النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة الحجر: الآيتان ٩٤ - ٩٥
يَسَرٌ يُفيضُ على القِدَاحِ ويَضْدَعُ
وكأَنَّهِنَّ رِبَابةٌ وكأنَّه
أي: يفرِّق ويشقُّ. فقوله: ﴿اضْدَع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قال الفرَّاءُ(١): أراد: فاصدع
بالأمْرِ، أي: أَظْهِر دينَك، فـ ((ما)) مع الفعلِ على هذا بمنزلةِ المصدر. وقال ابنُ
الأعرابي (٢): معنى ﴿اصدع بما تؤمر﴾، أي: اقْصِد. وقيل: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي:
فرِّق جَمْعَهم وكلمتَهم، بأن تدعوَهم إلى التوحيدِ، فإنَّهم يتفرَّقون؛ بأن يجيبَ البعضُ.
فَيَرجِعَ الصَّدْعُ على هذا إلى صَدْعِ جماعةِ الكفّار.
قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: عن الاهتمامِ باستهزائِهم، وعن
المبالاةِ بقولهم، فقد برَّاك اللهُ عمَّا يقولون. وقال ابنُ عباسٍ: هو منسوخٌ بقولِه:
﴿فَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) [التوبة: ٥]. وقال عبدُ اللهِ بنُ عبيد: ما زال النبيُّ # مستخفياً
حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابُه(٤). وقال مجاهدٌ: أراد
الجَهْرَ بالقرآن في الصلاة(٥).
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: لا تُبالِ بهم. وقال ابنُ إسحاق(٦): لما تمادَوْا في الشَّرِّ
وأكثروا برسولِ اللهِ﴾ الاستهزاءَ أَنزل اللهُ تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضٍّ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِنَ اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَّ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. والمعنى: إِصْدَعْ
بما تُؤْمَر ولا تَخَفْ غيرَ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ كافيك مَن آذاك كما كفاكَ المستهزئين.
وكانوا خمسةً من رؤساءِ أهلِ مَّة، وهم الوليدُ بنُ المغيرة وهو رأسهم، والعاصُ
ابنُ وائل، والأسودُ بنُ المطلب بنِ أسدٍ أبو زَمْعَةً، والأسودُ بنُ عبدٍ يَغُوثَ،
(١) في معاني القرآن ٩٣/٢.
(٢) تهذيب اللغة ٦/٢ .
(٣) ينظر النكت والعيون ٣/ ١٧٥، والأثر أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ١٤٥.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ١٤٣.
(٥) تفسير مجاهد ١/ ٣٤٤، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٤٣/١٤.
(٦) سيرة ابن هشام ٤٠٩/١، وينظر تفسير الطبري ١٤/ ١٤٥ - ١٤٦.

٢٦٢
سورة الحجر: الآيتان ٩٤ - ٩٥
والحارثُ بنُ الظُّلاطِلَة. أهلكهم اللهُ جميعاً قبلَ يومٍ بدرٍ في يومٍ واحدٍ؛ لاستهزائِهم
برسولِ اللهِ ﴾(١).
وسببُ هلاكِهم فيما ذكر ابنُ إسحاقٍ(٢): أنَّ جبريلَ أتى رسولَ الله {8# وهم
يَطوفون بالبيت، فقامَ وقامَ رسولُ اللهِ ﴾، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطلَّبِ، فرمَى في
وجهِه بورقةٍ خضراءَ فعَمِيَ، ووَجِعت عينُه، فجعل يَضرِبُ برأسِه الجدارَ. ومرَّ به
الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فأشار إلى بطنِهِ، فاستسقى بطنُه، فمات منه حَبَناً؛ يقال: حَبِنَ
- بالكسر - حَبّناً، وحُبِن للمفعول: عَظُمَ بطنُه بالماءِ الأصفرِ، فهو أَحبن، والمرأةُ
حَبْناء؛ قاله في ((الصحاح))(٣). ومرَّ به الوليدُ بنُ المغيرة، فأشار إلى أَثَرِ جُرْحٍ بأسفلٍ
كعبٍ رِجْله، وكان أصابَه قبل ذلك بسنين وهو يَجُرُّ سَبَلَه (٤)، وذلك أنه مرَّ برجلٍ من
خزاعة يَرِيش نَبْلاً له، فتعلَّق سهمٌ من نَبْله بإزارِه فخَدش في رجله ذلك الخدشَ،
وليس بشيء، فانتقضَ به، فقتلَه. ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ، فأشار إلى أَخْمَصِ رِجْله،
فخرجَ على حمارٍ له يريد الطائفَ، فرَبَض به على شِبْرِقة(٥)، فدخلت في أخْمَصٍ
رِجْله شوكةٌ، فقتلَتْه. ومرَّ به الحارثُ بنُ الظُّلاطِلة، فأشار إلى رأسِه فامتخط (٦) قيحاً،
فقتَلَه. وقد ذُكر في سببٍ موتهم اختلافٌ قريبٌ مِن هذا(٧).
(١) النكت والعيون ١٧٥/٣، وينظر تفسير الطبري ١٤٦/١٤، وورد في (م): قيل: يوم بدر.
(٢) في السير والمغازي ص٢٧٣ - ٢٧٤، وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٤١٠، وتفسير الطبري ١٤٦/١٤-١٤٧،
وتفسير البغوي ٥٩/٣ .
(٣) الصحاح (حبن).
(٤) السَّبَل: الإزار. تفسير الطبري ١٤/ ١٤٧ .
(٥) الشِّبْرق: نبت حجازي يؤكل وله شوك. النهاية في غريب الحديث (شبرق).
(٦) في (ظ): فامتخض.
(٧) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ١٤٧ - ١٥٢، والمحرر الوجيز ٣٧٥/٣ - ٣٧٦، وزاد المسير ٤٢٢/٤-٤٢٣،
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٤٧، ونسبه للطبراني في الأوسط وقال: فيه محمد بن عبد الحكيم
النيسابوري، ولم أعرفه.

