النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
أجسام أهل النار من القيح والدم(١). وقال محمد بن كعب القُرَظيّ والربيع بن أنس:
هو غُسَالة أهل النار، وذلك ماءٌ يسيل من فروج الزُّناة والزواني(٢). وقيل: هو من ماءٍ
كراهتُه(٣) تَصدُّ عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصَّدِّ.
وذكر ابن المبارك: أخبرنا صفوان بن عمرو، عن عُبيد الله بن بُسْر، عن أبي
أمامة، عن النبيِّ # في قوله: ﴿وَيُنْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّهُهُ﴾ قال: ((يُقرَّبُ إلى فِيهِ
فيكرهه، فإذا أُدنيَ منه شَوَى وجهَه، ووقعتْ فَرْوةُ رأسِه، فإذا شرِبَه قَطَّعَ أمعاءَه حتى
تخرجَ من دُبُرِهِ، يقول الله: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقول الله:
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩])) خرَّجه
التِّرمذي، وقال: حديث غريب(٤). وعُبيد الله بن بُسْر الذي روى عنه صفوان بن
عمرو حديثَ أبي أمامة لعلَّه أن يكون أخا عبد الله بن بُشْر.
﴿يَتَجَزَّعُهُ﴾ أي: يَتَحَسَّاه جُرَعاً لا مرَّةً واحدةً؛ لمرارته وحرارته(٥). ﴿وَلَا
يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يبتلعه؛ يقال: جرع الماء واجترعه وتجرَّعه بمعنى(٦). وساغ
الشَّرابُ في الحلق يسوغ سَوْغاً: إذا كان سَلِساً سهلاً، وأساغه اللهُ إساغةً(٧). و((يَكَادُ))
صلة، أي: يُسيغه بعد إبطاء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] أي:
(١) أخرجه الطبري ٦١٩/١٣ عن الضحاك. وأخرجه أيضاً عن مجاهد، وهو في تفسيره ٣٣٤/١، وينظر
معاني القرآن للزجاج ١٥٧/٢، وتفسير أبي الليث ٢٠٣/٢، والمحرر الوجيز ٣٣١/٣.
(٢) زاد المسير ٣٥٣/٤ .
(٣) في (د)و(م) والنكت والعيون (والكلام منه): کرهته.
(٤) الزهد لابن المبارك - زوائد نعيم بن حماد - (٣١٤)، وسنن الترمذي (٢٥٨٣)، وأخرجه من طريق ابن
المبارك أيضاً أحمد (٢٢٢٨٥)، والنسائي في الكبرى (١١٢٦٣) وغيرهما، ونقل الترمذي بإثر الحديث
عن البخاري قوله: لا نعرف عبيد الله بن بُسر إلا في هذا الحديث.
(٥) زاد المسير لابن الجوزي ٣٥٣/٤ .
(٦) تهذيب اللغة ٣٦١/١ .
(٧) ينظر الوسيط للواحدي ٢٧/٣ .

١٢٢
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
فعلوا بعد إبطاء؛ ولهذا قال: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]. فهذا يدلُّ
على الإساغة. وقال ابن عباس: يُجيزه ولا يمرُّ به(١).
﴿وَيَأْتِهِ الْمَوْثُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال ابن عباس: أي: يأتيه أسباب الموت من
كل جهة: عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قُدَّامه وخلفه(٢)، كقوله: ﴿لَمُم
مِّنِ فَوْفِهِمْ تُطَلَّلُ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِمْ تُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. وقال إبراهيم التيمي: يأتيه من كلِّ
مكانٍ من جسده، حتى من أطراف شعره(٣)؛ للآلام التي في كلِّ مكانٍ من جسده(٤).
وقال الضخَّاك: إنه لَيأتيه الموت من كلِّ ناحيةٍ ومكان، حتى من إبهام رجليه. وقال
الأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سمَّاها موتاً، وهي من أعظم
الموت(٥). وقيل: إنه لا يبقى عضوٌ من أعضائه إلا وُكِّلَ به نوعٌ من العذاب؛ لو مات
سبعين مرةً لكان أهونَ عليه من نوعٍ منها في فردٍ لحظة؛ إما حيةٌ تَنهشُه، أو عقربٌ
تَلسِبُهُ(٦)، أو نارٌ تَسفعُه، أو قيدٌ برجليه، أو غُلٌّ في عنقه، أو سلسلةٌ يُقرَّنُ بها، أو
تابوتٌ يكون فيه، أو زَقُومٌ، أو حميمٌ، أو غيرُ ذلك من العذاب. وقال محمد بن
كعب: إذا دعا الكافرُ في جهنم بالشراب فرآه، مات موتاتٍ، فإذا دنا منه؛ مات
موتاتٍ، فإذا شرب منه؛ مات موتاتٍ، فذلك قوله: ﴿وَيَأْتِهِ الْمَوْثُ مِن كُلِّ مَكَانٍ
وَمَا هُوَ بِحَيْتٍ﴾. قال الضخَّاك: لا يموت فيستريح. وقال ابن جُرَيج: تَعلَقُ رُوحُه في
حَنْجَرتِه فلا تخرج من فِيه فيموتَ، ولا تَرجِعُ إلى مكانها من جوفه فتنفَعَه الحياة(٧).
(١) تفسير البغوي ٢٩/٣ .
(٢) النكت والعيون ١٢٨/٣، وتفسير البغوي ٢٩/٣، وزاد المسير ٣٥٤/٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٤٣٢/١٣، والطبري ٦٢١/١٣، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٢.
(٤) النكت والعيون ١٢٨/٣.
(٥) زاد المسير ٣٥٤/٤ .
(٦) في (ظ): ((تلسّعُه))، وكلاهما بمعنى.
(٧) كذا نسبه ابن الجوزي في زاد المسير ٣٥٣/٤ لابن جريج، وأخرجه الطبري ٦٢١/١٣ عن ابن جريج،
عن مجاهد.

١٢٣
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ٢٠
ونظيره قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَخَى﴾ [الأعلى: ١٣]. وقيل: يخلق الله في جسده آلاماً،
كلُّ واحدٍ منها كألم الموت. وقيل: ﴿وَمَا هُوَ بِيِّتٍ﴾؛ لتطاول شدائد الموت به،
وامتداد سكراته عليه؛ ليكون ذلك زيادةً في عذابه.
قلت: ويظهر من هذا أنه يموت، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ
فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَُّ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وبذلك وردت السنة(١)؛ فأحوالُ
الكفار أحوالُ مَنِ استولى عليه سكراتُ الموت دائماً، والله أعلم.
﴿وَيِنْ وَرَآبِهِ﴾ أي: من أمامه. ﴿عَذَابُ غَلِيظٌ﴾ أي: شديدٌ متواصلُ الآلامِ من
غير فُتور؛ ومنه قوله: ﴿وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] أي: شدَّةً وقوة. وقال
فُضَيل بن عياض في قول الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابُ غَلِظٌ﴾ قال: حبس
الأنفاس(٢).
قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَدَتْ بِهِ الْرِيحُ فِ
يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ◌َ أَلَمـ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
٢٠
﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ اختلف النَّخويُّون في
رفع ((مَثَلُ)) فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء، والخبر مضمر؛ التقدير: وفيما يُتلى عليكم
أو يُقَصُّ: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيِّهِمْ﴾، ثم ابتدأ فقال: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ أي:
كمثل رماد ﴿أَشْتَذَتْ بِهِ أُرِيحُ﴾ (٣). وقال الزَّجَّاج(٤): أي: مَثَلُ الذين كفروا فيما يُتلى
عليكم أعمالُهم كرماد. وهو عند الفرَّاء على إلغاء المَثَل، التقدير: والذين كفروا بربهم
(١) سلف من حديث أبي سعيد الخدري ٣٧٥/١ .
(٢) أخرجه النحاس في معاني القرآن ٥٢٣/٣.
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/٢، ومشكل إعراب القرآن ٤٠١/١، والمحرر الوجيز ٣٣١/٣،
وزاد المسير ٣٥٥/٤ .
(٤) في معاني القرآن ١٥٧/٣.

