديوانه، وهو عند الطبري في التفسير ٢٩٨/١٤ دون نسبة. (٢) لم نقف عليه للأعشى، والبيت للراعي النميري وهو في ديوانه ص٥٨ ، ونسبه إليه أيضاً الطبري في التفسير ٣٠٣/١٤، والماوردي في النكت والعيون ٢٠٢/٣ - ٢٠٣ ، ومحمد بن المبارك في منتهى الطلب ٣٧/٦ ، والأكساء جمع الكُسْي، وهو مؤَخرُ العَجُزِ وكلِّ شيء. القاموس (كسي). (٣) قطعة من حديث دعاء القنوت، وسلف ٥/ ٣١٠، وينظر اللسان (حفد). (٤) في غريب الحديث ٣٧٤/٣ . (٥) في العين ٣/ ١٨٥، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١١٥١/٣. (٦) في تفسيره ٣٤٩/١، وأخرجه عنه الطبري في التفسير ٢٩٩/١٤ . (٧) في تهذيب اللغة ٤٢٨/٤ . (٨) أخرجه عنه الطبري في التفسير ٣٠١/١٤. ٣٧٩ سورة النحل: الآية ٧٢ وسعيدُ بن ◌ُبير، وإبراهيم(١)؛ ومنه قولُ الشاعر: فلو أنَّ نفسي طاوعتني لأَصبحتْ لها حَفَدٌ مما يُعَدُّ كثيرُ عيوفٌ لإصهارِ اللئامِ قَذورُ(٢) ولكنها نفسٌ عليَّ أبيَّةٌ ورَوى زِرٌّ، عن عبدِ الله قال: الحَفَدةُ الأصهارُ. وقاله إبراهيم(٣)، والمعنى متقارب. قال الأصمعي (٤): الخَتَنُ مَن كان من قِبَل المرأةِ، مثل أبيها وأخيها وما أَشبههما؛ والأصهارُ منهما جميعاً. يقال: أَصهرَ فلانٌ إلى بني فلانٍ وصاهرَ. وقولُ عبدِ الله: همُ الأَختانُ، يحتملُ المعنيين جميعاً. يحتملُ أن يكونَ أرادَ أبا المرأة وما أشبهه مِن أَقربائها، ويحتملُ أن يكونَ أرادَ: وجعلَ لكم من أزواجِكم بنين وبناتٍ تزوجونهنَّ، فيكون لكم بسببهن أَختان. وقال عكرمةُ: الحَفَدةُ مَن نفعَ الرجلَ من ولدِه(٥). وأَصلُه من: حَفَد يحفِد، بفتحِ العين في الماضي، وكسرِها في المستقبل، إذا أَسرعَ في سيره(٦)؛ كما قال كُثِر: حفدَ الولائدُ بينهن ... البيت(٧). ويقال: حَفَدْتُ وأَحفذْتُ، لغتان: إذا خَدَمْتَ. ويقال: حافد وحَفَد؛ مثل: خادم وخَدَم، وحافد وحَفَدة مثل: كافر وكفرةُ(٨). قال المهدوي: ومَن جعلَ الحَفَدةَ (١) أخرجه عنهم إلا علقمة الطبريُّ في التفسير ٢٩٦/١٤ - ٢٩٨، وينظر النكت والعيون ٢٠٢/٣، والمحرر الوجيز ٤٠٨/٣ . (٢) البيتان الصحابي الجليل النعمان بن بشير الأنصاري، كما في ديوانه ص١٠٢، وهما في النكت والعيون ٢٠٢/٣ ، وزاد المسير ٤٦٩/٤ دون نسبة. (٣) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٢٩٧/١٤ - ٢٩٨ . (٤) تهذيب اللغة ٧/ ٣٠٠ . (٥) أخرجه عنه الطبري في التفسير ٢٩٨/١٤ - ٢٩٩ . (٦) ينظر الصحاح (حفد). (٧) سلف آنفاً. (٨) ينظر الصحاح (حفد)، ومعاني القرآن للفراء ١١٠/٢. ٣٨٠ سورة النحل: الآية ٧٢ الخدمَ؛ جعله منقطعاً مما قبلَه ينوي به التقديمَ؛ كأنَّه قال: جَعلَ لكم حَفَدةً، وجعلَ لکم من أزواجکم بنینَ. قلت: ما قاله الأزهريُّ من أنَّ الحفدةَ أولادُ الأولادِ هو ظاهرُ القرآن، بل نصُّه؛ ألا ترى أنه قال: ((وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة)) فجعلَ الحفدةَ والبنين منهن. وقال ابنُ العربيِّ: الأظهرُ عندي في قوله ((بنين وحفدة)) أنَّ البنينَ أولادُ الرجل لصُلْبه والحفدةَ أولادُ ولده، وليس في قوةِ اللفظ أكثر من هذا، ويكونُ تقديرُ الآية على هذا: وجعلَ لكم من أزواجِكم بنينَ ومن البنينَ حفدةً(١). وقال معناه الحسنُ(٢). الثالثة: إذا فَرَّعنا على قولِ مجاهد وابنِ عباس، ومالك وعلماءِ اللغة في قولهم: إنَّ الحَفَدةَ الخدمُ والأعوان، فقد خرجتْ خدمةُ الولدِ والزوجة من القرآن بأبدعٍ بیان؛ قاله ابن العربيّ(٣). روى البخاريُّ(٤) وغيرُه، عن سهل بن سعد، أنَّ أبا أُسَيْد السَّاعدي دعا النبيَّ ﴿ لعرسِه، فكانت امرأتُه خادمَهم ... الحديث، وقد تقدَّم في سورة هود(٥). وفي ((الصحيح)) عن عائشةَ قالت: أَنا فَتلتُ قلائدَ بُدْن النبيِّ ﴾ بيدي(٦). الحديث. ولهذا قال علماؤنا: عليها أن تفرشَ الفراشَ، وتطبخَ القِدْرَ، وتَقُمَّ الدار، بحسب حالِها وعادةِ مثلها؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فكأنَّه جمعَ لنا فيها السَّكّنَ والاستمتاع وضرباً من الخدمة بحسبٍ جري العادة. الرابعة: ويخدُم الرجلُ زوجته فيما خفَّ من الخدمةِ، ويُعينها؛ لما رَوته عائشةُ (١) أحكام القرآن ٣/ ١١٥٠. (٢) أخرجه عنه الطبري في التفسير ٢٩٩/١٤. (٣) في أحكام القرآن ٣/ ١١٥١. (٤) في صحيحه (٥١٧٦)، ومسلم (٢٠٠٦). (٥) ١٦٦/١١. (٦) أخرجه البخاري (١٧٠٠)، ومسلم (١٣٢١).