النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة الرعد: الآيتان ٤٢ - ٤٣
قلت: فالكتاب على هذا هو القرآن.
وأمَّا مَن قال: هو عبد الله بن سَلَام، فَعوَّل على حديث الترمذيِّ، وليس يمتنع
أن تنزل في عبد الله بن سَلَام سبباً وتتناولَ(١) جميعَ المؤمنين لفظاً، ويعضُدُه من
النّظام أنَّ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني [به] قريشاً، فالذين عندهم علمُ
الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى، الذين هم إلى معرفة النبوّة والكتاب
أقربُ من عبدة الأوثان.
قال النحاس(٢): وقول مَن قال: هو عبد الله بن سَلام وغيرُه، يُحتمَل أيضاً؛ لأن
البراهين إذا صحّت وعرَفها مَن قرأ الكتب التي أُنزِلت قبل القرآن؛ كان أمراً مؤكّداً،
والله أعلم بحقيقة ذلك.
تمَّ تفسير سورة الرعد، والحمد لله.
(١) في النسخ عدا (ظ): أن ينزل في عبد الله بن سلام شيئاً ويتناول، وفي (ظ): أن ينزل شيء في عبد الله
ابن سلام ويتناول، والمثبت من أحكام القرآن.
(٢) في معاني القرآن ٥٠٩/٣ .

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحيَمِ
صلَّى الله على محمدٍ وآلِهِ وسلَّمَ تسليماً
تفسير سورة إبراهيم
مكيةٌ كلُّها في قول الحسن وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها
مدنية (١). وقيل: ثلاث؛ نزلت في الذين حاربوا الله ورسوله، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الِّ كُفْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْقُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
قوله تعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ﴾ تقدَّم معناه(٢).
﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ﴾ أي: بالكتاب، وهو القرآن، أي: بدعائك إليه. ﴿مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
اُلتُورِّ﴾ أي: من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وهذا على
التمثيل؛ لأنَّ الكفرَ بمنزلة الظُلمة، والإسلامَ بمنزلة النور(٣). وقيل: من البدعة إلى
السُّنَّة، ومن الشَّكِّ إلى اليقين. والمعنى متقارب.
﴿﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بتوفيقه إيَّاهم ولُطفِه بهم، والباءُ في ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلّقةٌ
بـ (تُخرج)) (٤)، وأُضيفَ الفعلُ إلى النبيِّ ﴾؛ لأنه الداعي والمنذرُ الهادي.
(١) من (ظ)، وفي غيرها: مدنيتين، والكلام في النكت والعيون ١٢٠/٣.
(٢) ٢٣٧/١ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٥١٣/٣ .
(٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٥٣/٣.

١٠٣
سورة إبراهيم: الآيات ١ - ٣
﴿إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ هو كقولك: خرجتُ إلى زيدِ العاقلِ الفاضل؛ من
غير واو(١)؛ لأنهما شيءٌ واحد، واللهُ هو العزيزُ الذي لا مِثْلَ له ولا شبيه. وقيل:
((العزيز)): الذي لا يَغْلِبُهُ غالب. وقيل: ((العزيز)): المَنيعُ في مُلْكِه وسُلْطانِهِ. ((الحميد))
أي: المحمودُ بكلِّ لسان، والمُمَجَّدُ في كلِّ مكانٍ على كلِّ حال.
وروى مِقْسَم عن ابن عباس قال: كان قومٌ آمنوا بعيسى ابن مريم، وقومٌ كفروا
به، فلما بُعِثَ محمدٌ ﴾؛ آمنَ به الذين كفروا بعيسى، وكفرَ الذين آمنوا بعيسى،
فنزلت هذه الآية، ذكره الماورديُّ(٢).
قوله تعالى: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِّ وَوَيْلٌ لِّلْكَفِرِينَ
مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الَْخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿اَللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَّتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِ﴾ أي: مِلْكاً وعبيداً
واختراعاً وخلقاً. وقرأَ نافعٌ وابنُ عامٍ وغيرُهما: ((اللهُ)) بالرفع على الابتداء(٣)،
(الَّذِي)) خبرُه. وقيل: ((الَّذي)) صفة، والخبر مُضمَرٌ (٤)، أي: اللهُ الذي له ما في
السماوات وما في الأرض قادرٌ على كلِّ شيء. الباقون: بالخفض نعتاً للعزيز
الحميد، فقدَّمَ النَّعتَ على المنعوت، كقولِكَ: مررتُ بالظريفِ زيدٍ(٥). وقيل: على
(١) نقل ابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٤/٤ عن ابن الأنباري قوله: هذا مثل قول العرب: جلست إلى
زيد، إلى العاقل الفاضل، وإنما تُعاد ((إلى)) بمعنى التعظيم للأمر.
(٢) في النكت والعيون ١٢١/٣، وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١١١٤)، قال الهيثمي في
(«المجمع» ٣٢٣/٦، وفيه أبو بلال الأشعري، وهو ضعيف.
(٣) السبعة ص٣٦٢، والتيسير ص١٣٤، وقرأ بالرفع أيضاً أبو جعفر، كما في النشر ٢٩٨/٢ .
(٤) الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢٥/٢ .
(٥) ينظر تفسير الطبري ٥٨٩/١٣ - ٥٩٠، وردًّ ابن زنجلة هذا القول في ((حجة القراءات)) ص٣٧٦ فقال:
ولا يجوز أن يقول: نعتٌّ للحميد، وإنما هو كقولك: ((مررتُ بزيدٍ الظريف))، فإن قلت: ((بالظريف
زید» عاد بدلاً، ولم يكن نعتاً.