١٢٤
سورة إبراهيم: الآيات ١٨ - ٢٠
أعمالهم كرماد. وعنه أيضاً أنه على حذف مضاف؛ التقدير: مثلُ أعمالِ الذين كفروا
بربهم كرماد. وذكر الأول عنه المهدويّ (١)، والثاني القُشَيريُّ والثَّعلبيُّ(٢). ويجوز أن
يكون مبتدأ، كما يقال: صفةُ فلانٍ أسمر، فـ ((مَثَلُ)) بمعنى صفة(٣). ويجوز في الكلام
جرُّ ((أعمالهم)) على بدل الاشتمال من ((الَّذِينَ))(٤)، واتَّصل هذا بقوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ
جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
والمعنى: أعمالُهم مُحْبَطة غير مقبولة. والرَّماد: ما بقي بعد احتراق الشيء،
فضربَ اللهُ هذه الآية مثلاً لأعمال الكفَّار في أنَّه يَمحقُها كما تَمحقُ الرِّيحُ الشديدةُ
الرَّمادَ في يومِ عاصف. والعَصْفُ: شدة الريح(٥)، وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها
غيرَ اللهِ تعالى. وفي وصف اليوم بالعُصُوف ثلاثةُ أقاويل: أحدها: أنَّ العُصُوفَ وإن
كان للريح فإن اليوم قد يوصَفُ به؛ لأنَّ الرِّيحَ تكون فيه، فجاز أن يُقال: يومٌ
عاصف، كما يقال: يوم حارٌّ ويومٌ باردٌ، والبرد والحرُّ فيهما. والثاني: أن يُرِيدَ: في
يومٍ عَاصِفِ الرِّيحِ؛ لأنها ذُكِرتْ في أول الكلام(٦)، كما قال الشاعر:
إذا جاء يومٌ مُظْلِمُ الشَّمسِ كاسِفُ(٧)
يريد: كاسفِ الشمسِ، فحذف؛ لأنه قد مرَّ ذِكْرُه؛ ذكرهما الهَرَويُّ(٨). والثالث
أنه من نعت الريح، غير أنه لمَّا جاء بعد اليوم أُتبِعَ إعرابَه، كما قيل: جُحْرُ ضَبِّ
خرِبٍ. ذكره الثعلبيُّ والما ورديُّ(٩).
(١) نقله عنه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣١/٣.
(٢) وهو في معاني القرآن للفراء ٢/ ٧٢، ونقله عنه الواحدي في الوسيط ٢٧/٣ .
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٥٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٦/٢، وتفسير أبي الليث ٢٠٣/٢.
(٤) ينظر مشكل إعراب القرآن ١/ ٤٠٢ .
(٥) الصحاح (عصف).
(٦) في النسخ: الكلمة، والمثبت من زاد المسير ٣٥٤/٤، والكلام فيه بنحوه.
(٧) عجز بيت لمسكين الدارمي، وهو في ديوانه ص٥٣ ، وصدره: وتضحك عرفان الدروع جلودنا.
(٨) وذكرهما ابن الجوزي في زاد المسير ٣٥٤/٤ .
(٩) في النكت والعيون ١٢٩/٣، وينظر تفسير الطبري ٦٢٤/١٣، قال النحاس في إعراب القرآن ٣٦٧/٢ : =

١٢٥
سورة إبراهيم: الآيات ١٨ - ٢٢
وقرأ ابنُ أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر: ((في يوم عاصفٍ))(١). ﴿لَا
يَقْدِرُونَ﴾ يعني: الكفار. ﴿مَِّّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ﴾ يريد: في الآخرة، أي: من
ثواب ما عملوا من البِرِّ في الدنيا؛ لإحباطه بالكفر . ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ أي:
الخسران الكبير، وإنما جعله كبيراً بعيداً؛ لفوات استدراكه بالموت.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السََّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلْقِ﴾ الرؤية هنا: رؤية
القلب(٢)؛ لأن المعنى: ألم ينتَهِ عِلمُك إليه؟. وقرأ حمزة والكسائي(٣): ((خَالِقُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)). ومعنى ((بِالْحَقِّ)): ليستدلَّ بها على قدرته. ﴿إِن يَشَأْ يُذْمِنْكُمْ﴾
أيها الناس، أي: هو قادرٌ على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء، فلا تعصوه،
فإنكم إن عصيتموه ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أفضلَ وأطوَعَ منكم؛ إذ لو كانوا مثلَ
الأولين فلا فائدةَ في الإبدال. ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى الَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع(٤) مُتعذّر.
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوْ لِلَِّ جَمِيعًا فَقَالَ الشُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوَّ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَنَا اَللَّهُ لَهَدَيْنَكُّ
سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِغْنَآ أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ()
وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُفِىَ
اْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن
◌ُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِضِكُمْ
وَمَّآ أَنْتُم بِتُعْرِىٌَ إِنِ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونٍ مِن قَبْلُ إِنَّ الَِّمِينَ لَهُمْ عَذَابُ
أَلِمُ سَ﴾
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَميعًا﴾ أي: برزوا من قبورهم، يعني يوم القيامة.
= هذا مما لا ينبغي أن يُحمل كتابُ الله جلَّ وعزَّ عليه، وقد ذكر سيبويه أن هذا من العرب غلط،
واستدلَّ بأنهم إذا ثثَّوْا قالوا: هذان جحرا ضبٍّ خربان لأنه قد استبان بالتثنية والتوحيد.
(١) بإضافة (يوم)) إلى ((عاصف)). وينظر المحتسب ٣٦٠/١، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٣.
(٢) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٣٩/١.
(٣) السبعة ص٣٦٢، والتيسير ص١٣٤.
(٤) في غير (ظ): منيع، وفي (ظ): ممتنع، والمثبت من زاد المسير ٣٥٥/٤ .