٢٦٣
سورة الحجر: الآيات ٩٤ - ٩٨
وقيل: إنَّهم المراد بقوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦].
شبَّه ما أصابَهم في موتِهم بالسقفِ الواقع عليهم؛ على ما يأتي(١).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٩٦
هذه صفةُ المستهزئين. وقيل: هو ابتداءٌ، وخبرُه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾(٢).
٩٧
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَهُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ أي: قلبُك؛ لأنَّ الصدرَ محلٌّ
القلب(٣). ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بما تسمعه مِن تكذيبِك وردٌّ قولِك، وتنالُه وينالُه
أصحابُك مِن أعدائك.
قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
(٩٨)
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ﴾ أي: فافزع إلى الصلاةِ، فهي غايةُ التسبيح،
ونهايةُ التقديسِ(٤)؛ وذلك تفسيرٌ لقوله: ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ﴾، ولا خفاءَ أنَّ غايةَ
القُرب في الصلاة حالُ السجود، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَقربُ ما يكون
العبدُ مِن ربِّه وهو ساجدٌ، فَأَخلِصوا الدعاءَ))(٥). ولذلك خصَّ السجود بالذِّكْر.
الثانية: قال ابنُ العربي(٦): ظنَّ بعضُ الناسِ أنَّ المرادَ بالأَمْرِ هنا السجودُ نفسُه،
فرأى هذا الموضعَ محلَّ سجودٍ في القرآن، وقد شاهدتُ الإمامَ بمحرابٍ زكريا مِن
(١) في سورة النحل، عند الآية ٢٦ .
(٢) الإملاء (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣/ ٤٣٧، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٩٠/٢.
(٣) النكت والعيون ١٧٥/٣ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٦/٣ .
(٥) أخرجه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة ، وفيه: فأكثروا الدعاء، بدل: فأخلصوا الدعاء.
(٦) أحكام القرآن ١١٢٦/٣ .

٢٦٤
سورة الحجر: الآيتان ٩٨ - ٩٩
البيتِ المقدسِ طهَّره اللهُ، يسجد في هذا الموضع وسجدتُ معه فيها، ولم يَرَهُ
جماهيرُ العلماء.
قلت: قد ذكر أبو بكرِ النّقَّاشِ أنَّ هاهنا سجدةٌ عند أبي حذيفةَ ويَمان بنِ رِئاب،
ورأى أنَّها واجبةٌ.
قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ
٩٩
فيه مسألةٌ واحدةٌ، وهو أنَّ اليقينَ الموتُ. أَمرَه بعبادتِه إذ قصَّر عبادُه في خدمتِه،
وأنَّ ذلكَ يجبُ عليه(١).
فإن قيل: فما فائدةُ قولِه: ﴿حَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وكان قوله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ﴾ كافياً
في الأَمْرِ بالعبادة؟ قيل له: الفائدةُ في هذا أنَّه لو قال: ((واعبد ربك)) مطلقاً، ثم عبده
مرَّةً واحدةً، كان مطيعاً؛ وإذا قال: ((حتى يأتيك اليقين)) كان معناه: لا تُفارِق هذا
حتی تموت.
فإن قيل: كيف قال سبحانه: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ﴾ ولم يقل: أبداً؟
فالجوابُ أنَّ ((اليقينَ)) أبلغُ مِن قولِه: أبداً؛ لاحتمالِ لفظِ الأَبدِ للحظةِ الواحدة،
ولجميعِ الأبد. وقد تقدَّم هذا المعنى(٢).
والمراد: استمرارُ العبادةِ مدَّة حياتِه، كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَأَوَصَنِى بِالصَّلَوةَ
وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ [مريم: ٣١]. ويترَّب على هذا أنَّ الرجلَ إذا قال لا مرأته: أنتِ
طالقٌ أبداً، وقال: نويتُ يوماً أو شهراً، كانت عليه الرجعةُ. ولو قال: طلَّقتُها حياتَها،
لم يُرَاجِعْها(٣).
والدليل على أنَّ اليقينَ الموتُّ حديثُ أمِّ العلاءِ الأنصارية، وكانت مِن
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٧/٣ .
(٢) ٢٥٨/٢ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٧/٣ .

٢٦٥
سورة الحجر: الآية ٩٩
المبايعات، وفيه: فقال رسولُ اللـه ﴾: ((أما عثمانُ - أعني عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ - فقد
جاءه اليقينُ، وإني لأرجو له الخيرَ، واللهِ ما أَدري وأنا رسولُ اللهِ ما يُفعَل به)) وذكّر
الحديثَ. انفرد بإخراجِه البخاريُ(١) رحمه الله !.
وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيز يقول: ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشَّكِّ مِن يقينِ الناسِ
بالموت، ثم لا يَسْتَعِدُّونَ له؛ يعني كأنَّھم فیه شاُون(٢).
وقد قيل: إنَّ الیقینَ هنا الحقُّ الذي لا ريب فيه مِن نصرك على أعدائِك؛ قاله ابن
شجرة؛ والأوَّلُ أصحُ، وهو قول مجاهدٍ وقتادةً والحسنِ(٣). والله أعلم.
وقد روى جُبير بنُ نُفير، عن أبي مسلم الخَوْلانيّ أنَّه سمعَه يقولُ: إنَّ النبيَّ ﴾
قال: ((ما أوحيّ إليَّ أن أَجمع المالَ وأكونَ من التاجرين، ولكن أُوحِيَّ إليَّ أن سبِّح
بحمدِ ربِّك وكُنْ من الساجدينَ، واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقينُ))(٤).
تمَّ تفسير سورة الحجر، والحمد لله.
(١) في (صحيحه)) (٢٦٨٧)، وهو عند أحمد (٢٧٤٥٧).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((اليقين)) (٤٣) بنحوه.
(٣) النكت والعيون ١٧٦/٣، وأخرجه عنهم الطبري في تفسيره ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦ .
(٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٣١/٢، وهو ضعيف لإرساله، وأخرجه الواحدي في الوسيط ٥٤/٣
عن جبير بن نفير مرسلاً أيضاً، وينظر الكامل لابن عدي ٩٣٩/٣.

