النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة النحل: الآية ٥٩
قوله تعالى: ﴿يَنَوَرَى مِنَ اَلْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُثِّرَ بِّهِ أَيُّنْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى
٥٩٦
اُلتُّابُ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
قوله تعالى: ﴿يَتَوَرَّ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: يختفي ويتغيَّب. ﴿مِن سُوّءٍ مَا بُشْرَ بِّهِ﴾ أي:
من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت.
﴿أَيْنِكُمُ﴾ ذكَّر الكنايةَ؛ لأنَّه مردودٌ على ((ما))(١). ﴿عَلَى مُونٍ﴾ أي: هوان. وكذا
قرأ عيسى الثقفيُّ: ((على هوان))(٢). والهُون: الهوان بلغة قريش؛ قاله اليزيديّ (٣)،
وحكاه أبو عبيد عن الكِسائيّ(٤). وقال الفرَّاء: هو القليل بلغة تميم. وقال الكسائيّ:
هو البلاء والمشقَّة(٥). وقالت الخَنْساء(٦):
س يوم الكريهة أبقَى لها
نُهين النفوسَ وهُونُ النفو
وقرأ الأعمش: ((أيمسِكه على سوءٍ)) ذكره النحاس (٧)، قال: وقرأ الجَحْدَرِيُّ:
((أم يدسُها في التراب))، يردُّه على قوله: ((بالأنثى))، ويلزمه أن يقرأ: ((أيمسِكها)). ثم
قيل: يرجع الهوانُ إلى البنت؛ أي: أيمسكها وهي مهانةٌ عنده. وقيل: يرجع إلى
المولود له، أي: أيمسكه على رغم أَنفِه أم يدسُّه في التراب، وهو ما كانوا يفعلونه
من دفن البنت حيَّة (٨).
قال قتادة: كان مُضَرُ وخُزاعة يدفِنون البناتِ أحياءً؛ وأشدُّهم في هذا تميم.
(١) تفسير البغوي ٧٣/٣ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٧٦/٤، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٣ للجحدري.
(٣) النكت والعيون ١٩٤/٣، وينظر تفسير الطبري ١٤/ ٢٥٧ .
(٤) معاني القرآن للنحاس ٧٦/٤ .
(٥) النكت والعيون ١٩٤/٣، وينظر معاني القرآن للفراء ١٠٦/٢ - ١٠٧.
(٦) ديوانها ص١٢١ .
(٧) في معاني القرآن ٧٦/٤ .
(٨) ينظر تفسير الرازي ٢٠/ ٥٥.

٣٤٢
سورة النحل: الآية ٥٩
زعموا خوفَ القهر عليهم، وطمعٍ غيرِ الأكفاء فيهنَّ(١).
وكان صَعْصَعة بنُ ناجية عَمُّ الفرزدق(٢) إذا أحسَّ بشيء من ذلك، وجَّه إلى والد
البنت إيلاً يستحييها بذلك(٣). فقال الفرزدق يفتخر:
وعمِّي الذي منَع الوائداتْ وأحيا الوَئيدَ فلم يُوأَدِ(٤)
وقيل: دَسُّها: إخفاؤها عن الناس حتى لا تُعرف، كالمدسوس في التراب؛
لإخفائه عن الأبصار، وهذا محتمل(٥).
مسألة: ثبت في ((صحيح مسلم))(٦) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني
امرأةٌ ومعها ابنتان لها، فسألتني، فلم تجد عندي [شيئاً] غيرَ تمرةٍ واحدة، فأعطيتُها
إياها، فأخذَتْها، فقسَمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً، ثم قامت فخرجت
وابنتاها، فدخل عليَّ النبيُّ#، فحدَّثته حديثَها، فقال النبيُّ﴾: ((من ابتُلي من البنات
بشيء فأحسن إليهنَّ، كنَّ له سِتْراً من النار)). ففي هذا الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ البناتِ
بليَّة، ثم أخبر أنَّ في الصبر عليهنَّ والإِحسان إليهنَّ ما يَقي من النار.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: جاءتني مسكينةٌ تحمل ابنتين لها،
فأطعمتها ثلاثَ تمرات، فأعطت كلَّ واحدةٍ منهما تمرةً، ورفعت إلى فيها تمرةً
لتأكلَها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقَّت التمرةَ التي كانت تريد أن تأكلَها بينهما؛
فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صنعتْ لرسول اللـه﴿ فقال: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد
(١) ينظر تفسير البغوي ٧٣/٣ .
(٢) كذا في تفسير البغوي ٧٣/٣، والكلام منه، وقال ابن حجر في الإصابة ٥/ ١٤٢: وبه جزم أبو عمر،
لكن ليس للفرزدق عم اسمه صعصعة، وإنما صعصعة جده.
(٣) أخرجه ضمن حديث طويل البزار (٧٢ كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٧٤١٢).
(٤) ديوانه ص ١٧٣ برواية: ومنا الذي ... وفي المصادر: وجدي الذي ..
(٥) النكت والعيون ١٩٥/٣ .
(٦) برقم (٢٦٢٩)، وهو عند أحمد (٢٤٥٧٢) والبخاري (١٤١٨). وما سيرد بين حاصرتين منها.

٣٤٣
سورة النحل: الآية ٥٩
أوجب لها بها الجنةَ، أو أعتقها بها من النار)).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللـه﴾: (مَن عالَ جاريتين حتى تَبْلُغا،
جاء يومَ القيامة أنا وهو)) وضمَّ أصابعه، خرَّجهما أيضاً مسلم رحمه الله(١).
وخرَّج أبو نُعيم الحافظُ من حديث الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله قال:
قال رسول الله ﴾: ((مَن كانت له بنتٌ فأدَّبها فأحسن أدبَها، وعلَّمها فأحسن
تعليمها، وأَسبغَ عليها من نِعَمِ الله التي أُسبغَ عليه، كانت له سِتْراً وحجاباً من
النار))(٢).
وخُطب إلى عَقيل بنِ عُلَّفة(٣) ابنتُه الجرباء فقال:
إني وإن سِيق إليَّ المَهْرُ الْفُ وعُبدانٌ وخُورٌ(٤) عَشرُ
أَحَبُّ أصهاري إليَّ القبر(٥)
وقال عبد الله بنُ طاهر(٦):
(١) برقم (٢٦٣٠) و(٢٦٣١). وهما عند أحمد (٢٤٦١١) و(١٢٤٩٨).
(٢) حلية الأولياء ٥٧/٥، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٠٤٤٧). قال أبو نعيم: غريب من حديث
الأعمش، تفرَّد به الأموي عن طلحة، وقال الهيثمي في المجمع ١٥٨/٨: فيه طلحة بن زيد، وهو
وضاع. اهـ، ويغني عنه ما أخرجه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩) عن عائشة رضي الله عنها قالت:
دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل ... وفيه: فقال النبي #: من ابتلي من هذه البنات بشيء كنَّ له ستراً
من النار.
(٣) ابن الحارث بن معاوية، يكنى أبا العملَّس وأبا الجرباء، وهو شاعر مجيد مقلٌّ، من شعراء الدولة
الأموية، وابنته الجرباء تزوجها يزيد بن عبد الملك. الأغاني ١٢/ ٢٥٤ .
(٤) في المصادر: وذود: وهو ما بين الثنتين إلى التسع من الإبل. النهاية (ذود)، والخور: النُّوق الغُزُر.
القاموس (خور).
(٥) ديوان المعاني ٢٥١/٢، وزهر الآداب ١/ ٤٨٤، والصاهل والشاحج ص ٥٧٥، وبهجة المجالس
٧٦٨/٢ .
(٦) كذا وقع في النسخ، والبيتان المذكوران في ديوان المعاني ٢/ ٢٥١، وزهر الآداب ٤٨٤/١ منسوبان
لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو الأمير أبو أحمد الخزاعي، ولي شرطة بغداد، وكان رئيساً جليلاً،
وشاعراً محسناً، ومترسلاً بليغاً. مات سنة ٣٠٠هـ وأما عبد الله بن طاهر فهو الأمير العادل أبو العباس،
حاكم خراسان وما وراء النهر، له يد في النظم والنثر. مات سنة ٢٣٠ هـ السير ٦٢/١٤ و٢٥٢/١٠.