١٢٦
سورة إبراهيم: الآيتان ٢١ - ٢٢
والبُرُوز: الظُهور. والبَرَاز: المكان الواسع؛ لظهوره، ومنه امرأة بَرْزة، أي: تظهر
للناس(١). فمعنى «بَرَزُوا»: ظهروا من قبورهم. وجاء بلفظ الماضي ومعناه
الاستقبال(٢)، واتَّصل هذا بقوله: ﴿وَغَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: وقاربوا لمَّا
استفتحوا فأهلكوا، ثم بُعِثوا للحساب، فبرزوا لله جميعاً لا يسترهم عنه ساتر. ((لِلهِ»
لأجل أمر الله إِياهم بالبروز. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَوْاْ﴾ يعني الأتباع ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَا﴾ وهم
القادة: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ يجوز أن يكون تَبعٌ مصدراً، التقدير: ذوي تَبَعٍ. ويجوز
أن یکون جمعَ تابع، مثل: حارِس وحَرَس، وخادِم وخَدَم، وراصِد ورَصَد، وباقِر
ويَقَر (٣). ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُّغْنُونَ﴾ أي: دافعون ﴿عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اُللَّهِ مِن شَْ﴾ أي: شيئاً،
و ((مِن)) صلة؛ يُقال: أغنى عنه: إذا دفع عنه الأذى، وأغناه: إذا أوصل إليه النفع.
﴿قَالُواْ لَوْ هَدَنَنَا اَللَّهُ لَمَدَيْنَكُمٌ﴾ أي: لو هدانا الله إلى الإيمان لهدیناكم إليه. وقيل: لو
هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها. وقيل: لو نجَّانا الله من العذاب لنجيناكم
﴿سَوَاءُ عَلَيْنَا﴾ هذا ابتداء؛ خبره: (أَجَزِغْنَا)) أي: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِغْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا
مَا لَنَا مِن تَحِيصٍ﴾ أي: من مَهربٍ وملجأ(٥). ويجوز أن يكون بمعنى المصدر،
وبمعنى الاسم؛ يقال: خَاصَ فلانٌ عن كذا - أي: فرَّ وراغ - يَحِيص حَيْصاً وحُيوصاً
وحَيَصاناً (٦)، والمعنى: ما لنا وجهٌ نتباعدُ به عن النار.
(١) ينظر اللسان (برز).
(٢) زاد المسير ٣٥٦/٤ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٥٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٦٨/٢، وتفسير الطبري ٦٢٦/٣،
والوسيط ٢٨/٣، وتفسير البغوي ٣٠/٣، والمحرر الوجيز ٣٣٢/٣.
(٤) النكت والعيون ١٢٩/٣ - ١٣٠.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ينظر اللسان (حيص).

١٢٧
سورة إبراهيم: الآيتان ٢١ - ٢٢
ورُويَ عن النبيِّ# أنه قال: ((يقولُ أهلُ النار إذا اشتدَّ بهم العذاب: تعالَوا
نصبِرْ، فيصبرون خمس مئة عام، فلمَّا رأوا أنَّ ذلك لا ينفعهم قالوا: هَلُمَّ فلنجزَعْ،
فيجزعون ويصيحون خمس مئة عام، فلمَّا رأوا أنَّ ذلك لا ينفعهم قالوا: ﴿سَوَآءُ
عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآَ أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن تَحِيصٍ﴾))(١).
وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: ذُكِرَ لنا أنَّ أهل النار يقول بعضهم لبعض : یا
هؤلاء، قد نزلَ بكم من البلاء والعذاب ما قد تَرَون، فهلُمَّ فلنصبِرْ؛ فلعلَّ الصَّبرَ ينفعُنا
كما صبرَ أهلُ الطّاعةِ على طاعة الله، فنفعهُم الصَّبرُ إذْ صبروا فأجمعوا رأيهم على
الصَّبر، فصبروا، فطالَ صبرُهم، فجزعوا، فنادَوا: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَّرْنَا مَا
لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أي: مَنجَى، فقام إبليس عند ذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ
الَْقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَغْلَقْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِى
وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ مَّ أَنَا بِمُصْرِغِكُمْ﴾ يقول: لستُ بمغنٍ عنكم شيئاً ﴿وَمَآ أَنْتُم بِعُصْرِىٌَ إِ
كَفَرْتُ بِمَّا أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ الحديث بطوله، وقد كتبناه في كتاب ((التذكرة))
بكماله(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ اٌلْأَمْرُ﴾ قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة
خطيباً في جهنم على منبرٍ من نارٍ يسمعه الخلائق جميعاً(٣). ومعنى: ((لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ))
أي: حَصَل أهلُ الجنة في الجنة وأهلُ النار في النار(٤)، على ما يأتي بيانُه في ((مريم)
عليها السلام(٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقّ﴾ يعني: البعث والجنة والنار، وثواب
المطيع وعقاب العاصي، فصدَقكم وعدَه، ووعدتُكم أن لا بعثَ ولا جنةً ولا نارَ،
(١) ذكره البغوي في تفسيره ٣/ ٣٠ .
(٢) التذكرة ص ٤١٨، وأخرجه الطبري في تفسيره ١٣/ ٦٢٧.
(٣) النكت والعيون ٣/ ١٣٠، وأخرجه الطبري ٦٣١/١٣.
(٤) المحرر الوجيز ٣٣٣/٣، وتفسير الطبري ٦٢٨/١٣.
(٥) عند تفسير الآية (٣٤) منها.

١٢٨
سورة إبراهيم: الآيتان ٢١ - ٢٢
ولا ثوابَ ولا عقابَ، فأخلفتكم(١).
وروى ابن المبارك من حديث عُقْبةَ بنِ عامر، عن رسول اللـه# في حديث
الشفاعة قال: ((فيقولُ عيسى: أدلّكم على النبيِّ الأُمِّيَّ، فيأتوني، فيأذَنُ اللهُ لي أن
أقومَ، فَيثُورُ مجلسي من أطيبٍ ربحٍ شَمَّها أحدٌ، حتى آتَيَ ربي فيُشفِّعني، ويجعلُ لي
نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: قد وجدَ المؤمنون مَنْ يشفَعُ
لهم، فمن يشفَعُ لنا؟ فيقولون: ما هو غيرَ إبليس، هو الذي أضلَّنا، فيأتونه فيقولون:
قد وجد المؤمنون مَنْ يشفَعُ لهم، فاشفَعْ لنا فإنَّكَ أضلَلْتنا، فَيثُور مجلسُه من أنتنٍ ربحِ
شَمَّها أحدٌ، ثم يَعُم نَحِيبُهم، ويقول عند ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ أَلْحِّ
وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَغْلَفْتُكُمْ﴾ الآية(٢).
((وَعْدَ الْحَقِّ): هو إضافةُ الشيء إلى نفسه(٣)، كقولهم: مسجد الجامع. قاله
الفرَّاء(٤). وقال البصريون: وعدكم وعدَ اليومِ الحقِّ، أو: وعدكم وعدَ الوعدِ الحقِّ
فصدَقكم، فحذف المصدر لدلالة الحال . ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ﴾ أي: من
حُجَّةٍ وبيان، أي: ما أظهرتُ لكم حجَّةً على ما وعدتُكم وزيَّتُه لكم في الدنيا، ﴿إِلَّ
أَنْ دَعَوَتُّكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ﴾ أي: أغويتكم فتابعتموني. وقيل: لم أقهركم على ما دعوتكم
إليه . ﴿إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ هو استثناء منقطع، أي: لكن دعوتُكم بالوسواس فاستجبتم لي
باختياركم ﴿فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٥). وقيل: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانِ﴾
(١) النكت والعيون ٣/ ١٣٠، وينظر تفسير أبي الليث ٢٠٤/٢، والوسيط ٢٩/٣.
(٢) ((المسند) (١١١) لابن المبارك، وفي ((الزهد» (٣٧٤) له - زوائد نعيم بن حماد - وأخرجه من طريقه
الطبري ٦٣٠/١٣ - ٦٣١، وفي إسناده رشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وهما
ضعيفان. تقريب التهذيب.
(٣) المثبت من (ظ)، وفي بقية النسخ: ((إلى نعته)).
(٤) ينظر اللسان (جمع).
(٥) ينظر تفسير الطبري ٦٢٨/١٣، وتفسير أبي الليث ٢٠٤/٢ - ٢٠٥، والوسيط ٢٩/٣، وزاد المسير
٣٥٧/٤.