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى
تفسير سورة النحل
وهي مكِّيَّة كلُّها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر(١).
وتسمَّى: سورة النِّعم؛ بسبب ما عدَّد اللهُ فيها من نِعَمه على عباده. وقيل: هي
مكية غيرَ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ الآية [١٢٦]؛ نزلت
بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أُحُد، وغيرَ قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ
إِلَّا بِاللهِ﴾ [الآية: ١٢٧]، وغيرَ قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية
[١١٠]. وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ [٤١] فمكِّيٍّ، في شأن
هجرة الحبشة (٢).
وقال ابن عباس: هي مكِّيَّة إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة،
وهي قوله: ﴿وَلَا تَشْتَّرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[٩٥-٩٧](٣) .
قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوُ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ الَّهِ فَلَ تَسْتَعْنِلُونُ﴾ قيل: ((أَتَى)) بمعنى يأتي، فهو كقولك: إنْ
أكرمتني أكرمتك. وقد تقدَّم أنَّ أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء؛ لأنه
آتٍ لا محالة، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤](٤).
(١) النكت والعيون ١٧٧/٣ .
(٢) المحرر الوجيز ٣٧٧/٣ .
(٣) النكت والعيون ١٧٧/٣ .
(٤) ينظر معاني القرآن للنحاس ٥٠/٤، وزاد المسير ٤٢٧/٤ .

٢٦٧
سورة النحل: الآية ١
و((أمرُ اللهِ)): عقابُه لمن أقام على الشركِ وتكذيبٍ رسولهِ؛ قاله الحسنُ وابنُ
◌ُریچ(١).
الضحَّاك: إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه (٢). وفيه بعد؛ لأنه لم يُنقل
أنَّ أحداً من الصحابة استعجلَ فرائضَ الله من قبلٍ أن تُفرض عليهم، وأما مستعجلو
العذابِ والعقابِ فذلك منقول عن كثير من الكفارِ؛ قريشٍ وغيرِهم(٣)، حتى قال
النَّضر بن الحارث: ((اللَّهُمّ إِن كان هذا هو الحقَّ مِن عِندِك)) الآية [الأنفال: ٣٢]
فاستعجلَ العذاب(٤).
قلت: قد يستدلُّ الضحاك بقول عمر﴾: وافقتُ ربي في ثلاث: في مقام
إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارَى بدر؛ خرَّجه مسلمٌ والبخاريّ(٥). وقد تقدَّم في
سورة البقرة(٦). وقال الزجاج(٧): هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو
كقوله: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُورُ﴾ [هود: ٤٠].
وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدلُّ على قربها من أشراطها.
قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قال الكفّار:
إنَّ هذا يزعم أنَّ القيامةَ قد قَرُبت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا
وانتظروا فلم يَرَوا شيئاً، فقالوا: ما نرى شيئاً! فنزلت: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾
الآية [الأنبياء: ١]. فأشفَقوا وانتظروا قرب الساعة، فامتدَّتِ الأيامُ فقالوا: ما نرى
(١) مجمع البيان ١٤/ ٥٠ . وأخرجه الطبري ١٥٨/١٣ - ١٥٩ عن ابن جريح.
(٢) أخرجه الطبري ١٥٨/١٣، وابن أبي حاتم ٢٢٧٦/٧ .
(٣) ينظر تفسير الطبري ١٦٠/٣ .
(٤) تفسير البغوي ٣/ ٦١ .
(٥) صحيح مسلم (٢٣٩٩) واللفظ له، وصحيح البخاري (٤٠٢) من حديث أنس﴾. وهو في مسند أحمد
(١٥٧).
(٦) ٢ / ٣٧٤.
(٧) في معاني القرآن ١٨٩/٣.

٢٦٨
سورة النحل: الآيتان ١ - ٢
شيئاً! فنزلت: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ فوثبَ رسولُ الله ◌ِ﴾ والمسلمون وخافوا؛ فنزلت: ﴿فَلَاَ
تَسْتَعِْلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فقال النبيُّ ﴾: ((بُعثت أنا والساعةُ كهاتَين)) وأشار بأصبعيه؛
السبابة والتي تليها. يقول: إنْ كادت لتسبقني، فسبقتُها(١).
وقال ابن عباس: كان بَعْثُ النبيِّ ﴿ مِنْ أشراط الساعة، وإنَّ جبريلَ لَمَّا مَرَّ بأهل
السماوات مبعوثاً إلى محمد ﴿ قالوا: الله أكبر، قد قامتِ الساعةُ(٢).
قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِگُون﴾ أي: تنزيهاً له عمّا يصفونه به من
أنه لا يقدر على قيام الساعة، وذلك أنهم يقولون: لا يقدر أحدٌ على بَعْثِ الأموات.
فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوقُ، وذلك شرٌ. وقيل: ((عَمَّا يُشْرِكُونَ))
أي: عن إشراكهم. وقيل: ((ما)) بمعنى الذي، أي: ارتفع عن الذين أشركوا به.
قوله تعالى: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّجِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُوّا
أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَا فَأَتَّقُونِ
قرأ المفضَّل عن عاصم: ((تَنَزَّل الملائكةُ(٣))، والأصل تتنزَّل، فالفعل مسند إلى
الملائكة. وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش: (تُنَزَّلُ
الملائكةُ)) غير مسمَّى الفاعل (٤). وقرأ الجُعْفيُّ عن أبي بكر عن عاصم: ((نُنَزِّلُ
الملائكةَ)) بالنون مسمَّى الفاعل(٥)، الباقون: ((يُنَزِّل)) بالياء مسمى الفاعل(٦)،
(١) تفسير البغوي ٦١/٣، وأسباب النزول للواحدي ص ٢٨٣، وزاد المسير ٤٢٦/٤. وأخرج نحوه
الطبري ١٥٩/١٤ عن ابن جريج. وقوله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) أخرجه أحمد (١٢٢٤٥)،
والبخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) من حديث أنس . وأخرجه أيضاً البخاري (٦٥٠٥) من حديث
أبي هريرة ﴾.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٦١ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٨/٣، وقراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وقرأ بها من العشرة يعقوب
في رواية روح. النشر ٣٠٢/٢.
(٤) هذه الرواية عن عاصم ذكرها ابن مجاهد في السبعة ص ٣٧٠ ، والفارسي في الحجة ٥٣/٥ . وهي غير
المشهورة عنه. وقراءة الأعمش في المحرر الوجيز ٣٧٨/٣ .
(٥) نسبها في المحرر الوجيز ٣٧٨/٣ لابن أبي عبلة.
(٦) لكن قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((يُنْزِل)) بسكون النون وتخفيف الزاي. السبعة ص ٣٧٠، والتيسير ص٧٥ .