٣٤٤
سورة النحل: الآيتان ٥٩ - ٦٠
ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُمد الصِّهْرُ
لكل أبي بنتٍ يراعي شؤونها
وقبرٌ يُوارِيها وخيرُهما القَبر
فَبَعْلٌ يُراعِيها وخِذْرٌ يَكُنُّها.
﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: في إضافةِ البناتِ إلى خالقهم وإضافةِ البنين إليهم.
نظيرُه: ﴿أَلَكُمُ الذِّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيْرَكٌ﴾ [النجم: ٢١-٢٢](١) أي: جائرة،
وسيأتي.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلَّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلَى وَهُوَ اَلْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لِلَِّينَ لَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ أي: لهؤلاء الواصفينَ لله البنات(٢) ﴿مَثَلُ
السَّوْءٌ﴾ أي: صفةُ السَّوء مِن الجهل والكفر. وقيل: هو وَصْفُهم الله تعالى بالصَّاحبة
والولد(٣). وقيل: أي: العذاب والنار (٤).
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد؛ قاله قتادة.
وقيل: أي: الصفة العليا بأنه خالقٌ رازق قادر ومُجازٍ(٥). وقال ابن عباس: ((مثل
السَّوء»: النار، و((المثل الأعلى)): شهادة أن لا إله إلا الله (٦). وقيل: ليس كمثله
شيءٍ (٧). وقيل: ((ولله المثل الأعلى)) كقوله: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِمٍ﴾
[النور: ٣٥].
فإن قيل: كيف أضاف المَثَلَ هنا إلى نفسِه، وقد قال: ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالُ﴾
(١) ينظر تفسير البغوي ٧٣/٣.
(٢) تفسير البغوي ٧٣/٣ .
(٣) النكت والعيون ١٩٥/٣ .
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ٢٣٩/٢.
(٥) النكت والعيون ١٩٥/٣، وقول قتادة أخرجه الطبري ٢٥٨/١٤ .
(٦) تفسير البغوي ٧٣/٣ .
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٥٤٨) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

٣٤٥
سورة النحل: الآيتان ٦٠ - ٦١
[النحل: ٧٤]؟ فالجواب أنَّ قوله: ((فلا تضربوا لله الأمثال)) أي: الأمثال التي توجب
الأشباه والنقائص؛ أي: لا تضربوا لله مثلاً يقتضي نَقْصاً وتشبيهاً بالخَلْقِ؛ والمَثَلُ
الأعلى وصفُه بما لا شبيه له ولا نظير، جَلَّ وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون
عُلُوَّا كبيراً(١). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم معناه(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَتَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَّخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِرٍ﴾ أي: بكفرهم وافترائهم، وعاجَلَهم
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض، فهو كنايةٌ عن غير مذكور، لكنْ دلَّ عليه قولُه:
﴿مِن دَابَةٌٍ﴾ فإنَّ الدابَّة لا تَدِبُّ إلا على الأرض. والمعنى المراد: مِن دابَّة كافرة، فهو
خاصٌ (٣). وقيل: المعنى: أنَّه لو أَهلك الآباءَ بكفرهم، لم تكن الأبناء(٤). وقيل:
المراد بالآية العموم(٥)، أي: لو آخذ اللهُ الخَلْقَ بما كسبوا، ما ترك على ظهر هذه
الأرضٍ من دابة من نبيٍّ ولا غيرِه؛ وهذا قول الحسن.
وقال ابن مسعود وقرأ هذه الآية: لو آخذ اللهُ الخلائقَ بذنوب المذنبينَ، لأَصاب
العذابُ جميعَ الخَلْقِ حتى الجِعْلانَ(٦) في جُخْرها، ولأمسك الأمطارَ من السماء
والنباتَ من الأرض، فمات الدوابُّ، ولكنَّ اللهَ يأخذ بالعفو والفَضْل؛ كما قال:
﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرُ﴾ [الشورى: ٣٠].
(١) ينظر مجمع البيان ٨٨/١٤ .
(٢) ٤٢٩/١، ٤٠٣/٢ - ٤٠٤ .
(٣) ينظر زاد المسير ٤٥٩/٤ .
(٤) ينظر النكت والعيون ١٩٦/٣، وتفسير البغوي ٧٤/٣ .
(٥) ينظر زاد المسير ٤٥٩/٤ .
(٦) جمع جُعَل: حيوان كالخنفساء يكثر في المواضع الندية. والأثر أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات
(٢٧٠)، والطبري ١٤/ ٢٦٠ مختصراً بنحوه.