١٢٩
سورة إبراهيم: الآيتان ٢١ -٢٢
أي: على قلوبكم وموضع إيمانكم، لكن دعوتُكم فاستجبتُم لي. وهذا على أنه خَطَبَ
العاصيَ المؤمنَ والكافرَ الجاحدَ، وفيه نظر؛ لقوله: ﴿لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ فإنه يدلُّ على
أنه خَطَب الكفَّارَ دون العاصين الموحِّدين، والله أعلم.
﴿فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾: إذْ أجبتُموني(١) من غير حُجَّة. ﴿مَّ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ﴾
أي: بمغيئكم . ﴿وَمَآ أَنْتُم بِعُصْرِىٌَ﴾ أي: بمُغيثيَّ. والصَّارُ والمستصرخ: هو الذي
يطلب النُّصرةَ والمعاونة، والمُصْرِخُ: هو المغيث(٢). قال سَلَامة بن جَنْدَل:
كان الصُّراغُ له قَرْعَ الّنابيبِ(٣)
كُنَّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ
وقال أُميّة بن أبي الصَّلْت:
ولا تَجزَعوا إنّي لكم غیرُ مُضْرِخِ
وليس لكم عندي غَنَاءٌ ولا نَصْرُ(٤)
يقال: صَرَخ فلانٌ، أي: استغاث، يَصرُُ صَرخاً وصُرَاخاً وصرخة(٥). واصطَرخَ
بمعنى صَرَخَ، والتَّصرُّخ: تَكلَّف الصُّراخ، والمُصْرِعْ: المُغِيث، والمستصرخ:
المستغيث؛ تقول منه: استصرخَني فأصرَخْتُه. والصَّرِيخ: صوت المستصرخ.
والصَّريخُ أيضاً: الصارخ، وهو المغيث والمستغيث، وهو من الأضداد. قاله
الجوهري(٦). وقراءة العامَّة: ((بِمُصْرِخِيَّ)) بفتح الياء(٧). وقرأ الأعمش وحمزة:
(١) في (م): إذا جئتموني، وهو تصحيف.
(٢) تهذيب اللغة ١٣٦/٧.
(٣) ديوان سلامة ص ١٢٥، والمفضليات ص١٢٤، والظنابيب جمع ظُنبوب: وهو حرف الساق اليابس
من قُدُم، وقرع لذلك الأمر ظنبوبه: تهيَّ له. اللسان (ظنب).
(٤) ذكره في النكت والعيون ١٣١/٣، ولم نقف عليه في ديوان أمية.
(٥) في معاجم اللغة: صرخ يصرخ صُراخاً وصَريخاً، ولم نقف على المصادر الأخرى التي ذكرها
المصنف.
(٦) في الصحاح (صرخ).
(٧) السبعة ص ٣٦٢، والتيسير ص ١٣٤ .
:

١٣٠
سورة إبراهيم: الآيتان ٢١ - ٢٢
(بِمُصْرِخِيٍّ)) بكسر الياء(١). والأصل فيها: بمصرخيني(٢)، فذهبت النون للإضافة،
وأُدغِمت ياءُ الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصبَ فلأجل التضعيف، ولأنَّ ياء
الإضافة إذا سكن ما قبلها تعيَّن فيها الفتح، مثل: هَوايَ وعَصايَ، فإن تحرَّكَ ما قبلها
جازَ الفتحُ والإسكان، مثل: غلامِيَ وغلامَتي، ومن كسرَ فلالتقاء الساكنين حركت
إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة(٣). وقال الفرّاء(٤): قراءة حمزة وَهَمِّ منه، وقَلَّ
مَنْ سَلِمَ منهم عن خطأ. وقال الزجَّاج(٥): هذه قراءةٌ رديئةٌ ولا وجهَ لها إلا وجهٌ
ضعيف. وقال قُظْرُب: هذه لغة بني يَرْبُوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء(٦). القُشَيريُّ:
والذي يُغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبيِّ﴾ فلا يجوز أن يُقال فيه هو خطأ
أو قبيحٌ أو رديءٌ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعلَّ هؤلاء
أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح.
﴿إِنّ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ أي: كفرتُ بإشراككم إيَّايَ مع الله تعالى
في الطاعة؛ فـ ((ما)) بمعنى المصدر(٧). وقال ابنُ جريج: إني كفرتُ اليوم بما كنتم
تدعونه في الدنيا من الشِّرك بالله تعالى. قتادة: إني عصيتُ الله. الثوريُّ: كفرتُ
بطاعتكم إياي في الدنيا . ﴿إِنَّ الَِّمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وفي هذه الآيات ردٌّ على القَدَرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم،
انْظُرْ إلى قول المتبوعين: (لو هدانا اللهُ لَهدَيناكُمْ)) وقول إبليس: ((إنَّ اللهَ وعدَكُمْ وَعْدَ
الحقِّ)؛ كيف اعترفوا بالحقِّ في صفات الله تعالى وهم في دَرَكات النار، كما قال في
(١) قراءة حمزة من السبعة، أما قراءة الأعمش فقد نقلها عنه الزجاج في معاني القرآن ١٥٩/٣، والنحاس
في إعراب القرآن ٣٦٨/٢، ومكي في مشكل إعراب القرآن ٤٠٣/١ .
(٢) في (م): بمصرخيين، وهو تحريف وفي (ظ): بمصرخينني.
(٣) ينظر مشكل إعراب القرآن ٤٠٣/١، والوسيط ٢٩/٣.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٧٥ بمعناه.
(٥) في معاني القرآن ١٥٩/٣ .
(٦) نقله عنه مكي في مشكل إعراب القرآن ١/ ٤٠٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٣٥٧ .
(٧) المحرر الوجيز ٣٣٤/٣ .

