النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة الحجر: الآية ٢٤ السادس: ((المستقدمين)): مَنْ قُتِل في الجهاد، و((المستأخرين)): مَن لم يُقتَّل؛ قاله القُرَظي. السابع: ((المستقدمين)): أَوَّلُ الخَلق، و((المستأخرين)): آخرُ الخلق؛ قاله الشَّعبي. الثامن: ((المستقدمين)): في صفوفِ الصَّلاة، و((المستأخرين)) فيها بسبب النساء(١). وكلُّ هذا معلومٌ لله تعالى، فإِنَّه عالمٌ بكلِّ موجودٍ ومعدوم، وعالمٌ بمَن خُلِقِ وما هو خَالِقُه إلى يوم القيامة. إلا أنَّ القولَ الثامن هو سببُ نزولِ الآية؛ لما رواه النَّسائيُّ والترمذيُّ(٢) عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ قال: كانتِ امرأةٌ تصلي خلفَ رسولِ الله # حسناءُ من أَحسنِ الناس، فكانَ بعضُ القومِ يَتقدَّمُ حتى يكونَ في الصفِّ الأوَّل؛ لئلا يراها، ويتأخّرُ بعضُهم حتى يكونَ في الصفِّ المؤخر، فإذا ركعَ، نظرَ من تحتِ إِبْطِهِ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا اٌلُْسْتَِّْينَ﴾. ورُوي عن أبي الجوزاءِ ولم يُذكر ابنُ عباس، وهو أَصُ. الثانية: هذا يدلُّ على فضل أوَّل الوقتِ في الصَّلاة، وعلى فضلِ الصفِّ الأوَّل؛ قال النبيُّ﴾: «لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأوَّل، ثم لم يجدوا إلا أن يَستَهِموا عليه؛ لاستَهمُوا))(٣). (١) تفسير الطبري ٤٨/١٤ - ٥٤، وتفسير مجاهد ٣٤١/١، وتفسير السمرقندي ٢١٧/٢ - ٢١٨، والنكت والعيون ١٥٦/٣ - ١٥٧، والوسيط ٤٣/٣، وزاد المسير ٣٩٦/٤ - ٣٩٧، وتفسير الرازي ١٩/ ١٧٧ - ١٧٨. ونسب ابن الجوزي والرازي القولَ الخامس إلى الضحاك بدلاً من ابن المسيب. وعدَّ ابن العربي في أحكام القرآن ١١١٥/٣ خمسة أقوال فقط. (٢) النسائي في المجتبى ١١٨/٢، وفي الكبرى (١١٢٧٣)، والترمذي (٣١٢٢)، وابن ماجه (١٠٤٦)، وأحمد (٢٧٨٣). وأبو الجوزاء: هو أوس بن عبد الله الرَّبَعي. وقال الترمذي: وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء نحوه، ولم يذكر فيه ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: حديث غريب جدًّا، وفيه نكارة شديدة. ثم رجح أن يكون من كلام أبي الجوزاء. (٣) سلف ١٣٣/٥. ٢٠٢ سورة الحجر: الآية ٢٤ فإذا جاءَ الرجلُ عند الزوال، فنزلَ في الصفِّ الأوَّل مجاورَ الإمام؛ حازَ ثلاثَ مراتبَ في الفضل: أَوَّلَ الوقت، والصفَّ الأوَّل، ومُجاورةَ الإمام. فإِن جاء عند الزوالِ، فنزلَ في الصف الآخِرِ، أو فيما نزلَ عن الصفِّ الأوَّل؛ فقد حازَ فضلَ أوَّلٍ الوقت، وَفاتَه فضلُ الصفِّ الأوَّلِ والمجاورةِ. فإن جاءَ وقتَ الزوال، ونزلَ في الصف الأوَّل دون ما يلي الإمام؛ فقد حازَ فضلَ أوَّلِ الوقت، وفضلَ الصفِّ الأوّل، وفاتَه مجاورة الإمام. فإن جاءَ بعد الزوال، ونزلَ في الصفِّ الأوّل؛ فقد فاتَه فضيلةُ أوَّلٍ الوقت، وحاز فضيلةَ الصفّ الأوّل، ومجاورةِ الإمام. وهكذا. ومجاورةُ الإمام لا تكونُ لكلّ أحد، وإنَّما هي كما قالَ :﴾: ((لِيَلِني منكم أُولو الأَحلام والنُّهَى)) (١) الحديث. فما يلي الإمامَ ينبغي أن يكونَ لمن كانت هذه صفته، فإن نَزلَها غيرُه أُخِّر، وتقدَّم هو إلى الموضع؛ لأنه حقُّه بأمرِ صاحبِ الشرع، كالمحرابِ هو موضعُ الإمامِ تقدَّم أو تأخر؛ قاله ابنُ العربي(٢). قلتُ: وعليه يُحملُ قولُ عمرَ ﴾: تَأخَّرْ يا فلان، تَقدَّم يا فلان. ثم يتقدَّمُ فيُكَبِّر(٣). وقد رُويَ عن كعب، أنَّ الرجلَ من هذه الأمةِ لَيَخِرُّ ساجداً، فيغفرُ لمَن خَلفه. وكان كعبٌ يتوخَّى الصفَّ المؤخَّرَ من المسجدِ رجاءَ ذلك، ويَذكُر أنَّه وَجَده كذلك في التوراة. ذكرهُ الترمذيُّ الحكيمُ في ((نوادر الأصول)) (٤). وسيأتي في سورةٍ الصَّافات زيادةُ بيانٍ لهذا البابِ إن شاءَ الله تعالى. الثالثة: وكما تدلُّ هذه الآيةُ على فضلِ الصف الأوّل في الصلاة، فكذلك تدلُّ على فضلِ الصفِّ الأوَّل في القتال؛ فإنَّ القيامَ في نحر العدوِّ، وبيعَ العبدِ نفسَه من اللهِ تعالى لا يُوازيه عملٌ، فالتقدُّمُ إليه أفضلُ، ولا خلاف فيه، ولا خفاءً به. ولم یکن (١) سلف ٢ / ٤٨ . (٢) في أحكام القرآن ١١١٥/٣ - ١١١٦ . (٣) أخرجه الطبري في التفسير ٦٥٣/١٩. (٤) نوادر الأصول ص٢٩ ، الأصل العشرون. ٢٠٣ سورة الحجر: الآيات ٢٤ - ٢٦ أحدٌ يتقدَّم في الحربِ بين يدي رسولِ اللهِ ﴾؛ لأنَّه كان أشجعَ الناس. قال البَرَاءُ: كنّا - واللهِ - إذا احمرَّ البأسُ نَتَّقي به، وإنَّ الشجاعَ منَّا لَلَّذِي يُحاذي به. يعني النبيَّ ﴾(١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْثُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمْ عَلِيمٌ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْثُرُهُمْ﴾ أي: للحسابِ والجزاء. ﴿إِنَّهُ حَكِيمُ عَلِيمٌ﴾ تقدم(٢). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاَ اَلْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَ آلْإِنسَانَ﴾ يعني: آدَمَ عليه السَّلام. ﴿مِن صَلْصَلٍ﴾ أي: من طينٍ يابسٍٍ؛ عن ابن عباس وغيرِه (٣). والصَّلْصَالُ: الطينُ الحرُّ خُلِط بالرمل، فصارَ يَتصلصَلُ إذا جَفَّ، فإذا طُبِخ بالنار، فهو الفَخَّار؛ عن أبي عبيدة (٤). وهو قولُ أكثرٍ المفسرين(٥). وأَنشد أهلُ اللغة: كعَذْوِ المُصَلْصِلِ الجَوَّالِ(٦) وقال مجاهد(٧): هو الطِّينُ المُنْتنِ. واختارُه الكِسائيُّ(٨). قال: وهو من قولٍ العرب(٩): صلَّ اللَّحمُ وأَصلَّ: إذا أَنتن، مطبوخاً كان أو نِيْئاً، يَصِلُّ صُلولاً. قال الحُطَيئة: (١) أحكام القرآن لابن العربي ١١١٦/٣، وقول البراء أخرجه مسلم (١٧٧٦) (٧٩). (٢) ٤٢٩/١ . (٣) تفسير الطبري ١٤/ ٥٧ - ٥٨ . (٤) في مجاز القرآن ١/ ٣٥٠. (٥) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٥٧، ومعاني القرآن للفراء ٨٨/٢، والنكت والعيون ١٥٧/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٨/٣، وزاد المسير ٣٩٧/٤ . (٦) عجزُ بيت للأعشى الكبير ميمون بن قيس، وصدره: عنتريس تعدو إذا مسَّها السوط. وهو في ديوانه ص٥٧ ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٥٠ - ٣٥١، واللسان (صلل). (٧) في تفسيره ١/ ٣٤١، وأخرجه عنه الطبري في تفسيره ١٤/ ٥٨ - ٥٩ . (٨) معاني القرآن للنحاس ٢٤/٤، وتفسير البغوي ٤٩/٣. (٩) الصحاح (صلل). ٢٠٤ سورة الحجر: الآية ٢٦ ذاكَ فتّى يبذلُ ذا قِدْرِهِ لا يُفسِدُ اللحمَ لَدَيه الصُّلولُ(١) وطينٌ صَلَّالٌ ومِصْلالٌ، أي: يُصوِّتُ إذا نَقَرْتَه، كما يُصوِّتُ [الفَخَّارُ] الجَديدُ (٢). فكان أوَّلَ تراباً، أي: مُتفرِّقَ الأجزاءِ، ثم بُلَّ فصارَ طيناً، ثم تُرِك حتى أَنتنَ، فصارَ حَمَأَ مسنوناً، أي: متغيراً، ثم يَبِس فصارَ صَلصالاً؛ على قولِ الجمهورِ. وقد مضى في ((البقرة)) بيانُ هذا(٣). والحَمَأُ: الطينُ الأسودُ، وكذلك الحَمْأَة، بالتسكين، تقولُ منه: حَمَأْتُ(٤) البئرَ حَمْاً؛ بالتسكين: إذا نَزْعتَ حَمْأَتها. وحَمِئَتِ البئرُ حَمَاً؛ بالتحريك: كَثُرَتْ حَمْأَتُها. وأَحْمَأْتُها إحماءً: أَلقيتُ فيها الحَمْأَةَ؛ عن ابنِ السِّكِّيت(٥). وقال أبو عبيدة: الحَمْأَةُ، بسكونِ الميم، مثلُ الكَمْأة. والجمعُ حَمٌْ، مثل: تَمْرةٌ وتَمر. والحَمَأُ المصدرُ، مثل: الھَلَعِ والجزع، ثم سُمِّي به(٦). و ((المسنونُ)): المتغيِّرُ. قال ابنُ عباس: هو الترابُ المبتلُّ المنتنُ، فجُعِل صَلصالاً كالفخَّار. ومثلُه قولُ مجاهدٍ وقتادةَ، قالا: المنتنُ: المُتغيِّر(٧)؛ من قولهم: قد أَسِنَ الماءُ: إذا تغيَّر، ومنه: ((يَتَسَنَّه))، و((ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ)). ومنه قولُ أبي قيس بن الأسلت(٨): (١) ديوانه ص١٧٦، واللسان (صلل)، وصدره عند أبي حاتم السجستاني في فعلت وأفعلت ص ١٢٠: هو الفتى كلُّ الفتى فاعلموا. (٢) في النسخ: الحديد، والمثبت من الصحاح وما بين حاصرتين منه، ووقع في اللسان (صلل): الخزف، بدل: الفخَّار . (٣) ٤١٨/١ . (٤) في (م): حمئت. (٥) الصحاح (حما)، وكلام ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٢٥٥ . (٦) مجاز القرآن ٣٥١/١، والمحرر الوجيز ٣٥٩/٣، وزاد المسير ٣٩٧/٤، وتفسير الرازي ١٨٠/١٩. (٧) تفسير الطبري ١٤/ ٦١ - ٦٢ . (٨) النكت والعيون ١٥٨/٣ . ٢٠٥ سورة الحجر: الآية ٢٦ كالمسكِ فُتَّ على ماءِ العناقيدِ سَقَتْ صداي رُضاباً غيرَ ذي أسنٍ وقال الفَراء: هو المتغيرُ، وأصلُه من قولِهم: سَنَنْتُ الحجرَ على الحجرِ: إذا حَكَكْتَه به، وما يخرجُ من الحجرينِ يقال له: السنانة والسَّنِين، ومنه المِسَنُّ(١). قال الشاعر: ثم خَاصرتُها إلى القبةِ الحمي راءِ تمشي في مَرْمَرٍ مَسنونٍ أي: محكوك مُمَلَّس. حُكي أنَّ يزيدَ بنَ معاوية قال لأبيه: ألا ترى عبد الرحمن ابنَ حسَّان يُشبِّب بابنتِك؟ فقال معاويةُ: وما قال؟ فقال: قال: اصِ مِيزَتْ من جَوهرٍ مَكْنونٍ هي زَهْراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوَّ فقال معاويةُ: صدَق! فقال یزیدُ: إنه يقول: وإذا ما نَسبْتَها لم تَجِدْها في سَناءٍ من المكارمِ دونٍ (٢) فقال: صَدقَ! فقال: أينَ قولُه: ثم خَاصرتها ... ؟ البيتِ. فقال معاويةُ: كذبَ. وقال أبو عبيدة(٣): المَسنونُ: المَصبوبُ. وهو من قولِ العربِ: سَننتُ الماءَ وغيرَه على الوجهِ، إذا صَبَيْتَه. والسَّنُّ: الصَّبُّ(٤). وروى عليُّ بن أبي طلحة، عن ابنِ عباس قال: المسنونُ: الرَّطبُ(٥). وهذا (١) معاني القرآن ٨٨/٢. للفراء، دون قوله: السنانة، ولم ينقلها أحدٌ ممَّن نقل كلام الفراء هذا، وينظر تهذيب اللغة ١٢/ ٣٠١ ، واللسان (سنن). (٢) اختلف في نسبة هذه الأبيات، فمنهم مَن نسبها إلى أبي دَهْبَل الجمحي كما في الأغاني ٧/ ١٢٣-١٢٤، والكامل للمبرد ٣٨٧/١، ومنهم من نسبها إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كما في الأغاني ١٠٩/١٥ - ١١٠، والعقد الفريد ٣٢٢/٥ - ٣٢٣، والشعر والشعراء ٤٨٤/١ - ٤٨٥، والصحاح واللسان (سنن)، وقال المبرد في الكامل ١/ ٣٨٧: والذي كأنه إجماع أنه لعبد الرحمن بن حسان، وهو في بنت معاوية. وفي جميع المصادر: ((القبة الخضراء)) بدل ((القبة الحمراء)). (٣) في مجاز القرآن ١/ ٣٥١ . (٤) ينظر الأفعال للسرقسطي ٥٠٢/٣، وتهذيب اللغة ٣٠١/١٢، وزاد المسير ٣٩٨/٤ . (٥) أخرجه الطبري في التفسير ٦٢/١٤، وينظر زاد المسير ٣٩٨/٤ . ٢٠٦ سورة الحجر: الآيتان ٢٦ - ٢٧ بمعنى المَصْبوب؛ لأنَّه لا يكونُ مصبوباً إلا وهو رَطبٌّ. النَّحاس(١): وهذا قولٌ حسن؛ لأنه يُقال: سَنَنْتُ الشيء، أي: صَببتُه. قاله(٢) أبو عمرو بنُ العلاء. ومنه الأثرُ المرويُّ عن ابن(٣) عمر أنه كان يَسُنُّ الماءَ على وجهِه ولا يَشُنُّه. والشَّنُّ، بالشين: تفريقُ الماءِ، وبالسينِ المهملةِ: صبُّه من غيرِ تفريق. وقال سيبويه: المسنونُ: المصوّرُ. أُخِذ من سُنَّةِ الوجهِ، وهي(٤) صورتُه. وقال