النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة الحجر: الآية ٩ والعبارةَ. قال: فلمَّا تقوَّض المجلسُ، دعاه المأمونُ فقال له: إسرائيليٍّ؟ قال: نعم. قال له: أسلِم حتى أفعلَ لك(١) وأصنع. ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعدَ سنةٍ جاءنا مُسْلماً، قال: فتكلَّم على الفقهِ، فأحسنَ الكلامَ، فلما تقوَّض المجلسُ، دعاه المأمونُ وقال: أَلستَ صاحبَنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سببُ إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتِك، فأحببتُ أن أمتحنَ هذه الأديانَ، وأنت تراني حسنَ الخط، فعَمَدتُ إلى التوراةِ، فكتبتُ ثلاث نسخ، فزدتُ فيها ونقصت، وأَدخلتها الكنيسةَ، فاشتُرِيت مني، وعَمَدتُ إلى الإنجيل، فكتبتُ ثلاثَ نسخ، فزدتُ فيها ونقصت، وأَدخلتها البِيعة، فاشتُرِيت مني، وعَمدتُ إلى القرآن، فعملت ثلاثَ نسخ، وزدتُ فيها ونقصت، وأَدخلتها الورَّاقين فتصفّحوها، فلمّا أن وجدوا فيها الزيادةَ والنقصان رَمَوا بها، فلم يشتروها، فعلمتُ أنَّ هذا كتابٌ محفوظ، فكان هذا سببَ إسلامي. قال يحيى بنُ أكثم: فَحَجَجْتُ تلك السنةَ، فلقيت سفيانَ بنَ عُيينة، فذكرت له الخبرَ، فقال لي: مِصداقُ هذا في كتاب الله عزَّ وجلَّ. قال: قلت: في أيِّ موضعٍ؟ قال: في قولِ الله تباركَ وتعالى في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اَللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعلَ حِفظَه إليهم فضاعَ، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُمُ لَفِظُونَ﴾، فحفظه الله عزَّ وجلَّ علينا فلم يَضِع(٢). وقيل: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ أي: لمحمد ﴾ من أن يتقوَّل علينا، أو يُتقول(٣) عليه. أو ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ من أن يُكاد أو يُقتل(٤). نظيرُه ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة : ٦٧ ]. (١) في النسخ: بك، والمثبت من المنتظم ٥١/١٠ . (٢) نهاية السقط في (ظ)، والقصة بتمامها في المنتظم ١٠/ ٥١ . (٣) في (د) و(ز) و(م): نتقول، والمثبت من (ظ). (٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٨٥/٢، وتفسير الطبري ١٩/١٤، والمحرر الوجيز ٣٥١/٣ - ٣٥٢. والكشاف ٣٨٨/٢ . ١٨٢ سورة الحجر: الآيات ٩ - ١٣ و((نحن)) يجوز أن يكونَ موضعُه رفعاً بالابتداء و((نزَّلنا)) الخبر. والجملةُ خبرُ ((إنَّ). ويجوزُ أن يكونَ ((نحن)) تأكيداً لاسم ((إنَّ)) في موضع نصبٍ(١)، ولا تكون فاصلةٌ(٢)؛ لأنَّ الذي بعدَها ليس بمعرفةٍ، وإنَّما هو جملةٌ، والجملُ تكون نعوتاً (٣) للنكرات، فحكمُها حكمُ النكرات. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ شِيَعِ الْأَوَِّينَ ١٠ المعنى: ولقد أرسلنا من قَبِلِك رسلاً، فحذف. والشِّيَع جمعُ شِيعة، وهي الأُمَّة، أي: في أُممِهم؛ قاله ابنُ عباسٍ وقتادة. الحسن: في فِرَقِهم. والشّيعةُ: الفِرقةُ والطائفة من الناس المتآلفةُ المتفقة الكلمة، فكأنَّ الشِّيَعِ الفِرَقُ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْيَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، أي: فرِقاً (٤)، وأصلُه مأخوذٌ من الشِّياع، وهو الحطبُ الصغارُ يوقد به الكبارُ، كما تقدَّم في ((الأنعام))(٥). وقال الكلبيُّ: إنَّ الشّيَعَ هنا القُرى(٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ تسليةٌ للنبيّ ◌َ﴾، أي: كما فَعل بك هؤلاء المشركون، فكذلك فُعِل بمَن قَبلك من الرسل(٧). قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ ﴿٧ لَا يُؤْمِنُونَ بِّ، وَقَدْ خَلَتْ ﴾ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُمُ﴾ أي: الضلال والكفرَ، والاستهزاءَ والشركَ . ﴿فِي (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/٢ . (٢) وجوَّزه النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٣٧٧ . (٣) في (ظ): والجملة تكون نعتاً. (٤) ينظر النكت والعيون ١٤٩/٣، والوسيط ٤٠/٣، وزاد المسير ٣٨٤/٤ - ٣٨٥، وتفسير الطبري : ١٩/١٤ . (٥) ٨/ ٤١٤ . (٦) النكت والعيون ١٥٠/٣، وفيه ((القبائل)) بدل ((القرى))، وما عندنا نسخة في هامشه. (٧) المحرر الوجيز ٣٥٢/٣، والوسيط ٤٠/٣، وزاد المسير ٣٨٥/٤. ١٨٣ سورة الحجر: الآيات ١٢ - ١٥ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ﴾ من قومك، عن الحسن وقتادة وغيرهما. أي: كما سلكناهُ في قلوبِ مَن تقدم من شِيع الأولين؛ كذلك نَسلكُه في قلوبٍ مشركي قومِك حتى لا يؤمنوا بك، كما لم يؤمن مَن قبلهم برسلهم. وروى ابنُ جُريح عن مجاهدٍ قال: نسلكُ التكذيبَ(١). والسَّلْكُ: إدخالُ الشيء في الشيء، كإِخالِ الخيطِ في المِخْيَط. يُقال: سَلَكه يَسْلُكه سَلْكاً وسُلوكاً، وأَسلكه إسلاكاً. وسَلَك الطريقَ سُلُوكاً وسَلْكاً، وأَسلكه: دخله، والشيءَ في غيرِهِ مثله، والشيءَ كذلك، والرُّمْحَ، والخيطَ في الجوهرِ، كلُّه فَعَل وأَفعل(٢). وقال عَدِيُّ بن زيد : وقد سلكوكَ في يومٍ عَصيبٍ(٣) والسِّلكُ، بالكسر الخيطُ وفي الآيةِ ردٌّ على القَدَرية والمعتزلةِ. وقيل: المعنى: نسلك القرآنَ في قلوبِهم، فيكذبون به. وقال الحسن ومُجاهد وقتادةُ القولَ الذي عليه أكثرُ أهل التفسير، وهو ألزمُ حجةً على المعتزلةِ. وعن الحسن أيضاً: نسلكُ الذكْرَ إلزاماً للحجة(٤)؛ ذكره الغَزْنَوِيُّ. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ﴾ أي: مضت سنةُ الله بإهلاك الكفارِ، فما أقربَ هؤلاءِ من الهلاك! وقيل: ((خلت سنة الأولين)) بمثلٍ ما فعل هؤلاء من التكذيبِ والكفر، فهم يقتدونَ بأولئك(٥). قوله تعالى: ﴿وَلَوَ فَنَحْنَا عَلَتِهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ (١) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ يُقال: ظلَّ يفعل كذا، أي: يفعلُه بالنهار. والمصدرُ: الُلولُ. أي: لو أُجيبوا إلى (١) معاني القرآن للنحاس ١٢/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ٢٠ - ٢١، والنكت والعيون ١٥٠/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٢/٣ - ٣٥٣. (٢) ينظر الأفعال للسرقسطي ٤٩٥/٣، واللسان (سلك). (٣) عجز بيت، وصدره: وكنتُ لزازَ خصمِك لم أُعرِّد، وهو في مجاز القرآن ٢٩٤/١ ، وتفسير الطبري ٢٢/١٤، والأغاني ١١١/٢، وأورده إبراهيم الحربي في غريب الحديث ٣٠٣/١ دون نسبة. (٤) النكت والعيون ١٥٠/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/٢. (٥) زاد المسير ٣٨٥/٤، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٤/٣، وتفسير السمر قندي ٢١٥/٢ . ١٨٤ سورة الحجر: الآيتان ١٤ - ١٥ ما اقترحوا من الآيات، لأَصرُّوا على الكفرِ، وتعلَّلوا بالخيالاتِ(١)، كما قالوا للقرآنِ المعجز: إنه سحرٌ. (يَعْرُجُون)) من عَرَجَ يَعْرُج، أي: صَعِد. والمعارجُ: المصاعد. أي: لو صَعِدُوا إلى السماء، وشاهدوا الملكوتَ والملائكةَ، لأصرُّوا على الكفر؛ عن الحسنِ وغيره. وقيل: الضميرُ في ((عليهِم)) للمشركين. وفي ((فظَلُّوا)) للملائكة، تذهبُ وتَجيء. أي: لو كُشِف لهؤلاء حتى يُعاينوا أبواباً في السماء تصعدَ فيها الملائكةُ وتنزلُ، لقالوا : رأَينا بأبصارنا ما لا حقيقةً له؛ عن ابنِ عباسٍ وقتادة(٢). ومعنى ﴿سُكِّرَتْ﴾: سُدَّت بالسِّحرِ؛ قاله ابنُ عباس والضَّحاكُ. وقال الحسن: سُحِرت. الكلبي: أُغشيت أبصارُنا، وعنه أيضاً: عَمِيت. قتادةُ: أُخذت. وقال المُؤَرِّج: دِيرَ بنا، من الدوران، أي: صارت أبصارُنا سكرى. جُوَيْبِر: خُدِعت. وقال أبو عَمرو بنُ العلاء: ((سُكِّرت)): غُشِّيت وغُطَّيت. ومنه قولُ الشاعرِ: وطلعتْ شمسٌ عليها مِغفرُ وجعلت عينُ الحَرورِ تَسْكُرُ(٣) وقال مجاهد: ((سُكّرت)): حُبِست. ومنه قولُ أوْس بنِ حِجْر: فليست بطَلْقٍ ولا سَاكِرَه(٤) فصرت على ليلةٍ ساهره قلتُ: وهذه أقوال(٥) متقاربةٌ يجمعها قولُك: مُنِعت. (١) زاد المسير ٣٨٦/٤، والوسيط ٤٠/٣ - ٤١، وينظر الطبري ٢٣/١٤. (٢) تفسير الطبري ٢٣/١٤ - ٢٥، والوسيط ٤١/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٣/٣ . (٣) الرجز لجندل بن المثنى، ونسبه إليه الطبري ٢٩/١٤ وأورد الثاني منه، وأورده بتمامه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٤٨/١، والماوردي في النكت والعيون ١٥١/٣ دون نسبة. والحرور: الريح الحارة. الصحاح (حرر). والمعنى: يسكن حرها وتخبو. لسان العرب (قبر)، ووقع في (ظ): الجزور. (٤) البيت في ديوانه ص٣٤، وأورده في اللسان (سكر) وفيه ((جذلت)) بدل ((فصرت))، وأورده أيضاً بلفظ: فليست بطلق ولا ساكره تزاد لياليَّ في طولها وفي النكت والعيون ١٥١/٣ : ((فصرنَ)) بدل: ((فصرت)). (٥) تنظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ٢٥/١٤ - ٢٩، ومعاني القرآن للزجاج ٣/ ١٧٥، والنكت والعيون ١٥١/٣، وزاد المسير ٣٨٦/٤. ١٨٥ سورة الحجر: الآيتان ١٤ - ١٥ قال ابنُ عُزَيز(١): ((سُكِّرت أبصارُنا)): سُدَّت أبصارُنا؛ هو من قولك: سَكَّرتُ النهرَ: إذا سَدَدْتَه. ويقال: هو من سُكْرِ الشراب، كأنَّ العينَ يلحقُها ما يلحقُ الشاربَ إذا سَکِر. وقرأ ابنُ كَثير: ((سُكِرت)) بالتخفيف. والباقون بالتشديد(٢). قال ابنُ الأعرابي: سُكِرت: مُلِئت(٣). قال المهدَوِيُّ: والتخفيفُ والتشديدُ في ((سُكرت)) ظاهران، التشديدُ للتكثير، والتخفيف يؤدِّي عن معناه، والمعروف أنَّ ((سَكِرَ)) لا يتعدَّى. قال أبو علي(٤): يجوزُ أن يكون سُمِع متعدياً في البصر. ومَن قرأ: ((سَكِرت))(٥) فإنه شبَّه ما عَرَض لأبصارهم بحالِ السكران، كأنَّها جرت مجرى السكران؛ لعدم تحصيله. وقد قيل: إنَّه بالتخفيفِ، من سُكرِ الشراب، وبالتشديد مأخوذٌ من سكّرت الماء. وقيل: سُكِرت مخففاً: سُحِرت، وبالتشديد(٦): أُخِذت، ذكرهما الماوردي. وقال النَّحاسُ(٧): والمعروفُ من قراءة مجاهدٍ والحسن: ((سُكِرت)) بالتخفيف. قال الحسنُ: أي: سُحِرت. وحكى أبو عبيد، عن أبي عبيدة أنَّه يقال: سُكِّرت أبصارُهم: إذا غَشِيها سَمادِيرُ (٨) حتى لا يبصروا. وقال الفراء: مَن قرأ: ((سَكِرت)) (١) في نزهة القلوب ص٢٧٦ . (٢) السبعة ص٣٦٦، والتيسير ص١٣٦. (٣) ينظر تهذيب اللغة ٥٥/١٠، ولسان العرب (سكر). (٤) هو الفارسي، وينظر كلامه بنحوه في الحجة القراء السبعة ٤٣/٥ - ٤٤، وينظر الدر المصون ١٤٩/٧. (٥) هي قراءة الزهري كما في البحر المحيط ٤٤٨/٥ . (٦) قوله: مأخوذ من سكرت، إلى هذا الموضع من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ١٥١/٣. (٧) في معاني القرآن ١٤/٤. (٨) السَّمادير: قيل: هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السُّكر