١٣١
سورة إبراهيم: الآيات ٢١ - ٢٥
موضعٍ آخر: ﴿كُلُّمَآ أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَمْ خَرَهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْتَرَفُواْ بِذَئِهِمْ﴾ [الملك: ٨-١١].
واعترافهم في دَرَكاتِ لَظى بالحقِّ ليس بنافع، وإنما ينفع الاعترافُ صاحبَه في الدنيا؛
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَا خَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اَللَّهُ أَنْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ﴾ [التوبة: ١٠٢]. و((عَسى)) من الله واجبة.
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمّ تَمِيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّتٍ﴾ أي: في جنَّاتٍ؛ لأن
((دخلتُ)) لا يتعدَّى، كما لا يتعدَّى نقيضُه، وهو خرجتُ، ولا يُقاس عليه. قاله
المهدوي(١). ولمَّا أخبر تعالى بحال أهل النار؛ أخبر بحال أهل الجنة أيضاً.
وقراءة الجماعة: ((أُدْخِلَ)) على أنه فِعْلٌ مبني للمفعول. وقرأ الحسن: ((وَأُدْخِلُ))
على الاستقبال والاستئناف(٢).
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره. وقيل: بمشيئته وتيسيره. وقال: ((بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)» ولم
يقل: بإذني؛ تعظيماً وتفخيماً. ﴿تَحِيِّئُهُمْ فَِهَا سَلَمُ﴾ تقدم في ((يونس))(٣). والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةُ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتُ وَفَرَعُهَا فِىِ السَّمَاِ ٤ تُوْقٍ أُكُلَهَا كُلّ ◌ِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ
اُلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥)﴾
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ لمَّا ذكر تعالى مَثَلَ أعمال
(١) قال مكي في مشكل إعراب القرآن ٤٠٥/١: الدليل على أن دخلت لا يتعدى، أن نقيضه لا يتعدى،
وهو: خرجت، وكل فعل لا يتعدى نقيضه لا يتعدى هو.
(٢) المحتسب ٣٦١/١ .
(٣) ٤٥٩/١٠ .

١٣٢
سورة إبراهيم: الآيتان ٢٤ - ٢٥
الكفار، وأنها كرمادٍ اشتدَّتْ به الريح في يوم عاصف؛ ذكر مَثَلَ أقوالِ المؤمنين
وغيرها، ثم فسَّر ذلك المَثَل فقال: ﴿كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ الثَّمر، فحذف؛ لدلالة الكلام
عليه. قال ابن عباس: الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة: المؤمن(١).
وقال مجاهد وابنُ جريج: الكلمة الطيبة: الإيمان(٢). عطية العَوْفيُّ والربيع بن أنس:
هي المؤمن نفسه (٣). وقال مجاهد أيضاً وعكرمة: الشّجرة: النَّخلة (٤). فيجوز أن
يكون المعنى: أصل الكلمة في قلب المؤمن - وهو الإيمان - شبَّهه بالنخلة في
المَنِتْ، وشبّه ارتفاعَ عملِهِ في السماء بارتفاع فروع النَّخلة، وثوابَ اللهِ له بالثَّمر(٥).
ورُويَ من حديث أنسٍ عن النبيِّ# أنه قال: ((إنَّ مَثَلَ الإيمان كمثَلِ شجرةٍ ثابتةٍ،
الإيمانُ عُروقُها، والصلاةُ أصلُها، والزكاةُ فروعُها، والصيامُ أغصانُها، والتآخي(٦)
في اللهِ نباتُها، وحُسنُ الخُلُقِ ورقُها، والكفُّ عن محارم الله ثمرتُها))(٧).
ويجوز أن يكون المعنى: أصل النَّخلة ثابتٌ في الأرض، أي: عروقُها تشرب من
الأرض، وتسقيها السماءُ من فوقها، فهي زاكيةٌ نامية.
وخرَّجَ الترمذيُّ من حديث أنس بن مالك قال: أُتِيَ رسولُ اللـه # بقِناعِ فيه
(١) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٣٥، والطبراني في الدعاء (١٥٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢٧٢/١ -
٢٧٣ (٢٠٦).
(٢) ذكره عنهما الماوردي في النكت والعيون ٣/ ١٣٢.
(٣) أخرجه الطبري ٦٣٦/١٣ عنهما، وذكره الماوردي ١٣٢/٣.
(٤) أخرجه الطبري ٦٣٩/١٣، والرامهر مزي في الأمثال ص١٠٩ عن مجاهد، والطبري ١٣/ ٦٤١،
والرامهر مزي ص١٠٩ عن عكرمة.
(٥) ينظر الوسيط للواحدي ٣٠/٣.
(٦) المثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في ((تنزيه الشريعة))، وفي بقية النسخ: ((التأذي)).
(٧) أورده ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤ وعزاه للحاكم، وذكر بأنه من مرسل حميد الطويل
عن أنس، ثم قال: لم يُبيِّن - يعني الحاكم - علَّته مع إرساله، وهو من طريق محمد السلمي
النيسابوري، وأظنه ابن أشرس، وهو متروك متهم، وشيخه حمزة بن شداد الجزري ما عرفتُه، والله
أعلم.

١٣٣
سورة إبراهيم: الآيتان ٢٤ - ٢٥
رُطَبٌ، فقال: ((مَثَلُ كلمةٍ طيِّبةٍ كشجرةٍ طيِّبةٍ أصلُها ثابتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، تُؤْتي
أُكُلَها كُلَّ حينٍ بإذْنِ رَبِّها)). قال: ((هي: النَّخلة، ومَثَلُ كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ
اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرضِ ما لها مِنْ قرار)). قال: ((هي الحنْظَل)). ورُوي عن أنسٍ قولَه،
وهو أصحُ(١). وخرَّجَ الدَّار قطنيُّ عن ابن عمر قال: قرأَ رسولُ اللـه ◌َ﴾: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
كَلِمَةٌ طَتِبَةً كَشَجَرَقِ طَتْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ فقال رسول الله ﴾: («أتدرون ما هي؟)) فوقعَ
في نفسي أنها النَّخلة(٢).
قال السُّهَيليُّ(٣): ولا يصِحُ فيها ما رُويَ عن عليٍّ بن أبي طالب أنها جَوْزة الهند؛
لِما صحَّ عن النبيِّ# من حديث ابن عمر: ((إنَّ من الشجرة شجرةٌ لا يسقطُ ورقُها،
وهي مَثَلُ المؤمن، خبِّروني ما هي؟ ثم قال: ((هي النخلة)). خرَّجه مالك في ((الموطأ))
من رواية ابن القاسم وغيره، إلَّا يحيى؛ فإنه أسقطه من روايته، وخرَّجه أهل
الصحيح(٤)، وزاد فيه الحارث بن أسامة(٥) زيادةً تساوي رِحلة، عن النبيِّ# قال:
((وهي النخلة، لا تسقط لها أَنمَلة، وكذلك المؤمنُ لا تسقط له دعوة)). فبيَّن معنى
الحديث والمماثلة.
قلت: وذكر الغَزْنَويُّ عنه عليه الصلاة والسلام: ((مَثَلُ المؤمن كالنَّخلة، إن
صاحَبْتَه نفعَكَ، وإن جالَسْتَه(٦) نفعَكَ، وإن شاوَرْتَه نفعَكَ، كالنخلة كلُّ شيءٍ منها
(١) سنن الترمذي (٣١١٩)، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٨)، وأبو يعلى (٤١٦٥)، والطبري
٦٣٨/١٣، وابن حبان (٤٧٥) مرفوعاً. والقناع: الطبق الذي يؤكل عليه. النهاية (قنع). ثم أخرجه
الترمذي بإثر الحديث (٣١١٩)، والطبري ١٣ /٦٣٨ موقوفاً.
(٢) لم نقف على من خرَّجه بهذا اللفظ من حديث ابن عمر.
(٣) في التعريف والإعلام ص٨٥ .
(٤) الموطأ ص٣٣٩، رواية محمد بن الحسن الشيباني، وأخرجه أحمد (٥٢٧٤)، والبخاري (١٣١)،
والترمذي (٢٨٦٧) من طريق مالك. وأخرجه البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١) من غير طريق مالك.
(٥) كما في بغية الباحث (١٠٦٧)، وفي إسناده محمد بن ربيع، ولم نقف له على ترجمة.
(٦) في (ظ): جافيته.