٢٦٩
سورة النحل: الآية ٢
والضمير فيه لاسم الله عزَّ وجلَّ. ورُوي عن قتادة: ((نُنْزِل الملائكةَ)) بالنون
والتخفيف(١). وقرأ الأعمش: ((تَنْزِل)) بفتح التاء وكسر الزاي(٢)، من النزول،
((الملائكةُ)) رفعاً مثل: ﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [القدر: ٤].
﴿ يَالرُّوح﴾ أي: بالوحي، وهو النبوَّة؛ قاله ابنُ عباس؛ نظيره: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ
أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [غافر: ١٥]. الربيع بن أنس: بكلام الله، وهو القرآن.
وقيل: هو بيانُ الحقِّ الذي يجب اتباعه. وقيل: أرواح الخلق؛ قاله مجاهد، لا ينزل
ملكٌ إلا ومعه روح(٣). وكذا رُوي عن ابن عباس أن الروح خلقٌ من خلقِ اللهِ عزَّ
وجلَّ كصُوَرِ ابنِ آدم، لا ينزل من السماء مَلَكٌ إلا ومعه واحدٌ منهم (٤). وقيل:
بالرحمة؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: بالهداية؛ لأنها تحيا بها القلوبُ كما تحيا
بالروح(6) الأبدان، وهو معنى قول الزجاج؛ قال الزجاج(٦): الروح ما كان فيه من
أمر الله حياةٌ بالإرشاد إلى أمره. وقال أبو عبيدة(٧): الروح هنا جبريل. والباء في
قوله: ((بالروح)) بمعنی مع، کقولك: خرج بثيابه، أي: مع ثيابه.
﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: بأمره. ﴿عَلَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيّةٍ﴾ أي: على الذين اختارهم الله
للنبوَّة. وهذا ردُّ لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرِيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
﴿أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ﴾ تحذيرٌ من عبادة الأوثان، ولذلك جاء
(١) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٨/٣، وهي من القراءات السبعة، كما سلف في
التعليق قبله .
(٢) لم تقف عليها.
(٣) النكت والعيون ١٧٨/٣. وأخرج الطبري ١٦٢/١٤ و١٦٣ هذه الأقوال.
(٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٥٣/٤ .
(٥) في (م): بالأرواح. والمثبت من النسخ موافق للنكت والعيون ١٧٨/٣، وعنه نقل المصنف.
(٦) في معاني القرآن ٣/ ١٩٠ .
(٧) في (ز) و(ظ): أبو عبيد.

٢٧٠
سورة النحل: الآيات ٢ - ٤
الإنذار؛ لأنَّ أصله التحذير مما يخاف منه. ودلَّ على ذلك قوله: ((فاتقون)). و((أنْ)) في
موضع نصب بنزع الخافض؛ أي: بأن أنذِروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله، فـ((أن))
في محل نصب بسقوط الخافض، أو بوقوع الإنذار عليه(١).
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
قوله تعالى: ﴿فَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ﴾ أي: للزوال والفناء. وقيل:
((بالحق)) أي: للدلالة على قدرته، وأنَّ له أنْ يتعبَّد العبادَ بالطاعة، وأن يحييَ الخلقَ
بعد الموت . ﴿تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: من هذه الأصنام التي لا تقدر على خلق
شيء.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿فَلَقَ الْإِسَنَ مِن نُطْفَةٍ﴾ لَمَّا ذكر الدليل على توحيده؛ ذَكَر بعده
الإنسانَ ومناکدته وتعدِّي طوره. ((والإنسان)) اسم للجنس.
ورُويَ أنَّ المراد به أُبَيُّ بنُ خَلَف الجُمَحِيّ؛ جاء إلى النبيِّ # بعظم رَميم فقال:
أترى يحيي اللهُ هذا بعد ما قد رَمَّ(٢). وفي هذا أيضاً نزل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَئِنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ
مِن تُعْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] أي: خلق الإنسان من ماءٍ يَخرج من بين
الصُّلب والترائب، فنقَلَه أطواراً إلى أنْ وُلِدَ ونَشَأَ بحيث يخاصِم في الأمور. فمعنى
الكلام: التعجيب(٣) من الإنسان: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ﴾ [يس: ٧٨].
وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيرٌ﴾ أي: مخاصِم، كالنسيب بمعنى المناسب، أي:
يخاصم اللهَ عزَّ وجلَّ في قدرته. و﴿قُبِينٌ﴾ أي: ظاهر الخصومة. وقيل: يُبين عن نفسه
الخصومةً بالباطل. والمبين: هو المفصح عما في ضميره بمنطقه.
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٩٠/٣، والمحرر الوجيز ٣٧٨/٣ - ٣٧٩.
(٢) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٢٨٤ .
(٣) في النسخ الخطية: التعجب، والمثبت من (م).