ذو الرُّمَّة : تُرِيك سُنَّةَ وجهٍ غيرَ مُقْرِفةٍ ملساءَ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ (٥) وقال الأَخفش(٦): المسنونُ: المنصوبُ القائِم، من قولهم: وجهٌ مسنونٌ: إذا كان فيه طولٌ. وقد قيل: إن الصَّلصالَ الترابُ المدقَّق(٧)؛ حكاه المهدويُّ. ومَن قال: إنَّ الصَّلصالَ هو المنتزُ، فَأَصلُه صلَّال، فأُبدل من إحدى اللامين الصاد(٨). و((مِنْ حَمٍَ» مُفسِّرٌ لجنسِ الصَّلصال؛ كقولك: أخذتُ هذا من رجلٍ من العرب. قوله تعالى: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ قوله تعالى: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ خلقِ آدمَ. وقال الحسنُ: يعني: (١) في معاني القرآن ٢٤/٤ - ٢٦. (٢) في النسخ: قال، والمثبت من النكت والعيون ١٥٨/٣، وزاد المسير ٣٩٨/٤ . (٣) ليست في النسخ، والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة ٦٧/١، والغريب للخطابي ٤٣٩/١، والنهاية في غريب الحديث ٤١٣/٢، واللسان (سنن). (٤) في (د) و(ز) و(م): وهو، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الوسيط للواحدي ٤٤/٣، وتفسير الرازي ١٨٠/١٩ . (٥) ديوان ذي الرمة ٢٩/١، وقوله: غير مقرفة، أي: ليست بهجينة، وهي عتيقة كريمة. والندب: آثار الجراح. وينظر الصحاح (سنن). (٦) نقله عنه السمر قندي في التفسير ٢١٨/٢، والماوردي في النكت والعيون ١٥٨/٣. (٧) في (ظ): المرفق. (٨) معاني القرآن للنحاس ٢٤/٤ . ٢٠٧ سورة الحجر: الآية ٢٧ إبليسَ، خَلقه اللهُ تعالى قبل آدمَ عليه السلام. وسُمِّيَ جانًّا؛ لتواريه عن الأعين. وفي (صحيح مسلم)) (١) من حديثٍ ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: «لمَّا صوَّر الله تعالى آدمَ عليه السلام في الجنةِ، تَركه ما شاءَ الله أن يتركَه، فَجعلَ إِبليسُ يُطیفُ به، يَنظرُ ما هو، فلمَّا رَآه أَجوفَ، عَرفَ أنَّه خُلِقِ خَلقاً لا يَتمالك)). ﴿مِن ثَارِ السَّمُومِ﴾ قال ابنُ مسعود: نارُ السَّمومِ التي خَلقَ اللهُ منها الجانَّ جزءٌ من سبعينَ جزءاً من نارٍ جَهَّم. وقال ابنُ عباس: السَّمومُ الريحُ الحارةُ التي تقتل(٢). وعنه: أنَّها نارٌ لا دُخانَ لها، والصَّواعقُ تكونُ منها، وهي نارٌ تكونُ بين السماء والحجاب(٣). فإذا أَحدثَ اللهُ أمراً اخترقت الحجابَ، فَهَوتِ الصَّاعقةُ إلى ما أُمِرت، فالهَدَّةُ التي تَسمعون خَرقُ ذلك الحجابِ. وقال الحسنُ: نارُ السَّموم نارٌ دونها حجابٌ، والذي تَسمعون من انعطاطِ (٤) السحابِ صوتُها. وعن ابنِ عباس أيضاً قال: كان إبليسُ من حيٍّ من أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ، خُلقوا من نارِ السَّموم من بين الملائكةِ. قال: وخُلِقت الجنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نار (٥). قلتُ: هذا فيه نظرٌ؛ فإنه يحتاجُ إلى سندٍ يقطعُ العُذرَ؛ إذ مثلُه لا يقالُ من جهةٍ الرأي. وقد خرَّج مسلمٌ(٦) من حديثٍ عروةَ، عن عائشةَ قالت: قال رسول الله ﴾. ((خُلِقت الملائكةُ من نورٍ، وخُلِق الجانُّ من مارجٍ من نار، وخُلق آدمُ ممَّا وُصِف لكم)). فقولُه: ((خُلِقت الملائكةُ من نورٍ)) يقتضي العمومَ. والله أعلم. (١) برقم (٢٦١١)، وهو عند أحمد (١٢٥٣٩). (٢) تفسير الطبري ١٤/ ٦٣ - ٦٤، وزاد المسير ٤/ ٤٠٠ . (٣) تفسير السمر قندي ٢١٨/٢ . (٤) في (د) و(ز) و(م): انغطاط، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للفراء ٨٨/٢، والانعطاط: الانشقاق. اللسان (عطط). (٥) تفسير الطبري ٤٨٢/١ و٦٤/١٤، وينظر النكت والعيون ١٥٩/٣، والوسيط ٤٤/٣ - ٤٥. وقال ابن كثير في تفسير الآية ٣٤ من سورة البقرة: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها. (٦) برقم (٢٩٩٦)، وهو عند أحمد (٢٥١٩٤). ٢٠٨ سورة الحجر: الآيات ٢٧ - ٢٩ وقال الجوهريُّ: مارج من نار: نارٌ لا دخانَ لها خُلق منها الجانُّ(١). والسَّمومُ: الريحُ الحارةُ تُؤَنَّث؛ يقال منه: سُمَّ يومُنا؛ فهو يومٌ مسموم، والجمعُ سَمائمُ. قال أبو عبيدة: السَّمُومُ بالنهار، وقد تكونُ بالليل، والحَرُورُ بالليل، وقد تكونُ بالنهار(٢). القشيريُّ: وسُمِّيتِ الريحُ الحارةُ سَموماً؛ لدخولِها في مَسامِّ البدن(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمٍَّ مَسْنُونٍ (١٨) فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَنِدِينَ ٢٩١ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾ تَقدمَ في ((البقرة))(٤). ﴿إِنِّ خَلِقُ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ﴾: من طين. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: سؤَّيتُ خَلْقَه وصوَّرتُه. ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِ﴾ النفخُ: إجراءُ الريحِ في الشيء. والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، أَجرى اللهُ العادةَ بأن يَخلُق الحياةَ في البدن مع ذلك الجسمِ. وحقيقتُه إضافةُ خَلقٍ إلى خالق؛ فالروحُ خلقٌ من خلقِه أَضافَه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً، كقوله: أرضي، وسمائي، وبيتي، وناقة الله، وشهر الله. ومثلُه: ﴿وَرُوحٌ مِّنَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] وقد تقدَّم في ((النساء)» مبيّناً(٥). وذكرنا في كتابٍ ((التذكرة)» (٦) الأحاديثَ الواردةَ التي تدل على أنَّ الروحَ جسمٌ لطيف، وأنَّ النفسَ والروحَ اسمان لمسمّى واحدٍ. وسيأتي ذلك إن شاء الله. ومَن قال: إنَّ الرُّوحَ هو الحياةُ قال: أَرادَ: فإذا رَّبْتُ فيه الحياةَ ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ أي: خِرُّوا له ساجدين. وهو سجودُ تحيةٍ وتكريم لا سجودُ عبادة(٧). ولِله أنْ يُفضِّل مَن يريد، ففضَّل الأنبياءَ على الملائكة. وقد تقدَّم في ((البقرة)) هذا المعنى(٨). وقال القَفَّال: (١) الصحاح (مرج). (٢) الصحاح (سمم). (٣) ينظر النكت والعيون ١٥٩/٣ . (٤) ٣٩١/١. (٥) ٢٣١/٧، وينظر الوسيط ٤٥/٣. (٦) ص١٢٤ . (٧) تفسير الطبري ١٤/ ٦٥، ومعاني القرآن للفراء ٨٨/٢ . (٨) ٤٣٥/١ . ٢٠٩ سورة الحجر: الآيات ٢٨ - ٣١ كانوا أفضلَ من آدم، وامتحنَهم بالسجودِ له تعريضاً لهم للثواب الجزيل. وهو مذهبُ المعتزلة. وقيل: أُمِروا بالسجود لِله عندَ آدم، وكان آدمُ قِبلةً لهم(١). قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢٥) إِلَّ إِيْلِيسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِيْلِيسَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: لا شكَّ أنَّ إبليسَ كان مأموراً بالسُّجود؛ لقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إذ أَرْئٌُ﴾ [الأعراف: ١٢]، وإنَّما منَعه من ذلك الاستكبارُ والاستِعظام؛ كما تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه(٢). ثم قيل: كانَ من الملائكةِ، فهو استثناءٌ من الجنس. وقال قومٌ: لم يكن منَ الملائكة، فهو استثناءٌ منقطع. وقد مضى في ((البقرة)» هذا كلُّه مُستوفّى(٣). وقال ابنُ عباس: الجانُّ: أبو الجن، وليسُوا شياطينَ. والشَّياطينُ: ولدُ إبليسَ، لا يموتونَ إلا مع إبليس. والجنُّ يموتون، ومنهم المؤمنُ، ومنهم الكافر. فآدمُ أبو الإنس، والجانُّ أبو الجن، وإبليسُ أبو الشياطين. ذكره الماورديُّ(٤). والذي تقدَّم في ((البقرةٍ)) خلافُ هذا، فتأمَّله هناك. الثانية: الاستثناءُ من الجنس غيرِ الجنسِ صحيحٌ عند الشافعيِّ، حتى لو قال: لفلانٍ عليَّ دينارٌ إلَّا ثوباً، أو عشرةُ أثواب إلا قفيزَ حنطةٍ، وما جانسَ ذلك؛ كان مقبولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمةُ الثوبِ والحِنطة. ويستوي في ذلك المكيلاتُ والموزوناتُ والمُقدَّرات. وقال مالكٌ وأبو حنيفةً﴾: استثناءُ المكيلِ من الموزونِ، والموزونٍ من المكيل جائزٌ، حتى لوِ استثنى الدراهمَ من الحِنطةِ، والحنطةَ من الدراهم قُبِل، فأمَّا إذا استثنى المقوَّمات من المكيلاتِ أو الموزونات، والمكيلاتِ (١) ينظر تفسير الرازي ١٩/ ١٨٢. (٢) ١/ ٤٤١ . (٣) ٤٣٨/١ . (٤) في النكت والعيون ١٥٨/٣ . ٢١٠ سورة الحجر: الآيات ٣٠ - ٣٥ من المقوَّمات، مثل أن يقولَ: عليَّ عشرةُ دنانيرَ إلا ثوباً، أو عشرة أثواب إلا ديناراً، لا يصحُّ الاستثناء، ويَلزمُ المُقِرَّ جميعُ المبلغ. وقال محمدُ بنُ الحسن: الاستثناءُ من غيرِ الجنس لا يصحُّ، ويلزمُ المُقرَّ جملةُ ما أقرَّ به(١). والدليلُ لقولِ الشافعيّ(٢) أنَّ لفظَ الاستثناء يُستعمل في الجنسِ وغيرِ الجنس، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَاَ وَلَا تَأْتِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، فاستثنى السَّلامَ من جملة اللَّغو، ومثلُه ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ وإبليسُ ليس من جملةِ الملائكة؛ قال الله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ آلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّدِيُّ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال الشَّاعر: إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ(٣) وَبَلدةٍ ليس بها أنيسُ فاستثنى اليعافيرَ وهي ذكورُ الظباء، والعِيسَ وهي الجِمالُ البيضُ، من الأَنيس؛ ومثلُه قولُ النابغة (٤). قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاِبْلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ (٣) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ (* قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَچِيمٌ (٣٤) ١٣٥ وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلََّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الذِينِ قوله تعالى: ﴿قَالَ يَّكَإِسُ مَا لَكَ﴾ أي: ما المانعُ لك. ﴿أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ﴾ أي: في ألَّ تكونَ. ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ بيَّن تكبِّرَه وحسدَه، (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٧١/١، ومختصر اختلاف العلماء ٤١٤/٤ - ٤١٥، والوسيط في المذهب ٣٥٤/٣ - ٣٥٥، وعقد الجواهر الثمينة ٧١٣/٢ . (٢) نهاية المحتاج ١٠٦/٥. (٣) البيت لجِران العَود النميري، وهو في ديوانه ص ٩٧ ، وسلف ٦/٧ . (٤) يشير إلى قوله: عيت جواباً وما بالربع من أحد وقفت فيها أُصَيلاناً أسائلها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد إلا الأواري لأياً ما أبينها والبيتان في ديوانه ص ٣٠، وسلفا في موضعين ١/ ٤٦٠ و٦/٧، واستشهد بهما على المسألة نفسها. ٢١١ سورة الحجر: الآيات ٣٢ - ٣٨ وأنه خيرٌ منه؛ إذ هو من نارٍ، والنارُ تأكلُ الطين(١)؛ كما تقدَّم في ((الأعراف)) بيانُه(٢). ﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من السَّماوات، أو من جنةِ عَدْن، أو من جملةِ الملائكةِ(٣). ﴿فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ أي: مرجومٌ بالشُّهب. وقيل: ملعونٌ مشتوم(٤). وقد تقدَّم هذا كلُّه مستوفّى في ((البقرةِ)) و((الأعراف)»(٥). ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ﴾ أي: لعنتي، كما في سورة (ص) [آية : ٧٨]. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ اٌلْمَعْلُومِ ٣٧ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنُظَرِينَ ٣٦ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْ نِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ هذا السؤالُ من إبليسَ لم يكن عن ثقةٍ(٦) منه بمنزلتِهِ عندَ الله تعالى، وأنَّه أهلٌ أن يُجاب له دعاءٌ، ولكنْ سألَ تأخيرَ عذابِه زيادةً في بلائِه، كفعلِ الآيسِ من السَّلامة. وأرادَ بسؤالِه الإنظارَ إلى يوم يبعثون، ألَّ يموتَ؛ لأنَّ يوم البعثِ لا موتَ فيه، ولا بعده. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ يعني: من المؤجّلين. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ قال ابنُ عباس: أرادَ به النفخةَ الأولى، أي: حين تموتُ الخلائقُ. وقيل: الوقتُ المعلومُ الذي استأثرَ اللهُ بعلمه، ويجهلُه إبليسُ، فيموتُ إبليس ثم يُبعَث؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]. وفي كلام الله تعالى له قولان: أحدهما: كلَّمه على لسانٍ رسول(٧). الثاني: كلَّمه تغليظاً في الوعيدِ، لا على وجهِ التِّكرِمةِ والتقريبِ(٨). (١) تفسير الطبري ١٤/ ٦٦ - ٦٧ . (٢) ٩ / ١٦٥ . (٣) المحرر الوجيز ٣٦١/٣. (٤) في (د) و(ز) و(م): مشؤوم، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في تفسير الطبري ١٤/ ٦٧، والمحرر الوجيز ٣٦١/٣ . (٥) ١/ ١٤١ و٩/ ١٧٣ - ١٧٤، وينظر ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥ . (٦) في (م) ثقته، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لما في النكت والعيون ١٥٩/٣ . (٧) في (م) و(د): رسوله. (٨) النكت والعيون ١٥٩/٣ - ١٦٠ . ٢١٢ سورة الحجر: الآيات ٣٩ - ٤١ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيْنَنَّ لَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ تقدَّم معنى الإغواءِ والزينة في ((الأعراف))(١). وتَزيينُه هنا يكون بوجهين: إمَّا بفعلِ المعاصي، وإما بشغلِهِم بزينةٍ الدنيا عن فعلِ الطّاعة. ومعنى ﴿لَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: لأُضلَّنَهم عن طريق الهدى(٢). وروى ابنُ لَهيعة عبدُ الله، عن دَرَّاج أبي السَّمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ الله﴾: ((إنَّ إبليسَ قال: يا ربِّ، وِزَّتِك وجَلالِك لا أزال أُغوي بني آدمَ ما دامت أرواحُهم في أجسامهم(٣)، فقال الربُّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفرُ لهم ما استغفروني)» (٤). قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قرأَ أهلُ المدينة وأهلُ الكوفة بفتح اللام، أي: الذين استخلَصتَهم وأَخلصتَهم. وقرأ الباقون بكسرِ اللام(٥)، أي: الذين أَخلصوا لك العبادةَ من فسادٍ أو رياءٍ. حكى أبو ثُمامةَ أنَّ الحواريِّين سَألوا عيسى عليه السلام عن المخلص(٦) لله، فقال: الذي يَعملُ، ولا يُحبُّ أن يَحمَدَه النَّاس. قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيءُ ٤١ قال عمرُ بن الخطاب: معناهُ: هذا صراطٌ يستقيمُ بصاحبِهِ حتى يَهجُمَ به على الجَنَّة. الحسن: ((عليَّ)) بمعنى: إليَّ. مجاهدٌ والكسائيُّ: هذا على الوعيدِ والتهديدِ؛ (١) ٩/ ١٧٠ و٢٠٢ - ٢٠٣. (٢) النكت والعيون ١٦٠/٣ - ١٦١. (٣) في (ظ): أجسادهم. (٤) أخرجه أحمد (١١٢٣٧) و(١١٢٤٤) وأبو يعلى (١٣٩٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٥)، والبغوي في شرح السنة (١٢٩٣). (٥) التيسير ص١٢٨، والسبعة ص٣٤٨ . (٦) في (د) و(ز) و(م): المخلصين، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ١٦١/٣. ٢١٣ سورة الحجر: الآيات ٤١ - ٤٢ كقولك لمن تُهدِّده: طريقُك عليَّ ومَصيرُك إليَّ. وكقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤] فكان معنى الكلام: هذا طريقٌ مرجعُه إليَّ، فأُجازي كُلَّا بعملِه، يعني: طريقَ العُبودية. وقيل: المعنى عليَّ أن أَدلَّ على الصراط المستقيم بالبيانِ والبرهان. وقيل: بالتوفيقِ والهدايةِ (١). وقرأ ابنُ سِيرين وقتادةٌ، والحسن وقيسُ بن عُبَاد، وأبو رجاء وحُميد، ويعقوب: ((هذا صِراطٌ عليٍّ مستقيم) برفع (عليّ)) وتنوينِهِ (٢)، ومعناه: رفيعٌ مستقيم، أي: رفيعٌ في الدين والحقِّ. وقيل: رفيعٌ أن يُنالَ، مستقيمٌ أن يُمال(٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ٤٢ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيِّسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ قال العلماءُ: يعني :. على قلوبِهم. وقال ابن عُيينةَ: أي: في أن يُلقيَهم في ذنبٍ يمنعُهم عفوي، ويُضيِّقُه عليهم. وهؤلاءِ الذين هَداهُم الله، واجتَباهم، واختارَهم، واصطفاهم(٤). قلتُ: لعلَّ قائلاً يقول: قد أخبرَ الله عن صفة(٥) آدمَ وحواء عليهما السلام بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ﴾ [البقرة: ٣٦]، وعن جملةٍ من أصحابٍ نبيِّه بقوله: ﴿إِنَّمَا أَسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، فالجوابُ ما ذُكِر، وهو أنَّه ليس له سلطانٌ على قلوبهم، ولا موضعٍ إيمانِهم، ولا يُلقيهم في ذنبٍ يَؤولُ إلى عدمِ القَبول، بل تُزيلُه التوبةُ، وتَمحُوه الأَوْبَةُ. ولم يكن خروجُ آدَمَ عقوبةً لما تناول، على (١) النكت والعيون ١٦١/٣ . (٢) تفسير الطبري ١٤/ ٧١، والنكت والعيون ١٦١/٣، والمحرر الوجيز ٣٦٢/٣، وتفسير البغوي ٥١/٣، والمحتسب ٣/٢. وقراءة يعقوب من العشرة. ينظر النشر ٣٠١/٢. (٣) النكت والعيون ٣/ ١٦١ . (٤) تفسير البغوي ٣/ ٥١، وزاد المسير ٤٠٢/٤ . (٥) في (ظ): صفيه. ٢١٤ سورة الحجر: الآيات ٤٢ - ٤٤ ما تقدَّم في ((البقرة) بيانُه(١). وأمَّا أصحابُ النبيِّلَ﴾، فقد مضَى القولُ عنهم في ((آل عمران))(٢). ثم إنَّ قولَه سبحانه: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ يحتمل أن يكونَ خاصًّا فيمن حَفِظُه الله، ويحتمل أن يكونَ في أكثرِ الأوقاتِ والأحوال، وقد يكون في تسلُّطِه تفريجُ كربةٍ، وإزالةُ غُمةٍ، كما فَعل ببلال، إذ أتاه يُهَدِّيه كما يُهدَّى الصَّبيُّ حتى نام(٣)، ونامَ النبيُّ # وأصحابُه، فلم يَستيقِظوا حتى طلعتِ الشَّمس، وفَزِعوا وقالوا: ما كفارةُ ما صَنعنا بتفريطِنا في صلاتِنا؟ فقال لهم النبيُّ #: ((ليسَ في النومِ تفريطٌ»، ففُرِّجَ عنهم (٤). ﴿إِلَّا مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي: الضَّالِّين المشركين(٥). أي: سلطانه على هؤلاء؛ دليله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُمُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]. الثانية: وهذه الآيةُ والتي قبلَها دليلٌ على جوازِ استثناءِ القليلِ من الكثيرِ، والكثيرِ من القليلٍ، مثل أن يقولَ: عشرةٌ إلا درهماً. أو يقول: عشرة إلا تسعةً. وقال أحمدُ ابن حنبل: لا يجوزُ أن يُستَثنَى إلا قدرُ النصفِ فما دونَه، وأمَّا استثناءُ الأكثرِ من الجملةِ فلا يصحُّ. ودليلُنا هذه الآيةُ، فإنَّ فيها استثناءَ ((الغاوين)) من العبادِ، والعبادِ من الغاوين، وذلك يدلُّ على أن استثناءَ الأقلِّ من الجملة، واستثناءَ الأكثرِ من الجملة جائزٌ(٦). (﴿ لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ جُزْءٌ مَقْسُوءُ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَتََّ لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: إبليسَ ومَن اتبعَه. ﴿لَمَا سَبْعَةُ (١) ١/ ٤٧٦ . (٢) ٥/ ٣٧٢. (٣) أخرجه مالك في الموطأ ١٤/١ - ١٥ عن زيد بن أسلم مرسلاً. (٤) ينظر حديث أبي هريرة وحديث أبي قتادة عند مسلم (٦٨٠)، و(٦٨١). (٥) ينظر تفسير السمر قندي ٢٢٠/٢ . (٦) ينظر المحرر الوجيز ٣٦٢/٣، والمغني لابن قدامة ٢٩٢/٧ - ٢٩٤. ٦ ٢١٥ سورة الحجر: الآيتان ٤٣ - ٤٤ أَتَوَبٍ﴾ أي: أطباق، طبقٌ فوقَ طبق ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾ أي: لكل طبقةٍ ﴿مِّنْهُمْ جُزْءٌ تَقْسُوءُ﴾ أي: حظّ معلوم(١). ذكر ابنُ المباركِ قال: أخبرنا إبراهيمُ أبو هارون الغَنَوِيُّ قال: سمعت حِظَّان بنَ عبد الله الرَّقَاشي يقول: سمعتُ عليًّا ه يقولُ: هل تدرونَ كيفَ أبوابُ جهنمَ؟ قلنا: هي مثلُ أَبوابِنا. قال: لا، هي هكذا بعضُها فوقَ بعض(٢). زاد الثَّعلبيُّ : - ووضعَ إحدى يديهِ على الأخرى - وإنَّ الله وضعَ الجنانَ على الأرض، والنيرانَ بعضَها فوقَ بعض، فأسفلُها جهنمُ، وفوقَها الحُطَمةُ، وفوقها سَقَرُ، وفوقَها الجحيمُ، وفوقها لظَى، وفوقها السَّعير، وفوقها الهاوية، وكلُّ بابٍ أشدُّ حَرًّا من الذي يليه سبعينَ مرةً(٣). قلت: كذا وقعَ هذا التفسير، والذي عليه الأكثرُ من العلماءِ أن جهنمَ أعلى الدَّرَكات، وهي مختصَّةٌ بالعُصاة من أمةِ محمد ﴿، وهي التي تُخْلَى من أهلها، فتَصفِقُ الرياحُ أَبوابَها، ثم لظَى، ثم الحُطَمةُ، ثم سعيرُ، ثم سَقرُ، ثم الجحيمُ، ثم الهاوية؛ قال الضحَّاك: في الدَّرْكِ الأعلى المُحمديُّون، وفي الثاني النَّصارى، وفي الثالث اليهودُ، وفي الرابعِ الصَّابئون، وفي الخامسِ المجوسُ، وفي السادسِ مشركو العرب، وفي السابع المنافقون وآلُ فرعونَ ومَن كفرَ من أهلِ المائدة (٤). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] - وقد تقدم في النساء(٥) -، وقال: ﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّ أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِّنَ اَلْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وقَسَّم معاذُ بنُ جبل العلماءَ السُّوءَ من هذه الأمةِ تقسيماً على تلك الأبواب، (١) تفسير الطبري ١٤/ ٧٢ - ٧٣ . (٢) الزهد لابن المبارك ص ٨٥ زوائد نعيم بن حماد، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٥٤/١٣، والطبري في تفسيره ٧٣/١٤ - ٠٧٤ (٣) تفسير البغوي ٥١/٣، والوسيط ٤٥/٣ - ٤٦، والمحرر الوجيز ٣٦٣/٣، وزاد المسير ٤٠٢/٤ -٤٠٣ . (٤) تفسير البغوي ٥١/٣، والوسيط ٤٦/٣، وزاد المسير ٤٦/٣. (٥) ١٩٥/٧ - ١٩٦ . ٢١٦ سورة الحجر: الآيتان ٤٣ - ٤٤ ذكرناه في كتاب ((التذكرة))(١). وروى الترمذيُ(٢) من حديثِ ابنِ عمر قالَ: قال رسولُ الله﴾: ((لجهنمَ سبعةٌ أبواب: باب منها لمَنْ سَلَّ سيفَه على أمتي)) قال: حديثٌ غريب. وقال أُبَيُّ بن كعب: لجهنمَ سبعةُ أبواب: باب منها للحَرُورِية. وقال وَهْبُ بنُ مُنِّه: بينَ كلِّ بابين مسيرةُ سبعينَ سنةً، كلُّ بابٍ أَشدُّ حَرًّا من الذي فوقَه بسبعين ضعفاً. وقد ذكرنا هذا كلَّه في كتابٍ ((التذكرة))(٣). وروى سَلَّامُ الطويلُ، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ # في قولٍ الله تعالى: ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُوءُ﴾: جزءٌ أَشركوا بالله، وجزءٌ شَكُّوا في الله، وجزءٌ غَفِلوا عن الله، وجزءٌ آثروا شهواتِهم على الله، وجزءٌ شَفَوا غيظَهم بغضبِ الله، وجزءٌ صَيَّروا رغبتهم بحظهم من الله، وجزء عَتَوْا على الله. ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب ((منهاج الدين)) له(٤)، وقال: فإن كان ثابتاً، فالمشركون بالله همُ الثَّنَويَّة. والشَّاكون همُ الذين لا يدرون أنَّ لهم إلهاً أو لا إلهَ لهم، ويَشكُّون في شريعتِه أنها مِن عندِه أم لا. والغافلون عن اللهِ همُ الذينَ يَجحدونه أصلاً ولا يُثبِتونه، وهم الذَّهْرية. والمُؤْثِرونَ شهواتِهم على اللهِ همُ المنهمكون في المعاصي؛ لتكذيبِهم رسلَ الله وأمرَه ونهيه. والشَّافون غيظهم بغضبٍ الله هم القاتلونَ أنبياءَ الله، وسائرَ الداعين إليه، المعذّبون مَن ينصحُ لهم، أو يذهبُ غيرَ مذهبهم، والمُصيِّرون رغبتهم بحظّهم من الله هم المنكرونَ البعث(٥) والحساب؛ (١) ص٣٨٢ - ٣٨٣ . (٢) في سننه (٣١٢٣)، وهو في مسند أحمد (٥٦٨٩). (٣) ص٣٨٣ - ٣٨٤، وينظر التخويف من النار لابن رجب ص٥٨ . (٤) المنهاج في شعب الإيمان ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣، وسلَّام الطويل: هو التميمي، السعدي، وهو متروك. وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٢٩/٩، بلفظ: جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله. (٥) المثبت من (ظ)؛ وفي غيرها: بالبعث. ٢١٧ سورة الحجر: الآيتان ٤٣ - ٤٤ فهم يَعبُدون ما يرغبون فيه، لهم جميعُ حظّهم من الله تعالى. والعاتونَ على الله الذينَ لا يبالون بأن يكونَ ما هم فيه حقًّا أو باطلاً، فلا يتفكرون، ولا يَعتپِرون، ولا يَستدلون. واللهُ أعلمُ بما أرادَ رسولُه # إنْ ثبتَ الحديثُ. ويُروى أنَّ سلمان الفارسيَّ﴾ لمَّا سَمِع هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَوْعِدُهُمْ أَجْعِينَ﴾، فرَّ ثلاثةَ أيامٍ من الخوفِ لا يَعقِل، فجيءَ به إلى رسولِ الله ﴿ فسأله، فقال: يا رسولَ الله، أُنزِلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنَّ جَهَتَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فوالذي بعثَك بالحقِّ لقد قَطَعت قلبي. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾(١) [الحجر: ٤٥]. وقال بلالٌ: كان النبيُّ يُصلي في مسجدِ المدينة وَحْدَه، فمرَّتْ به امرأةٌ أعرابيةٌ، فصَلَّت خلفه ولم يعلمْ بها، فقرأَ رسول اللـه :﴿ هذه الآيةَ: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبِ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُوءُ﴾ فخرَّتِ الأعرابية مغشيًّا عليها، وسمعَ النبيُّ ﴾ وَجْبَتها(٢)، فانصرفَ ودعا بماءٍ فصُبَّ على وجهِها حتى أَفاقت وجَلَست، فقالَ النبيُّ﴾: ((يا هذهِ، مَا لَكِ؟)) فقالت: أَهذا شيءٌ من كتابِ الله المُنزَّلِ، أو تَقولُه من تِلقاءِ نفسِك؟ فقال: ((يا أَعرابيةُ، بل هو من كتابِ اللهِ تعالى المنزَّل)»، فقالت: كلُّ عضوٍ من أعضائي يُعذّب على كلِّ باب منها؟ قال: ((يا أَعرابيةُ، بل لكلِّ بابٍ منهم جزءٌ مقسوم يُعذّبُ أهلُ كلِّ منها على قدر أعمالهم))، فقالت: واللهِ إني امرأةٌ مسكينةٌ، مالي مالٌ، وما لي إلا سبعةُ أَعْبُد، أُشهِدك يا رسولَ الله، أنَّ كلَّ عبدٍ منهم عن كلِّ بابٍ من أبوابٍ جهنم حُرٌّ لوجه الله تعالى. فأتاه جبريلُ فقال: يا رسولَ الله، بشِّرِ الأعرابيةَ أنَّ الله قد حَرَّم عليها أبوابَ جهنمَ كلَّها، وفتح لها أبوابَ الجنةِ كلَّها(٣). (١) نَسبه السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول إلى الثعلبي. (٢) الوَجْبَةُ: السقطةُ مع الهدة. الصحاح (وجب). (٣) نَسبه ابن رجب الحنبلي في التخويف من النار ص٥٨ - ٥٩ ، إلى الثعلبي في تفسيره بإسناد مجهول إلى منصور بن عبد الحميد بن أبي رباح .. ، فذكره، وقال: وهذا حديث لا يصح مرفوعاً، ومنصور = ٢١٨ سورة الحجر: الآيتان ٤٥ - ٤٦ ٤٦ أَدْخُلُوهَا بِسَلٍَ ءَامِنِينَ ٤٥ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ قوله تعالى: ﴿إِنَ الْمُتَّقِينَ فِى جَثَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي: الذين اتقوا الفواحشَ والشركَ. ﴿فِي جَنَّتِ﴾ أي: بساتين(١). ﴿وَعُونٍ﴾: هي الأنهارُ الأربعةُ: ماء، وخمر، ولبن، وعسل. وأمَّا العيونُ المذكورةُ في سورةِ الإنسان: الكافورُ والزَّنْجَبيل والسَّلسبيل، وفي ((المطففين)): التَّسنيم، فيأتي ذكرُها وأهلها إن شاءَ الله. وضمُّ العينِ من ((عُيونٍ)) على الأصلِ، والكسرُ مراعاةً للياء، وقُرِئ بهما(٢). ﴿اَدْخُلُوهَا بِسَلٍَ ءَامِنِينَ﴾ قراءةُ العامةِ: ((ادخلوها)) بوصلِ الألفِ وضمِّ الخاء، مِن دخل يدخُل، على الأمرِ. تقديرُه: قيل: ادخُلوها. وقرأَ الحسنُ وأبو العالية ورُوَيس عن يعقوب: ((ادخِلُوها)) بضم التنوين ووصلِ الألف وكسرِ الخاء على الفعلِ المجهول(٣)، من أُدخِل، أي: أَدخلَهم اللهُ إياها. ومذهبُهم كسرُ التنوين في مثل ﴿بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ اَلْنَةً﴾ [الأعراف: ٤٩] وشبهِه، إلا أنَّهم هاهنا أَلقَوا حركةَ الهمزةِ على التنوين؛ إذ هي ألفُ قطعٍ، ولكن فيه انتقالٌ من كسرٍ إلى ضمِّ ثم من ضمِّ إلى كسرٍ، فيَثقلُ على اللسان. ﴿بِسَلَمٍ﴾ أي: بسلامةٍ من كلِّ داءٍ وآفة. وقيل: بتحيةٍ من اللهِ لهم. ﴿ِءَمِنِينَ﴾ أي: من الموتِ والعذابِ، والعزلِ والزوالِ (٤). = ابن عبد الحميد قال فيه ابن حبان: لا تحل الرواية عنه. والصحيح ما روى مخلد بن الحسن عن هشام بن حسان قال: خرجنا حجاجاً فنزلنا منزلاً في بعض الطريق، فقرأ رجل معنا هذه الآية .. ، فذكره مختصراً. (١) تفسير السمر قندي ٢/ ٢٢٠، والوسيط ٤٦/٣ . (٢) قرأ نافع، وأبو عمرو، وحفص، وهشام بضم العين، والباقون بكسرها. التيسير ص١٣٦. (٣) ينظر الكشاف ٣٩٢/٢، والمحرر الوجيز ٣٦٣/٣، والبحر المحيط ٤٥٦/٥، والنشر ٣٠١/٢. وقراءة يعقوب - وهو من العشرة - المتواترة عنه كقراءة حمزة وعاصم وأبي عمرو وابن ذكوان، بكسر التنوين، وضم الخاء. (٤) النكت والعيون ١٦١/٣ - ٣٦٢، وزاد المسير ٤٠٣/٤. ٢١٩ سورة الحجر: الآيتان ٤٧ - ٤٨ لا قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُنَّقَيِلِينَ يَمَثُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَبِينَ قال ابنُ عباس: أوَّلُ ما يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ تَعرِضُ لهم عينانِ، فيشربون مِن إحدى العينين، فيُذهب الله ما في قلوبهم من غِلِّ، ثم يدخلون العينَ الأخرى، فيغتسلون منها، فتشرقُ ألوانُهم وتصفُو وجوهُهم، وتجري عليهم نَضْرةُ النعيم(١). ونحۇُه عن عليٍّ ﴾(٢). وقال عليُّ بنُ الحسين: نزلت في أبي بكر وعمر وعليٍّ والصحابة(٣)، يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغِلِّ. والقول الأوَّل أظهرُ؛ يدلُّ عليه سياقُ الآية. وقال عليٍّ ﴾: أرجو أن أكون أنا وطلحَةُ والزُّبير من هؤلاء(٤). والغِلُّ: الحِقِدُ والعداوةُ، يقال منه: غَلَّ يَغِلُّ. ويقال من الغُلولِ، وهو السرقةُ من المَغْنَم: غَلَّ يَغُلُّ. ويقال من الخيانة: أغَلَّ يُغِلُّ(٥). كما قال(٦): جزاءَ مُغِلِّ بالأمانةِ كاذبٍ جَزَى الله عنا حَمْزَةَ ابنةَ نَوْفَلٍ وقد مضى هذا في آل عمران. ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَفَكِيِلِينَ﴾ أي: لا ينظر بعضُهم إلى قَفَا بعضٍ؛ تواصلاً وتحابُباً، عن مجاهدٍ(٧) وغيرِه. وقيل: الأَسِرَّة تدور كيفما شاؤوا، فلا يرى أحدٌ قفا (١) زاد المسير ٢٠٠/٣ . (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١٧٦/٢، وابن أبي شيبة ١١٢/١٣، والطبري في تفسيره ٢٦٧/٢٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣٢٦٢/١٠ (١٨٤١٣). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٧/ ٢٢٦٧ (١٢٤٠٣)، والواحدي في أسباب النزول ص٢٨١ ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٣٣٨/٣٠ و٢٨٩/٥٤ . (٤) سلف ٩/ ٢٢٢. (٥) غريب الحديث لأبي عبيد ٢٠٠/١، وسلف ٣٨٨/٥ . (٦) هو الثَّمِر بن تولب، وسلف ٣٨٨/٥ . (٧) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على زهد ابن المبارك (٤٣٤)، وهنَّد في الزهد (٨٠)، والطبري في التفسير ١٤/ ٨٠، وسيأتي من قول عكرمة أيضاً في سورة الصافات، الآية (٤٤). ٢٢٠ سورة الحجر: الآيات ٤٧ - ٥٠ أحدٍ (١). وقيل: ((متقابلين)): قد أقبلت عليهم الأزواجُ، وأقبلوا عليهنَّ بالوُدّ (٢). وسُرُر: جمع سرير، مثل جديد وجُدُد. وقيل: هو من السرور؛ فكأنه مكانٌ رفيعٌ ممهَّدٌ للسرور (٣). والأوّل أظهر. قال ابن عباس: على سُرُر مكلَّلة بالياقوت والزَّبَرْجَد والدُّرِّ، السريرُ ما بين صنعاءَ إلى الجابية، وما بين عدنٍ إلى أيْلة (٤). و((إخواناً)): نصب على الحال من ((المتقين))(٥) أو من المضمّر في ((ادخلوها))، أو من المضمَر في (آمنين))، أو يكون حالاً مقدَّرة مِن الهاءِ والميم في ((صدورهم)) (٦). إِلَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي: إعياءٌ وتعب(٧). ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَيِينَ﴾ دليل على أن نعيمَ الجنةِ دائمٌ لا يزول، وأن أهلها فيها باقون ﴿أُكُلُها دائم﴾؛ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا (٨) لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾(٨). قوله تعالى: ﴿نَبِئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ ٤٩ الْأَلِيمُ ﴾﴾ هذه الآية وزانُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو يَعلمُ المؤمنُ ما عند اللهِ من العقوبةِ ما طمع بجثَّتَه أحدٌ، ولو يَعلمُ الكافرُ ما عند اللهِ من الرحمةِ ما قَنِط مِن رحمتِه (١) مجمع البيان للطبرسي ١٤/ ٣٠، والكشاف ٣٩٢/٢. (٢) حكاه الماوردي في النكت والعيون ٣/ ١٦٢ عن القاسم. (٣) ينظر الصحاح (سرر) وتهذيب اللغة ١٢/ ٢٨٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٥١/١، وتفسير الطبري ١٤/ ٨٠، والرازي ١٩٣/١٩. (٤) أورده الواحدي في الوسيط ٤٦/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٠٤/٤، والرازي في التفسير ١٩٣/١٩، والجابية: قرية من أعمال دمشق. معجم البلدان ٢/ ٩١، وأيلة: مدينة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام. معجم البلدان ١/ ٢٩٢ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٢/٢. (٦) مشكل إعراب القرآن ٤١٤/١، وأمالي ابن الشجري ١٩٠/٣ (٧) الوسيط ٤٦/٣، وزاد المسير ٤٠٤/٤ . (٨) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٨١ .