١٣٤
سورة إبراهيم: الآيتان ٢٤ - ٢٥
يُنتَفَعُ به))(١). وقال: ((كُلُوا من عَمَّتكم - يعني النخلة - خُلِقَتْ من فَضْلةٍ طينة آدم عليه
السلام)» (٢).
وكذلك أنها برأسها تَبقى، وبقلبها تَحيا، وثمرها بامتزاج الذكر والأنثى. وقد
قيل: إنَّها لمَّا كانت أشبهَ الأشجار بالإنسان شُبِّهت به؛ وذلك أنَّ كلَّ شجرةٍ إذا قُطِعَ
رأسُها تشعَّبتِ الغصونُ من جوانبها، والنخلةُ إذا قُطِعَ رأسُها يبِستْ وذهبت أصلاً،
ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوان في الالتقاح؛ لأنها لا تحمل حتى تُلْفَح(٣)؛ قال
النبيُّ لَ﴾: ((خيرُ المالِ سِكَّةٌ مأبورةٌ، ومُهْرَةٌ مأمورة)»(٤). والإِبارُ: اللَّقاح(٥)، وسيأتي
في سورة ((الحجر))(٦) بيانه.
ولأنها من فضلة طينة آدم. ويُقال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا صوَّرَ آدم من الطّين فَضَلتْ
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٤١)، والرامهر مزي في الأمثال (٣٠) عن ابن عمر مرفوعاً، وفي لفظ
الطبراني: ((كمثل العطار)) وفي لفظ الرامهرمزي: ((مثل النخلة أو النحلة)) على الشك، قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٨٣/١ : فيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس.
لكن رواه الرامهر مزي (٣١) بإسناد آخر عنه ورجاله ثقات، بلفظ: ((كمثل الشجرة ... ) وأخرجه الطبراني
(١٣٥١٤) بإسنادٍ ثالث عنه أيضاً صححه ابن حجر في الفتح ١٤٧/١، ولفظه: ((مثل المؤمن مثل
النخلة ما أتاك منها نفعك)).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٤٥٥)، والعقيلي في الضعفاء ٢٥٦/٤، وابن حبان في المجروحين ٣/ ٤٤،
والرامهر مزي (٣٥)، وابن عدي ٢٤٢٤/٦ من طريق مسرور بن سعيد، عن الأوزاعي، عن عروة بن
رويم، عن علي مرفوعاً، وعند الجميع: ((أكرموا عمتكم)) بدلاً من ((كلوا من)). قال ابن حبان: مسرور
ابن سويد يروي عن الأوزاعي المناكير التي لا يجوز الاحتجاج بها. وقال ابن عدي: هذا حديث عن
الأوزاعي منكر، وعروة بن رويم عن علي ليس بالمتصل، ومسرور بن سعيد غير معروف، لم أسمع
بذكره إلا بهذا الحديث. وأخرجه ابن عدي أيضاً ٢/ ٥٧٨ عن ابن عمر مرفوعاً، وفي إسناده جعفر بن
أحمد بن علي. قال ابن عدي (وقد أخرج له حديثاً آخر بعده): لا أشك أن جعفراً وضعهما.
(٣) ينظر تفسير البغوي ٣٣/٣، وزاد المسير ٣٦٠/٤ .
(٤) أخرجه أحمد (١٥٨٤٥) من حديث سويد بن هبيرة ﴾، وهو حديث ضعيف.
(٥) والسِّكة: الطريقة المصطفة من النخل. ومُهرةٌ مأمورة: كثيرة النسل والنّتاج. النهاية (أبر) و(أمر).
(٦) عند تفسير الآية (٢٢) منها.

١٣٥
سورة إبراهيم: الآيتان ٢٤ - ٢٥
قطعةُ طينٍ، فصوَّرها بيده، وغرسها في جنّة عَدْن. قال النبيُّ﴾: ((أكرموا عَمَّتكم))
قالوا: ومن عمَّتنا يا رسول الله؟ قال: ((النخلة))(١).
﴿قُوْقِ أُكُلَهَا كُلَّ ◌ِينٍ﴾ قال الربيع: ((كُلَّ حِينٍ)): غُدوةً وعشِيةً، كذلك يصعد
عمل المؤمن أول النهار وآخرَه. وقاله ابن عباس(٢). وعنه: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا كلَّ حِينٍ))
قال: هو شجر جوز الهند، لا تتعطل من ثمرة، تحمل في كل شهر. شبَّه عمل المؤمن
لله عزَّ وجلَّ في كلِّ وقتٍ بالنخلة التي تُؤتي أُكُلَها في أوقاتٍ مختلفة. وقال الضحَّاك:
كلَّ ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، شتاءً وصيفاً، يؤكل في جميع الأوقات، وكذلك المؤمن
لا يخلو من الخير في الأوقات كلها(٣). وقال النحاس(٤): وهذه الأقوال متقاربةٌ غيرُ
متناقضة؛ لأن الحين عند جميع أهل اللغة - إلا من شذَّ منهم - بمعنى الوقت، يقعُ
لقليلِ الزمان وكثيرِه، وأنشد الأصمعيُّ بيتَ النَّابغة:
تَنَاذَرَها الرَّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها تُطَلْقُهُ حِيناً وحِيناً تُراجِعُ (٥)
فهذا يُبيِّن لك أنَّ الحين بمعنى الوقت، فالإيمان ثابتٌ في قلب المؤمن، وعملُه
وقولُه وتسبيحُه عالٍ مرتفعٌ في السماء ارتفاعَ فروع النخلة، وما يكسب من بركة
الإيمان وثوابه كما يُنال من ثمرة النَّخلة في أوقات السنة كلِّها، من الرُّطَب والبُسْر
والبلح والزَّهْو والتَّمر والطّلع(٦). وفي روايةٍ عن ابن عباس: إن الشجرةَ الطيبةَ(٧)
شجرةٌ في الجنة تُثُمِرُ في كل وقت.
(١) ذكره البغوي ٣/ ٣٣ بهذا اللفظ، وقد تقدم آنفاً بغير هذا اللفظ، وذكرنا علته ثمة.
(٢) أخرجه الطبري ٦٤٥/١٣ و٦٥١ عن الربيع، و٦٤٣/١٣ و٦٤٤ عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٤٥ بنحوه.
(٤) في معاني القرآن ٥٢٨/٣ - ٥٢٩ .
(٥) ديوان النابغة الذبياني ص ٨٠، وفيه: طوراً وطوراً، بدل: حيناً وحيناً.
(٦) ينظر الوسيط للواحدي ٣/ ٣٠.
(٧) كلمة الطيبة ليست في (م).