٣٤٦
سورة النحل: الآيتان ٦١ - ٦٢
﴿فَإِذَا ◌َءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: أجلُ موتهم ومنتهى أعمارِهم ﴿لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقد تقدَّم(١).
فإن قيل: فكيف يَعمُّ بالهلاك مع أنَّ فيهم مؤمناً ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك
الظالم انتقاماً وجزاءً، وهلاكَ المؤمن معوَّضاً بثواب الآخرة(٢).
وفي (صحيح مسلم)(٣) عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله # يقول:
(إذا أراد اللهُ بقوم عذاباً، أصاب العذابُ مَن كان فيهم، ثم بُعثوا على نياتهم(٤)).
وعن أمِّ سَلمة وسُئلت عن الجيش الذي يُخسف به - وكان ذلك في أيام ابنِ الزبير -
فقالت: قال رسول اللـه﴾: ((يعوذُ بالبيت عائذ، فيُبعث إليه بَعْث، فإذا كانوا ببَيْداءَ
من الأرض خُسِف بهم)) فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: ((يُخسَف
به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيَّته))(٥).
وقد أتينا على هذا المعنى مُجَوَّداً في كتاب ((التذكرة))(٦)، وتقدّم في ((المائدة)»
وآخر ((الأنعام)) ما فيه كفاية(٧)، والحمد لله. وقيل: ((فإذا جاء أجلهم)) أي: فإذا جاء
يومُ القيامة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ
اُلُْسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَهُم ◌ُفْرُونَ
قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: من البنات. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ
(١) ٩ / ٢١٢.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٥٩/٢٠ .
(٣) برقم (٢٨٧٩)، وهو عند أحمد (٤٩٨٥)، والبخاري (٧١٠٨).
(٤) في المصادر: أعمالهم.
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٨٢)، وهو عند أحمد (٢٦٤٧٥) بنحوه مختصر.
(٦) ص٥٢٨ - ٥٣٢ .
(٧) ٢٤٨/٨، ١٤٥/٩.
:

٣٤٧
سورة النحل: الآية ٦٢
اَلْكَذِبَ﴾ أي: وتقول ألسنتُهم الكذبَ. ﴿أَنَّ لَهُمُ اُلْسُنَّ﴾ قال مجاهد: هو قولهم:
إنَّ لهم البنينَ وللهِ البنات(١). ((الكذبَ)) مفعولُ ((تصِف))، و((أنَّ) في محل نصبٍ بدل
من الكذب؛ لأنَّ بيانٌ له(٢). وقيل: ((الحسنى)): الجزاء الحسن؛ قاله الزجَّاج (٣).
وقرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن مُحَيْصِن: ((الكُذُبُ)) برفع الكاف
والذال والباء؛ نعتاً للألسنة(٤)؛ وكذا ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ﴾ (٥)
[النحل: ١١٦]. والكُذُب: جمع كَذوب(٦)، مثل: رَسُول ورُسُل، وصَبُور وصُبُر،
وشگُور وشُكُر.
﴿لَا﴾ُ رَدِّ لقولهم، وتَمَّ الكلام، أي: ليس كما يزعمون. ﴿حَرَّمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾
أي: حقًّا أنَّ لهم النار(٧). وقد تقدَّم مستوفّى(٨).
﴿وَأَنَّهُ مُفْرُونَ﴾: مترَكون منسيُّون في النار؛ قاله ابنُ الأعرابيِّ وأبو عبيدة
والكسائيُّ والفراء، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير
أيضاً: مُبعَدون. قتادة والحسن: معجَّلون إلى النار مقدَّمون إليها(٩).
والفارط: الذي يتقدم إلى الماء؛ ومنه قولُ النبيِّ#: ((أنا فَرَطُكم على الحوض))
(١) أخرجه الطبري ١٤/ ٢٦٢ .
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/٢، والمحتسب لابن جني ١١/٢.
(٣) معاني القرآن ٢٠٧/٣ .
(٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/٢، فقد نسب القراءة - نقلاً عن أبي حاتم - إلى أهل الشام أو بعضهم.
ونسبها في المحتسب ١١/٢ لمعاذ، وفي زاد المسير ٤٦٠/٤ لأبي العالية والنخعي وابن أبي عبلة.
(٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٧٣ ، وابن جني في المحتسب ١٢/٢ لمسلمة بن محارب،
وابن الجوزي في زاد المسير ٥٠٢/٤ لابن أبي عبلة.
(٦) ينظر المحتسب ١١/٢.
(٧) النكت والعيون ١٩٦/٣، وينظر معاني القرآن للزجاج ٢٠٧/٣، وزاد المسير ٤/ ٤٦٠.
(٨) ١١/ ٩٤ - ٩٥ .
(٩) أخرج هذه الأقوال الطبري ١٤/ ٢٦٣ - ٢٦٦، وينظر معاني القرآن للنحاس ٨٠/٤ .

٣٤٨
سورة النحل: الآيتان ٦٢ - ٦٣
أي: متقدِّمكم (١). وقال القَطَاميّ(٢):
فاسْتَعجَلونا وكانوا مِن صحابتِنا كمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لوُرَّادِ
والفُرَّاط: المتقدِّمون في طلب الماء. والوُرَّاد: المتأخرون(٣).
وقرأ نافعٌ في رواية وَرْش: ((مُفْرِطون)) بكسرِ الراء وتخفيفها (٤)، وهي قراءةُ
عبد الله بن مسعود وابنٍ عباس(٥)، ومعناه: مُسرِفون في الذنوب والمعصية، أي:
أَفرطوا فيها(٦). يقال: أَفرط(٧) فلانٌ على فلان: إذا أَرْبَى عليه، وقال له أكثرَ مما قال
من الشَّرِّ.
وقرأ أبو جعفر القارئ: ((مُفَرِّطون)) بكسرٍ الراء وتشديدها، أي: مضيِّعون أمرَ
الله؛ فهو مِن التفريط في الواجب(٨).
قوله تعالى: ﴿قَالَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَّ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ
فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ
قوله تعالى: ﴿وَاللَِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي:
أعمالَهم الخبيثة. هذا تسليةٌ للنبيِّ ﴾ بأنَّ مَن تقدَّمه من الأنبياء قد كفر بهم قومُهم.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَّوْمَ﴾ أي: ناصرُهم في الدنيا على زعمهم. ﴿وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌُّ﴾ في
الآخرة. وقيل: ((فهو ولِيُّهم)) أي: قرينُهم في النار(٩). ﴿ اَلْيَوْمَ﴾ يعني يومَ القيامة،
(١) النكت والعيون ١٩٦/٣. والحديث سلف ٢٥٧/٥ و٣٥٨/٨.
(٢) ديوانه ص ٩٠ .
(٣) النكت والعيون ١٩٦/٣ .
(٤) وقرأ بها نافع في رواية قالون أيضاً. السبعة ص٣٧٤، والتيسير ص١٣٨ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٠/٢، والمحرر الوجيز ٤٠٤/٣.
(٦) ينظر النكت والعيون ١٩٦/٣ .
(٧) في (د) ومعاني القرآن للنحاس ٨٠/٤ : فرط.
(٨) النكت والعيون ١٩٧/٣، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٠٤/٢.
(٩) تفسير أبي الليث ٢/ ٢٤٠ .