١٠٤
سورة إبراهيم: الآيتان ٢ - ٣
البدل من ((الحميد)) وليس صفة؛ لأنَّ اسمَ اللهِ صارَ كالعَلَم فلا يُوصَفُ به(١)؛ كما لا
يُوصَفُ بزيدٍ وعَمروٍ، بل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى؛ لأنَّ معناه أنَّه المنفردُ
بقدرة الإيجاد. وقال أبو عمرو: والخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط
الله العزيز الحميد الذي له ما في السماوات وما في الأرض(٢). وكان يعقوب(٣) إذا
وقف على (الحميد)) رفَعَ، وإذا وصلَ خفَضَ على النعت. قال ابنُ الأنباري(٤): من
خفَضَ وقَفَ على: ((وما في الأرض)).
قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قد تقدَّم معنى الويل في
(البقرة))(٥) وقال الزجَّاج(٦): هي كلمةٌ تُقال للعذاب والهَلَكة. ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدِ﴾
أي: في جهنم.
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا﴾ أي: يختارونها على الآخرة، والكافرون يفعلون
ذلك. فـ ((الذينَ) في موضع خفضٍ صفةٌ لهم. وقيل: في موضع رفع خبرُ ابتداءٍ مُضمَر؛
أي: هم الذين. وقيل: ((الذين يَسْتَحبُّون)) مبتدأ، وخبره: ((أُولَئِكَ))، وكلُّ مَنْ آثرَ الدنيا
وزَهْرَتَها، واستحبَّ البقاء في نعيمها على النعيم في الآخرة، وصدَّ عن سبيل الله -
أي: صرف الناس عنه، وهو دين الله، الذي جاءت به الرسل، في قول ابن عباس
وغيره - فهو داخل في هذه الآية؛ وقد قال ﴾: ((إنَّ أخوَفَ ما أخافُ على أمتي الأئمةُ
المُضِلُّون))(٧) وهو حديث صحيح. وما أكثر ما هم في هذه الأزمان! والله المستعان.
(١) لفظة ((به)) من (ظ).
(٢) تفسير الطبري ٥٨٩/١٣، وأبو عمرو: هو ابن العلاء.
(٣) في رواية رُويس، وهو من العشرة. النشر ٢٩٨/٢.
(٤) في إيضاح الوقف والابتداء ٧٣٩/٢ .
(٥) ٢١٩/٢ - ٢٢٢.
(٦) في معاني القرآن ١٦٠/١.
(٧) أخرجه أحمد في ((مسنده» (٢٧٤٨٥) من حديث أبي الدرداء.

١٠٥
سورة إبراهيم: الآيات ٢ - ٤
وقيل: ((يَسْتَحِبُّونَ)) أي: يلتمسون الدنيا من غير وجهها؛ لأنَّ نعمة الله لا تُلتَمسُ
إلا بطاعته دون معصيته ﴿وَيَغُونَهَا عِوَبًا﴾ أي: يطلبون لها زَيْغاً وميلاً لموافقة أهوائهم،
وقضاء حاجاتهم وأغراضهم. والسبيل تُذكَّر وتُؤنَّث (١). والعِوَجُ؛ بِكسر العينِ: في
الدِّين والأمر والأرض، وفي كلِّ ما لم يكن قائماً. ويفتح العين: في كل ما كان
قائماً، كالحائط والرُّمح ونحوه؛ وقد تقدم في ((آل عمران))(٢) وغيرها. ﴿أُوْلَكَ فِى
ضَلَلِمٍ بَعِيدٍ﴾ أي: ذهابٍ عن الحقِّ، بعيدٍ عنه.
قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِنَ لَمَّ فَيُضِلُ اللَّهُ
مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ﴾ أي: قبلَك يا محمد ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ.﴾
أي: بِلُغتهم؛ ليبيِّنوا لهم أمر دينهم(٣)، ووحَّد اللسان - وإن أضافه إلى القوم - لأن
المراد اللغة، فهي اسمُ جنسٍ يقع على القليل والكثير، ولا حُجَّةَ للعجم وغيرهم في
هذه الآية؛ لأنَّ كلَّ من تُرجِمَ له ما جاء به النبيُّ ﴾ ترجمةً يفهمها لزِمَتْه الحجَّة، وقد
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَاَنَّةً لِلنَّاسِ بَثِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقال ﴾:
((أُرسِلَ كلُّ نبيِّ إلى أمته بلسانها، وأرسلني اللهُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ من خَلْقِه))(٤).
وقال #: ((والذي نفسي بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٍّ،
ثم لم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به، إلا کان من أصحاب النار)). خرَّجه مسلم، وقد
تقدَّم(٥).
﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ ردٌّ على القَدَريَّة في نفوذ المشيئة، وهو
(١) الصحاح (سبل).
(٢) ٢٣٣/٥.
(٣) تفسير الطبري ٥٩٢/١٣، وتفسير السمر قندي ٢/ ٢٠٠ .
(٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (٩٤٢).
(٥) صحيح مسلم (١٥٣)، وسلف ١٦٠/٢ .

١٠٦
سورة إبراهيم: الآيتان ٤ - ٥
مستأنَفٌ، وليس بمعطوفٍ على ((لِيُبَيِّنَ))؛ لأن الإرسال إنما وقع للتبيين لا للإضلال.
ويجوز النصبُ في ((يضلُّ»؛ لأن الإرسال صار سبباً للإضلال؛ فيكون كقوله:
﴿لِكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وإنما صار الإرسال سبباً للإضلال؛ لأنهم
كفروا به لمَّا جاءهم، فصار كأنه سببٌ لكفرهم (١). ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدَّم
معناه(٢).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
اُلُُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورِ @)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَآَ﴾ أي: بحجّتنا وبراهيننا، أي:
بالمعجزات الدالّة على صدقه. قال مجاهد: هي التسع الآيات(٣).
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الُلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ نظيرُه قولُه تعالى لنبينا عليه
الصلاة والسلام أول السورة: ﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾. وقيل: ((أَنْ)) هنا
بمعنى: أي، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ﴾ [ص: ٦]: أي امشوا (٤).
قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرُهُم بِأَيَّنِمِ اللَّهِ﴾ أي: قُلْ لهم قولاً يتذكَّرون به أيامَ الله تعالى.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بنعم الله عليهم(٥). وقاله أبيّ بن كعب، ورواه
مرفوعاً(٦)، أي: بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التِّيه إلى سائر النِّعم.
(١) استبعد الزجَّاج في معاني القرآن ٣/ ١٥٤ النصب وقال: الرفع هو الوجه، وهو الكلام، وعليه القراءة.
(٢) معنى ((العزيز)) سلف ٤٠٣/٢ - ٤٠٤، ومعنى ((الحكيم)) سلف ٤٢٩/١.
(٣) أخرجه الطبري ٥٩٣/١٣ ٥٩٤ .
(٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٥٤/٣ - ١٥٥.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٤١/٢ والطبري ٥٩٦/١٣ و ٥٩٧ من قول مجاهد، و٥٩٧/١٣ من
قول قتادة، ولم نقف على من أخرجه من قول ابن عباس.
(٦) أخرجه من قول أبي بن كعب: عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١١٢٩)، وأخرجه أيضاً عنه
مرفوعاً (٢١١٢٨).