من الشراب، وغشيٍ النعاس والدوار. اللسان (سمدر)، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ٣٤٧/١، وقد نقله عنه المصنف بواسطة معاني القرآن للنحاس. ١٨٦ سورة الحجر: الآيات ١٤ - ١٦ أَخذه من سُكورِ الريحِ(١). قال النحاسُ: وهذه الأقوالُ متقاربةٌ، والأصلُ فيها ما قال أبو عَمرو بنُ العلاء رحمه الله تعالى، قال: هو من السُّكرِ في الشرابِ (٢). وهذا قولٌ حسن، أي: غَشِيهم ما غطّى أبصارَهم، كما غَشِيَ السكرانَ ما غطّى عقلَه(٣). وسكورُ الريحِ: سكونُها وفُتُورُها، فهو يرجعُ إلى معنى التحيير(٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِىِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِنَّظِرِينَ لمَّا ذكر كفرَ الكافرين، وعَجْزَ أصنامِهم، ذكر كمالَ قدرتِه؛ ليُستَدلَّ بها على وَحدانيتِه. والبروجُ: القصورُ والمنازل. قال ابنُ عباس: أي: جعلنا في السماء بروجَ الشمس والقمر، أي: منازلَهما. وأسماءُ هذه البروج: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرطان، والأَسَد، والسُّنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدَّلو، والحوت(٥). والعربُ تَعُدُّ المعرفةَ لمواقع النجومِ وأنوائها(٦) من أَجلِ العلومِ، ويستدلُّونَ بها على الطرقاتِ والأوقاتِ، والخِصبِ والجَذْب. وقالوا: الفَلَكُ اثنا عشرَ بُرجاً، كلُّ برجٍ مِيلان ونصفٌ(٧). وأَصلُ البروجِ الظهورُ؛ ومنه تَبرُّجُ المرأةِ بإظهارِ زينتها، وقد تقدَّم هذا المعنى في النساءِ(٨). وقال الحسن وقتادةُ: البروجُ: النجومُ، (١) في (د) و(ظ) ومعاني النحاس: سكون الريح، وعبارة الفراء في معاني القرآن ٨٦/٢: قد سكرت الريح إذا سكنت وركدت، ونقل المصنف كلام الفراء بواسطة معاني القرآن للنحاس. (٢) معاني القرآن ١٤/٤، وينظر الطبري ٢٦/١٤، وزاد المسير ٣٨٦/٤. (٣) ينظر تفسير الطبري ١٤/ ٢٨. (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٧٥/٣ . (٥) زاد المسير ٣٨٧/٤، وينظر الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١/ ١٦١. (٦) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: وأبوابها. (٧) كذا في النسخ غير (ظ)، ففيها: ليلتان ونصف، ولعل الصواب: منزلتان وثلث. كما ذكر المصنف في تفسير الآية (٣٩) من سورة ياسين، وينظر مفتاح دار السعادة ١٩٥/٢، ولسان العرب (برج). (٨) ٦ / ٤٦٤ - ٤٦٧ . ١٨٧ سورة الحجر: الآيات ١٦ - ١٨ وسُميت بذلك؛ لظهورِها وارتفاعِها. وقيل: الكواكبُ العظامُ؛ قاله أبو صالحٍ، يعني: السبعةَ السَّيَّارةَ(١). وقال قومٌ: ((بروجاً))؛ أي: قصوراً وبيوتاً فيها الحَرَسُ، خَلقها الله في السماءِ (٢). فالله أعلم. ﴿وَزَيَّتَهَا﴾ يعني: السماءَ، كما قال في سورةِ المُلْك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّا السََّةَ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ﴾ [الملك: ٥]. ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾: للمعتبرين والمُتَفكّرين. قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ تَّجِيمٍ ﴾﴾ أي: مرجوم. والرَّجمُ: الرميُّ بالحجارةِ. وقيل: الرجمُ: اللَّعنُ والطردُ. وقد تقدَّم(٣). وقال الكسائي: كلُّ رَجم (٤) في القرآنِ فهو بمعنى الشَّتم. وزعم الكلبيُّ أنَّ السماواتِ كلَّها لم تُحفظ من الشياطين إلى زمنٍ عيسى، فلما بعث اللهُ تعالى عيسى، حُفِظ منها ثلاثُ سماوات إلى مَبعَثِ رسولِ اللهِ ﴾، فحُفِظ جميعُها بعدَ بَعثِه، وحُرِست منهم بالشُّهُب(٥). وقاله ابنُ عباس ﴾. قال ابنُ عباس: وقد كانتِ الشياطين لا يُحجَّبون عن السماء، فكانوا يدخُلونها، ويُلقون أخبارَها إلى (٦) الكهنةِ، فيزيدونَ عليها تسعاً، فيحدِّثون بها أهلَ الأرض، الكلمةُ حقٌّ والتسعُ باطلٌ؛ فإِذا رأَوا شيئاً مما قالوه، صدَّقوهم فيما جاؤوا به، فلمَّا وُلِد عيسى ابنُ مريم عليهما السلام، مُنِعوا من ثلاثٍ سماوات، فلمَّا وُلِد محمدٌ﴾، مُنِعوا من السماواتِ كلِّها، فما منهم من أحدٍ يريدُ استراقَ السمعِ إلا رُمِيَ بشِهابٍ (٧)، على ما يأتي. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ أي: لكن مَنِ استرقَ السّمع، أي: الخَطْفةَ اليسيرة. فهو استثناءٌ منقطع. وقيل: (١) وهي: زُحَل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر. (٢) النكت والعيون ١٥٢/٣، وزاد المسير ٣٨٧/٤. (٣) ٢٠١/١١. (٤) في (د) و(ز) و(م): رجيم. (٥) النكت والعيون ١٥٢/٣. (٦) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: على. (٧) تفسير الطبري ٣٢/١٤، وتفسير أبي الليث ٢١٦/٢، والوسيط ٤١/٣، وزاد المسير ٣٨٩/٤. ١٨٨ سورة الحجر: الآية ١٨ هو مُتصل، أي: إلا ممَّن استرقَ السمع(١). أي: حَفِظنا السماءَ من الشياطين أنْ تسمعَ شيئاً من الوحي وغيره(٢)، إلا من استرق(٣) السمعَ، فإنَّا لم نحفظُها منه أن تَسمعَ الخبرَ من أخبارِ السماءِ سوى الوحي، فأمَّا الوحيُّ، فلا تَسمعُ منه شيئاً(٤)؛ لقولهِ: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]. وإذا استمعَ الشياطينُ إلى شيءٍ ليس بوحي، فإِنَّهم يَقذِفونه إلى الكَهَنةِ في أَسرعَ من طرفةٍ عين، ثم تَتَبَعُهم الشُّهبُ فتَقْتُلهم أو تَخِلُهم، ذكره الحسنُ وابنُ عباس(٥). قولُه تعالى: ﴿فَأَنْعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ أَتبعه: أَدركه ولَحِقَه. شِهابٌ: كوكبٌ مُضيءٍ (٦). وكذلك: ﴿شِهَابُ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. وقولُه: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] أي: بشعلةٍ نارٍ في رأسٍ عودٍ، قاله ابنُ عُزَيز(٧). وقال ذو الرُّمَّةِ: كأنَّه كوكبٌ في إِثْرِ عِفْرِيَةٍ مُسَوَّمٌ فِي سَوادِ الليلِ مُنْقَضِبُ(٨) وسُميَ الكوكبُ شِهاباً لأنه (٩) لبريقِه يُشبِهُ النارَ. وقيل: شهابٌ: شعلة من نار تبينُ الأهلِ الأرض(١٠)، فتحرقُهم ولا تعودُ إذا أَحرقَت، كما إِذا أَحرقتِ النارُ لم تَعُدْ، بخلافِ الكوكبِ، فإنَّه إذا أَحرقَ، عادَ إلى مكانِه. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٦/٣، وتفسير الطبري ٣٢/١٤ - ٣٣. (٢) بعدها في (ظ): من أخبار السماء. (٣) قوله: من استرق، ليس في (ظ). (٤) النكت والعيون ٣/ ١٥٢، وزاد المسير ٣٩٠/٤. (٥) ذكر قولهما الماوردي في النكت والعيون ١٥٣/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥٤/٣، وابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٣٩٠، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٣٢/١٤ - ٣٣ . (٦) الوسيط ٤١/٣ - ٤٢، وزاد المسير ٣٩٠/٤. (٧) في (ظ): عرفة، وكلام ابن عُزيز في نزهة القلوب ص٣٦٧ ، دون قوله: في رأس عود. (٨) البيت في ديوانه ١١١/١، قال شارحه أبو نصر الباهلي: وعفرية: شيطان، ومسؤَّم: مُعْلَمٌ مسؤَّم بالبياض في سواد الليل، ويكون مسوم: مخلّى عنه. ومنقضب: مُنقضٍّ. (٩) ليست في (د) و(ز) و(م). (١٠) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: لشعلة من نار قبس لأهل الأرض. ١٨٩ سورة الحجر: الآية ١٨ قال ابنُ عباسٍ: تصعدُ الشياطينُ أفواجاً تسترقُ السمعَ، فَينفردُ الماردُ منها فَيعلو، فَيُرْمَى بالشهابِ، فيصيبُ جبهتَه أو أنفَه أو ما شاء الله، فَيلتهبُ، فيأتي أصحابَه وهو يلتهبُ، فيقولُ: إنَّه كان من الأمرِ كذا وكذا، فيذهبُ أولئك إلى إِخوانهِم من الكَهَنةِ، فَيزيدون عليها تسعاً، فيُحدِّثون بها أهلَ الأرضِ، الكلمةُ حقٌّ والتسعُ باطلٌ، فإذا رأَوا شيئاً مما قالوا قد كان، صَدَّقوهم بكلِّ ما جاؤوا به من كذِبهم(١). وسيأتي هذا المعنى مرفوعاً في سورة ((سبأ)) إن شاء الله تعالى(٢). واختُلِف في الشهابِ، هل يَقتُل أم لا؟ فقالَ ابن عباس: الشهابُ يَجرحُ ويُحرِق ويَخِلُ، ولا يقتلُ. وقالَ الحسنُ وطائفةٌ: يَقتلُ؛ فعلى هذا القولِ؛ في قتلِهِم بالشُّهبِ قبلَ إلقاءِ السمعِ إلى الجنِّ قولان: أحدُهما: أَنَّهم يُقتلون قبلَ إلقائهم ما استَرقُوه من السمع إلى غيرهم، فعلى هذا؛ لا تصلُ أخبارُ السماءِ إلى غيرِ الأنبياء، ولذلك انقطعتِ الكِهانةُ. والثاني: أنَّهم يُقتَلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمعِ إلى غيرِهم من الجنِّ، ولذلك ما يعودون إلى استراقِهِ، ولو لم يصلْ، لا نقطعَ الاستراقُ، وانقطع الإحراقُ. ء(٣) ذكره الماوردي . قلتُ: والقولُ الأوّل أصحُ على ما يأتي بيانُه في ((الصَّافات))(٤). واختُلِف: هل كانَ رميٍّ بالشُّهُب قبلَ المبعثِ؟ فقال الأكثرون: نعم. وقيل: لا ، وإنَّما ذلك بعدَ المبعث(٥). وسيأتي بيانُ هذه المسألةِ في سورةِ الجن إن شاءَ الله تعالى. وفي ((الصَّافات)) أيضاً. قال الزَّجاجُ(٦): والرميُّ بالشهبِ من آياتِ النبيِّ ﴾، (١) تفسير الطبري ٣٢/١٤، وينظر تفسير السمر قندي ٢١٦/٢ . (٢) في الآية: ٢٣ . (٣) في النكت والعيون ١٥٣/٣. (٤) الآية: ٨. (٥) زاد المسير ٣٨٧/٤ - ٣٨٩. (٦) في معاني القرآن ١٧٦/٣، وينظر زاد المسير ٣٨٨/٤. ١٩٠ سورة الحجر: الآيات ١٨ - ٢٠ ممَّا حدثَ بعد مولِده؛ لأنَّ الشعراءَ في القديم لم يذكروهُ في أشعارِهم، ولم يُشَبِّهوا الشيءَ السريعَ به، كما شَبَّهوا بالبرقِ وبالسَّيلِ. ولا يبعدُ أن يقالَ: انقضاضُ الكواكبِ كان في قديمِ الزمانِ، ولكنَّه لم يكن رجوماً للشياطين، ثم صار رجوماً حين وُلِد النبيُّ ﴾(١). وقال العلماءُ: نحنُ نری انقضاضَ الکواکب، فيجوزُ أن یکونَ ذلك کما نری، ثم يصير ناراً إذا أدرك الشيطانَ. ويجوز أن يقال: يُرمَوْن بشعلةٍ من نارٍ من الهواء، فيُخيَّل إلينا أنَّه نجمٌ سَرَى. والشِّهابُ في اللغةِ: النارُ السَّاطعةُ(٢). وذكر أبو داود (٣)، عن عامر الشعبيِّ قالَ: لمَّا بُعث النبيُّ﴾ رُجِمت الشياطينُ بنجومٍ لم تكن تُرجَم بها قبلُ، فأَتَوا عبدَ يالِيل بنَ عمرو الثقفيَّ، فقالوا: إنَّ الناسَ قد فَزِعوا، وقد أَعتقوا رقيقَهم، وسَيَّوا أَنعامَهم؛ لما رأَو في (٤) النجوم. فقالَ لهم، وكان رجلاً أعمى: لا تَعجَلُوا، وانظروا، فإنْ كانتِ النجومُ التي تُعرفُ فهو (٥) عند فناءٍ الناسِ، وإن كانت لا تُعرف فهو من حَدَثٍ، فنَظروا؛ فإِذا هي نجومٌ لا تُعرفُ، فقالوا: هذا من حَدَثٍ، فلم يَلْبَثوا حتى سَمِعوا بالنبيِّ *. قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ تَوْزُونٍ ﴾ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِشَ وَمَنْ أَسْتُمْ لَهُم بِزَزِقِينَ قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ هذا من نِعَمِه أيضاً، وممَّا يدلُّ على كمالٍ قدرته. قال ابنُ عباس: بَسطناها على وجهِ الماء (٦)؛ كما قالَ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ (١) ينظر المحرر الوجيز ٣٥٤/٣ - ٣٥٥. (٢) اللسان (شهب). (٣) ليس عند أبي داود، إنما ذكره ابن عبد البر في الدرر ص١٦ - ١٧ ، عن أبي داود، وقد نقله المصنف عنه. (٤) في (ظ): ما في. (٥) في (د) و(ز) و(م): فهي (في الموضعين)، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الدرر. (٦) تفسير الرازي ١٩/ ١٧٠. ١٩١ سورة الحجر: الآيتان ١٩ - ٢٠ [النازعات: ٣٠] أي: بَسَطَها. وقال: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]. وهو يَردُّ على مَن زعم أنَّها كالكرة. وقد تقدّم(١). ﴿وَأَلْقَتْنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾: جبالاً ثابتة؛ لئلا تتحركَ بأهلها. ﴿وَأَنْبَتْنَا فِهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ﴾ أي: مقدَّر معلوم؛ قاله ابنُ عباس وسعيدُ بن جبير، وإنما قال: ((موزون))؛ لأنَّ الوزنَ يُعرَف به مقدارُ الشيءٍ. قال الشاعرُ: عندي لكلِّ مُخاصِمٍ مِيزَانُهُ(٢) قد كنتُ قبلَ لقائكم ذا مِرَّةٍ وقال قتادةُ: موزونٌ يعني: مقسوم. وقال مجاهدٌ: موزونٌ: معدودٌ(٣). ويقال: هذا كلامٌ موزونٌ، أي: منظومٌ غيرُ منتثر (٤). فعلى هذا؛ أي: أَنبتنا في الأرضِ ما يُوزَن من الجواهرِ والحيوانات والمعادنِ. وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ في الحيوان: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، والمقصودُ من الإنباتِ الإنشاءُ والإيجادُ. وقيل: ﴿أَثْنَا فِيَا﴾ أي: في الجبالِ ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ﴾ من الذهب والفضةِ والنحاسِ والرَّصاص والقَزدير(٥)، حتى الزِّرنيخ والكُحل، كلٌّ ذلك يُوزن وزناً؛ رُوي معناه عن الحسن، وابن زيد. وقيل: أنْبَتْنَا في الأرض الثمارَ مما يُكال ويُوزن. وقيل: ما يوزنُ فيه الأثمانُ؛ لأنَّه أجلُّ قدراً، وأعم (١) ص٨ من هذا الجزء، وما ذكر عن الأرض أنها كالكرة لم يعد بحاجة إلى ردّ. (٢) أورده الطبري في التفسير ٥٩٤/٢٤، والفراء في معاني القرآن ٢٨٧/٣، والماوردي في النكت والعيون ١٥٤/٣، وابن منظور في اللسان (وزن) دون نسبة. والمعنى كما قال الفراء: عندي وزن كلامه ونقضه. (٣) النكت والعيون ١٥٣/٣ - ١٥٤. وأخرج عبد الرزاق في التفسير ٣٤٦/١، والطبري في التفسير ٣٦/١٤، عن قتادة في قوله تعالى ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونِ﴾ قال: معلوم. وكذلك قول مجاهد في تفسيره ١/ ٣٤٠، وفيه: مقدر مقدور، وأخرجه الطبري في تفسيره ٣٦/١٤ بلفظ: مقدور بقدر، وأورده ابنُ الجوزي في زاد المسير ٣٩١/٤ . (٤) في النسخ الخطية: منتشر، وهما بمعنى. (٥) هو القصدير، المعدن المعروف. ١٩٢ سورة الحجر: الآيتان ١٩ - ٢٠ نفعاً مما لا ثمنَ له(١). ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَلِشَنْ﴾ يعني: المطاعمَ والمشاربَ التي يعيشون بها؛ واحدُها معيشةٌ؛ بسكون الياء. ومنه قولُ جريرٍ : ومَنْ لي بالمرقَّق والصِّنابِ(٢) تُكلِّفُنِي مَعِيشةَ آلِ زيدٍ والأصلُ: مَعْيِشةٌ؛ على مَفْعِلة؛ بتحريك الياء. وقد تقدَّم في الأعراف(٣). وقيل: إنَّها الملابسُ؛ قاله الحسن. وقيل: إنها التصرفُ في أسبابِ الرزق مدةَ الحياة. قال المَاورديُّ(٤): وهو الظاهرُ. ﴿وَمَن ◌َّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ﴾ يريد الذَّوابَّ والأَنعام؛ قاله مجاهدٌ(٥). وعنده(٦) أيضاً: همُ العبيدُ والأولادُ الذين قالَ الله فيهم: ﴿فَنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]. ولفظ ((من)) يجوز أن يتناولَ العبيدَ والدوابَّ إذا اجتمعوا؛ لأنه إذا اجتمعَ مَن يَعقِل وما لا يَعقل؛ غُلِّبَ مَن يعقل، أي: جعلنا لكم فيها معايشَ وعبيداً وإماءً ودوابَّ وأولاداً نرزقُهم ولا تَرزقونهم. فـ((من)) على هذا التأويل في موضع نصبٍ؛ قال معناه مجاهدٌ وغيرُه. وقيل: أرادَ به الوحشَ. قال سعيدٌ: قرأَ علينا منصورٌ: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ﴾ قال: الوحشُ. فـ((مَن)) على هذا تكون لِما لا يَعقِلُ؛ مثلُ ﴿فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ (١) ينظر تفسير الطبري ٣٦/١٤ - ٣٧، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٦/٣، والنكت والعيون ١٥٤/٣، والوسيط ٤٢/٣، وزاد المسير ٣٩١/٤ . (٢) البيت في تذييل ديوانه ٨١٢/٢، وطبقات فحول الشعراء ٣٩١/٢ - ٣٩٢، والكامل للمبرد ٢٠٢/١-٢٠٣، ووقع في تذييل الديوان: ((بالصلائق)) بدل ((بالمرقَّق))، والصلائق جمع صَليقة، وهي الخبزة الرقيقة، والقطعة المُشواة من اللحم، كما في اللسان (صلق). والصِّناب: صباغ يتخذ من الخردل والزبيب. اللسان (صنب). وزيد هو رجلٌ من أهل اليمامة يُعرف بابن النجار. قاله ابنُ سلَّم في الطبقات. (٣) ٩ /١٦٠. (٤) في النكت والعيون ٣/ ١٥٤ . (٥) في تفسيره ١/ ٣٤٠ . (٦) في (ظ): وعنه. ولم نقف عليه عنده، وعزاه الماوردي في النكت والعيون ١٥٤/٣ إلى ابن بحر. ١٩٣ سورة الحجر: الآيات ١٩ - ٢١ الآية [النور: ٤٥]، وهي في محلِّ خفضٍ عطفاً على الكافِ والميمٍ في قوله: ((لكم)). وفيه قبحٌ عند البصريين؛ فإنَّه لا يجوز عندَهم عطفُ الظاهرِ على المضمرِ إلَّا بِإِعادةٍ حرفِ الجرِّ؛ مثل: مررتُ به وبزيدٍ. ولا يجوزُ: مررتُ به وزيدٍ إلَّا في الشعرِ(١). كما قال : فاليومَ قرَّبتَ(٢) تَهجُونا وتَشْتِمُنا فَاذْهَبْ فما بكَ والأيام من عَجَبٍ (٣) وقد مضَى هذا المعنى في ((البقرةِ)) وسورةِ النساءِ (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآِتُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّنْ شَىءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ أي: وإن من شيءٍ من أرزاقٍ الخلق ومنافعِهم إلا عندنا خزائنُه؛ يعني: المطرَ المُنزَّلَ من السماءِ؛ لأنَّ به نباتَ كلِّ شيءٍ. قال الحسنُ: المطرُ خزائنُ كلِّ شيءٍ. وقيل: الخزائنُ: المفاتيحُ، أي: في السماءِ مفاتيحُ الأرزاقِ؛ قاله الكلبيُّ. والمعنى واحدٌ (٥). ﴿وَمَا نُقَزِلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي: ولكن لا ننزِّله إلا على حَسَبِ مشيئتِنا، وعلى حسب حاجةِ الخلقِ إليه؛ كما قال: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اَلْأَرْضِ وَلَكِن يَزِلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧]. ورويَ عن ابنِ مسعود، والحَكَم بن عُتَيْبَة وغيرِهما أنَّه ليس عامٌ أكثرَ مطراً من عام، ولكنَّ اللهَ يُقسِّمه كيفَ شاء، فيُمْطَر قومٌ ويُحرَم (١) الطبري ٣٧/١٤ - ٣٩، والمحرر الوجيز ٣٥٥/٣، وزاد المسير ٣٩١/٤ - ٣٩٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٨/٢، ومعاني القرآن للفراء ٨٦/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٧/٣ . (٢) في (ظ): أقبلتَ. (٣) أورده سيبويه في الكتاب ٣٨٣/٢، والمبرد في الكامل ٩٣١/٢، دون نسبة. وقال البغدادي في خزانة الأدب ١٢٣/٥: على أن حرف الجر قد يترك ضرورة عند البصريين، أي: ما بك وبالأيام عجب. ومعنى قربتَ: جعلتَ وأخذتٌ. وقال أيضاً ١٢٩/٥: والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل. (٤) ٦ / ٧ . (٥) النكت والعيون ١٥٥/٣ . ١٩٤ سورة الحجر: الآيتان ٢١ - ٢٢ آخرون. وربَّما كان المطرُ في البحارِ والقِفار(١). والخزائنُ جمعُ الخزانةِ، وهو الموضعُ الذي يَستُر فيه الإنسانُ ما له. والخِزانةُ أيضاً مصدر خَزَنْ يَخْزُن(٢). وما كان في خِزانةِ الإنسانِ كان مُعَدًّا له، فكذلك ما يُقَدِّرُ عليه الربُّ؛ فكأنه مُعَدٌّ عنده؛ قاله القشيري. وروى جعفرُ بنُ محمد، عن أبيه، عن جده، أنه قال: في العرشِ مثالُ كلِّ شيءٍ خلقه الله في البرِّ والبحرِ. وهو تأويلُ قولِه تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآئِنُهُ﴾ (٣). والإنزالُ بمعنى الإنشاءِ والإيجاد، كقوله: ﴿وَأَنَزَّلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَّةً أَزْوَجِ﴾ [الزمر: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقيل: الإنزال بمعنى الإعطاء، وسماه إنزالاً؛ لأنَّ أحكامَ الله إنما تَنزِل من السماء. قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَلَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ﴾ قراءةُ العامةِ: ((الرياح)) بالجمع. وقرأ حمزةُ بالتوحيد(٤)؛ لأنَّ معنى الريح الجمعُ أيضاً وإن كان لفظُها لفظَ الواحد، كما يُقال: جاءتِ الريح من كل جانبٍ(٥)، كما يقال: أرضٌ سَباسِبُ (٦) وثوبٌ أخلاقٌ. وكذلك تفعلُ العربُ في كل شيءٍ اتسعَ. وأما وجهُ قراءةِ العامة، فلأنَّ الله تعالى نعتها (١) تفسير الطبري ٣٩/١٤ - ٤٠، والنكت والعيون ١٥٥/٣، وزاد المسير ٣٩٢/٤. (٢) ينظر اللسان (خزن). (٣) تفسير البغوي ٣/ ٤٧ . (٤) التيسير ص٧٨، والسبعة ١٧٢ - ١٧٣ . (٥) حجة القراءات لابن زنجلة ص ٣٨٢، وتفسير الطبري ١٤/ ٤١ . (٦) السبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة. القاموس المحيط (سبب). وينظر تفسير الطبري ٤١/١٤ - ٤٢ . ء ١٩٥ سورة الحجر: الآية ٢٢ بـ ((لواقح)) وهي جمع. ومعنى لواقح: حوامل؛ لأنها تحمل الماءَ والتراب والسَّحاب والخير والنفع(١). قال الأزهري(٢): وجعلَ الريحَ لاقحاً؛ لأنَّها تحملُ السحابَ؛ أي: تُقِلُّه وتُصَرِّفه ثم تَمْرِيه (٣) فتستَدِرُّه، أي: تُنزله؛ قال الله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] أي: حملت. وناقةٌ لاقح، ونُوقٌ لواقح: إذا حَملتِ الأجنَّةَ في بطونِها. وقيل: لواقحُ بمعنى مُلْقِحة، وهو الأصلُ، ولكنها لا تُلقِح إلا وهي في نفسها لاقح، كأنَّ الرياحَ لَقِحَت بخير. وقيل: ذوات لَفْحِ، وكلُّ ذلك صحيحٌ، أي: منها ما يُلقِح الشجرَ؛ كقولهم: عيشة راضية، أي: فيها رضاً، وليل نائم، أي: فيه نومٌ. ومنها ما تأتي بالسحابِ. يقال: لَقِحَتِ الناقةُ، بالكسر، لَقَحاً ولَقاحاً، بالفتح، فهي لاقح. وأَلقحها الفحلُ، أي: أَلقى إليها الماءَ فَحملته(٤)، فالرياحُ كالفحلِ للسحاب. قال الجوهري(٥): ورياحٌ لَواقحُ، ولا يقال: مَلاقح، وهو من النوادر. وحكى المهدويُّ عن أبي عبيدة(٦): لواقحُ بمعنى ملاقح، ذهبَ إلى أنَّه جمع مُلْقِحة ومُلْقِح، ثم حُذِفت زوائدُه(٧). وقيل: هو جمعُ لاقحةٍ ولاقحِ، على معنى ذاتِ اللّقاحِ؛ على الَّسَب(٨). ويجوزُ أن يكونَ معنى لاقح حاملاً، والعربُ تقولُ للجَنوب: لاقح وحامل، وللشَّمال: حائل وعقيم. (١) ينظر المحرر الوجيز ٣٥٦/٣. (٢) تهذيب اللغة ٤/ ٥٥ - ٥٦ . (٣) مَرَتِ الريحُ السحاب إذا أنزلت منه المطر. اللسان (مري). (٤) في تفسير الرازي ١٩/ ١٧٥. (والكلام فيه بنحوه): ألقى الماء فيها فحملت. (٥) في الصحاح (لقح). (٦) في مجاز القرآن ٣٤٨/١ . (٧) الوسيط للواحدي ٣/ ٤٢ . (٨) أي: النسب بغير ياء قال رضي الدين الاستراباذي في شرح شافية ابن الحاجب ٨٤/٢ : يجيء بعض ما هو على فَعَّال وفاعل بمعنى ذي كذا من غير أن يكون اسم فاعل أو مبالغة فيه. وينظر الدر المصون ٧/ ١٥٤ . ١٩٦ سورة الحجر: الآية ٢٢ وقال مُبيد بن عُمير: يرسلُ الله المُبشِّرةَ فتَقُمُّ الأرضَ قَمَّا، ثم يرسل المُثيرةَ فتثيرُ السحاب، ثم يرسلُ المُؤلِّفة فتُؤْلِفُه، ثم يَبعثُ اللواقحَ فتُلقِحُ الشجرَ. وقيل: الريحُ الملاقحُ التي تحملُ الندى فتمجُّه في السحابِ، فإذا اجتمعَ فيه صار مطراً(١). وعن أبي هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((الريحُ الجنوبُ من الجنةِ، وهي الريحُ اللواقحُ التي ذكرها اللهُ في كتابِهِ، وفيها منافعُ للناس)»(٢). ورُوي عنه عليه الصلاة والسلامُ أنه قالَ: ((ما هبَّتْ جَنوبٌ إلا أَنبعَ الله بها عيناً غَدَقة))(٣). وقال أبو بكر بنُ عيَّاش: لا تقطرُ قطرةٌ من السَّحابِ إلا بعدَ أن تعملَ الرياحُ الأربعُ فيها، فالصَّبَا تُهيِّجُه، والدَّبُور تُلقِحُه، والجَنوبُ تُدِرُّه، والشَّمال تُفرِّقه(٤). الثانية: روى ابنُ وهب وابنُ القاسم وأشهبُ وابنُ عبد الحكم عن مالكٍ - واللفظُ لأشهبَ - قال مالكٌ: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾، فَلَقاحُ القمحِ عندي أن يُحْبِّبَ ويُسَنْبِلَ، ولا أدري ما يَنْبَسُ في أكمامِه، ولكن يُحبِّب حتى يكونَ لو يَیِس حينئذٍ لم يكن فساداً لا خيرَ فيه(٥). ولقاحُ الشجرِ كلِّها أن تُثمرَ، ثم يسقط منها ما يسقطُ، ويثبتَ ما يثبت، وليس ذلك بأن تَورَّد. قال ابنُ العربي(٦): إنَّما عوَّل مالكٌ في هذا التفسيرِ على تشبيهِ لَقاحِ الشجرِ بَلَقَاحِ (١) أخرجه الطبري ١٤/ ٤٥. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٦/١٤، وضعَّف ابن كثير إسناده. (٣) ذكره البغوي في التفسير ٤٧/٣، والماوردي في النكت والعيون ١٥٥/٣، وقال الشافعي في الأم ٢٢٥/١، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ٣٦٤/٣: وبلغني أن قتادة قال: قال رسول الله ﴾: ما هبت جنوب قط إلا أسالت وادياً. (٤) تفسير الطبري ٤٥/١٤ - ٤٦، والبغوي ٤٧/٣، والنكت والعيون ١٥٥/٣، والمحرر الوجيز ٣٥٦/٣ - ٣٥٧، وزاد المسير ٣٩٣/٤ - ٣٩٤. وأحكام القرآن لابن العربي ١١١٤/٣. (٥) في (م): فساد الأخير فيه. (٦) في أحكام القرآن ١١١٤/٣، والكلام منه من أول المسألة الثانية. ١٩٧ سورة الحجر: الآية ٢٢ الحَمْلِ، وأنَّ الولدَ إذا عَقَدَ وخُلِقٍ ونُفِخ فيه الروحُ، كان بمنزلةٍ تَحبُّبِ الثمرِ وتَسُلِه؛ لأنه سُمي باسم تشتركُ فيه كلُّ حاملةٍ، وهو اللَّقاحُ، وعليه جاءَ الحديثُ: نهى النبيُّ ﴾ عن بيعِ الحَبِّ حتى يَشتَّ(١). قال ابنُ عبدِ البَرّ (٢): الإِبَارُ عندَ أهلِ العلم في النخل: التلقيحُ، وهو أن يُؤخذَ شيءٌ من طلعِ (٣) النخلِ، فَيُذْخَلَ بين ظهرانَي طلعِ الإناث. ومعنى ذلك في سائرِ الثمارِ ظهورُ(٤) الثمرةِ من التينِ وغيرِه حتى تكونَ الثمرةُ مرئيةً منظوراً إليها. والمعتبرُ عند مالكٍ وأصحابِه فيما يُذَكَّر من الثمارِ التذكيرُ، وفيما لا يُذكَّر أن يَثبتَ من نُوَّارِه ما يَثبت، ويَسقطَ ما يَسقط. وحدُّ ذلك في الزرع ظُهورُه من الأرض؛ قاله مالكٌ. وقد رُويَ عنه أنَّ إِبارَه أن يُحبِّبَ. ولم يختلفِ العلماءُ أن الحائطَ إذا انشقَّ طلعُ إناثِه، فأُخِّر إِبارُه؛ وقد أُبِّر غيرُه ممَّن حالُه مثلُ حالِه؛ أنَّ حكمَه حُكْمُ ما أُبُّر؛ لأنه قد جاءَ عليه وقتُ الإِبارِ وثمرتُه ظاهرةٌ بعد تغيبها في الجُفِّ(٥). فإن أُبِّر بعضُ الحائط، كان ما لم يُؤْبَّر تبعاً له، كما أنَّ الحائطَ إذا بدا صلاحُه، كان سائرُ الحائطِ تبعاً لذلك الصلاحِ في جوازٍ بیعِه. الثالثة: روى الأئمةُ كلُّهم عن ابنِ عمرَ قال: سمعتُ رسولَ الله# يقول: ((مَنِ ابتاعَ نخلاً بعد أن تُؤبَّر؛ فثمرتُها للذي باعَها إلا أن يَشترطَ المبتاعُ. ومنِ ابتاع عبداً؛ فمالُه للذي باعَه إلا أن يَشترطَه المبتاع))(٦). (١) أخرجه أبو داود (٣٣٧١)، والترمذي (١٢٢٨)، وابن ماجه (٢٢١٧)، وأحمد (١٣٣١٤) من حديث أنس بن مالك ﴾. (٢) في التمهيد ٢٩١/١٣. (٣) بعدها في (م): ذكور. (٤) في (د) و(ز) و(م): طلوع، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٢٩١/١٣. (٥) في (د) و(ز) و(م): الحب، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٢٩١/١٣، والجُفُّ: وعاء الطلع. القاموس (جفف). (٦) أخرجه البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠)، وأبو داود (٣٤٣٣)، والترمذي (١٢٤٤)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٢٩٧، وفي الكبرى (٤٩٩١)، وابن ماجه (٢٢١١)، وأحمد (٤٥٥٢). ١٩٨ سورة الحجر: الآية ٢٢ قال علماؤنا: إنَّما لم يَدخلِ الثمرُ المؤبَّرُ مع الأصولِ في البيع إلا بالشرطِ؛ لأنَّه عينٌ موجودةٌ يُحاطُ بها، أُمِنَ سقوطُها غالباً، بخلافِ التي لم تُؤبر؛ إذ ليس سُقوطُها مأموناً، فلم يَتْحقّقْ لها وجود، فلم يَجُزْ للبائعِ اشتراطُها، ولا استثناؤها؛ لأنَّها كالجنين، وهذا هو المشهورُ من مذهبٍ مالك. وقيل: يجوزُ استثناؤها، وهو قولُ الشافعي. الرابعة: لو اشتُرِيَ النخلُ وبقي الثمرُ للبائع؛ جازَ لمشتري الأصلِ شراءُ الثمرةِ قبل طِيبها على مشهورٍ قولِ مالك، ويرى لها حكمَ التبعية، وإن أُفرِدتْ بالعقد. وعنه في روايةٍ: لا يجوزُ، وبذلك قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ، والثوري وأهلُ الظاهرِ، وفقهاءُ الحديث، وهو الأظهرُ من أحاديثِ النهي عن بيعِ الثمرةِ قبل بُدوِّ صلاحِها(١). الخامسة: وممَّا يتعلقُ بهذا البابِ النَّهيُ عن بيعِ الملاقح، والمَلاقِحُ: الفحولُ من الإبل، الواحدُ مُلقِحٍ. والمَلاقِحُ أيضاً: الإناثُ التي في بطونِها أولادُها، الواحدةُ مُلقَحة بفتحِ القاف. والملاقيحُ: ما في بطونِ النوقِ من الأَجِنَّة، الواحدةُ مَلقوحة، من قولهم: لُقِحَت، كالمحموم من حُمَّ، والمجنون من ◌ُنَّ(٢). وفي هذا جاء النَّهيُ. وقد رُويَ عن النبيِّ﴾: أنه نهى عن المَجْر (٣)، وهو بيعُ ما في بطونِ الإناث، ونَهى عن المَضامينِ والمَلاقيح(٤). قال أبو عبيد: المضامينُ: ما في البطون، وهي الأجنَّة. والملاقيحُ: ما في أَصلابِ الفحول. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيب وغيرِه. وقيل بالعكس: إنَّ المضامين ما في ظُهورِ الجمال، والمَلاقيحَ ما في بطونِ الإِناث. وهو قولُ ابنِ حبيب وغيرِهِ. وأَيُّ الأمرين كان، فعلماءُ المسلمين مجمعون على أنَّ ذلك لا يجوزُ. وذكر المُزنيُّ عن ابنِ هشامٍ شاهداً بأنَّ الملاقيحَ ما في البطونِ لبعضٍ (١) المفهم ٣٩٩/٤ . (٢) الصحاح (لقح). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٤٤٠)، والبيهقي ٣٤١/٥، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٤) أخرجه البزار (١٢٦٨ - كشف الأستار)، والطبراني (١١٥٨١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ١٩٩ سورة الحجر: الآية ٢٢ الأعراب: مَنَّيْتَني (١) مَلاقحاً في الأَبطُنِ تُنْتَجِ ما تَلْقَحُ بعد أزْمُنٍ وذكر الجوهري(٢) على ذلك شاهداً قولَ الراجز: خَيراً من الثَّأنانِ والمسائلِ إِنَّا وَجدنا طَرَدَ الهَوامِلِ مَلقوحةً في بطنِ نابٍ حاملٍ (٣) وعِدَةِ العامِ وعامٍ قابلٍ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السَّحاب. وكلُّ ما علاك فأَظلَّك يُسمَّى سماء. وقيل: من جهةِ السَّماء. ﴿مَآءَ﴾ أي: قَظْراً. ﴿فَلْقَيْنَكُمُ﴾ أي: جعلنا ذلك المطرَ لسُقياكم ولشُربٍ مواشيكم وأرضِكم. وقيل: سَقى وأَسقى بمعنَى. وقيل: بالفرقٍ، وقد تقدَّم(٤). ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ أي: ليست خَزائنُه عندكم، أي: نحنُ الخازنون لهذا الماءِ نُنزله إذا شِئنا، ونُمسِكه إذا شئنا. ومثلُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِهِ. لَقَدِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]. وقال سفيانُ: لستم بمانعين المطرَ(٥). (١) في (م) واللسان (لقح): منيتي، والمثبت من النسخ الخطية، والتمهيد لابن عبد البر ٣١٥/١٣، وعنه نقل المصنف، وتهذيب اللغة ٥٣/٤ ، واللسان (لقح). ووقع في التمهيد ((شهاب)) بدل ((هشام))، وقد جاء مصرَّحاً به في التهذيب واللسان وهو: عبد الملك بن هشام. (٢) في الصحاح (لقح). (٣) في تهذيب اللغة ٥٢/٤، والصحاح واللسان وأساس البلاغة (لقح): ((حائل)) بدل: ((حامل))، ونَسبَه الزمخشري إلى مالك بن الريب. والمعنى كما قال الحسن اليوسي في المحاضرات ٢/ ٥٥٠-٥٥١ : إنَّ سرقة الإبل الهوامل - أي: التي لا راعي معها - خير لنا من الأنين والتشكي وسؤال الناس، فهذا يردنا، وهذا يَعِدنا بالعطاء في العام أو القابل جنيناً في بطن أمه. (٤) ٢ /١٣٥. (٥) تفسير الطبري ٤٦/١٤ - ٤٧، والنكت والعيون ١٥٥/٣ - ١٥٦، وتفسير البغوي ٤٨/٣، وزاد المسير ٣٩٤/٤ - ٣٩٥ . ٢٠٠ سورة الحجر: الآيتان ٢٣ - ٢٤ ٢٣ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّتِىِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَرِقُونَ أي: مَنْ قَدَر على هذه الأشياء قادرٌ على الإماتةِ ثم الإحياء بعدها ﴿ وَفَحْنُ الْوَرِثُونَ﴾ (١) أي: الأرضَ ومَن عليها، ولا يبقى شيءٌ سوانا. نظيرُه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]. فمُلكُ كلِّ شيءٍ لله تعالى، ولكن مَلَّكَ عبادَه أَملاكاً، فإِذا ماتوا، انقطعتِ الدَّعاوى، فكانَ الله وارثاً من هذا الوجه(٢). وقيل: الإحياءُ في هذه الآية إحياءُ النطفة في الأرحام، فأمَّا البعثُ، فقد ذَكَرِه بعدَ هذا في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِنَا الْمُسْتَفْخِرِينَ (٢٤) فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِنَا الْمُسْتَِّنَ﴾ فيه ثمانِ تأويلات : الأوَّلُ: ((المستقدِمِين)): في الخلقِ إلى اليوم، و((المستأخرين)): الذين لم يُخلَقوا بعد؛ قاله قتادةُ وعكرمةُ وغیرُهما. الثاني: ((المستقدِمِين)): الأموات، و((المستأخرين)): الأَحياء؛ قاله ابنُ عباس والضَّحاك. الثالث: ((المستقدمين)): مَن تقدَّم أمةً محمد﴾، و((المستأخرين)): أُمةُ محمدٍ ﴾؛ قاله مجاهد. الرابع: ((المستقدمين)): في الطاعةِ والخير، و((المستأخرين)): في المعصيةٍ والشر؛ قاله الحسنُ وقتادةُ أيضاً. الخامس: ((المستقدمين)) في صفوفِ الحرب، و((المستأخرين)) فيها؛ قاله سعيدُ ابن المسيب. (١) قوله: أي: من قدر إلى هنا ليس في (د) و(ز) و(م). (٢) ينظر تفسير الوسيط للواحدي ٤٢/٣ - ٤٣ ) وتفسير البغوي ٤٨/٣، وتفسير الرازي ١٩/ ١٧٧.