٣٤٩
سورة النحل: الآيات ٦٣ - ٦٦
وأَطلقَ عليه اسمَ اليوم؛ لشهرته. وقيل: يقال لهم يومَ القيامة: هذا وليُّكم فاستنصِروا
به لينجيكم مِن العذاب؛ على جهة التوبيخ لهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِىِ أَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَّى
وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّ لِتُبَيْنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٌ﴾ من الدين والأحكام فتقومَ الحجةُ عليهم ببيانك(١). وعطف ((هُدًى ورحمةً)) على
موضع قوله: ((لِتُبَيِّنَ)) لأنَّ محلّه نصبٌ. ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتابَ إلَّا
تبياناً للناس (٢). ﴿وَهُدًى﴾ أي: رَشَداً ورحمةً للمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٦٥
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: السحاب. ﴿مَاءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً﴾
عاد الكلامُ إلى تعداد النِّعَم، وبيانِ كمال القدرة. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ﴾ أي: دلالةٌ
على البعث وعلى وحدانيته؛ إذ علموا أنَّ معبودَهم لا يستطيع شيئاً، فتكون هذه
الدَّلالة ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان(٣)؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
اٌلْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّى فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ شُِّقِيكُ مِمَّا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْتٍ وَدَمٍ أَنَا
خَالِصًا سَأَِفًا لِلشَّرِبِينَ
٦٦
فيه عشرُ مسائلَ :
(١) الوسيط للواحدي ٦٩/٣ .
(٢) ينظر الكشاف ٤١٦/٢، وتفسير الرازي ٢٠/ ٦٢.
(٣) تفسير البغوي ٣/ ٧٥ .
:

٣٥٠
سورة النحل: الآية ٦٦
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ﴾ قد تقدَّم القولُ في الأنعام(١)،
وهي هنا الأصنافُ الأربعة: الإبلُ والبقر، والضَّأْنُ والمَعْزِ(٢). ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: دلالةٌ
على قدرة الله ووَحدانيتِهِ وعظمتِهِ. والعِبرةُ أصلُها تمثيلُ الشيء بالشيءٍ؛ لتُعرَفَ حقيقتُه
من طريق المشاكلة، ومنه ﴿فَأَعْتَبِرُواْ﴾ [الحشر: ٢]. وقال أبو بكر الورَّاق: العبرةُ في
الأنعام تسخيرُها لأربابِها وطاعتُها لهم، وتَمرُّدُك على ربك وخِلافُك له في كل شيء،
ومِن أعظمِ العِبَرِ بريءٌ يَحمِل مذنباً.
الثانية: قوله تعالى: ﴿ُْقِيكُ﴾ قراءةُ أهلِ المدينة وابنٍ عامر، وعاصمٍ في رواية
أبي بكر: بفتح النون، من سَقَى يَسْقِي، وقرأَ الباقونَ وحفصٌ عن عاصم بضم النونِ،
من أسقى يُسقي، وهي قراءةُ الكوفيين وأهلِ مكة. قيل: هما لغتان(٣). وقال لَبِيد:
سَقَى قَومِي بنِي مَجْدٍ وأَسقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هِلالِ(٤)
وقيل: يُقال لما كان مِن يدكَ إلى فيه: سَقيتُه، فإذا جعلتَ له شِرْباً، أو عَرَّضتَه
لِأنْ يشربَ بفيه، أو بزرعه(٥)؛ قلت: أَسقيتُه؛ قاله ابنُ عُزَيز(٦)، وقد تقدم(٧).
وقرأتْ فرقةٌ: ((تسقِيكم)) بالتاء(٨)، وهي ضعيفةٌ(٩)، يعني: الأنعام. وقُرِئ
بالياء(١٠)، أي: يَسقِيكم اللهُ عزَّ وجلَّ. والقُراءُ على القراءتين المتقدِّمين؛ ففتحُ النونِ
(١) ٩ / ٧٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٤٠٤/٣ .
(٣) التيسير ص١٣٨، والسبعة ص٣٧٤، وينظر الطبري ١٤/ ٢٧٠، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠١/٢،
ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٤٩/١ - ٣٥٠ .
(٤) ديوان لبيد بين ربيعة ص ١١٠، وسلف ١٣٥/٢.
(٥) في (م): یزرعه.
(٦) في نزهة القلوب ص ٨١ - ٨٢ .
(٧) ١٣٥/٢ .
(٨) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. ينظر النشر ٣٠٤/٢ .
(٩) المحرر الوجيز ٤٠٥/٣ .
(١٠) وهي قراءة أبي رجاء، وهي شاذة ينظر البحر المحيط ٥٠٨/٥ .

٣٥١
سورة النحل: الآية ٦٦
لغةُ قريش، وضمُّها لغةُ حِمير.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ.﴾ اختلفَ الناسُ في الضميرِ من قوله: ((مما في
بطونِهِ)) على ماذا يَعود؟ فقيل: هو عائدٌ إلى ما قبلَه، وهو جمعُ المؤنث. قال سيبويهِ:
العربُ تخبرُ عن الأنعامِ بخبرِ الواحد. قال ابنُ العربيّ(١): وما أَراه عوَّل عليه إلَّا من
هذه الآية، وهذا لا يُشبهُ منصبه، ولا يليقُ بإدراكه. وقيل: لمَّا كان لفظُ الجمع وهو
اسم الجنس يُذكَّر ويؤنث فيقال: هو الأنعامُ وهي الأنعامُ، جازَ عَودُ الضمير
بالتذكير؛ وقاله الزجاجُ(٢). وقال الكسائيُّ: معناهُ: ممَّا في بطونِ ما ذكرناه، فهو عائدٌ
على المذكور(٣)، وقد قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١]
وقال الشاعر:
مثل الفِراخ نَتَقَتْ (٤) حواصلُه
ومثلُه كثيرٌ. وقال الكسائيُّ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ.﴾ أي: ممَّا في بطونِ بعضِه؛ إذِ الذكورُ
لا أَلبانَ لها، وهو الذي عوَّل عليه أبو عُبيدة. وقال الفراء(٥): الأنعامُ والنَّعَمُ واحد،
والنَّعَم يُذكَّر، ولهذا تقولُ العربُ: هذا نَعَمِّ واردٌ، فرجع الضميرُ إلى لفظِ النَّعَم الذي
هو بمعنى الأنعام. قال ابن العربي(٦): إنَّما رجع التذكيرُ إلى معنى الجمع، والتأنيثُ
إلى معنى الجماعة، فذكَّره هنا باعتبارِ لفظ الجمع، وأنَّثه في سورة المؤمنين باعتبارٍ
(١) في أحكام القرآن ١١٣٩/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢٠٩/٣ ونقله المصنف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٠٧/٢.
(٣) معاني القرآن للفراء ١٠٩/٢.
(٤) في النسخ والمسائل العسكرية لأبي علي الفارسي ص١١٧، وشرح شواهد الإيضاح لابن بري ص٣٤٧ ،
والمحتسب ١٥٣/٢، واللسان (نعم) و(خلف): نتفت، والمثبت من مجالس ثعلب كما نَّه عليه
عبد السلام هارون رحمه الله، وكذلك جاء في معاني القرآن للفراء ١٣٠/١ و١٠٩/٢، وتفسير
الطبري ١٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣، ونتق نتوقاً: امتلأ جلده شحماً ولحماً، تهذيب اللغة ٩/ ٦٢ .
(٥) في معاني القرآن ١٠٨/٢ .
(٦) في أحكام القرآن ١١٣٩/٣.