١٠٧
سورة إبراهيم: الآية ٥
وقد تُسمَّى النّعم: الأيام، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وأيامٍ لنا غُرِّ طِوالٍ(١)
وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة؛ يُقال: فلانٌ عالم
بأيَّام العرب، أي: بوقائعها(٢). قال ابن زيد: يعني: الأيام التي انتقم فيها من الأمم
الخالية(٣) وكذلك روى ابنُ وهب عن مالك قال: بلاؤه. وقال الطبريّ: وعِظْهُمْ بما
سلف في الأيام الماضية لهم(٤)، أي: بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، وقد
كانوا عبيداً مستذَلِّين. واكتفى بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومةً عندهم.
وروى سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: سمعتُ رسول الله ◌ِ﴾
يقول: ((بينا موسى عليه السلام في قومه يُذكِّرهم بأيَّامِ الله، وأيَّامُ الله بلاؤه ونَعماؤه))
وذكر حديث الخضر(٥). ودلَّ هذا على جواز الوعظِ المرقِّقِ للقلوب، المقوِّي لليقين،
الخالي من كل بدعة، والمنزَّه عن كلِّ ضلالةٍ وشُبهة.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ أي: في التذكير بأيَّام الله ﴿لَيَتٍ﴾ أي: دلالات. ﴿لِّكُلِّ
صَبَّارٍ﴾ أي: كثير الصبر على طاعة الله، وعن معاصيه. ﴿شَكُورٍ﴾ لنعم الله. وقال
قتادة: هو العبد؛ إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيّ صبر(٦). ورُويَ عن النبيِّ :# أنه قال:
((الإيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر)) ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾(٧). ونحوه عن الشَّعبيِّ موقوفاً (٨). وتَوارى الحسن
(١) شرح القصائد السبع لابن الأنباري ص٣٨٨، وعجزه: عَصّينا المَلْكَ فيها أن نَدينا، وسلف ٢١٦/١ .
(٢) ينظر تفسير البغوي ٢٦/٣.
(٣) تفسير الطبري ١٣/ ٥٩٧ .
(٤) تفسير الطبري ١٣/ ٥٩٤ .
(٥) أخرجه مسلم (٢٣٨٠): (١٧٢)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١١٢٠).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٩٨/١٣ .
(٧) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١٥٩) من حديث أنس بن مالك، لكن في إسناده عتبة بن السكن
ويزيد بن أبان الرقاشي، وهما متروكان. ميزان الاعتدال ٢٨/٣ و٤١٨/٤ .
(٨) بلفظ: الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وأخرجه ابن أبي الدنيا في
(الشكر)) (٥٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٤٤٨).

١٠٨
سورة إبراهيم: الآيات ٥ -٧
البصريُّ عن الحجّاج سبعَ سنين، فلما بلغه موتُه قال: اللهمَّ قد أمَّه فأمِتْ سُنَّته.
وسجد شكراً وقرأ: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ))(١).
وإنما خصَّ بالآيات كلَّ صبَّارٍ شكور؛ لأنه يَعتبِرُ بها ولا يغفل عنها، كما قال:
﴿إِنََّا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَئِهَا﴾ [النازعات: ٤٥] وإن كان منذِراً للجميع.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنَجَدُكُمْ
مِّنْ ءَالِ فِرْعَّوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُّدَتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ
وَفِ ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِذَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ
فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَبِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمَّ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءٌ ◌ِّن
زَّيِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ تقدَّم في ((البقرة)) مستوفّى والحمد لله(٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ قيل: هو من قول موسى لقومه. وقيل: هو من
قول الله، أي: واذكُرْ يا محمد إذ قال ربك كذا. و(تَأَذَّنَ)) وآذنَ بمعنى: أَعْلَمَ؛ مثل:
أَوْعَدَ وتَوَعَّدَ(٣)؛ رُوي معنى ذلك عن الحسن وغيره. ومنه الأذان؛ لأنه إعلام، قال
الشاعر :
فَلَمْ نَشْعُرْ بضوءِ الصُّبحِ حتَّى سمِعْنا في مجالسِنا الْأَذِينا(٤)
وكان ابن مسعود يقرأ: ((وإذْ قالَ ربُّكُمْ))(٥). والمعنى واحد.
﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن وحَّدتم وأطعتم لأزيدنَّكم مما يجب الشكر
(١) أخرجه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) ١٥٩/٢ دون قراءة الآية.
(٢) ٢ /٨٠ - ٨٩ .
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٥/٣، ومعاني القرآن للفراء ٦٩/٢، وتفسير الطبري ٦٠٠/١٣.
(٤) قائله الراعي النميري، وهو في ديوانه ص٢٧٦ ، وفيه: ((مساجدنا)) بدل: ((مجالسنا)).
(٥) وهي قراءة شاذة، ينظر البحر المحيط ٤٠٧/٥، وتفسير الطبري ١٣/ ٦٠١ .

١٠٩
سورة إبراهيم: الآيتان ٦ - ٧
عليه، وهي نعمي(١). وقال الربيع: المعنى(٢): لئن شكرتُم إنعامي لأزيدنَّكم من
فضلي. الحسن: لئن شكرتُم نعمتي لأزيدنَّكم من طاعتي(٣). ابن عباس: لئن وَخَّدْتُم
وأطعتُم لأزيدنَّكم من الثواب (٤). والمعنى متقارب في هذه الأقوال، والآية نصٌّ في
أنَّ الشكر سببُ المزيد، وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥) ما للعلماء في معنى الشكر.
وسُئِلَ بعضُ الصُّلحاء عن الشكر لله، فقال: ألَّا تتقوَّى بنعمه على معاصيه(٦).
وحُكيَ عن داود عليه السلام أنه قال: أيْ ربِّ، كيف أشكرُك، وشكري لك نعمةٌ
مجدَّدةٌ منك عليَّ. قال: يا داود، الآن شكرتَني(٧).
قلت: فحقيقةُ الشكر على هذا الاعترافُ بالنعمة للمنعِم، وألّا يصرفَها في غير
طاعته؛ وأنشد الهادي(٨) وهو يأكل:
بطاعتِه وتشكرَ بعضَ حقّهْ
أنالَكَ رِزقَه لتقومَ فيهِ
قَوِيتَ على معاصِيهِ برزقِهْ (٩)
فلم تشْكُرْ لِنعمتِهِ ولكِنْ
فغَصَّ باللُّقمة، وخنقته العَبْرة.
(١) الوسيط للواحدي ٢٤/٣ .
(٢) من قوله: ((وحَّدتم)) إلى هذا الموضع من (ظ). وكلام الربيع في زاد المسير ٣٤٧/٤.
(٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٠٢.
(٤) الوسيط للواحدي ٢٤/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٣٤٧ .
(٥) ١٠٤/٢.
(٦) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٥٠)، والخطيب في ((تاريخه)) ٢٤٤/٧ من كلام الجنيد بن محمد
البغدادي ﴾.
(٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٢٩/٥ إلى ابن أبي حاتم.
(٨) هو الخليفة موسى بن المهدي محمد بن المنصور، وليّ الخلافة بعد أبيه المهدي، مات سنة ١٧٠هـ،
وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكانت مدة خلافته سنة وشهر، وولي الخلافة من بعده أخوه الرشيد. السير
٤٤١/٧ - ٤٤٣ .
(٩) ذكرهما بنحوهما المبرِّد في الكامل ٦٦٤/٢٠ في ثلاثة أبيات، نسبت في بعض نسخه لمحمود الوراق
(كما ذكر محققه).

١١٠
سورة إبراهيم: الآيات ٦ - ٩
وقال جعفر الصادق: إذا سمعتَ النعمةَ نعمةَ الشكر؛ فتأهَّبْ للمزيد.
﴿وَلَيِن كَفَّرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: جحدتُم حقِّي، وقيل: نِعَمي(١)؛ وَعَدَ
بالعذاب على الكفر، كما وَعَدَ بالزيادة على الشكر(٢)، وحُذفتِ الفاءُ التي في جواب
الشرط من ((إنْ)) للشهرة(٣).
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنََّ اَللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدُّ
أَلَ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ أَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَاَلَّذِينَ مِنْ
بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِرْ
وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُواْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىّ حِيدٌ﴾
أي: لا يَلحقُه بذلك نقص، بل هو الغني. «الحميدُ)) أي: المحمود.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأ ◌َلَّذِينَ مِن قَبَلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ﴾ النبأ:
الخبر، والجمع: الأنباء؛ قال:
أَلَمْ يَأْتِيكَ والأنباءُ تَنْمي(٤)
ثم قيل: هو من قول موسی. وقيل: من قول الله، أي: واذكُر یا محمد إذ قال
ربُّك كذا. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى. وخبر قوم نوح وعاد وثمود
مشهورٌ، قصَّه الله في كتابه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللّهُ﴾ أي: لا يُحصي عددَهم إلا الله،
(١) الوسيط للواحدي ٢٤/٣ .
(٢) النكت والعيون ١٢٣/٣ .
(٣) وقال الشوكاني في فتح القدير ٩٦/٣: اللام في ((لئن شكرتم)) هي الموطئة للقسم، وقوله:
((لأزيدنَّكم)) ساذٌّ مسدَّ جوابي الشرط والقسم، وكذا اللام في ((ولئن كفرتم))، وقوله: ((إنَّ عذابي لشديد))
سادٍّ مسدَّ الجوابين أيضاً.
(٤) هو صدر بيت لقيس بن زهير، وسلف عند تفسير الآية (٩٠) من سورة يوسف.

١١١
سورة إبراهيم: الآيتان ٨ - ٩
ولا يعرف نسبَهم إلا الله (١)؛ والتَّسَّابون وإن نَسَبُوا إلى آدم؛ فلا يدَّعون إحصاء جميع
الأمم، وإنما ينسبون البعض، ويُمسِكون عن نسب البعض، وقد رُويَ عن النبيِّ ﴾.
لمَّا سمع النَّسَّابين ينسبون إلى مَعَدِّ بنِ عدنان، ثم زادوا، فقال: ((كذَبَ السَّابون، إن
الله يقول: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا أَلَّهُ﴾))(٢).
وقد رُويَ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبير أنه قال: ما وجدنا أحداً يعرفُ ما بين عدنان
وإسماعيل(٣).
وقال ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يُعرفون(٤). وكان ابن
مسعود يقول حين يقرأ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: كذب النَّسَّابون(٥). ﴿ََّتَّهُمْ رُسُلُهُم
بِلْبَيِّنَتِ﴾ أي: بالحُجج والدَّلالات. ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي: جعل أولئك
القومُ أيديَ أنفسهم في أفواههم ليَعضُّوها غيظاً مما جاء به الرسل؛ إذ كان فيه تَسفيهُ
أحلامهم، وشتمُ أصنامهم؛ قاله ابن مسعود(٦)، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد،
وقرأ: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْفِظْ﴾(٧) [آل عمران: ١١٩]. وقال ابن عباس: لمَّا
سمعوا كتاب الله؛ عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم(٨). وقال أبو صالح: كانوا
إذا قال لهم نبيُّهم: أنا رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم: أَنِ اسكُتْ؛
(١) تفسير الطبري ٦٠٣/١٣، والوسيط ٢٤/٣.
(٢) أخرجه ابن سعد ٥٦/١، وخليفة بن خياط في طبقاته ١/ ٣ عن ابن عباس، وفيه أنه قرأ قوله تعالى:
﴿وَقُرُوْنَا بَيِّنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] بدلاً من قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، وفي إسناده هشام بن
محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، وأبوه محمد بن السائب متهم بالكذب. ميزان الاعتدال
٥٥٦/٣ - ٥٥٧ ٣٠٤/٤ - ٣٠٥.
(٣) أخرجه ابن سعد ٥٨/١، وخليفة بن خياط في طبقاته ١/ ٢.
(٤) أخرجه خليفة بن خياط في طبقاته ٣/١ .
(٥) أخرجه ابن سعد ٥٦/١ .
(٦) ذكره المصنف عنه بالمعنى، وسيذكر لفظه قريباً.
(٧) الدر المنثور ٤/ ٧٢ .
(٨) أخرجه الطبري ١٣/ ٦٠٧ .

١١٢
سورة إبراهيم: الآيتان ٨ - ٩
تكذيباً له، وردًّا لقوله. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. والضمیران للكفار،
والقول الأول أصحُّها إسناداً؛ قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن
سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله تعالى ﴿فَرَدُّوا
أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ قال: عَضُّوا عليها غيظاً (١). وقال الشاعر:
ودِقَّةً في عَظْمٍ ساقي ويدي
لو أنَّ سَلمى أبْصَرَتْ تَخَذُّدي
عَضَّتْ من الوَجْدِ بأطرافِ اليدِ(٢)
وبُعْدَ أهلي وجَفاءَ عُوَّدي
وقد مضى هذا المعنى في ((آل عمران)» مجوَّداً، والحمد لله(٣).
وقال مجاهد وقَتادة: رَدُّوا على الرسل قولَهم، وكذَّبوهم بأفواههم. فالضمير
الأول للرسل، والثاني للكفار. وقال الحسن وغيره: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل
ردًّا لقولهم(٤). فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل. وقيل: معناه:
أَومؤوا للرسل أن يسكتوا(٥). وقال مقاتل: أخذوا أيديّ الرسل ووضعوها على أفواه
الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم(٦). وقيل: ردَّ الرسل أيديّ القوم في أفواههم.
وقيل: إن الأيديَ هنا النِّعم، أي: ردُوا نِعَمَ الرسلِ بأفواههم، أي: بالنطق
والتكذيب، ومجيء الرسل بالشرائع نِعَمٌ، والمعنى: كذَّبوا بأفواههم ما جاءت به
الرسل. و((في)) بمعنى الباء؛ يقال: جلستُ في البيت وبالبيت(٧)، وحروف الصفات
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٤١/١، والطبري ٦٠٥/١٣، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(٩١١٩)، والحاكم ٣٥١/٢ من طريق سفيان الثوري، به. وعبد الله: هو ابن مسعود، ﴾.
(٢) ينظر النكت والعيون ١٢٤/٣، والكامل ٢٦٣/١.
(٣) ٢٧٨/٥ - ٢٨٠.
(٤) زاد المسير ٣٤٩/٤ .
(٥) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٣، والمحرر الوجيز ٣٢٦/٣، والوسيط ٢٥/٣.
(٦) المحرر الوجيز ٣٢٦/٣ .
(٧) ينظر معاني القرآن للفراء ٦٩/٢ - ٧٠، ومعاني القرآن للزجاج ١٥٦/٣.

١١٣
سورة إبراهيم: الآيات ٨ - ١٠
يُقام بعضُها مقامَ بعض. وقال أبو عبيدة(١): هو ضرب مَثَل، أي: لم يُؤمنوا ولم
يُجيبوا؛ والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد ردَّ يده في فيه.
وقاله الأخفش أيضاً. وقال القُتَبيَّ(٢): لم نسمع أحداً من العرب يقول: ردَّ يدَه في فيه
إذا ترك ما أُمِرَ به، وإنما المعنى: عَضُّوا على الأيدي حَنَقاً وغيظاً؛ لقول الشاعر:
دِ حتى يَعَضَّ عليَّ الأَكُفَّا(٤)
يَرُدُونَ في فِيهِ عَشْرَ (٣) الحسو
يعني أنهم يَغْيظون الحسود حتى يَعَضَّ على أصابعه وكفّيه. وقال آخر:
قَدَ اقْنى أنامِلَهُ أَزْمُهُ فأضحى يَعَضُّ عليَّ الوَظِيفا(٥)
﴿وَقَالُواْ﴾: يعني الأمم للرسل: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ.﴾ أي: بالإرسال على
زعمكم، لا أنهم أقرُّوا أنهم أُرسِلوا(٦). ﴿وَإِنَّا لَفِى شَاءٍ﴾ أي: في ريبٍ ومِرْبةٍ ﴿مِّنَا
تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد. ﴿مُرِيبٍ﴾ أي: مُوجِبٍ للرِّيبة؛ يُقال: أرَبْتُه: إذا فعلتَ أمراً
أوجبَ رِيبةً وشكًا (٧)، أي: نظنُّ أنكم تطلبون الملك والدنيا.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ
لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَ أَجَلٍ مُسَنَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَتُوْنَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اَللَّهِ شَكٌّ﴾ استفهامٌ معناه الإنكار، أي: لا شكَّ
(١) في مجاز القرآن ٣٣٦/١.
(٢) في غريب القرآن ص ٢٣٠ - ٢٣١، وينظر المعاني الكبير له ٨٣٤/٢ .
(٣) في (م): غِشَّ.
(٤) أورد شطره الأول ابن قتيبة في المصدرين السالفين، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٤٨/٤ .
(٥) قائله صخر الغي كما في ديوان الهذليين ٢/ ٧٣ وأورد البيت ابن قتيبة وابن الجوزي (في المصادر
السالفة). قوله: الأزم: شدة العَضِّ بالفم كلِّه، وقيل: بالأنياب. والوَظيف: مُستدَقُّ الذراع والساق من
الخيل والإبل ونحوهما. اللسان (أزم) و(وظف).
(٦) الوسيط للواحدي ٢٥/٣، وزاد المسير لابن الجوزي ٣٤٩/٤.
(٧) تفسير الطبري ٦٠٩/١٣ .