٢٧١
سورة النحل: الآية ٥
قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا رِفْهٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ﴾ لَمَّا ذَكَر الإنسانَ؛ ذَكَر ما مَنَّ به
عليه. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. وأكثر ما يقال: نَعَم وأنعام؛ للإبل، ويقال
للمجموع، ولا يقال للغنم مفردة(١).
قال حسان :
إلى عَذْراءَ مَنْزِلُها خَلاءُ
عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فالجِوَاءُ
تُعَفِّيها الرَّوامِسُ والسماءُ
دِيارٌ من بَنِي الحَسْحَاسِ قَفْرٌ
خلال مُرُوجها نَعَمٌ وشَاءٌ(٢)
وكانت لا يزالُ بها أنيسٌ
فالنَّعَم هنا الإبل خاصّةً.
وقال الجوهري(٣): والنَّعَمُ واحدُ الأنعام، وهي المالُ الراعيةُ، وأكثر ما يقع هذا
الاسم على الإبل. قال الفَرَّاء: هو ذكَرٌ لا يؤنَّث، يقولون: هذا نَعَم وارد، ويجمع
على نُعْمان، مثل: حَمَل وحُمْلان. والأنعام تذكَّر وتؤنَّث؛ قال الله تعالى: ﴿مِمَا فِی
بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، وفي موضع: ﴿مَِّا فِ بُعُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١].
وانتصب ((الأنعامَ)) (٤) عطفاً على الإنسان، أو بفعل مقدَّر، وهو أوجه(٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿رِفْءٌ﴾ الدِّفءُ: السّخانة، وهو ما اسْتُذْفِئ به من أصوافها
(١) المحرر الوجيز ٣٧٩/٣.
(٢) ديوان حسان ص٧. وتقدم البيت الأخير ٥٤/٥ . عَفَت: دَرَسَت. وذات الأصابع والجواء: موضعان في
الشام. وعذراء: موضع على بريد من دمشق. وينو الحسحاس: أولاد الحسحاس بن مالك من بني
النجار. والروامس: الرياح التي تثير التراب فترمس به الآثار، أي: تدفنها. والسماء: المطر.
(٣) في الصحاح (نعم). وينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٩٥ .
(٤) في (د) و(ز) و(ظ): والنصب والأنعام. والمثبت من (ف) و(م).
(٥) المحرر الوجيز ٣٧٩/٣ .

٢٧٢
سورة النحل: الآية ٥
وأوبارها وأشعارها، ملابسَ ولُحُفٍ وقُطُف. ورُويَ عن ابن عباس: دفؤها:
نسلُها (١)؛ والله أعلم.
قال الجوهري في الصحاح(٢): الدِّفُ: نِتاجُ الإبل وألبانُها وما ينتفع به منها؛
قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِهَا رِفْهٌ﴾. وفي الحديث: ((لنا مِنْ دِفِئِهم ما سَلَّمُوا
بالميثاق))(٣). والدِّفْءُ أيضاً: السُّخونة، تقول منه: دَفِئ الرجلُ دَفَاءَةً؛ مثلُ: كَرِهَ
كراهة. وكذلك: دَفِئَ دَفَأَ؛ مثلُ: ظَمِئَ ظَمَاً. والاسم: الدِّفْءُ - بالكسر - وهو الشيءُ
الذي يُدفئُكَ، والجمع: الأدفاء. تقول: ما عليه دِفْءٌ؛ لأنه اسم. ولا تقول: ما عليك
دَفاءة؛ لأنه مصدر. وتقول: اقْعُدْ في دِفْءِ هذا الحائط؛ أي: كِنِّهِ. ورَجُلٌ دَفِئٌّ على
فَعِلٍ : إِذا لبس ما يُدِفِئه. وكذلك: رَجلٌ دَفْآنُ، وامرأةٌ دَفْأى. وقد أدفاه الثوبُ، وتدفَّأَ
هو بالثوب واسْتَدْفَأَ به، واذَّفَأً به، وهو افتعل، أي: لَبِسَ ما يُدفئه. ودَفُؤَتْ ليلتُنا،
ويومٌ دَفِيءٌ على فَعِيل، وليلةٌ دفيئةٌ، وكذلك الثوبُ والبيتُ. والمُدْفِئة: الإبلُ الكثيرة؛
لأنَّ بعضها يدفِئُ بعضاً بأنفاسها، وقد يُشَدَّد. والمُدْفَأَة: الإبلُ الكثيرةُ الأوبارِ
والشحوم؛ عن الأصمعي، وأنشد للشمَّاخ:
وكيف يَضِيعُ صاحبُ مُدْفَآتٍ على أَتْباجِهِنَّ من الصَّقِيعِ(٤)
قوله تعالى: ﴿وَمَنَفِعُ﴾ قال ابن عباس: المنافع: نسل كل دابة(٥). مجاهد:
(١) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١١٢٨/٣. وأخرج عبد الرزاق في تفسيره ٣٥٣/٢، والطبري
١٦٧/١٤ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْهٌ وَمَنَفِعُ﴾ قال: نسل كل دابة. وسيرد قريباً.
قال النحاس في معاني القرآن ٥٤/٤: وأحسب مذهب ابن عباس أن المنافع النسل؛ لا الدفء، على أن
الأموي قد رَوى أن الدفء عند العرب نتاج الإبل والانتفاع بها، فيكون هذا فيه.
(٢) مادة (دفأ).
(٣) لم نقف عليه. وأورده ابن الأثير في النهاية (دفأ) بلفظ: ((لنا من دفئهم وصرامهم ... ).
(٤) ديوان الشماخ ص ٢٢٠ . والأثباج؛ جمع ثَبَج: ما بين الكاهل إلى الظهر، وقيل، ثبج كل شيء وَسّطه.
مختار الصحاح (ثبج).
(٥) سلف ذكره في الحاشية.

٢٧٣
سورة النحل: الآيتان ٥ - ٦
الرُّكوب والحَمل والألبان واللحوم والسَّمْن(١).
﴿وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ أفرد منفعة الأكل بالذِّكر؛ لأنها معظم المنافع. وقيل: المعنى
ومن لحومها تأكلون عند الذبح.
الثالثة: دلَّت هذه الآية على لباس الصُّوف، وقد لبسه رسولُ الله ﴾ والأنبياءُ قبله
كموسى وغيره. وفي حديث المغيرة: فغَسَلَ وجهَه وعليه جُبَّةٌ من صوف شاميَّة ضيّقة
الكُمَّين ... الحديث، خرَّجه مسلم وغيره(٢). قال ابنُ العربيّ(٣): وهو شِعارُ المتقين،
ولباسُ الصالحين، وشارةُ الصحابة والتابعين، واختيارُ الزمَّاد والعارفين، وهو يُلبس
ليِّناً وخشناً، وجيداً ومُقارِباً ورديئاً، وإليه نُسب (٤) جماعةٌ من الناس الصوفية؛ لأنه
لباسُهم في الغالب، فالياء للنَّسَب(٥) والهاء للتأنيث(٦). وقد أنشدني بعضُ أشياخهم
بالبيت المقدس طهَّره الله :
تشاجرَ الناسُ في الصوفيِّ واختلفوا
فيه وظنُّوه مشتقًّا من الصُوفِ
صافَى فصُوفِيَ حتى سُمِّيَ الصُّوفي(٧)
ولستُ أَنْحَلُ هذا الاسمَ غيرَ فتّى
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيْهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ
الجَمالُ: ما يُتجعَّل به ويُتزيَّن. والجَمال: الحُسْنُ. وقد جَمُل الرجلُ - بالضم -
جمالاً فهو جَمِيل، والمرأة جميلة، وجَمْلاءُ أيضاً؛ عن الكسائي؛ وأنشد:
بَذَّتِ الخَلْقَ جميعاً بالجَمالْ(٨)
فهْي جَمْلَاءُ كبدرٍ طالعٍ
(١) أخرج نحوه الطبري في تفسيره ١٤/ ١٦٧ - ١٦٨ .
(٢) صحيح مسلم (٢٧٤) (٧٩)، وهو عند أحمد (١٨١٩٣)، والبخاري (٣٦٣).
(٣) في أحكام القرآن ١١٢٨/٣ .
(٤) في النسخ الخطية: ينسب. والمثبت من (م) وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٥) قوله: (فالياء للنسب)؛ من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٦) في النسخ الخطية: للمبالغة. والمثبت من (م) وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٧) نسبها القيرواني في زهر الآداب ٨١٣/٢ لأبي الفتح البستي.
(٨) ذكره في الصحاح (جمل)، والكلام منه. وقوله: بذَّت: سبقت وغلبت. اللسان (بذذ).

٢٧٤
سورة النحل: الآية ٦
وقول أبي ذؤيب:
جَمالَكَ أيُّها القلبُ القَريحُ(١)
يريد: اِلْزَمْ تجمُّلَكَ وحياءِكَ، ولا تجزع جَزَّعاً قبيحاً.
قال علماؤنا: فالجمال يكون في الصورة وتركيب الخِلقة، ويكون في الأخلاق
الباطنة، ويكون في الأفعال.
فأما جَمال الخِلقة؛ فهو أمرٌ يدركه البصرُ، ويلقيه إلى القلب متلائماً، فتتعلق به
النفسُ من غير معرفةٍ بوجهٍ ذلك، ولا نسبته لأحد من البشر.
وأما جَمال الأخلاق؛ فكونُها على الصفات المحمودة من العِلم والحكمة،
والعدلِ والعِقَّةِ، وكظم الغيظ، وإرادةِ الخير لكلِّ أحد.
وأما جَمال الأفعال؛ فهو وجودها ملائمةً لمصالح الخلق، وقاضيةً لجلبٍ
المنافع فیه، وصَرْفِ الشرِّ عنهم.
وجَمال الأنعام والدوابٍّ من جَمال الخِلقة، وهو مرئيٍّ بالأبصار، موافق
للبصائر. ومن جَمالها كثرتُها(٢)، وقولُ الناس إذا رأوها: هذه نَعَم فلان؛ قاله
السُّدِّيّ(٣). ولأنها إذا راحت توقَّر حُسْنُها، وعَظُم شأنُها، وتعلَّقت القلوبُ بها(٤)؛
لأنها إذْ ذاك أعظمُ ما تكون أسنمةً وضروعاً؛ قاله قتادة(٥). ولهذا المعنى قدَّم الرّواح
على السراح؛ لتكامل دَرِّها وسرور النفس بها إذ ذاك(٦). والله أعلم.
ورَوَى أشهب عن مالك قال: يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ
(١) ديوان الهذليين ص٦٨، وعجزه: ستلقى مّن تحبُّ فتستريح.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٩/٣.
(٣) النكت والعيون ٣/ ١٨٠ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٢٩/٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٣٥٣، والطبري ١٦٩/١٤.
(٦) النكت والعيون ١٨٠/٣ .

٢٧٥
سورة النحل: الآيتان ٦ - ٧
وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ وذلك في المواشي حين تروحُ إلى المرعى وتسرحُ عليه(١).
والرَّوَاحِ: رجوعها بالعَشِيِّ من المَرْعَى، والسَّراح بالغداة؛ تقول: سَرَحْتُ الإبلَ
أَسْرَحُها سَرْحاً وسُروحاً؛ إذا غدوتَ بها إلى المَرْعَى فخلَّيتَها، وسَرَحَتْ هي،
المتعدّي واللازم واحد(٢).
قوله تعالى: ﴿وَتَّحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ إِنَّ
رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ﴾ الأثقالُ أثقالُ الناسِ من متاعٍ وطعامٍ
وغيرِهِ، وهو ما يُثقل الإنسانَ حَمْلُه. وقيل: المراد أبدانهم؛ يدلُّ على ذلك قوله
تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ آلْأَرْضُ أَنْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢].
والبلد: مكة؛ في قول عكرمة. وقيل: هو محمول على العموم في كل بلد مسلكه
على الظهر(٣).
وشِقُّ الأنفس: مشقَّتُها وغايةُ جهدها. وقراءة العامة بكسر الشين. قال
الجوهري(٤): والشِّقُّ: المَشقة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَّ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ﴾
وهذا قد يفتح، حكاه أبو عبيدة(٥).
قال المهدوِيُّ: وكسرُ الشينِ وفتحُها في ((شِقّ)) متقاربان، وهما بمعنى المشقة،
وهو من الشّقّ في العصا ونحوها؛ لأنه ينال منها؛ كالمشقة من الإنسان.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣٠/٣.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤/ ٥٥ .
(٣) النكت والعيون ١٨٠/٣. وقول عكرمة أخرجه الطبري ١٤/ ١٧٠.
(٤) في الصحاح (شقق).
(٥) في الصحاح: أبو عبيد. وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ٣٥٦/١.