٣٥٢
سورة النحل: الآية ٦٦
لفظ الجماعة فقال: ﴿ُشْقِيَكُمْ مِمَا فِىِ بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١]. وبهذا التأويلِ ينتظمُ
المعنى انتظاماً حسناً، والتأنيثُ باعتبارٍ لفظ الجماعة، والتذكيرُ باعتبار لفظِ الجمع
أكثرُ من رَمَل يَبْرِين وتَيْهَاء فِلَسْطِين(١).
الرابعة: استنبطّ بعض العلماء الجِلَّة - وهو القاضي إسماعيلُ - من عَودِ هذا
الضَّمير، أنَّ لبن الفحل يُفيد التحريم، وقال: إنَّما جيء به مذكَّراً؛ لأنه راجعٌ إلی ذکرِ
النَّعم؛ لأنَّ اللبنَ للذَّكَر محسوبٌ، ولذلك قضى النبيُّ ﴾ بأنَّ لبن الفحلِ يُحرِّمُ حينَ
أنكرته عائشةُ في حديثٍ أفلح أخي أبي القُعَيس (٢)، فللمرأةِ السَّقيُ وللرجلِ اللقاحُ،
فجرى الاشتراكُ فيه بينهما (٣). وقد مضى القولُ في تحريم لبن الفحل في ((النساء))(٤)
والحمدُ لله.
الخامسة: قولُه تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّنَا خَالِصًا﴾ نَّه سبحانه على عظيمٍ قدرتِه
بخروج اللبنِ خالصاً بين الفَرْث والدم. والفَرْتُ: الزِّبلُ الذي ينزلُ إلى الكَرِش، فإذا
خرجَ لم يُسَمَّ فَرْئاً. يقال: أَقْرَثْتُ الكَرِشَ: إذا أَخرجتَ ما فيها(٥). والمعنى: أنَّ
الطعام يكونُ منه ما في الكَرِش، ويكون منه الدَّم، ثم يخلُص اللبن من الدم، فأعلم
الله سبحانه أنَّ هذا اللبنَ يخرجُ من بينِ ذلك، وبينِ الدَّم في العروق(٦). وقال ابنُ
عباس: إنَّ الدابة تأكلُ العلفَ، فإذا استقرَّ في كَرِشِها، طَبَخْته، فكانَ أسفلُه فَرئاً،
وأوسطُه لبناً، وأعلاه دماً، والكبدُ مُسلَّط على هذه الأصنافِ، فتَقسِم الدمَ وتُميِّزه
(١) يبرين من أصقاع البحرين به منبران وهناك الرمل الموصوف بالكثرة، كما في معجم البلدان ٤٢٧/٥ .
وفي (ظ) وأحكام القرآن: ((مها)) بدل («تيهاء)).
(٢) سلف ٦/ ١٨٥.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٩/٣.
(٤) ٦/ ١٨٤ .
(٥) الصحاح (فرث).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٠/٣.

٣٥٣
سورة النحل: الآية ٦٦
وتُجريه في العروق، وتُجري اللبنَ في الضَّرعِ، ويَبقى الفرثُ كما هو في الكَرِش(١)،
﴿حِكْمَةُ بَلِمَّةُ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]. ﴿خَالِصًا﴾ يريدُ من حمرةِ الدمِ، وقذارةٍ
الفَرْث، وقد جَمعهما وعاءٌ واحد(٢). وقال ابنُ بحر: خالصاً بياضُه(٣). قال النابغةُ:
بخالصةِ الأرْدانِ خُضْرِ المناكبِ (٤)
أي: بيض الأكمام. وهذه قدرةٌ لا تنبغي إلا للقائم على كل شيءٍ بالمصلحة.
السادسة: قال النَّقَّاش: في هذا دليلٌ على أنَّ المَنِيَّ ليس بنجسٍ. وقاله أيضاً
غيره، واحتجَّ بأن قال: كما يخرجُ اللبنُ من بين الفَرثِ والدم سائغاً خالصاً، كذلك
يجوزُ أن يَخرجَ المنيُّ على مخرجِ البولِ طاهراً. قال ابنُ العربي: إنَّ هذا لجهلٌ
عظيم، وأخذٌ شنيع. اللبنُ جاء الخبرُ عنه مجيءَ النعمةِ والمِنَّةِ الصادرة عن القدرةِ؛
ليكون عِبرةً، فاقتضى ذلك كلُّه وصفَ الخلوصِ واللذة، وليسَ المَنيُّ من هذهِ الحالةِ
حتى يكونَ ملحقاً به أو مَقِيساً عليه(٥).
قلت: قد يُعارَض هذا بأن يقال: وأيُّ مِنٍ أعظمُ وأرفع من خروج المني الذي
يكون عنه الإنسانُ المكرم؛ وقد قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّيِ﴾ [الطارق: ٧]،
وقال: ﴿وَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ﴾
[النحل: ٧٢] وهذا غايةٌ في الامتنان. فإن قيل: إنه يَتنَّس بخروجِه في (٦) مجرى البولِ؟
قلنا: هو ما أردناه، فالنَّجاسةُ عارضةٌ وأَصلُه طاهر، وقد قيل: إن مَخْرَجه غيرُ مخرجٍ
(١) تفسير الوسيط ٣/ ٧٠، وتفسير الرازي ٦٤/٢٠.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٤٠.
(٣) النكت والعيون ٣/ ١٩٧ .
(٤) ديوان النابغة الذبياني ص١٢، وصدره: يصونون أجساداً قديماً نعيمُها. وقال الجوهري في الصحاح
(خضر) الرُّدنُ أصل الكمّ. وأراد النابغة بقوله هذا سَعةً ما هم فيه من الخِصب.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٤٠.
(٦) في (ظ): من.