١١٤
سورة إبراهيم: الآيات ١٠ - ١٢
في الله، أي: في توحيده. قاله قتادة. وقيل: في طاعته. ويَحتَمِلُ وجهاً ثالثاً: أفي
قدرة الله شكٌّ؟! لأنهم متفقون عليها ومختلفون فيما عداها(١)، يدلُّ عليه قوله:
﴿فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقِها ومخترعِها ومنشئِها ومُوجدِها بعد العدم؛ لينِّه
على قدرته، فلا تجوز العبادةُ إلا له . ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أي: إلى طاعته بالرسل والكتب.
﴿ِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو عبيدة(٢): ((مِنْ)) زائدة. وقال سيبويه: هي
للتبعيض. ويجوز أن يُذكر البعضُ والمرادُ منه الجميع. وقيل: ((مِن)) للبدل، وليست
بزائدةٍ ولا مُبعِّضَة، أي: لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب (٣). ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ
تُسَنٌَّ﴾ يعني الموت، فلا يعذبكم في الدنيا. ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ﴾ أي: ما أنتم ﴿إِلَّا
بَشَرٌ مِثْنَا﴾ في الهيئة والصورة؛ تأكلون مما نأكل، وتشربون مما نشرب، ولستُم
ملائكة. ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ من الأصنام والأوثان ﴿فَأْتُونَا
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بحجّةٍ ظاهرة؛ وكان هذا مِحالاً منهم؛ فإنَّ الرسلَ ما دَعَوا إلا
ومعهم المعجزات (٤).
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى
مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ تَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَننَا سُبُلَنَا
وَلَنَصَّبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَّيْتُمُونًا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنْوَكَلِ الْمُتَوَُّونَ
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: في الصورة
والهيئة كما قلتم. ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِمْ﴾ أي: يتفضَّلُ عليه بالنبوّة.
(١) النكت والعيون ١٢٥/٣، وقول قتادة في الوسيط ٢٥/٣، وزاد المسير ٣٤٩/٤ - ٣٥٠.
(٢) في مجاز القرآن ٣٣٦/١.
(٣) النكت والعيون ١٢٥/٣ - ١٢٦ .
(٤) النكت والعيون ١٢٦/٣ .

١١٥
سورة إبراهيم: الآيتان ١١ - ١٢
وقيل: بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية. وقال سهل بن عبد الله: بتلاوة القرآن
وفهم ما فيه(١).
قلت: وهذا قولٌ حسن، وقد خرَّجَ الطبريُّ من حديث ابن عمر قال: قلتُ لأبي
ذَرِّ: يا عَمُّ أوصِني. قال: سألتُ رسولَ اللـه ﴿ كما سألتني، فقال: ((ما من يومٍ ولا
ليلةٍ ولا ساعةٍ إلا ولله فيه صدقةٌ يُمُنُّ بها على من يشاء من عباده، وما مَنَّ اللهُ تعالى
على عباده بمثل أن يُلهِمَهم ذِكْرَه))(٢).
﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ أي: بحُجَّةٍ وآية. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي:
بمشيئته، وليس ذلك في قدرتنا، أي: لا نستطيع أن نأتيَ بحُجَّةٍ كما تطلبون إلا بأمره
وقدرته، فلفظُه لفظُ الخبر، ومعناه النفي؛ لأنه لا يُحظّرُ على أحدٍ ما لا يقدِرُ عليه(٣).
﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تقدَّم معناه(٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَنَوَكَّلَ عَلَى اَللَّهِ﴾ ((ما)) استفهام في موضع رفعٍ
بالابتداء، و((لَنَا)) الخبر، وما بعدها في موضع الحال(٥)؛ التقدير: أيُّ شيءٍ لنا في
ترك التوكل على الله. ﴿وَقَدْ هَدَدنَا سُبُلَنَا﴾ أي: الطريق الذي يوصل إلى رحمته،
ويُنجي من سَخَطِهِ ونِقْمَتِه. ﴿وَصَبِنَّ﴾ لام قسم؛ مجازه: واللهِ لَنَصْبِرَنَّ ﴿عَلَى مَآ
ءَاذَيْتُمُونًا﴾ به، أي: من الإهانة والضرب، والتكذيب والقتل، ثِقةً بالله أنه يكفينا
ويُثِيبنا. ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَُّونَ﴾
(١) النكت والعيون ١٢٦/٣ .
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٩٨٧)، والبزار في («مسنده)) (٣٨٩٠)، وابن حبان في
((المجروحين)) ٢٤٤/١، في ترجمة حسين بن عطاء راوي الحديث، وقال: لا يجوز الاحتجاج به إذا
انفرد لمخالفته الأثبات في الروايات، وذكره أيضاً في الثقات ٢٠٩/٦، وقال: يخطئ ويدلس.
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٩/٣، وفي مطبوعه ((الحظر)) بدلاً من ((الخبر)).
(٤) ٢٩٠/٥ - ٢٩٢.
(٥) مشكل إعراب القرآن ٤٠١/١ .

