النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة إبراهيم: الآيات ٤٢ - ٤٤ والهواء في اللغة: المجوّفُ الخالي، ومنه قول حسان: ألا أَبلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي فأنتَ مُجوَّفٌ نَخِبُّ هَواءُ(١) وقال زهير يصف ناقةً صغيرة الرأس : من الظُّلْمانِ جُوُجُوهُ هَواءٍ(٢) كأنَّ الرَّحْلَ مِنها فوقَ صَعْلٍ فارٌ، أي: خالٍ، وفي التنزيل: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَرِغً﴾ [القصص: ١٠] أي: من كلِّ شيءٍ إلا من همِّ موسى. وقيل: في الكلام إضمار، أي: ذاتُ هواءٍ وخلاء. قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَاً أَخِرْناً إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعَوَتَكَ وَنَتَّجِعِ الرُّسُلِّ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ @﴾ قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: أراد أهل مكة(٣). ﴿يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ﴾ وهو يوم القيامة، أي: خَوَّفْهم ذلك اليوم، وإنما خصَّه(٤) بيوم العذاب - وإن كان يوم الثَّواب - لأنَّ الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: في ذلك اليوم: ﴿رَبَّاً أَخِرِنَا﴾ أي: أمْهِلْنا(٥). ﴿إِلَى أَجَلِ قَريبٍ﴾ سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهرَ الحقُّ في الآخرة(٦). ﴿يُحِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أي: إلى الإسلام ﴿وَنَّيِحٍ (١) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٤٤/١، والبيت في ديوان حسان ص٩. (٢) ديوان زهير ص٦٣، وفي (م) و(د): الرجل. قوله: صَعْل، أي: دقيق الرأس والعنق، وظليم: هو الذكر من النَّعام، جمعها: ظِلمان. قال ثعلب في شرحه للديوان: كأن الرحل منها: من هذه الناقة. فوق صعلٍ: فوق ظليمٍ دقيق العُنق صغير الرأس. جؤجؤه: صدره. هواءُ: لا مُتَّ فيه. (٣) الوسيط للواحدي ٣٦/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٣٧٢ . (٤) في (ظ): خُصَّ، وفي (ز) و(د) و(م): خصَّهم، والمثبت من (ف)، وهو موافق لما في النكت والعيون ١٤٢/٣، (والكلام منه) وينظر زاد المسير ٣٧٢/٤ . (٥) تفسير البغوي ٤٠/٣ . (٦) النكت والعيون ١٤٢/٣ . ١٦٢ سورة إبراهيم: الآية ٤٤ الرُّسُلُّ﴾. فيُجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ﴾ يعني: في دار الدنيا(١). ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ قال مجاهد: هو قَسَمُ قريش أنهم لا يُبعثون(٢). ابن جُرَيج: هو ما حكاه عنهم في قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اَللَّهُ مَنْ يَمُوتْ﴾(٣) [النحل: ٣٨]. ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ زَوَالٍ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما لكم من انتقالٍ عن الدنيا إلى الآخرة، أي: لا تُبعثون ولا تُحشرون. وهذا قول مجاهد. والثاني: ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي: من العذاب(٤). وذكر البيهقيُّ(٥) عن محمد بن كعب القُرَظيِّ قال: لِأهلِ النَّارِ خمسُ دَعَواتٍ: يُجيبهم اللهُ في أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلَّموا بعدها أبداً، يقولون: ﴿رَبَّآ أَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَنْتَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]. فيُجيبهم الله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. ثم يقولون: ﴿رَبََّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] فيُجيبهم الله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]. ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِرِئَآَ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أُحِبْ دَعَوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلُ﴾ فيُجيبهم اللـهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنِ زَوَالٍ﴾ فيقولون: ﴿رَبََّآَ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فيُجيبهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِرُّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَِّمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ويقولون: ﴿رَبََّا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِّينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦]، فيُجيبهم (١) ينظر تفسير أبي الليث ٢/ ٢١٠، وتفسير البغوي ٤٠/٣، وزاد المسير ٣٧٢/٤. (٢) أخرجه الطبري ٧١٥/١٣ - ٧١٦ بمعناه. (٣) لم نقف عليه من قول ابن جريج، وإنما هو تتمة كلام مجاهد السالف. : (٤) النكت والعيون ١٤٢/٣ وعزا القول الثاني للحسن، وأخرج قول مجاهد الطبري ٧١٥/١٣ بنحوه. (٥) في البعث والنشور (٦٦٠)، وفي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف. ١٦٣ سورة إبراهيم: الآيات ٤٤ - ٤٦ الله تعالى: ﴿أَخَْثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. فلا يتكلمون بعدها أبداً. خرَّجه ابن المبارك في ((رقائقه)) بأظْوَلَ من هذا - وقد كتبناه في كتاب ((التذكرة))(١) - وزاد في الحديث: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قال: هذه الثالثة، وذكر الحديث، وزاد بعد قوله: ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ فانقطع عند ذلك الدعاءُ والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض؛ ينبَح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم. قال: فحدَّثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكرَ له أن ذلك قوله: ﴿هَذَا يَُّ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥-٣٦]. قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اَللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦ قوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: في بلاد ثَمود ونحوها، فهلًا اعتبرتُم بمساكنهم بعد ما تبيَّن لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن(٢). وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي: ((ونُبَيِّنْ لَكُمْ)) بنون، والجزم على أنه مستقبل، ومعناه الماضي(٣)، وليناسب قوله: ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾. وقراءة الجماعة: ((وَتَبِيِّنَ))، وهي مثلها في المعنى؛ لأن ذلك لا يتبيَّنُ لهم إلا بتبيين اللهِ إِيَّاه. (١) ص٤١٧ - ٤١٩، ولم نقف عليه في الرقائق لابن المبارك، وقد ذكر المصنف هناك في التذكرة أن ابن المبارك رواه عن الحكم، والحكم هذا: هو ابن ظهير، وهو متروك، واتهمه ابن معين. تقريب التهذيب. (٢) ينظر تفسير أبي الليث ٢١٠/٢، والوسيط للواحدي ٣٦/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٧٢/٤ . (٣) القراءات الشاذة ص٦٩، والمحرر الوجيز ٣٤٥/٣، ونقل فيه ابن عطية أيضاً عن أبي عبد الرحمن أنه قرأ بضم النون ورفع النون الأخيرة، وینظر زاد المسير ٤/ ٣٧٢ . ١٦٤ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٥ - ٤٦ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ أي: بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة. عن ابن عباس وغيره(١). ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اُلِبَالُ﴾ ((إن)» بمعنى ((ما)» أي: ما كان مكرُهم لتزولَ منه الجبال؛ لضعفه ووهنه. و((إن)) بمعنى ((ما)) في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]. الثالث: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن تَنَّفِذَ لَمْوََّ لََّتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّ﴾ [الأنبياء: ١٧] أي: ما كنا. الرابع: ﴿قُلّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨١]. الخامس: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَآ إِن مَكَّنَّكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقرأ الجماعة: ((وإن كان) بالنون. وقرأ عمر وعليّ(٢) وابن مسعود وأُبيّ: ((وإن كاد)) بالدال(٣). والعامة على كسر اللام في ((لِتزولَ)) على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصباً (٤). وقرأ ابن مُحيْصِن وابن جريج والكِسائي: (لَتَزُولُ))(٥) بفتح اللام الأولى على أنَّها لامُ الابتداء، ورفع الثانية، و((إنْ)) مخفَّفة من الثَّقيلة، ومعنى هذه القراءة: استعظامُ مكْرِهم، أي: ولقد عظُمَ مِكرُهُم حتى كادتِ الجبالُ تزول منه(٦). قال الطَّبري (٧): الاختيار القراءة الأولى؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة. قال أبو بكر الأنباري: ولا حجةً على مصحف المسلمين في الحديث الذي حذَّثناه أحمد بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع بن الجرَّاح، عن (١) ينظر النكت والعيون ١٤٢/٣. (٢) في (ز) و(د) و(م): عمرو بن علي، وهو خطأ. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٣/٢، والمحتسب ٣٦٥/١، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٣، والنكت والعيون ١٤٣/٣، وزاد المسير ٣٧٤/٤ . (٤) ينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٤٠٧ . (٥) قراءة الكسائي من السبعة، وينظر السبعة ص٣٦٣، والتيسير ص١٣٥، وذكرها الطبري ٧٢٠/١٣ عن ابن ◌ُریج عن مجاهد. (٦) ينظر الحجة في القراءات لابن زنجلة ص٣٧٩ والوسيط ٣٦/٣، والمحرر الوجيز ٣٤٦/٣. (٧) في تفسيره ١٣/ ٧٢٤ . ١٦٥ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٥ -٤٦ إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن دانيال قال سمعت عليَّ بن أبي طالبٍ ﴾ يقول: إنَّ جبَّاراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتَّى أعلم من في السماوات، فعَمَدَ إلى فراخٍ نُسُورٍ، فأمر أن تُطعَم اللحم، حتى إذا (١) اشتدَّتْ وعَضَلتْ واستعلجتْ؛ أمرَ بأن يُتَّخِذَ تابوتٌ يسَعُ فيه رجلين، وأن يُجعَلَ فيه عصاً؛ في رأسها لحمٌ شديدٌ حُمرتُه، وأن يُسْتَوثَقَ من أرجل النسور بالأوتاد، وتُشدّ إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحبٌ له في التابوت، وأَثَارَ النُّسورَ، فلما رأتِ اللحمَ طلَبَتْه، فجعلت ترفع التابوتَ، حتى بلغت به ما شاء الله، فقال الجبَّارُ لصاحبه: افتح البابَ فانظُرْ ما ترى؟ فقال: أرى الجبالَ كأنَّها ذبابٌ. فقال: أغلقِ الباب؛ ثم صعَدَتْ بالتابوت ما شاء الله أن تصعَدَ، فقال الجبَّارُ لصاحبه: افتح الباب فانظُرْ ما ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء، وما تزداد مِنَّا إلا بُعْداً. فقال: نَكِّسِ العصا. فنكَّسها، فانقضَّتِ النُّسور، فلما وقع التابوت على الأرض سُمِعتْ له هَدَّةٌ كادتِ الجبالُ تزولُ عن مراتبها منها. قال: فسمعتُ عليًّا ﴾ يقرأ: ((وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ)) بفتح اللام الأولى من ((لتزول)) وضم الثانية (٢). وقد ذكر الثَّعلبيُّ(٣) هذا الخبر بمعناه، وأن الجبَّار هو النُّمرود الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ قال عكرمة: كان معه في التابوت غلامٌ أمرد، وقد حمل القوس والنَّبل، فرمى بهما، فعاد إليه مُلطّخاً بالدم، وقال: كُفيتْ نَفْسُكَ(٤) إلهَ السّماء. قال عكرمة: تَلَّخَ بدم سمكةٍ من السماء، قذفتْ نفسَها إليه من بحرٍ في الهواء مُعلّق. وقيل: طائرٌ من الطير أصابه السَّهمُ، ثم أمر نُمرودُ صاحبه أن يضرب العصا وأن يُنكِّس اللحم، (١) لفظة: إذا من (ظ). (٢) أخرجه الطبري ٧٢١/١٣ من طريق وكيع، به وأخرجه الطبري ٧١٨/١٣ من طريق سفيان الثوري، و ٧١٩/١٣ من طريق شعبة، كلاهما عن أبي إسحاق، به. لكن وقع في روايتيهما تسمية الراوي عن علي: عبد الرحمن بن أذنان، وهو مجهول، فقد ترجم له البخاري في التاريخ الكبير ٢٥٥/٥، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢١٠/٥، ولم يذكرا عنه راوياً سوى أبي إسحاق، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ثقاته ٥/ ٨٧ على عادته في توثيق المجاهيل. (٣) في عرائس المجالس ص٩٨ - ٩٩. (٤) هكذا في النسخ، وفي العرائس: كفيت شغل. ١٦٦ سورة إبراهيم: الآيتان ٤٥ - ٤٦ فهبطتِ النُّورُ بالتابوت، فسمعتِ الجبالُ حفيفَ التابوتِ والنّسورِ ففزعت، وظنَّتْ أنه قد حدَثَ بها حدَثٌ من السماء، وأنَّ الساعة قد قامت، فذلك قوله: ((وإنْ كانَ مكرهُمْ لَتَزُولُ منهُ الجبالُ)). قال القُشَيريُّ: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. وذكر الماورديُّ(١) عن ابن عباس: أنَّ النُّمرود بن كنعان بَنَى الصَّرح في قرية الرَّسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعاً، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد منه مع النُّسور، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصَّنَ فيه، فأتى اللهُ بنيانَه من القواعد، فتداعى الصَّرحُ عليهم، فهلكوا جميعاً، فهذا معنى: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ . وفي الجبال التي عنى زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما: جبال الأرض، والثاني: الإسلام والقرآن؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال(٢). وقال القُشَيريُّ: ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالمٌ بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاءُ مكرهم، فحذف المضاف. ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ بكسر اللام، أي: ما كان مكرهم مكراً يكون له أثرٌ وخطرٌ عند الله تعالى، فالجبال مَثَلٌ لأمر النبي ﴾(٣). وقيل: ((وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ) في تقديرهم ((لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)) ويؤثِّر في إيطال الإسلام. وقُرِئَ: ((لَتَزُولُ منهُ الجبالُ)) بفتح اللام الأولى وضم الثانية، أي: كان مكراً عظيماً تزول منه الجبال(٤). ولكنَّ اللهَ حفِظَ رَسولَه ◌َ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٣] (١) في النكت والعيون ١٤٢/٣. (٢) المصدر السابق. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٦/٣ - ١٦٧، ومشكل إعراب القرآن ٤٠٧/١، والبيان لابن الأنباري ٦٢/٢، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥. (٤) معاني القرآن للفراء ٧٩/٢. والقراءة المذكورة هي قراءة الكسائي، وقد ذكرها المصنف قريباً. ١٦٧ سورة إبراهيم: الآيات ٤٧ - ٥٢ والجبال لا تزول، ولكنَّ العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون. ٤٧ قوله تعالى: ﴿فَلَ تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أُنشِقَاءٍ قوله تعالى: ﴿فَلَ تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ:﴾ اسمُ الله تعالى و((مخلف)) مفعولا تحسب؛ و((رُسُلَهُ)) مفعول ((وَعْدِهِ»، وهو على الاتساع، والمعنى: مخلفَ رُسُلِهِ وَغْدَهُ(١) قال الشاعر: تَرَى الثَّوْرَ فیھا مُدْخِلَ الظُّلِّ رأسَهُ وسائِرُهُ بادٍ إِلى الشَّمْسِ أَجْمَعُ(٢) قال القُتَّبيُّ (٣): هو من المُقدَّم الذي يوضِّحه التأخير، والمؤخّر الذي يوضِّحه التقديم، وسواء في قولك: مخلف وعدِه رسلَه، ومخلف رسلِه وعده. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ﴾ أي: من أعدائه. ومن أسمائه: المنتقم، وقد بيَّنَّه في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى)) (٤). قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتِّ وَبَرَزُواْ لِلَِّ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ @ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ @ لِيَجْزِىَ اَللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ هَذَا بَغْ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنََّا هُوَ إِلَهٌ وَِدٌ وَلِيَذْكَّرَ أُوْلُواْ الْحِسَاب @ الأَلْبُپ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيَّرَ الْأَرْضِ﴾ أي: أُذكُرْ يوم تبدّل الأرض، و((غيرَ)) نعتٌ لمحذوف، التقدير: أرضاً غيرَ الأرض. ويحتمل أن يكون المراد: إنَّ اللهَ عزيزٌ (١) وقع في النسخ غير (ظ): مخلف وعده رسله، وفي (ظ): رسله وعده، دون لفظة: مخلف، والمثبت من مشكل إعراب القرآن ٤٠٨/١ . (٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٨٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٣/٢، والبيان لابن الأنباري ٢/ ٦٢. (٣) في تأويل مشكل القرآن ص١٤٨ . (٤) لم نقف عليه في المطبوع منه. ١٦٨ سورة إبراهيم: الآيات ٤٨ - ٥٢ ذو انتقام يومَ تُبدَّلُ الأرض(١)، فيكون متعلقاً(٢) بما قبله. وقيل: هو صفةٌ لقوله: يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٣). واختُلِفَ في كيفية تبديل الأرض، فقال كثيرٌ من الناس: إنَّ تبدُّل الأرض عبارةٌ عن تغير صفاتها، وتسويةٍ آكامها، ونسفِ جبالها، ومدِّ أرضها. ورواه ابن مسعود ﴾، خرَّجه ابن ماجه في ((سننه)»(٤). وذكره ابن المبارك من حديث شَهْر بن حَوْشَب قال: حدَّثني ابنُ عباس قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّتِ الأرضُ مدَّ الأديم، وزِيدَ في سَعتها كذا وكذا؛ وذكر الحديث(٥). ورُوي مرفوعاً من حديث أبي هُريرة، أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرضِ، فيبسُطُها ويمدُّها مدَّ الأديم العُكَاظيِّ، لا ترى فيها ◌ِوجاً ولا أَمْتاً، ثم يزجرُ اللهُ الخلقَ زجرةً فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى، مَن كان في بطنها ففي بطنها، ومَن كان على ظهرها كان على ظهرها)) ذكره الغَزْنَويّ(٦). وتبدیلُ السماءِ تکویرُ شمسِها وقمرها، وتناثرُ نجومها. قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرَّةً كالمُهْل ومرَّةً كالدِّهان. حكاه ابن الأنباري(٧). وقد ذكرنا هذا الباب مُبيّناً في كتاب ((التذكرة)»(٨) وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأنَّ الصحيح إزالة هذه (١) من قوله: و((غير)) إلى هذا الموضع من (ظ). (٢) المثبت من (ظ)، وفي باقي النسخ: فتكون متعلقةً. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٩/٣. (٤) برقم (٤٠٨١)، وأخرجه أحمد (٣٥٥٦) عن ابن مسعود مرفوعاً، وفي إسناديهما مؤثر بن عفازة، وهو مجهول. (٥) الزهد لابن المبارك - زوائد نعيم بن حماد - (٣٥٣)، وشهر بن حوشب ضعيف. (٦) وأخرجه الطبري ٧٣٥/١٣ - ٧٣٦ من طريق إسماعيل بن رافع القاص، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة مرفوعاً. إسماعيل بن رافع ويزيد بن أبي زياد متروكان. ميزان الاعتدال ٢٢٧/١ و٤٢٥/٤ . (٧) نقله عنهما ابن الجوزي في زاد المسير ٣٧٦/٤ . (٨) ص ١٩٠ - ١٩٣. ١٦٩ سورة إبراهیم: الآيات ٤٨ - ٥٢ الأرض حسب ما ثبت عن النبيِّ ﴾: روى مسلم(١) عن ثَوْبان مولى رسول اللـه :﴿ قال: كنتُ قائماً عند رسول الله ﴾، فجاءه خَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: السلامُ عليك ... وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهوديُّ: أين يكون الناس يوم تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماوات؟ فقال رسول الله#: ((في الظلمة دون الجِسر))(٢). وذكر الحديث. وخرَّجَ عن عائشة قالت: سُئِلَ رسولُ الله﴾ عن قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَالسَّمَوَثِّ﴾ فأين يكون الناسُ يومئذٍ؟ قال: ((على الصراط)). خرَّجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء، وخرَّجه الترمذيُّ عن عائشة وأنها هي السائلة، وقال: هذا حديث حسن صحيح(٣). فهذه الأحاديث تنصُّ على أنَّ السماواتِ والأرضَ تُبدَّل وتُزال، ويخلق اللهُ أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجِسْر. وفي ((صحيح مسلم)) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله﴾: ((يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاءَ عَفْراء كقُرْصَة النَّقِيِّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد))(٤). وقال جابر: سألتُ أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ اُلْأَرْضُ غَرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تُبدَّل خُبْزةً يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿وَمَا (١) في صحيحه (٣١٥). (٢) أي: الصراط. إكمال المعلم ٢/ ٦٥٣. (٣) صحيح مسلم (٢٧٩١)، وسنن ابن ماجه (٤٢٧٩)، وسنن الترمذي (٣١٢١)، وهو في مسند أحمد (٢٤٠٦٩). (٤) صحيح مسلم (٢٧٩٠)، وأخرجه البخاري (٦٥٢١)، وقوله: ((ليس فيها علمٌ لأحد)) ليس من كلام النبي ، وجاء التصريح بذلك في رواية البخاري، ونَّه الحافظ في الفتح ٣٧٥/١١ على أن هذه العبارة أدرجت في الحديث في رواية مسلم. ومعناه: أنه ليس فيها علامة سكنى أو بناء أو أثر. والعفراء: البيضاء المائلة إلى الحمرة؛ والنَّقيّ: هو الدقيق الحوري، وهو الدرمك. شرح صحيح مسلم للنووي ١٣٤/١٧ ٠ ١٧٠ سورة إبراهيم: الآيات ٤٨ - ٥٢ جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ (١) [الأنبياء: ٨]. وقال ابن مسعود: إنها تُبدَّلُ بأرضٍ غيرِها بيضاءَ كالفضة، لم يُعْمَلْ عليها خطيئة (٢). وقال ابن عباس: بأرضٍ من فضَّةٍ بيضاء(٣). وقال عليٍّ ه: تُبدَّل الأرض يومئذٍ من فضة، والسماءُ من ذهب(٤). وهذا تبديل العين، وحسبُكَ. ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾ أي: من قبورهم، وقد تقدَّم. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ وهم المشركون. ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿ُقَرَّنِينَ﴾ أي: مشدودين ﴿فِى الْأَصْفَادِ﴾: وهي الأغلال والقيود، واحدها صَفْد وصَفَد. ويقال: صَفَدتُه صَفْداً، أي: قَيَّدتُه، والاسمُ: الصَّفَد، فإذا أردتَ التكثير قلتَ: صَفَّدتُه تصفيداً؛ قال عمرو بن كُلْثوم(٥) : فأبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبايا وأُبْنَا بِالمُلوكِ مُصَفَّدينا أي: مقيَّدينا. وقال حسان (٦): مِن كلِّ مأْسُورٍ يُشَدُّ صِفَادُهُ صَفْرٍ إذا لاقَى الكريهةَ حامي أي: غلُّهُ، وأصفدتُه إصفاداً: أعطيتُه. وقيل: صَفَدتُه وأَصْفَدتُه جاريان في القيد والإعطاء جميعاً؛ قال النابغة: (١) مجمع البيان ٢٣٩/١٣ . (٢) أخرجه الطبري ٧٢٩/١٣ و٧٣٠، وأبو الشيخ في العظمة (٦٠٠)، والحاكم ٤/ ٥٧٠ وصحَّح إسناده. وأخرجه البزار (١٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٠٣٢٣)، وفي الأوسط (٧١٦٧)، وابن عدي ٢/ ٥٤٧ عن ابن مسعود مرفوعاً. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٤٥/١٠: رواه البزار، وفي إسناده جرير بن أیوب، وهو مجمعٌ على ضعفه. (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٣٤ . (٤) أخرجه الطبري ٧٣٤/١٣ وفيه ((الجنة)) بدل ((السماء)). (٥) في معلقته ص ١٠٠ . (٦) ديوانه ص٢١٥ . ١٧١ سورة إبراهيم: الآيات ٤٨ - ٥٢ فَلَمْ أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللعْنَ بالصَّفَدِ (١) فالصَّفَدُ: العطاء؛ لأنه يُقيِّد ويُعَبِّد(٢)؛ قال أبو الطيب: ومَن وَجَدَ الإِحسانَ قَيْداً تَقِيَّدا(٣) وقَيَّدتُ نفسِي في ذَرَاكَ مَحَبَّةٌ قيل: يُقرَنُ كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ في غُلِّ، بيانِه قوله: ﴿لَخْشُرُواْ الَّذِينَ لَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] يعني: قرناءهم من الشياطين. وقيل: إنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي(٤). ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أي: قُمُصُهُم. عن ابن دُرَيد وغيره، واحدها سِرْبال(٥)، والفعل: تَسربلتُ وسَربلتُ غيري؛ قال كعب بن مالك: مِنْ نَسْجِ دَاودَ في الْهَيْجا سَرابيلُ (٦) تَلْقَاكُمُ عَصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْ ﴿مِّنْ قَطِرَانٍ﴾ يعني: قَطِران الإبل الذي تُهْنَأ به. قاله الحسن(٧). وذلك أبلَغُ لاشتعال النار فيهم(٨). وفي الصحيح: أنَّ النائحةَ إذا لم تَتُبْ قبل موتها تُقام يومَ القيامة وعليها سِربالٌ من قَطِرانٍ ودِرْعٌ من جَرَب(٩). ورُوي عن جماعةٍ (١٠) أنهم قالوا: هو النُّحاس(١١). (١) وصدره: هذا الثناءُ فإن تسمَعْ به حسناً، والبيت في ديوان النابغة الذبياني ص٣٧ . (٢) أي: يُذَلِّل. (٣) ديوان أبي الطيب المتنبي ١٥/٢. وقوله: ذَرَاك، أي: كنفك. الصحاح (ذرا). (٤) ينظر تهذيب اللغة ١٤٨/١٢-١٤٩، والنكت والعيون ١٤٤/٢-١٤٥. (٥) جمهرة اللغة ٣٠٥/٣ لابن دريد، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٤٥/١ والنكت والعيون للماوردي ١٤٥/٣ . (٦) ديوان كعب ص٢٠٣، وفيه: مما يُعِدُّون للهيجا، بدل: من نسج داود في الهيجا. (٧) أخرجه عنه الطبري ٧٤٣/١٣، ونقله أبو الليث في تفسيره ٢/ ٢١٢، والماوردي في النكت والعيون ١٤٥/٣ ، وابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٣٧٧ . (٨) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٧٠ . (٩) صحيح مسلم (٩٣٤) من حديث أبي مالك الأشعري، وأخرجه أحمد (٢٢٩٠٣). (١٠) من (ظ)، وفي بقية النسخ: حماد. (١١) أخرجه الطبري ١٣/ ٧٤٣، ٧٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. ١٧٢ سورة إبراهيم: الآيات ٤٨ - ٥٢ وقرأ عيسى بن عمر: ((قَطْرَانٍ)) بفتح القاف وتسكين الطاء(١). وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء (٢)؛ ومنه قول أبي النَّجْم: جَوْنٌ كَأَنَّ الْعَرَقَ الْمَنْتُوحا لَبَّسَهُ الْقِظْرَانَ والْمُسُوحا(٣) وقراءة رابعة: ((مِنْ قِظْرٍ آنٍ)) رُويت عن ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وسعيد بن جُبير ويعقوب (٤). والقِظْرُ: النحاس، والصُّفْر المُذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿مَاتُونِ أُفْرِعُ عَلَيْهِ قِظَّرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. و((آن)(٥): الذي قد انتهى حرُّه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَ ◌َيْمٍ مَانٍ﴾(٦) [الرحمن: ٤٤]. ﴿وَتَغْثَى﴾ أي: تضرب ﴿وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ فَتُغَشِّيها. ﴿لَِجْزِىَ اَللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أي: بما كسبت. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تقدَّم (٧). قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ﴾ أي: هذا الذي أنزلنا إليك بلاٌ؛ أي: تبليغٌ وعِظَةٌ. ﴿وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ.﴾ أي: لِيُخوَّفوا عقابَ الله عزَّ وجلَّ. وقُرِئَ: ((وَلِيَنْذَرُوا)) بفتح الياء والذال(٨)، يقال: نَذِرتُ بالشيء أَنْذَرُ: إذا علمتَ به فاستعددتَ له، ولم يستعملوا منه مصدراً كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم استغنَوا بأن والفعل، كقولك: سَرَّني أن نَذِرتُ بالشيء. (١) ذكر الطبري ١٣/ ٧٤٢ أن عيسى بن عمر كان يقرأ: ((من قِطْران)) بكسر القاف، أما قراءة فتح القاف وإسكان الطاء فقد ذكرها أبو حيان في البحر ٥/ ٤٤٠ عن عمر وعلي. (٢) وهي قراءة عيسى بن عمر فيما ذكره الطبري كما في التعليق السابق. (٣) ديوان أبي النجم ص٨٣. قوله: جَوْن، أي: أسود، أو أبيض (ضدٍّ). أو الأسود المشرب حمرة. والمُسوح: جمع مِسْح، وهو الكساء من الشعر. (٤) القراءات الشاذة ص ٧٠، والمحتسب ٣٦٦/١. وينظر المحرر الوجيز ٣٤٨/٣، وزاد المسير ٣٧٧/٤ . والقراءة المشهورة عن يعقوب - وهو من العشرة - كقراءة الجماعة. (٥) من (ظ)، وفي غيرها: الآن. (٦) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٧٠، والنكت والعيون ١٤٥/٣. (٧) ٣٥٩/٣ - ٣٦٠. (٨) المحتسب ٣٦٧/١. ١٧٣ سورة إبراهيم: الآيات ٤٨ - ٥٢ ﴿وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ أي: وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾ أي: وليتَّعِظَ أصحاب العقول(١). وهذه اللامات في ((وَلِيُنْذَرُوا)) ((وَ لِيَعْلَمُوا)) ((وَلِيَذَّكَّرَ)) متعلقةٌ بمحذوف؛ التقدير: ولذلك أنزلناه(٢). وروى يَمان بن رِئَاب أنَّ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﴾(٣). وسُئِلَ بعضُهم: هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم. قيل: وأين هو؟ قال: قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ.) إلى آخرها. تَمَّ تفسير سورة إبراهيم عليه السلام، والحمد لله. (١) النكت والعيون للماوردي ١٤٦/٣، والوسيط للواحدي ٣٧/٣. (٢) ينظر الوسيط للواحدي ٣٧/٣، وزاد المسير ٣٧٨/٤. (٣) النكت والعيون ١٤٦/٣. حَيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرََّ آلْ تفسير سورة الحجر قوله تعالى: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ تقدَّم معناه(١). و((الكتاب)) قيل فيه: إنَّه اسمٌ لجنسٍ الكتب المتقدِّمةِ من التوراة والإنجيل، ثم قرنَهما بالكتابِ المبين. وقيل: الكتابُ هو القرآنُ، جَمَع له بينَ (٢) . الا سمين قوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ (رُبَّ)) لا تدخلُ على الفعل، فإذا لَحِقَتْها ((ما))؛ هيَّأتها(٣) للدخول على الفعل، تقولُ: ربَّما قام زيدٌ، وربما يقومُ زيد. ويجوزُ أن تكونَ ((ما)) نكرةً بمعنى شيءٍ، و((يوذُ» صفةً له، أي: رُبَّ شيءٍ يودُّ الكافر(٤). وقرأَ نافعٌ وعاصمٌ: ((رُبَما)) مخفَّف الباء. الباقون مشدّدة(٥)، وهما لغتان. قال أبو حاتم: أهلُ الحجازِ يُخفِّفُون ((ربَّما))(٦)؛ قال الشاعر(٧): (١) ١٠/ ٤٤٥ - ٤٤٧ . (٢) ينظر النكت والعيون للماوردي ٣/ ١٤٧. (٣) في (ظ) و(د) و(ز): لحقه ... هيأه. (٤) ينظر تفسير الطبري ٦/١٤، ومعاني القرآن للأخفش ٦٠٢/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٧٣/٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧ . (٥) السبعة ص٣٦٦، والتيسير ص١٣٥ . (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٧٥/٢. (٧) هو عدي بن الرَّعلاء الغسَّاني، وسلف البيت ١٢/٥. ١٧٥ سورة الحجر: الآية ٢ بين بُصْرَى وطعنةٍ نجلاءِ . رُبَّما ضربةٍ بسيفٍ صقيلٍ وتميمٌ وقيس وربيعةُ يثقِّلونها(١). وحُكيَ فيها: رَبَّمَا وَرَبَمَا، ورَبَّتَمَا ورَبَتَمَا، بتخفيف الباء وتشديدها أيضاً(٢). وأصلُها أن تُستعمل في القليلِ، وقد تُستعمل في الكثيرِ، أي: يَودُّ الكفارُ في أوقاتٍ كثيرةٍ لو كانوا مسلمين(٣)؛ قاله الكوفيون. ومنه قول الشاعر: أَلا ربَّما أهْدَتْ لك العينُ نظرةً قُصاراكَ منها أنَّها عنك لا تُجدِي(٤) وقال بعضهم: هي للتقليل في هذا الموضع؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها(٥)؛ لشغلِهم بالعذاب، والله أعلم. وقال: ((رُبَمَا يَوَدُّ) وهي إنَّما تكون لما وقع؛ لأنه لِصدقِ الوعد كأنه عيانٌ قد كان. وخرَّج الطبرانيُّ أبو القاسم من حديثٍ جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﴾: ((إنَّ ناساً من أمَّتي يدخلون النارَ بذنوبهم، فيكونون في النارِ ما شاءَ الله أن يكونوا، ثم يُعيِّرُهم أهلُ الشرك(٦)، فيقولون: ما نرى ما كنتم تُخالفونا فيه من تصديقِكم وإيمانِكم نَفَعكم، فلا يبقَى موحِّدٌ إلَّا أخرجَه اللهُ من النار، ثم قرأَ رسولُ الله ﴾: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾))(٧) . (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٧٥/٢، وفيه: ((بكر)) بدل ((ربيعة)). (٢) وقال ابن هشام في المغني ص ١٨٤ : وفي ربَّ ستَّ عشرةً لغةً: ضُّ الراء وفتحها، وكلاهما مع التشديد والتخفيف، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث ساكنة أو محركة ومع التجرد منها، فهذه اثنتا عشرة، والضمُّ والفتح مع إسكان الباء، وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف. (٣) ينظر النكت والعيون ١٤٨/٣، والمحرر الوجيز ٣٤٩/٣. (٤) في (د) و(ز): تجزي، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١٤٨/٣. (٥) النكت والعيون ١٤٨/٣ . (٦) في (ظ): النار. (٧) المعجم الأوسط للطبراني (٥١٤٢)، ونسبه السيوطي في الدر