٣٥٤
سورة النحل: الآية ٦٦
البول وخاصّةً المرأة، فإنَّ مَدخلَ الذكرِ منها ومخرجَ الولدِ غيرُ مخرجِ البولِ على ما
قالَه العلماء. وقد تقدَّم في ((البقرة)).
فإن قيل: أصلُه دمٌ فهو نجس؟ قلنا: ينتقضُ بالمِسكِ؛ فإنَّ أصلَه دمٌ وهو طاهر.
وممَّن قال بطهارتِه الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وغيرُهم (١)؛ لحديثٍ عائشةَ
رضي الله عنها قالت: كنتُ أفركُه من ثوبٍ رسولِ الله ﴾ يابساً بظُفُري(٢). قال
الشافعيُّ: فإن لم يُفْرَك فلا بأس به(٣). وكان سعدُ بن أبي وَقَّاص يفركُ المنيَّ من ثوبه.
وقال ابن عباس: هو كالنُّخامةِ أَمِظْه عنك بإذْخِرةٍ، وامسَحْه بخِرقة (٤). فإن قيل: فقد
ثبتَ عن عائشةَ أنَّها قالت: كنت أَغسِل المنيَّ من ثوبٍ رسولِ الله #، ثم يخرجُ إلى
الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظرُ إلى أثرِ الغسل فيه؟(٥) قلنا: يحتملُ أن تكونَ غَسلَتْه
استقذاراً كالأشياءِ التي تُزال من الثوب كالنجاسة، ويكون هذا جَمْعاً بين
الأحاديث(٦). والله أعلم. وقال مالك وأصحابه والأَوْزاعيُّ: هو نجس(٧). قال
مالك: غسلُ الاحتلام من الثوبِ أمرٌ واجبٌ مُجمع(٨) عليه عندنا، وهو قولُ
الكوفيين. ويُروى عن عمر بنِ الخطاب، وابنٍ مسعود، وجابر بن سمرة أنَّهم غسلوه
من ثيابِهم. واختُلِف فيه عن ابنِ عمر وعائشةَ. وعلى هذين القولين في نجاسة المني
وطهارتِه التابعون(٩).
(١) الأوسط ١٥٩/٢ - ١٦٠، والمجموع ٢/ ٥٦١ .
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٨) و(٢٩٠)، وأحمد (٢٤٠٦٤).
(٣) الأم ١/ ٤٧ .
(٤) أخرجه عنهما الشافعي في الأم ١/ ٤٨، وابن المنذر في الأوسط ١٥٩/٢ .
(٥) أخرجه البخاري (٢٢٩) و(٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩).
(٦) ينظر الأم ٤٨/١ .
(٧) المجموع ٢/ ٥٦١ .
(٨) في (د) و(ز) و(م): مجتمع، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الأوسط ١٥٨/٢، وعنه نقل
المصنف كلام مالك، وينظر المدونة ٢١/١ .
(٩) ينظر الأوسط ٢/ ١٥٧، والمجموع ٢ / ٥٦١ .

٣٥٥
سورة النحل: الآية ٦٦
السابعة: في هذه الآيةِ دليلٌ على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره(١)،
فأمَّا لبنُ الميتة، فلا يجوز الانتفاعُ به(٢)؛ لأنه مائعٌ طاهر حصل في وعاءٍ نجس،
وذلك أنَّ ضَرْعَ الميتة نجسٌ واللبنَ طاهرٌ، فإذا حُلِب صار مأخوذاً من وعاءٍ نجس.
فأمَّا لبنُ المرأة الميتة، فاختَلَف أصحابُنا فيه، فَمن قال: إن الإنسانَ طاهرٌ حيًّا وميتاً،
فهو طاهر. ومن قال: يَنْجُس بالموت، فهو نجس(٣). وعلى القولين جميعاً تثبتُ
الحرمةُ؛ لأنَّ الصبي قد يَغتذي به كما يَغتذي من الحية، وذلك أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ قالَ:
(الرَّضاعُ ما أنبتَ اللحم، وأَنشَزَ العظم) (٤). ولم يَخُصَّ؛ وقد مَضى في ((النساء))(٥).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿سَآَيِفًا لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: لذيذاً هيِّناً لا يَغَصُّ به مَن شَرِبِه.
يُقالُ: ساغَ الشرابُ يسوغُ سَوغاً، أي: سَهُل مدخلُه في الحلقِ، وأَساغه شاربُه،
وسُغتُه أنا أسيغُه وأَسُوغه، يتعدَّى ولا يتعدَّى، والأَجودُ: أَسغتُه إساغةً. يقال: أَسِغْ
لي غُصَّتي، أي: أَمهلني ولا تُعجلني، وقال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُمُ وَلَا يَكَادُ
يُسِيفُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]. والسِّواغ، بكسر السين: ما أَسغتَ به غُصَّتَك. يقال: الماءُ
سِوائغُ الغُصَص؛ ومنه قول الكُمَيْت:
فكانت سِوَاغاً أن جَزْتُ بِغُصَّةٍ(٦)
وروي أنَّ اللبنَ لم يَشْرَقْ به أحدٌ قَظُ، وروي ذلك عن النبيِّ ﴾(٧).
التاسعة: في هذه الآيةِ دليلٌ على استعمالِ الحلاوة والأطعمةِ اللذيذة وتناولها،
(١) ينظر المدونة ١/ ٢٠.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٢٠/١.
(٣) ينظر المجموع ٢/ ٥٧٥، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي ٣٥٧/٤ - ٣٥٨.
(٤) أخرجه أحمد (٤١١٤)، وأبو داود (٢٠٦٠) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥) ٦/ ١٨١ - ١٨٢.
(٦) عَجزُه: يضيق بها ذرعاً سواها طبيبها، وهو في ديوان الكميت ص٦٦، واللسان (سوغ)، ووقع في
الديوان: ((إذا عثرت)) بدل ((أن جزت)). وجَئِزَ بالماء يجأَزُ: إذا غَصَّ به. اللسان (جاز).
(٧) أورده الطبري في التفسير ٢٧٤/١٤، ولم يُشير إلى رفعه.

٣٥٦
سورة النحل: الآية ٦٦
ولا يقال: إنَّ ذلك يناقضُ الزهدَ أو يباعده، لكن إذا كان من وجهِه، ومن غیرِ سَرّف
ولا إكثارٍ. وقد تقدَّم هذا المعنى في ((المائدة))(١) وغيرها. وفي الصحيح عن أنس قال:
لقد سقيتُ رسولَ الله ﴾ بقَدَحي هذا الشرابَ كلَّه: العسلَ والنبيذَ، واللبنَ والماءَ(٢).
وقد كَرِهِ بعضُ القُرَّاء أكلَ الفَالوذَج واللبنِ من الطعام، وأَباحَه عامةُ العلماء. وروي
عن الحسنِ أنه كانَ على مائدة(٣) ومعه مالك بن دينار، فأُتي بفَالوذَج، فامتنعَ عن
أكلِه، فقال له الحسنُ: كُلْ! فإِنَّ عليكَ في الماءِ البارد أكثرَ من هذا(٤).
العاشرة: روى أبو داود(٥) وغيرُه عن ابنِ عباس قال: أُتي رسولُ الله # بلبنٍ
فشربَ، فقال رسولُ اللهِ ﴾((إذا أكل أحدكم طعاماً، فليقل: اللَّهُمّ بارك لنا فيه
وأَطِعِمنا خيراً منه. وإذا سُقِيَ لبناً فليقل: اللَّهُمَّ بارك لنا فيه، وزِدْنا منه؛ فإنَّه ليس شيءٌ
يُجزئ من (٦) الطعام والشراب إلَّا اللبن)).
قال علماؤنا(٧): فكيفَ لا يكون ذلك وهو أَوّلُ ما يَغتذي به الإنسانُ وتَنْمِي به
الجثثُ والأبدان، فهو قوتٌ خَليٍّ عن المفاسد، به قوامُ الأجسام، وقد جعلَه اللهُ
تعالى علامةً لجبريل على هدايةِ هذه الأمةِ التي هي خيرُ الأمم أمةً؛ فقال في
الصحيح: ((فجاءني جبريلُ بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لبن، فاخترتُ اللبنَ، فقالَ لي
جبريل: اخترتَ الفِطرةَ، أَما إنَّك لو اخترتَ الخمرَ غَوَتْ أُمتُك)»(٨). ثم إنَّ في الدعاءِ
(١) ١١٩/٨ .
(٢) أخرجه البخاري بعد (٥٦٣٨) قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله # في هذا القدح أكثر من كذا
و كذا.
(٣) في (ظ): مائدته.
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٧٦/٧، وسلف ١١٩/٨ .
(٥) في السنن (٣٧٣٠)، والترمذي (٣٤٥٥) وقال: هذا حديث حسن.
(٦) في (د) و(ز) و(م): عن، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في سنن أبي داود.
(٧) ينظر إكمال المعلم ١/ ٥٠١ .
(٨) أخرجه البخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) من حديث أبي هريرة.