١١٦
سورة إبراهيم: الآيتان ١٣ - ١٤
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَ فِى
وَنْكِنَّنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ
مَِّتِنَّاً فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ رَتُهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الَّالِمِينَ
١٤
لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَفَ وَعِيدِ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَتُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا﴾ اللام لام قسم،
أي: واللهِ لَنخرجنَّكم. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أي: حتى تعودوا، أو: إلا أن تعودوا. قاله
الطبريُّ وغيره(١). قال ابن العربي: وهو غيرُ مفتقرٍ إلى هذا التقدير؛ فإنَّ ((أو)) على
بابها من التخيير، خيَّر الكفارُ الرسلَ بين أن يعودوا في مِلَّتهم أو يُخرجوهم من
أرضهم، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ
لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا. سُنَّةَ مَن قَدْ
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾(٢) [الإسراء: ٧٦-٧٧]. وقد تقدَّم هذا المعنى في ((الأعراف))(٣)
وغيرها. ﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ أي: إلى ديننا، ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَتُهُمْ لَتُلِكَنَّ الفَِّمِينَ * وَْكِنَنَّكُمُ
اُلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾ أي: مقامَه بين يديّ يوم
القيامة، فأُضيف المصدر إلى الفاعل(٤). والمَقام مصدرٌ كالقيام؛ يقال: قام قياماً
ومَقاماً، وأضاف ذلك إليه؛ لاختصاصه به. والمَقام بفتح الميم: مكان الإقامة،
وبالضَّمِّ: فِعْلُ الإقامة(٥). و﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى﴾ أي: قيامي عليه، ومراقبتي له؛
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآَبِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال الأخفش:
(١) تفسير الطبري ١٣/ ٦١٢.
(٢) أحكام القرآن ٣/ ١١٠٤ - ١١٠٥.
(٣) ٩/ ٢٨٤.
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٣٣٠/٣ .
(٥) معاني القرآن للنحاس ٣٣١/٥، والنكت والعيون ١٢٦/٣، وينظر قول المصنف عند تفسير الآية ٧٣
من سورة مريم.

١١٧
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
(ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي)) أي: عذابي، ((وَخَافَ وَعِيدٍ)) أي: القرآن وزواجرَه. وقيل:
إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.
مِّنْ وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَغَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ ٨ يَتَجَرَّعُمُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ
مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيْتٍ وَمِنْ وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾ أي: واستنصروا، أي: أُذِنَ للرسل في الاستفتاح على
قومهم، والدعاء بهلاكهم. قاله ابن عباس وغيره(١)، وقد مضى في ((البقرة))(٢). ومنه
الحديث: إنَّ النبيَّ﴾ كان يستفتِحُ بصعاليك المهاجرين، أي: يستنصر. وقال ابن
زيد: استفتحت الأمم بالدعاء كما قالت قريش: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ
عِنْدِكَ﴾ الآية (٣) [الأنفال: ٣٢]، ورُويَ عن ابن عباس (٤). وقيل: قال الرسول: ((إنهم
كذبوني فافتَحْ بيني وبينهم فتحاً)). وقالت الأمم: إن كان هؤلاء صادقين فعذٌّبنا. عن
ابن عباس أيضاً(٥)، نظيره: ﴿أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾
[العنكبوت: ٢٩] ﴿أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّاً إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
﴿وَغَابَ كُلُّ جَنَّارٍ عَنِيدٍ﴾ الجبّار: المتكبِّر الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقًّا.
هكذا هو عند أهل اللغة، ذكره النحاس(٦). والعنيد: المعاندُ للحقِّ والمُجانِبُ له. عن
ابن عباس وغيره(٧)، يُقال: عَنَدَ عن قومه، أي: تباعد عنهم(٨). وقيل: هو من العَنَد،
(١) ذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ٣/ ٣٣٠ أن فرقةً قرأت: ((واستفتحوا)) بكسر التاء، على معنى الأمر
للرسل. ثم قال: قرأها ابن عباس ومجاهد وابن مُحيصن.
(٢) ٢٤٨/٢ - ٢٤٩، وسلف هناك أيضاً الحديث الذي سيذكره المصنف بعده.
(٣) النكت والعيون ١٢٧/٣، وزاد المسير ٣٥١/٤ .
(٤) لم نقف عليه عن ابن عباس.
(٥) تفسير البغوي ٢٨/٣ .
(٦) في معاني القرآن ٥٢١/٣.
(٧) أخرجه الطبري ٦١٥/١٣ عن مجاهد، وكذلك نقله عنه البغوي ٢٩/٣، وهو في تفسيره ٣٣٤/١.
(٨) تهذيب اللغة ٢٢١/٢ .

١١٨
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
وهو الناحية(١). وعاندَ فلانٌ، أي: أخذَ في ناحيةٍ مُعْرِضاً؛ قال الشاعر:
إِنِّي كبيرٌ لا أُطِيقُ الْعُنَّدا(٢)
إذا نزلتُ فاجعلوني وَسَطا
وقال الهَرَويُّ(٣): قوله تعالى: ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: جائرٍ عن القصد، وهو العَنُود
والعَنيد والعانِد(٤). وفي حديث ابن عباس وسئل عن المستحاضة، فقال: إنه عِرْقٌ
عانِدٌ(٥). قال أبو عبيد(٦): هو الذي عَنَد وبَغى؛ كالإنسان يعانِد، فهذا العِرقُ في كثرة
ما يخرج منه بمنزلته. وقال شَمِر: العانِدُ: الذي لا يرقأ(٧). وقال عمر يذكر سيرته:
أَضُمُّ العَنُود؛ قال الليث: العَنُود من الإبل: الذي لا يُخالطها، إنما هو في ناحيةٍ
أبداً (٨)؛ أراد مَنْ هَمَّ بالخلاف أو بمفارقة الجماعة عطفتُ به إليها. وقال مقاتل:
العنيد: المتكبر(٩). وقال ابن كَيْسان: هو الشامخ بأنفه. وقيل: العَنُود والعَنيد: الذي
يتكبَّر على الرسل ويذهب عن طريق الحقّ فلا يسلكها؛ تقول العرب: شرُّ الإبل
العَنُود الذي يخرج عن الطريق (١٠). وقيل: العنيد: العاصي. وقال قتادة: العنيد:
الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله (١١).
(١) ينظر الصحاح (عند).
(٢) الرجز في أدب الكاتب ص٤٩١، وأمالي ابن الشجري ٤٢٢/١، وخزانة الأدب ٣٢٣/١١ وفيه وفي
(د) و(ظ): فاجعلاني بدل: فاجعلوني.
(٣) في غريب الحديث ٢٣٥/٤ .
(٤) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢٩٠/١ .
(٥) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٢٣٤/٤ - ٢٣٥، وابن المنذر في الأوسط ١٥٩/١، وقد روي
من حديث عائشة كما في مسند أحمد (٢٥٣٩١)، وسنن النسائي ١/ ١٢٢ .
(٦) في غريب الحديث ٢٣٥/٤ .
(٧) ينظر اللسان (عند).
(٨) تهذيب اللغة ٢٢٢/٢، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١٣٠.
(٩) تفسير البغوي ٢٩/٣ .
(١٠) ينظر تفسير الطبري ٦١٦/١٣ .
(١١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٤١/١، والطبري ٦١٦/١٣، وهو في الوسيط للواحدي ٢٦/٣،
وتفسير البغوي ٢٩/٣، والمحرر الوجيز ٣٣٠/٣.