١٣٦
سورة إبراهيم: الآيات ٢٤ - ٢٦
و((مَثَلاً)) مفعول بـ ((ضَرَبَ))، و((كلمةً)) بدلُ منه، والكاف في قوله: ((كشجرةٍ» في
موضع نصبٍ على الحال من ((كَلمَة))؛ التقدير: كلمةً طيبةً مشبَّهةً بشجرةٍ طيبة(١).
الثانية: قوله تعالى: ﴿تُوْقِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ لمَّا كانتِ الأشجارُ تؤتي أكُلَها كلَّ
سنةٍ مرةً، كان في ذلك بيانُ حكم الحين؛ ولهذا قلنا: من حلف ألَّا يُكلِّم فلاناً حيناً،
ولا يقول كذا حيناً: إنَّ الحين سنة(٢). وقد ورد الحينُ في موضع آخرَ يُرادُ به أكثر من
ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ عِينٌّ مِنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] قيل في ((التفسير)):
أربعون عاماً. وحكى عكرمةُ أنَّ رجلاً قال: إن فعلتُ كذا وكذا إلى حينٍ فغلامُه حُرُّ،
فأتى عمرَ بن عبد العزيز فسأله، فسألني عنها، فقلتُ: إنَّ من الحين حيناً لا يُدرَكُ،
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمُ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] فأرى أن
تُمسِكَ ما بين صِرام النَّخلة إلى حَمْلِها، فكأنه أعجبه(٣). وهو قول أبي حنيفة في
الحين أنه ستة أشهر اتباعاً لعكرمة وغيره (٤). وقد مضى ما للعلماء في الحين في
((البقرة))(٥) مستوفّی والحمد لله.
﴿وَيَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَثَلَ﴾ أي: الأشباه ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكُرُونَ﴾ ويعتبرون؛ وقد
تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا
مِن قَرَارٍ لَّـ
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَِيئَذٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ الكلمة الخبيثة: كلمة الكفر (٦).
(١) ينظر المحرر الوجيز ٣٣٥/٣، وذكر أبو حيان في البحر ٤٢١/٥، أنه على هذا الوجه يكون قوله:
((كشجرة)» نعتاً للكلمة.
(٢) سلف ٤٧٩/١، وقد عزاه المؤلف هناك إلى ابن خويز منداد في أحكامه.
(٣) أخرجه بنحوه الطبري ٦٤٩/١٣ - ٦٥٠، ولكن ذكر فيه الآية الآنفة الذكر من سورة الإنسان بدلاً من
آية الأنبياء. وسيرد بسياق آخر عند تفسير الآية الأخيرة من سور ص.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١١٠٨/٣ .
(٥) ١/ ٤٧٧ - ٤٨٠ .
(٦) تفسير أبي الليث ٢٠٦/٣، والوسيط للواحدي ٣٠/٣.

١٣٧
سورة إبراهيم: الآية ٢٦
وقيل: الكافر نفسه(١). والشجرة الخبيثة: شجرة الحَنْظَل كما في حديث أنس، وهو
قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما(٢)، وعن ابن عباس أيضاً: أنها شجرةٌ لم تُخلَقْ
على الأرض(٣). وقيل: هي شجرة الثُّوم عن ابن عباس أيضاً (٤). وقيل: الكَمْأَةُ أو
الظُّحلَبة. وقيل: الكَشُوث(٥)، وهي شجرةٌ لا ورقَ لها ولا عروق في الأرض؛ قال
الشاعر :
وهُمْ كَشُوثٌ فلا أصلٌ ولا ورقٌ(٦)
﴿أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ﴾: أُقْتُلِعَتْ من أصلها. قاله ابن عباس؛ ومنه قول لَقِيط:
هو الجلاءُ الذي يَجتثُّ أصلَكُمُ فمن رأى مثلَ ذا يوماً ومن سَمِعًا(٧)
وقال المؤرِّج: أُخِذَتْ جُثَّتُها وهي نفسُها، والجُثَّةُ: شخصُ الإنسان قاعداً أو
نائماً (٨). وَجَثَّه: قَلَعه، واجتثه: اقتلعه من فوق الأرض(٩)، أي: ليس لها أصلٌ راسخٌ
يشرب بعروقه من الأرض . ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: من أصلٍ في الأرض. وقيل: من
ثبات؛ فكذلك الكافر؛ لا حُجَّةَ له ولا ثباتَ ولا خيرَ فيه، وما يصعَدُ له قولٌ طيِّبٌ
ولا عملٌ صالح (١٠).
(١) أخرجه الطبري ٦٥٨/١٣ - ٦٥٩ عن ابن عباس والربيع وعطية العوفي.
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٥٣ - ٦٥٤، والرامهر مزي في الأمثال ص١٠٩ عن مجاهد، وسلف حديث أنس
في المسألة الأولى في الآية قبلها.
(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٥٤ .
(٤) الوسيط للواحدي ٣٠/٣، وتفسير البغوي ٣٣/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٣٦١.
(٥) النكت والعيون ١٣٤/٣، والوسيط ٣٠/٣، وتفسير البغوي ٣٣/٣، وزاد المسير ٣٦٠/٤.
(٦) صدر بيت، وعجزه: ولا نسيمٌ ولا ظلٍّ ولا ثمرُ. وذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢٨٤/١،
والصفدي في تصحيح التصحيف ص١٢٣ . والجوهري في الصحاح (كشٹ). وقال فيه الكشوت: نبت
يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض.
(٧) النكت والعيون ١٣٥/٣ - ١٣٦، والبيت في ديوان لقيط بن يعمر ص٨٦ وفيه: ((رأياً) بدل ((يوماً).
(٨) المثبت من (ظ) والصحاح، وفي بقية النسخ: قائماً.
(٩) ينظر الصحاح (جثث).
(١٠) تفسير البغوي ٣٣/٣، وينظر النكت والعيون ١٣٥/٣، وزاد المسير ٣٦١/٤.