٣٥٧
سورة النحل: الآية ٦٧
بالزيادة منه علامةَ الخِصب، وظهورَ الخيراتِ والبركات، فهو مبارك كله.
قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّاْ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ الَّخِيلِ﴾ قال الطبري(١): ومن(٢) ثمراتٍ
النخيل والأعناب ما تتخذون. فحذف ((ما))، ودلَّ على حذفِه قولُه: «منه». وقيل:
المحذوفُ ((شيءٌ)) والأمرُ قريب. وقيل: معنى ((منه)) أي: من المذكورِ، فلا يكونُ في
الكلامِ حذفٌ، وهو أولى. ويجوزُ أن يكون قولُه: ((ومِن ثمراتٍ)) عطفاً على
((الأنعام))، أي: ولكم من ثمراتِ النخيلِ والأعنابِ عبرةٌ. ويجوزُ أن يكونَ معطوفاً
على ((مما)) أي: ونسقيكم أيضاً مشروباتٍ من ثمرات(٣).
الثانية: قولُه تعالى: ﴿سَكَرًا﴾ السَّكّر ما يُسْكِر. هذا هو المشهورُ في اللغةِ. قال
ابنُ عباس: نزلت هذه الآيةُ قبل تحريم الخمر. وأرادَ بالسَّكّر الخمر، وبالرِّزقِ الحسن
جميعَ ما يُؤكل ويُشرب حلالاً من هاتين الشجرتين. وقال بهذا القول ابنُ جُبير
والنَّخَعِيُّ والشَّعبِيُّ وأبو ثور(٤). وقد قيل: إنَّ السَّكَرِ الخَلُّ بلغةِ الحبشة، والرزقَ
الحسنَ الطعامُ. وقيل: السَّكَر: العصيرُ الحلوُ الحلال(٥)، وسُمِّيَ سَكّراً؛ لأنه قد
يصيرُ مسكراً إذا بقي، فإذا بلغَ الإسكارَ حَرُمَ. قال ابنُ العربي: أَسَدُّ هذه الأقوالِ قولُ
ابن عباس، ويخرجُ ذلك على أحدٍ معنيين، إما أن يكونَ ذلك قبل تحريم الخمر،
وإما أن يكونَ المعنى: أَنعمَ الله عليكم بثمراتِ النخيل والأعناب تتّخذون منه ما حرَّم
(١) في تفسيره ١٤/ ٢٧٤ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): التقدير ومن .. ، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في تفسير الطبري.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٤١، والمحرر الوجيز ٤٠٥/٣، وينظر تفسير الطبري ٢٧٤/١٤ -٢٧٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٠٥/٣ ، وفي : ((زید)) بدل ((ثور)).
(٥) النكت والعيون ١٩٨/٣، وزاد المسير ٤٦٤/٤ - ٤٦٥، وينظر تفسير الطبري ١٤/ ٢٨١.

٣٥٨
سورة النحل: الآية ٦٧
الله عليكم اعتداءً منكم، وما أحلَّ لكم اتفاقاً أو قصداً إلى منفعة أنفسكم. والصَّحیحُ
أنَّ ذلك كان قبلَ تحريم الخمر، فتكون منسوخةً؛ فإِنَّ هذه الآيةَ مكيةٌ باتفاقٍ من
العلماءِ، وتحريمَ الخمرِ مَدنيٌّ(١).
قلت: فعلى أنَّ السَّكَرِ الخَلُّ أو العصيرُ الحلو لا نسخَ، وتكون الآيةُ محكمةً،
وهو حَسن. قال ابنُ عباس: الحبشة يسمُّون الخلَّ السَّكَرَ، إلا أنَّ الجمهورَ على أن
السَّكَرَ الخمرُ، منهم ابنُ مسعود، وابنُ عمر، وأبو رَزين، والحسن، ومجاهد، وابن
أبي لَيْلِى، والكَلْبِيُّ، وغيرُهم ممَّن تقدّم ذكرهم، كلُّهم قالوا: السَّكَرُ ما حرَّمه الله من
ثمرتيهما. وكذا قال أهلُ اللغةِ: السكّر اسمٌ للخمر وما يُسكر(٢)، وأنشدوا:
بئسَ الصُّحاةُ وبئسَ الشَّربُ شَرِبُهُم إِذا جَرى فيهمُ المُزَّاءُ والسَّكَّرُ(٣)
والرزقُ الحسنُ: ما أحلَّه الله من ثمرتيهما. وقيل: إن قولَه: ((تَتَّخِذُون مِنه سَكَراً)»
خبرٌ معناه الاستفهامُ بمعنى الإِنكار؛ أي: أَتتخذون منه سكراً، وَتَدَعون رزقاً حسناً
الخلَّ والزبيبَ والتمر، كقولِهِ: ﴿فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أي: أَفَهم الخالدون.
والله أعلم. وقال أبو عبيدة (٤): السَّكَر الطُعمُ، يقال: هذا سَكَرٌ لك، أي: طُعمٌ.
وأَنشدَ:
جَعلتَ عَيْبَ الأكْرَمين سَكَراً (٥)
أي جَعلتَ ذمَّهم طُعماً. وهذا اختيارُ الطبري(٦) أنَّ السَّكّر ما يُطعم من الطعامِ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤١/٣ .
(٢) تفسير الطبري ١٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣، والنكت والعيون ١٩٨/٣، والمحرر الوجيز ٤٠٥/٣، وزاد
المسير ٤٦٤/٤، وتهذيب اللغة ٥٨/١٠ .
(٣) البيت للأخطل وهو في ديوانه ص١١٠، والمُزَّاءُ: ضربٌ من الأشربة. الصحاح (مزز).
(٤) في مجاز القرآن ٣٦٣/١ .
(٥) نسبه في مجاز القرآن ٣٦٣/١ إلى جندل، وهو عند الطبري ٢٨٤/١٤، والنكت والعيون ١٩٨/٣،
واللسان (سكر) دون نسبة.
(٦) في التفسير ١٤/ ٢٨٥ .