١١٩
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنّى واحد، وإن كان اللفظ مختلفاً، وكلُّ
متباعدٍ عن الحقِّ جبَّارٌ وعنيدٌ، أي: متكبِّر. وقيل: إنَّ المُرادَ به في الآية أبو جهل؛
ذكره المَهدويّ(١). وحكى الماورديُّ في كتاب ((أدب الدنيا والدين))(٢) أنَّ الوليدَ بن
يزيد بن عبد الملك تفاءَل يوماً في المصحف، فخرج له قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ
وَغَابَ كُلُّ جَارٍ عَنِيٍ﴾، فمزَّقَ المصحفَ، وأنشأ يقول:
فها أنا ذاكَ جَبَّارٌ عَنيدُ
أتُوعِدُ كِلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
فَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقني الولِيدُ
إذا ما جِئْتَ ربَّكَ يوم حَشْرٍ
فلم يلبَثْ إلا أياماً حتى قُتِلَ شرَّ قِتلةٍ، وصُلِبَ رأسُه على قصره، ثم على سُورٍ
بلده.
قوله تعالى: ﴿مِّنِ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾ أي: من وراء ذلك الكافر جهنم، أي: من بعد
هلاكه. ووراء بمعنى بَعْد(٣)؛ قال النابغة (٤):
حَلَفتُ فلم أتركْ لِنفسكَ رِيبً .
وليس وراءَ اللهِ للمرءِ مذهبُ
أي: بعد الله، جلَّ جلالُه، وكذلك قوله تعالى [في الآية التالية]: ﴿وَمِنْ وَرَآپِهِ.
عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: من بعده، وقوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] أي:
بما سواه. قاله الفراء(٥). وقال أبو عبيد(٦): بما بعده. وقيل: ((مِنْ وَرَائِهِ) أي: من
أمامه، ومنه قول الشاعر:
ومِن ورائِكَ يومٌ أنتَ بالِغُهُ لا حاضرٌ مُعجِزٌ عنه ولا بادِي(٧)
(١) وذكره أبو الليث في تفسيره ٢٠٣/٢ .
(٢) ص٢٨٩ - ٢٩٠.
(٣) النكت والعيون ١٢٨/٣.
(٤) هو الذبياني، والبيت في ديوانه ص١٧، وسلف ٣٨٨/١٠.
(٥) في معاني القرآن ١/ ٦٠.
(٦) ينظر تهذيب اللغة ٣٠٤/١٥، ومعاني القرآن للزجاج ١٥٦/٣.
(٧) ذكره في النكت والعيون ١٢٧/٣ .

١٢٠
سورة إبراهيم: الآيات ١٥ - ١٧
وقال آخر :
وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائِيا(١)
أَتَرْجُو بنو مروانَ سمعي وطاعتي
وقال لبيد(٢):
لُزومُ العَصا تُحنَى عليها الأصابعُ
أليسَ ورائي إنْ تراخَتْ منِيَّتي
يريد أمامي. وفي التنزيل: ﴿كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم. وإلى
هذا ذهب أبو عبيدة وأبو عليّ قُطرب وغيرهما(٣). وقال الأخفش: هو كما يقال: هذا
الأمر من ورائك، أي: سوف يأتيك، وأنا من وراء فلان، أي: في طلبه، وسأصل
إليه (٤). وقال النحاس(٥) في قوله: ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾ أي: من أمامه، وليس من
الأضداد ولكنه من توارى، أي: استَتَر. وقال الأزهري(٦): إنَّ ((وراء)) تكون بمعنی
((خلف وأمام))، فهو من الأضداد. وقاله أبو عبيدة أيضاً (٧). واشتقاقها(٨) مما توارى
واستتر، فجهنم تواری ولا تظهر، فصارت من وراء؛ لأنها لا تُرى. حكاه ابن
الأنباري(٩)، وهو حسن.
قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ﴾ أي: من ماءٍ مثل الصديد، كما يُقال للرجل
الشجاع: أسد، أي: مثلُ الأسد، وهو تمثيلٌ وتشبيه(١٠). وقيل: هو ما يسيل من
(١) البيت لسوار بن المُضرَّب، كما في الكامل للمبرِّد ٦٢٨/٢، والأضداد لابن السكيت ص١٧٦،
والأضداد للأصمعي ص٢٠، والأضداد لابن الأنباري ص٦٨. ونسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن
٢٨٠/٢ لمساور بن حمثان.
(٢) ديوانه ص ١٧٠.
(٣) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣٣٧/١، وسلف هذا المعنى قريباً.
(٤) تفسير البغوي ٢٩/٣.
(٥) في معاني القرآن ٥٢٢/٣.
(٦) في تهذيب اللغة ١٥/ ٣٠٤ .
(٧) في مجاز القرآن ٣٣٧/١ .
(٨) في (ظ): واشتقاقه، وفي (م): واشتقاقهما.
(٩) نقله عنه الماوردي في النكت والعيون ١٢٨/٣.
(١٠) المصدر السابق.