٢٧٦
سورة النحل: الآية ٧
وقال الثعلبي: وقرا أبو جعفر: ﴿إِلَّا بِشَقِّ الأَنْفُسِ﴾(١) وهما لغتان، مثل: رِقّ
ورَقٌّ، وجِصّ وجَصّ، ورِظْل ورَظْل. وينشد قولَ الشاعر(٢) بكسر الشين وفتحها :
وذي إبلٍ يَسْعَى ويحسِبُها له أخِي نَصَبٍ من شقِّها ودُؤوبٍ
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر، من: شَقَقت عليه أشُقُّ شَقًّا.
والشِّقُّ أيضاً بالكسر: النِّصْفُ، يقال: أخذت شِقَّ الشاة وشِقَّةَ الشّاةَ(٣). وقد
يكون المراد من الآية هذا المعنى، أي: لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوَّة،
وذهاب شِقِّ منها، أي: لم تكونوا تبلغوه إلا بنصف قوى أنفسكم، وذهاب النصفِ
الآخر.
والشِّقُّ أيضاً: الناحية من الجبل. وفي حديث أمِّ زَرْعٍ: وجدني في أهل غُنيمة
بِشَقِّ (٤). قال أبو عبيد(٥): هو اسم موضع.
والشّقُّ أيضاً: الشقيق، يقال: هو أخي وشِقُّ نفسي. وشِقُّ: اسم كاهن من كهّان
العرب(٦).
والشّقُّ أيضاً: الجانب؛ ومنه قول امرئ القيس :
إذا ما بكَى مِنْ خَلْفِها انصرفَتْ له بِشِقٌّ وتحتِي شِقُّها لم يُحوَّلِ (٧)
فهو مشترك.
(١) النشر ٣٠٢/٢.
(٢) هو النمر بن تولب، كما في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٥٦/١، والمحرر الوجيز ٣٨٠/٣، واللسان
(شقق).
(٣) الصحاح (شقق).
(٤) أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨).
(٥) في غريب الحديث ٣٠١/٢ . ونقله المصنف عنه بواسطة الصحاح (شقق) وما قبله منه.
(٦) الصحاح (شقق).
(٧) ديوان امرئ القيس ص١٢، وفيه: (انحرفت) بدل: (انصرفت). و(وشق عندنا) بدل: (وتحتي
شقها).

٢٧٧
سورة النحل: الآية ٧
الثانية: مَنَّ اللهُ سبحانه بالأنعام عموماً، وخَصَّ الإبلَ هنا بالذِكر في حملٍ
الأثقال على سائر الأنعام؛ فإنَّ الغنمَ للسَّرْحِ والذبح، والبقرَ للحرث، والإبلَ
للحمل(١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((بينما رجلٌ يسوقُ بقرةً
له، قد حَمَلَ عليها، التفتتْ إليه البقرةُ فقالت: إني لم أُخلقْ لهذا، ولكنِّي إنما خُلقتُ
للحَرْثِ)). فقال الناس: سبحان الله، تعجّباً وفَزَعاً، أبقرةٌ تَكَلّم؟ فقال رسول الله ﴾:
(وإني أُومِن به وأبو بكرٍ وعمر))(٢). فدلَّ هذا الحديث على أنَّ البقرَ لا يُحمل عليها ولا
تُركب، وإنما هي للحرث وللأكل والنسل والرُّسْل(٣).
الثالثة: في هذه الآية دليلٌ على جوازِ السفر بالدوابٌ، وحملِ الأثقال عليها،
ولكن على قَدْر ما تحتمله، من غير إسراف في الحمل، مع الرفق في السير. وقد أمر
النبيُّ بالرِّفق بها، والإراحةِ لها، ومراعاةِ التفقد لعلفها وسقيها (٤).
ورَوَى مسلمٌ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((إذا سَافَرْتُم في
الخِضْبِ؛ فأَعِطُوا الإبلَ حّها منَ الأرض، وإذا سافرتم في السَّنَةِ؛ فبادروا بها
◌ِقْيَها))(٥). رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد بن مَعْدان(٦).
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣١/٣ .
(٢) صحيح مسلم (٢٣٨٨). وأخرجه أيضاً أحمد (٨٩٦٣)، والبخاري (٣٤٧١).
(٣) الرَّسْل: اللَّبْن.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٣١/٣ .
(٥) صحيح مسلم (١٩٢٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٩١٨).
والسَّنة: القحط. والنِّقْي؛ بكسر النون وإسكان القاف: المخّ. أي: إن سافروا في القحط عجلوا السير
ليصلوا المقصد وفيها بقية من قوّتها، ولا يقللوا السير فيلحقها الضرر؛ لأنها لا تجد ما ترعى فتضعف
ويذهب نقيها. شرح النووي ١٣/ ٦٩ .
(٦) الموطأ ٩٧٩/٢ بنحوه، وأوله: ((إن الله رفيق يحب الرفق ... ))، ونقله المصنف عن أحكام القرآن لابن
العربي ٣/ ١١٣١.

٢٧٨
سورة النحل: الآيتان ٧ - ٨
ورَوَى معاوية بن قُرَّة قال: كان لأبي الدَّرداء جَمَلٌ يقال له: دمون، فكان يقول:
يا دمون، لا تخاصمني عند ربك(١). فالدوابُ عُجْمٌ لا تقدر أن تحتالَ لنفسها ما
تحتاج إليه، ولا تقدر أن تُفصح بحوائجها، فمن ارتفق بمرافقها، ثم ضيَّعها من
حوائجها؛ فقد ضيَّع الشكرَ، وتعرَّض للخصومة بين يدي الله تعالى.
ورَوَى مطر بن محمد قال: حدَّثنا أبو داود قال: حدَّثنا أبو خلدة(٢) قال: حدَّثنا
المسيَّب بن دارم(٣) قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب ﴾ ضَرَبَ جمَّالاً وقال: تحمل على
بعيرك ما لا يطيق (٤)؟
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ﴾ بالنصب معطوف، أي: وخلق الخيل. وقرأ ابنُ
أبي عَبْلة: ((والخيلُ والبِغَالُ والحمِيرُ)) بالرفع فيها كلِّها. وسُمِّيت الخيلُ خيلاً لاختيالها
في المِشْية(٥). وواحد الخيل: خائل، كضائن واحد ضَيْن. وقيل: لا واحد له. وقد
تقدَّم هذا في ((آل عمران))(٦)، وذكرنا الأحاديث هناك.
ولمّا أفرد سبحانه الخيلَ والبغال والحميرَ بالذِّكْرٍ؛ دلَّ على أنها لم تدخل تحت
لفظ الأنعام. وقيل: دخلت؛ ولكن أفردها بالذِّكر لِما يتعلق بها من الركوب؛ فإنه يكثر
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٤١٤، وابن عساكر في تاريخه ٧٧٦/١٣ (مخطوط دار البشير).
(٢) في النسخ: ابن خالد. وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج والتهذيب. وأبو خلدة هو خالد بن
دینار.
(٣) في النسخ: المسيب بن آدم. وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج والتهذيب.
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ١٢٧/٧، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ٥١٦/١٦
(مخطوط). وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي.
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٠/٣.
(٦) ٥٠/٥ .