٣٥٩
سورة النحل: الآية ٦٧
وحَلَّ شربُه من ثمارِ النخيل والأعناب، وهو الرزقُ الحسنُ، فاللفظُ مختلفٌ،
والمعنى واحد، مثل ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَقِّ وَحُزْنِ إِلَى اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وهذا حسنٌ ولا
نسخَ، إلا أنَّ الزجاجَ قال: قولُ أبي عبيدة هذا لا يُعرف، وأهلُ التفسير على خلافِهِ،
ولا حجةَ له في البيت الذي أنشده؛ لأنَّ معناه عندَ غيره أنه يصفُ أنَّها تتخمرُ بعيوبٍ
الناس.
وقال الحنفيون: المرادُ بقولِه: ((سَكَراً)) ما لا يُسكر من الأنبذةِ؛ والدليلُ عليه أنَّ
الله سبحانه وتعالى امتنَّ على عبادِه بما خَلَق لهم من ذلك، ولا يقعُ الامتنانُ إلا
بمحلَّلِ لا بمحرَّم، فيكون ذلك دليلاً على جوازٍ شربٍ ما دون المسكرِ من النبيذ، فإذا
انتهى إلى السكرِ لم يَجُز، وعَضَدوا هذا من السنةِ بما رُوي عن النبيِّ # أنه قال:
((حرَّم الله الخمرَ بعينِها والسَّكَر من غيرِها))(١). وبما رواه عبدُ الملك بنُ نافع، عن ابن
عمر قالَ: رأيتُ رجلاً جاء إلى رسولِ الله ﴿، وهو عندَ الرُّكْنِ، ودفعَ إليه القَدَحَ،
فرفعه إلى فيه، فوجدَه شديداً، فردَّه إلى صاحبه، فقال له حينئذٍ رجلٌ من القوم: یا
رسولَ الله، أَحرامٌ هو؟ فقال: ((عليَّ بالرجلِ)) فأُتي به، فأخذ منه القدحَ، ثم دعا بماء
فصبَّه فيه، ثم رفَعه إلى فيهِ فقَطّب، ثم دعا بماءٍ أيضاً فصبَّه فيه ثم قال: ((إذا اغتَلمتْ
عليكم هذه الأوعيةُ، فاكسِروا متُونَها بالماء))(٢). ورُوي أنه عليه الصلاة والسلام كانَ
يُنْبَذُ له فيشربُه ذلك اليوم، فإِذا كانَ من اليومِ الثاني أو الثالث سقاهُ الخادمَ إذا تغيَّر،
ولو كان حراماً ما سَقاه إياه(٣).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٢/٣، والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء ٤٢٤/٢، من حديث
علي ، مرفوعاً. وقال العقيلي: وهذا يُعرف عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس قوله.
والموقوف أخرجه النسائي في الكبرى (٥١٧٤) و(٦٧٤٧) و(٦٧٤٨)، وفي المجتبى ٣٢١/٨،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٤/٤، عن ابن عباس موقوفاً. وينظر الدراية ٢/ ٢٥١ .
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٥١٨٤)، وفي المجتبى ٣٢٣/٨ . وقال: عبد الملك بن نافع ليس
بالمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته. ومعنى اغتلمت: أي: إذا جاوزت
حدَّها الذي لا يسكر إلى حدها الذي يسكر. النهاية في غريب الحديث ٣٨٢/٣ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٤٢، وأخرجه مسلم (٢٠٠٤) من حديث ابن عباس.

٣٦٠
سورة النحل: الآية ٦٧
قال الطحاوي: وقد رَوى أبو عَون الثَّقَفي، عن عبدِ الله بن شداد، عن ابنِ عباس
قال: حُرِّمت الخمرُ بعينِها القليلُ منها والكثيرُ، والسَّكّرُ من كلِّ شرابٍ. خَرَّجه
الدار قطنيُّ أيضاً (١). ففي هذا الحديثِ وما كان مثلُه، أنَّ غيرَ الخمر لم تُحرَّم عينُه كما
حُرِّمتِ الخمرُ بعينها(٢). قالوا: والخمرُ شراب العنب لا خلافَ فيها، ومن حجتهم
أيضاً ما رواه شَريك بنُ عبد الله، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون
قال: قال عمرُ بن الخطاب: إنا نأكلُ لحومَ هذه الإبلِ، وليس يَقطعُه في بطونِنا إلا
النبيذُ. قال شريك: ورأيتُ الثَّورِيَّ يشربُ النبيذَ في بيتِ خَيرٍ (٣) أهل زمانِه مالكِ بن
مِغول.
والجوابُ أن قولهم: إنَّ الله سبحانه وتعالى امتنَّ على عبادِه، ولا يكون امتنانُه
إلا بما أحلَّ. فصحيحٌ، بَيْد أنه يحتملُ أن يكونَ ذلك قبل تحريم الخمر، كما بيَّنَّاه
فيكون منسوخاً كما قدَّمناه. قال ابنُ العربيِّ: إن قيل: كيفَ يُنسَخ هذا وهو خبرٌ،
والخبرُ لا يدخله النَّسخ؟ قلنا: هذا كلامُ مَنْ لم يتحققِ الشريعة، وقد بينًا أنَّ الخبر إذا
كان عن الوجودِ الحقيقيِّ، أو عن إعطاءِ ثوابٍ فضلاً من الله، فهو الذي لا يدخلُه
النسخُ، فأمَّا إذا تضمَّن الخبرُ حكماً شرعيًّا، فالأحكام تتبدَّل وتُنسخ، جاءت بخبرٍ أو
أمرٍ، ولا يرجعُ النسخُ إلى نفس اللفظ، وإنَّما يرجعُ إلى ما تضمَّنه، فإذا فَهمتم هذا
خَرجتُم عن الصِّنف الغبيِّ الذي أخبرَ الله عن الكفار فيه بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ
مَكَانَ ءَايَةٌ وَالَهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتٍَّ بَلّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ١٠١]. المعنى أنَّهم جَهِلوا أن الربَّ يأمر بما يشاءُ، ويكلفُ ما يشاءُ، ويرفع
من ذلك بعَدْلِهِ ما يشاءُ، ويُثبِتُ ما يشاء، وعنده أمُّ الكتاب(٤).
(١) الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء ٣٧٥/٤، وشرح معاني الآثار ٢١٤/٤، والدارقطني (٤٦٦٦).
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣٧٥/٤ .
(٣) في (م): حَبر، وأخرج أثر عمر الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢١٨/٤، والدارقطني (٤٦٨١)
و(٤٦٨٤)، والبيهقي ٢٩٩/٨، وابن عدي في الكامل ٢٩٩/٨.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٤٢/٣ - ١١٤٣.