١٣٨
سورة إبراهيم: الآيتان ٢٦ - ٢٧
وروى معاوية بن صالح، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس(١) في قوله
تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ قال: لا إله إلا اله، ﴿كَشَجَرَوْ طَيِّبَةٍ﴾ قال:
المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ لا إله إلا الله ثابتة في قلب المؤمن؛ ((وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ))
قال: الشرك، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: المشرك، ﴿أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ
قَرَارٍ﴾ أي: ليس للمشرك أصلٌ يعمل عليه(٢).
وقيل: يرجع المَثَلُ إلى الدعاء إلى الإيمان، والدعاء إلى الشرك؛ لأنَّ الكلمةَ
يُفهم منها القولُ والدعاءُ إلى الشيء.
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي
٢٧)
اَلْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ
قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قال ابن عباس: هو
لا إله إلا الله.
وروى النسائيُّ عن البراء قال(٣): ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ النَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال: نزلت في عذاب القبر. يُقال: مَنْ ربُّكَ؟ فيقول: ربِّيَ الله،
وديني دينُ محمد ﴿، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ (٤).
قلت: وقد جاء هكذا موقوفاً في بعض طرق مسلم عن البراء(٥) قوله(٦)،
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) من (ظ) وتفسير الطبري، وليس في باقي النسخ.
(٢) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٣٥ و ٦٥٦ - ٦٥٧ .
(٣) كلمة ((قال)) مكررة في (ف) و(م).
(٤) أخرجه إلى قوله: نزلت في عذاب القبر، موقوفاً النسائي في المجتبى ١٠١/٤ ، وفي السنن الكبرى
(١١٢٠٢). وأخرجه بتمامه موقوفاً ابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٧ ، والطبري ٦٥٨/١٣، والآجري في الشريعة
ص٣٧١ من طريق آخر عن البراء.
(٥) بعدها في (م): ((أنه)).
(٦) صحيح مسلم (٢٨٧١): (٧٤) بمثل رواية النسائي.

١٣٩
سورة إبراهيم: الآية ٢٧
والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم وكتاب النَّسائي وأبي داود وابن ماجه
وغيرهم، عن البراء، عن النبيّ ﴾(١). وذكر البخاريُ(٢): حدثنا حفص بن عمر،
قال: حدثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْثَد، عن سعد بن عُبيدة، عن البراء بن عازب، عن
النبيِّ# قال: ((إذا أُقْعِدَ المؤمنُ في قبره أتاه آتٍ، ثم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ
محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوِ الدُّنْيَا
وَفِي الْآَخِرَةِ﴾)). وقد بيَّنَّا هذا الباب في كتاب ((التذكرة))(٣)، وبيَّنا هناك من يُفتَنُ في
قبره ويُسأل، فمن أراد الوقوف عليه تأمَّله هناك.
قال سهل بن عمَّار: رأيتُ يزيد بن هارون في المنام بعد موته، فقلتُ له: ما فعلَ
اللهُ بك؟ فقال: أتاني في قبري مَلَكانٍ فّانٍ غليظان، فقالا: ما دِينُكَ؟ ومن ربُّكَ؟
ومن نَبيُّكَ؟ فأخذتُ بلحيتي البيضاء وقلتُ: أَلِمِثلي يُقال هذا وقد عَلَّمتُ الناسَ
جوابَكما ثمانين سَنة؟! فذهبا وقالا: أكَتَبْتَ عن حَريز بن عثمان؟ قلتُ: نعم. فقالا:
إنَّه كان يبغض علياً(٤) فأبْغَضَه الله.
وقيل: معنى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾: يُديمهمُ الله على القول الثابت، ومنه قول عبد الله
ابن رواحة:
يُثَبِّتُ اللهُ ما آتَاكَ مِن حَسَنٍ
تَثبيتَ موسى ونَصراً كالذي نُصِرا(٥)
(١) صحيح مسلم (٢٨٧١): (٧٣)، والمجتبى ١٠١/٤ - ١٠٢، وسنن النسائي الكبرى (١١٢٠٠)، وسنن
أبي داود (٤٧٥٠)، وسنن ابن ماجه (٤٢٦٩)، وهو في مسند أحمد (١٨٥٧٥)، وصحيح البخاري بإثر
الحديث (١٣٦٩) (ولم يسق لفظه) وسنن الترمذي (٣١٢٠).
(٢) في صحيحه (١٣٦٩)، وتصحف اسم شيخه في النسخ إلى جعفر بن عمر.
(٣) ص١٢٥ .
(٤) وقع في النسخ: عثمان، والمثبت من التذكرة، وشرف أصحاب الحديث ص١٠٨ ، وصفة الصفوة
١٨/٣، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٥، ومن غيرها من كتب التراجم.
(٥) النكت والعيون ١٣٥/٣، والبيت في ديوان عبد الله بن رواحة ص٤٦، وفي مطبوعه: ((فثبّت)) بدل
ایثبت» و«نصروا)) بدل (نصر)).

١٤٠
سورة إبراهيم: الآيات ٢٧ - ٣٠
وقيل: يثبتهم في الدارين جزاءً لهم على القول الثابت. وقال القَفَّال وجماعة:
﴿فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ أي: في القبر؛ لأن الموتى في الدنيا إلى أن يُبعثوا، ﴿وَفِ
اُلْأَخِرَةِ﴾ أي: عند الحساب(١). وحكاه الماورديُّ عن البراء قال: المراد بالحياة
الدنيا: المُساءلة في القبر، وبالآخرة: المُساءلة في القيامة(٢). ﴿وَيُضِلُّ اَللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾
أي: عن حُجَّتهم في قبورهم كما ضَلُّوا في الدنيا بكفرهم، فلا يُلقِّنهم كلمةَ الحقِّ،
فإذا سُئِلوا في قبورهم قالوا: لا ندري. فيقولان: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وعند ذلك
يُضرَب بالمقامع على ما ثبت في الأخبار(٣)، وقد ذكرنا ذلك في كتاب ((التذكرة))(٤).
وقيل: يُمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا.
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ من عذابٍ قومٍ وإضلالٍ قوم. وقيل: إن سبب نزول هذه
الآية ما رُويَ عن النبيِّ:﴿ لمَّا وصفَ مُساءلة مُنْكّرٍ ونكير وما يكون من جواب
الميت، قال عمر: يا رسول الله، أيكونُ معي عقلي؟ قال: ((نعم)) قال: كُفيتُ إذاً.
فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ هذه الآية(٥).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٨) وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ.
٢٨
قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُقْرَا﴾ أي: جعلوا بدلَ نعمة الله
عليهم الكفرَ في تكذيبهم محمداً #، حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا، والمراد
(١) ونقله أبو الليث في تفسيره ٢٠٦/٢ عن الربيع بن أنس.
(٢) نقله عن الماوردي ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٣٧/٣.
(٣) منها ما أخرجه أحمد (١١٠٠٠) عن أبي سعيد الخدري ﴾، وأحمد (١٢٢٧١)، والبخاري (١٣٣٨)،
ومسلم (٢٨٧٠) عن أنس بن مالك ﴾.
(٤) ص ١١٣ - ١١٥ .
(٥) أخرجه بنحوه أحمد (٦٦٠٣) دون ذكر سبب نزول الآية من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.