٢٧٩
سورة النحل: الآية ٨
في الخيل والبغال والحمير.
الثانية: قال العلماء: مَّكنا اللهُ تعالى الأنعامَ والدوابَّ، وذلَّلها لنا، وأباحَ لنا
تسخيرَها والانتفاعَ بها رحمةً منه تعالى لنا، وما مَلَکه الإنسانُ وجاز له تسخیرُه من
الحيوان؛ فكِراؤه له جائز بإجماع أهل العلم، لا اختلافَ بينهم في ذلك. وحُكم کِراء
الرواحلِ والدوابٌ مذكور في كتب الفقه.
الثالثة: لا خلاف بين العلماء في اكتراء الدوابِ والرواحل للحمل عليها والسفر
بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ الآية. وأجازوا أن يُكرِيَ الرجلُ الدابَّةَ
والراحلةَ إلى مدينة بعينها؛ وإن لم يُسَمِّ أين ينزل منها، وكم من مَنْهل(١) ينزل فيه،
وكيف صفة سيره، وكم ينزل في طريقه، واجتَزَوا بالمتعارف بين الناس في ذلك. قال
علماؤنا : والكِراء يجري مجرَى البيوع فيما يحلُّ منه ويحرم.
قال ابن القاسم فيمن اكترى دابةً إلى موضعٍ كذا بثوبٍ مَرَويٍّ ولم يصف رُقعته
وذرعه: لم يجز: لأن مالكاً لا يجيز هذا في البيع، ولا يجيز في ثمن الكِراء إلا ما
يجوز في ثمن البيع(٢).
قلت: ولا يُختلف في هذا إن شاء الله؛ لأن ذلك إجارة.
قال ابن المنذر(٣): وأجمع كلُّ مَن يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ مَنِ اكتَرى
دابَّةً ليحملَ عليها عشرةَ أقفزة قمح، فحمل عليها ما اشترط، فتلِفت؛ أنْ لا شيءَ
عليه. وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعير.
واختلفوا فيمن اكترَى دابةً ليحمل عليها عشرةَ أقفزةٍ، فحمل عليها أحدَ عشر
(١) المنهل: المورد، وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق
السُّفَّار: مناهل؛ لأن فيها ماءً. مختار الصحاح (نهل).
(٢) ينظر المدونة ٤/ ٤٧٠ .
(٣) في الإشراف ١/ ٢١١ .

٢٨٠
سورة النحل: الآية ٨
قفيزاً؛ فكان الشافعيُّ وأبو ثَوْر يقولان: هو ضامنٌ لقيمة الدابةِ، وعليه الكِراء. وقال
ابنُ أبي لَيْلَى: عليه قيمتها، ولا أجر عليه. وفيه قول ثالث وهو: أنَّ عليه الكِراءَ،
وعليه جزء من أجر وجزء(١) من قيمة الدابة؛ بقدر ما زاد من الحِمل؛ وهذا قول
النعمان ويعقوب ومحمد. وقال ابنُ القاسم صاحبُ مالك(٢): لا ضمانَ عليه في قول
مالك إذا كان القفيز الزائد لا يَفْدح (٣) الدابة، ويُعلم أن مثله لا تعطَب فيه الدابة،
ولِرَبِّ الدابةِ أجرُ القفيزِ الزائدِ مع الكِراء الأول؛ لأن عطبها ليس من أجل الزيادة.
وذلك بخلاف مجاوزة المسافة؛ لأنَّ مجاوزةَ المسافة تَعَدِّ كلُّه، فيضمن إذا هلكت في
قليله وكثيره. والزيادةُ على الحِمل المشترط اجتمع فيه إذنٌ وتعدٍّ، فإذا كانت الزيادةُ لا
تُعطِب في مثلها؛ عُلم أنَّ هلاكَها مما أُذن له فيه.
الرابعة: واختلف أهلُ العلم في الرجل يكتري الدابَّةَ بأجر معلوم إلى موضع
مسمَّى، فيتعدَّى فيتجاوز ذلك المكان، ثم يرجع إلى المكان المأذونِ له في المصير
إليه :
فقالت طائفة: إذا جاوز ذلك المكان ضَمِنَ، وليس عليه في التعدِّي كِراء؛ هكذا
قال الثوري.
وقال أبو حنيفة: الأجرُ له فيما سمَّى، ولا أجرَ له فيما لم يسمِّ؛ لأنه خالف فهو
ضامن، وبه قال يعقوب.
وقال الشافعيُّ: عليه الكِراءُ الذي سمَّى، وكِراءُ المثلِ فيما جاوزَ ذلك، ولو
عَطِبت؛ لزمه قيمتها (٤).
ونحوه قال الفقهاء السبعة، مشيخةُ أهل المدينة؛ قالوا: إذا بلغ المسافةَ، ثم
(١) في الإشراف: وعليه جزء من أحد عشر جزءاً.
(٢) في المدونة ٤٨١/٤ . ونقله المصنف عنه بواسطة الإشراف.
(٣) يفدح: يثقل. مختار الصحاح (فدح).
(٤) الإشراف ١/ ٢١٠ - ٢١١ . وما قبله منه.