المنثور ٩٢/٤ لابن مردويه، وصحح إسناده. وقال الهيثمي في المجمع ٣٧٩/١٠: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، غير بسام الصيرفي وهو ثقة. ١٧٦ سورة الحجر: الآيتان ٢ - ٣ قال الحسن: إذا رأى المشركون المؤمنين(١) وقد دخلوا الجنةَ، ومأواهم(٢) في النار، تمنَّوا أنَّهم كانوا مسلمين. وقال الضَّحَّاك: هذا التمنِّي إنَّما هو عند المعاينةِ في الدنيا حين تبيَّن(٣) لهم الهدى من الضلالة. وقيل: في القيامةِ إذا رأوا كرامةً المؤمنين، وذُلَّ الكافرين(٤). قولُه تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ أَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَرّهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديدٌ لهم. ﴿وَيُلَّهِعِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: يَشغلُهم عن الطاعة. يُقال: أَلهاه عن كذا، أي: شَغله، ولَهِيَ هو عن الشيء يَلْهَى(٥). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا رأَوا القيامة، وذاقوا وَبالَ ما صنعوا. وهذه الآيةُ منسوخةٌ بالسيف(٦). الثانية: في ((مسند)) البزار، عن أنس قال: قال رسولُ الله ﴾: ((أربعةٌ من الشقاءِ: جُمُودُ العينِ، وقساوةُ (٧) القلب، وطُولُ الأمل، والحِرْصُ على الدُّنيا))(٨). وطولُ الأمل داءٌ عُضالٌ ومرضٌ مُزْمن، ومتى تمكَّن من القلب فسدَ مِزاجُه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع(٩) فيه دواء، بل أعيا الأطباءَ، ويئس من (١) في (د) و(ز) و(م): المسلمين، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في النكت والعيون ١٤٨/٣. (٢) في (ظ) و(د) و(ز): وما رأوهم، وفي النكت والعيون ١٤٨/٣: وصاروا هم. (٣) في (ظ): حتى يتبين. (٤) النكت والعيون ١٤٧/٣ - ١٤٨ . (٥) تهذيب اللغة ٤٢٨/٦ . (٦) المحرر الوجيز لابن عطية ٣/ ٣٥٠، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٨٢/٤، وآية السيف هي قوله. تعالى: ﴿فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. (٧) في (د) و(ز): وقساء (٨) كشف الأستار (٣٢٣٠)، وسلف ٢٠٥/٢، ونقلنا ثمة كلام الذهبي فيه: حديث منكر. (٩) في (ظ): ينجع. ١٧٧ سورة الحجر: الآية ٣ بُرْئِه الحكماءُ والعلماء. وحقيقةُ الأملِ: الحرصُ على الدنيا، والانكبابُ عليها، والحب(١) لها، والإعراضُ عن الآخرة. ورُويَ عن رسولِ الله﴿ أنه قال: ((نجا أولُ هذه الأمةِ باليقين والزهدِ، ويَهلِك آخرُها بالبخل والأمل))(٢). ويُروى عن أبي الدرداءِ ﴾، أنَّه قامَ على دَرَج مسجد دمشق، فقال: يا أهلَ دمشقَ، أَلَّا تسمعونَ من أخٍ لكم ناصح، إنَّ مَن كان قبلَكم؛ كانوا يجمعون كثيراً، ويبنون مُشَيَّداً، وَيأمُلون بعيداً، فأصبح جمعُهم بُوراً، وبنيانُهم قبوراً، وأملُهم غروراً، هذه عادٌ قد ملأتِ البلادَ أهلاً ومالاً، وخيلاً ورجالاً، فمَن يشتري مني اليوم تركتَهم بدرهمين(٣)؟! وأُنشد (٤): يا ذا(٥) المؤملُ آمالاً وإِن بَعُدت منه ويزعمُ أنْ يَخْظَى بأقصاها أصبحتَ في ثقةٍ من نَيْل أدناها أنَّى تفوزُ بما ترجوه وَيْكَ وما وقال الحسن: ما أطالَ عبدٌ الأملَ إلا أساء العملَ. وصدقَ ﴾؛ فالأمل يُكسِلُ عن العمل(٦)، ويُورثُ التراخِيَ والتوانيَ، ويُعقِبُ التشاغلَ والتقاعُس، ويُخلِدُ إلى (١) في (ظ): والحث. (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي الدنيا في اليقين (٣) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤٨٩٦). وعبد الله بن لهيعة ضعيف. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٦٤٦)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٨٦/٧ ، والمزي في تهذيب الكمال ١٠٦/٥ - ١٠٧، من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعاً. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤٧٠٢) و(٤٨٩٥): إسناده محتمل للتحسين، ومتنه غريب. (٣) أخرجه - مختصراً مطولاً - ابن المبارك في الزهد (٨٤٧)، وابن أبي شيبة ٣٠٥/١٣ - ٣٠٦، وأبو نعيم في الحلية ٢١٣/١، والبيهقي في الشعب (١٠٧٣٩) و(١٠٧٤٠)، والخطيب في تاريخ بغداد ٤ /٩٥ - ٩٦ . (٤) في (ظ): وأنشدوا، ولم نقف على هذين البيتين. (٥) في (ظ): يأتي. (٦) في (ظ): فالعمل يكسل عنه الأمل. ١٧٨ سورة الحجر: الآيات ٣ - ٧ الأرض، ويُميلُ إلى الهوى. وهذا أمرٌ قد شُوهد بالعِيان، فلا يحتاج إلى بيان، ولا يُظْلَب صاحبُه ببرهان، كما أنَّ قِصَر الأمل يبعث على العمل، ويَحمِل(١) على المبادرة، ويحثُّ على المسابقة. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ٤ أي: أجلٌ مؤقّت كُتِب لهم في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَفْخِرُونَ ((من)) صلةٌ؛ كقولك: ما جاءني من أحدٍ، أي: لا تتجاوزُ أجلَها فتزيدُ عليه، ولا تتقدَّم قبلَه(٢). ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا ◌َءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَّأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِيِنَا بِالْمَلَمِكَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ٧ قاله كفار قريش لمحمدٍ# على جهةِ الاستهزاء، ثم طلبوا منه إتيانَ الملائكة دَلالةً على صدقِه. و((لَوْ مَا)) تحضيضٌ على الفعل، كـ ((لولا)) و((هلَّا))(٣). وقال الفرَّاء: الميم في ((لو ما)) بدلٌ من اللام في ((لولا)). ومثلُه: استولى على الشيء. واسْتَوْمَى عليه، ومثلُه: خالَمْتُه وخاللته، فهو خِلِّي وخِلْمي، أي: صديقي(٤). وعلى هذا يجوز ((لو ما)) بمعنى الخبر، تقول: لوما زيدٌ لِضُرِب عمرٌو. قال الكسائي: لولا ولوما سواءٌ في الخبر والاستفهام. قال ابن مُقْبِل: ببعض ما فيكما إذْ عبتُما عَوَرِي(٥) لَوْمَا الحياءُ ولوما الدِّينُ عِبتُكما (١) في (د) و(ز) و(م): ويحيل. (٢) ينظر زاد المسير لابن الجوزي ٣٨٣/٤. (٣) ينظر الوسيط للواحدي ٤٠/٣، وزاد المسير ٣٨٣/٤ . (٤) تفسير الرازي ١٥٩/١٩، وينظر اللسان (ولي). (٥) في (ظ) و(ز): عَودي، والبيت في ديوان ابن مقبل - وهو تميم - ص٧٦، وفيه: لولا، بدل: لوما = ١٧٩ سورة الحجر: الآيات ٦ - ٨ يريد: لولا الحياءُ. وحكى النحاس(١): لوما، ولولا، وهلَّا؛ واحدٌ. وأنشدَ أهلُ اللغة على ذلك: بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا(٣) تَعُدُّون عَقْرَ النِّيبِ(٢) أفضلَ مَجْدِکم أي: هلَّا تَعُدُّون الكَمِيَّ المُقَنَّعا. قوله تعالى: ﴿مَا نُفِّلُ الْمَلَتَمِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنْظَرِينَ قرأَ حفص وحمزةُ والكسائي: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْخِ﴾ واختارَه أبو عُبيد. وقرأ أبو بكر والمفضَّل: ﴿مَا تُنَزَّلُ الملائكةُ﴾. الباقون: ﴿مَا تَنَزَّلُ الملائكةُ﴾ (٤). وتقديرُه: ما تتنزل؛ بتاءين، حذفت إحداهما تخفيفاً، وقد شدَّد التاءَ البَزِّيُّ(٥). واختاره أبو حاتم اعتباراً بقوله: ﴿نَنَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]. ومعنى ﴿إِلَّا بِالْحِّ﴾: إلا بالقرآن. وقيل: بالرسالة؛ عن مجاهد. وقال الحسن: إلَّا بالعذاب إن لم يؤمنوا(٦). ﴿وَمَا كَانُواْ إِذَّا مُنْظَرِينَ﴾ أي: لو تنزلت الملائكةُ بإهلاكِهم؛ لَما أُمْهِلوا، ولا قُبلت لهم توبةٌ. وقيل: المعنى: لو تنزلت الملائكةُ تشهدُ لك، فكفروا بعد ذلك؛ لم يُنظَرُوا(٧). وأصلُ ((إذاً)): إذْ أنْ(٨)، ومعناه: حينئذٍ، فضُمَّ = في الموضعين، ورواية المصنف في تفسير الطبري ١٥/١٤، ومجاز القرآن ٣٤٦/١. (١) في معاني القرآن ١٠/٤. (٢) في (د) و(ز): النبت. (٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٩٠٧/٢، وسلف ٣٤٢/٢ ونسبه المصنف ثمة للأشهب بن رُميلة، و٣٦٨/٨. (٤) السبعة ص٣٦٦، والتيسير ص١٣٥، وأبو بكر: هو شعبة راوي عاصم. (٥) التيسير ص٨٣ . (٦) النكت والعيون ١٤٩/٣، وأثر مجاهد في تفسيره ٣٣٩/١، وأخرجه عنه الطبري ١٧/١٤ - ١٨. (٧) ينظر الوسيط للواحدي ٣/ ٤٠، وتفسير السمر قندي ٢١٥/٢، والمحرر الوجيز ٣٥١/٣. (٨) نسبه المالقيُّ في رصف المباني في شرح حروف المعاني ص٦٩ - ٧٠ إلى الكوفيين، ثم رده من وجهين، أحدهما: أن الأصل في الحروف البساطة، ولا يدَّعى التركيب إلا بدليل قاطع. والثاني: أنها لو كانت مركبة من ((إذ)) و((أن)) لكانت ناصبة على كل حال، تقدمت أو تأخرت، وعدم العمل أحياناً دليل على عدم التركيب. ١٨٠ سورة الحجر: الآيتان ٨-٩ إليها أنْ، واستثقلوا الهمزةَ فحذفوها. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ من أن يُزاد فيه أو يُنقَص منه (١). قال قتادةُ وثابت البُنَانِيُّ: حفظه الله من أن تزيدَ فيه الشياطين باطلاً، أو تَنقُص منه حقًّا(٢). فتولَّى سبحانه حفظَه، فلم يزل محفوظاً، وقال في غيره: ﴿بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ﴾ [المائدة: ٤٤]، فوَكَل حفظَه إليهم، فبدَّلوا وغيروا(٣). أنبأنا الشيخُ الفقيه الإمام أبو القاسم عبدُ اللـه (٤)، عن أبيه الشيخِ الفقيه الإمامِ المحدث أبي الحسن عليٍّ بن خلف بن مَعزوز الكُومي التِّلِمْساني قال: قُرئ على الشيخةِ العالمة فخرِ النساء شُهْدةَ بنتِ أبي نصر أحمدَ بنِ الفرج الدِّينَورِيِّ، وذلك بمنزلها بدارٍ السلام في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وستين وخمس مائة، قيل لها: أخبركم الشيخ الأجلُّ العامل نقيبُ النقباء أبو الفوارس طِرادُ بن محمد الزينبي قراءةً عليه وأنت تَسمعينَ سنة تسعين وأربع مائة، أخبرنا عليٍّ بن عبدِ الله بن إبراهيم، حدَّثنا أبو علي عيسى بنُ محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبدِ العزيز بن جُريج المعروف بالُومَارِي، حدَّثنا الحسينُ بن فهم قال: سمعت يحيى بنَ أكثم(٥) يقول: كان للمأمون - وهو أميرٌ إذ ذاك(٦) - مجلسُ نظر، فدخل في جملةِ الناس رجلٌ يهودي حسنُ الثوب، حسنُ الوجه، طيبُ الرائحة. قال: فتكلمَ، فأحسن الكلام (١) معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٧٤ . (٢) أخرجه عنهما عبد الرزاق في التفسير ١/ ٣٤٥، وأخرجه عن قتادة الطبري في التفسير ١٨/١٤ - ١٩. (٣) بداية سقط في (ظ). (٤) هو: عبد الله بن علي بن خلف بن معزوز الكومي، ذكره الصفدي في الوافي بالوفيات ٤٧٩/١٥-٤٨٢ في ترجمة سنجر الأمير علم الدين الدواداري في عداد شيوخه، وقد روى عنه سنجر بمنية بني خصيب. (٥) هو: قاضي القضاة أبو محمد، يحيى بن أكثم بن محمد بن قَطَن، ولد في خلافة المهدي، وكان من أئمة الاجتهاد، وله تصانيف منها كتاب ((التنبيه)). (ت ٢٤٢هـ). أخبار القضاة لوكيع ٢/ ١٦١، وسير أعلام النبلاء ٥/١٢ . (٦) قوله: وهو أمير إذ ذاك، ليس في (د)، وفي المنتظم لابن الجوزي ٥١/١٠: قبل تقلده الخلافة.