النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة الرعد: الآية ٣٥ الجنة [التي وُعد المتقون] جَنَّةٌ تجري من تحتها الأنهار. وأنكره أبو عليٍّ فقال: لا يخلو المَثَل على قوله أن يكون الصفةَ أو الشَّبَه، وفي كلا الوجهين لا يصِحُّ ما قاله؛ لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصحَّ؛ لأنك إذا قلتَ: صفةُ الجنَّة جنَّةٌ، فجعلتَ (جنةٌ)) (١) خبراً لم يَستقِم ذلك؛ لأنَّ الجنة لا تكون الصفة(٢)، وكذلك أيضاً: شَبَهُ الجنة جنة، ألا ترى أنَّ الشَّبه عبارةٌ عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حَدَث، والجنّة غيرُ حَدَث، فلا يكون الأول الثاني(٣). وقال الفرَّاء: المَثَل مُفْحَم للتأكيد، والمعنى: الجنَّة التي وُعِد المتقون تجري من تحتها الأنهار، والعرب تفعل ذلك كثيراً بالمَثَل والمِثْل(٤)، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ. شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس كهو شيء(٥). وقيل: التقدير: صفةُ الجنة التي وُعِد المتقون صفةُ جنَّةٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ. وقيل: معناه: شَبَهُ الجنة التي وُعد المتقون في الحُسْن والنعمة والخلود كشَبَه النار في العذاب والشدّة والخلود؛ قاله مقاتل. ﴿أُكُلُهَا دَآئِرٌ﴾ لا ينقطع، وفي الخبر: ((إذا أُخذت ثمرةٌ عادت مكانَها أخرى»، وقد بيَّنَّاه في ((التذكرة))(٦). ﴿وَظِلُهَا﴾ أي: وظلُّها كذلك، فحذف، أي: ثمرُها لا ينقطع وظلُّها لا يزول، وهذا ردٌّ على الجَهْمِيَّة في زعمهم أنَّ نعيم الجنة يزول (١) في (م): الجنة. (٢) في (ظ): صفة. (٣) ينظر البحر المحيط ٣٩٦/٥، والدر المصون ٥٩/٧ . (٤) قوله: والمثل، من (د) و(ز) و(ف)، وهو موافق لما في البحر ٣٩٦/٥، والكلام فيه. (٥) في (د) و(ز) و(م): ليس هو كشيء، والمثبت من (ظ) و(ف) والبحر. وذكر الكلام بنحوه عن الفراءِ مكي في مشكل إعراب القرآن ٣٩٨/١ - ٣٩٩. قال أبو حيان: وإقحام الأسماء لا يجوز. (٦) ص٤٥٢، وأخرجه ابن أبي شيبة ٩٧/١٣ ، والطبري ٤٠٦/١ - ٤٠٧، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣١٥) من طريق أبي عبيدة عن مسروق. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤٨٩) و(١٤٩٠)، وهناد في الزهد (١٠٣)، والطبري ٤٠٩/١ عن أبي عبيدة، وهو عامر بن عبد الله بن مسعود ﴾. ٨٢ سورة الرعد: الآيتان ٣٥ -٣٦ ويفنى(١). ﴿تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَعُقْبَى الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ أي: عاقبةُ أَمْرِ المكذِّبين وآخرتُهم النارُ يَدخلونها. قوله تعالى: ﴿وَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِدَّةَ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَشَابٍ قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ﴾ أي: بعضُ مَنْ أُوتِيَ الكتاب يفرح بالقرآن، كابن سَلَام وسَلْمان، والذين جاؤوا من الحبشة، فاللفظُ عامٌّ والمرادُ الخصوص. وقال قَتَادة: هم أصحابُ محمدٍ ﴾ يفرحون بنور القرآن. وقاله مجاهد وابن زيد (٢). وعن مجاهد أيضاً: أنهم مؤمنو أهلِ الكتاب(٣). وقيل: هم جماعةُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كُبهم(٤). وقال أكثر العلماء: كان ذِكْرُ الرحمن في القرآن قليلاً في أوَّل ما أُنزِل، فلمَّا أسلم عبد الله بنُ سَلَام وأصحابُه؛ ساءهم قِلَّة ذِكْر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فسألوا النبيَّ # عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّعَْنَّ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فقالت قريش: ما بالُ محمدٍ يدعو إلى إلهٍ واحد، فأصبح اليوم يدعو إلى(٥) إلهين؛ الله والرحمن؟! واللهِ ما نعرف الرحمن إلَّا رحمانَ اليمامة - يعنُون مُسَيْلِمَةَ الكِذَّاب - فنزلت: ﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّحَنِ هُمْ (١) تفسير البغوي ٢١/٣ . (٢) النكت والعيون ١١٦/٣ عن قتادة وابن زيد، وأخرج قول قتادة الطبري ٥٥٦/١٣ . (٣) النكت والعيون ١١٦/٣. (٤) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١١٦/٣ عن ابن عيسى. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٣١٦/٣: ويضعَّفُ هذا التأويلُ بأنَّ همَّهم به أكثر من فرحهم، ويضعَّف أيضاً بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه، وقد فرق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه، وبين الذين آتيناهم الكتاب. (٥) قوله: إلى، من (ظ). ٨٣ سورة الرعد: الآيتان ٣٦ - ٣٧ كَفِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنْ﴾ [الرعد: ٣٠]، ففرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَاتَيْئَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَتْهٌ﴾(١). ﴿وَمِنَ الْأَخْزَابِ﴾ يعني مشركي مكةَ، ومَن لم يؤمن من اليهود والنصارى؛ قال قتادة والحسن ومجاهد: الأحزاب: اليهود والنصارى(٢) والمجوس. وقيل: هم العرب المُتحزّبون على النبيِّ﴾. وقيل: ومِن أعداء المسلمين مَن ينكر بعضَ ما في القرآن؛ لأنَّ فيهم مَن كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم مَن كان يعترف بأن الله خالقُ السماوات والأرض. ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهَ وَلَآَ أُشْرِكَ بٍِّ﴾ قراءة الجماعة بالنصب عطفاً على ((أَعْبُدَ)). وقرأ أبو خليد(٣) بالرفع على الاستئناف، أي: أُفْرِدُه بالعبادة وحده لا شريك له، وأتبرَّأُ عن المشركين ومَن قال: المسيحُ ابنُ الله وعزيرٌ ابن الله، ومَن اعتقد التشبيه كاليهود. ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ أي: إلى عبادته أدعو الناس ﴿وَإِلَيْهِ مَثَابٍ﴾ أي: أرجع في أموري كلِّها. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيَّأْ وَلَيْنِ أَتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَافٍ (٢)﴾ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِّْ﴾ أي: وكما أنزلنا عليك القرآن فأَنكره بعضُ الأحزاب، كذلك أنزلناه حكماً عربياً، وإنما وَصَفَه بذلك لأنه أنزله على محمد ◌ٍ ﴾، (١) الوسيط ١٨/٣، وتفسير البغوي ١٩/٣ و٢٢، وينظر ما سلف ٣١٨/٩. (٢) قوله: قال قتادة والحسن ومجاهد الأحزاب اليهود والنصارى، من (ظ)، وذكر قولهم الطبرسي في مجمع البيان ١٣/ ١٨٢ - ١٨٣. (٣) في (د) و(م): أبو خالد، وفي (ظ): أبو جليد، والمثبت من (ز) و(ف) والكشاف ٢/ ٣٦٢ وفيه ذكر القراءة. وأبو خليد هو عتبة بن حماد الحكمي الدمشقي، روى القراءة عن نافع وله عنه نسخة. طبقات القراء ٤٩٨/١. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٧، وتحرف فيه: خليد، إلى خليل. ٨٤ سورة الرعد: الآيتان ٣٧ - ٣٨ وهو عربيٍّ، فكذَّب الأحزابُ بهذا الحكم أيضاً. وقيل: نَظُمُ الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرُّسُل بلغاتهم، كذلك أنزلنا إليك القرآن حُكْماً عربياً(١)، أي: بلسان العرب. ويريد بالحكم: ما فيه من الأحكام. وقيل: أراد بالحكم العربيِّ القرآنَ كلَّه؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل ويَحْكُم. ﴿وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي: أهواءَ المشركين في عبادة ما دونَ الله، وفي التوجُّه(٢) إلى غير الكعبة ﴿بَعْدَ مَا جَمَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِيٍّ﴾ أي: ناصر ينصرك ﴿وَلَ وَاقٍ﴾ يمنعك من عذابه، والخطاب للنبيّ ﴾، والمرادُ الأُمَّة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِثَايَةٍ إِلَّا بِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ ٣٨ فيه مسألتان: الأولى: قيل: إن اليهود عابوا على النبيِّ # الأزواج، وعَيَّرتْه (٣) بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همَّةً إلا النِّساءَ والنكاح، ولو كان نبيًّا لشغله أمر النبوَّة عن النِّساء، فأنزل الله هذه الآية(٤)، وذكَّرهم أمرَ داود وسليمانَ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا . مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ أي: جعلناهم بشراً يقضُون ما أحلَّ الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيصُ في الوحي. الثانية: هذه الآية تدلُّ على الترغيب في النكاح والحضِّ عليه، وتَنْهَى عن التَّبْتُل، وهو تركُ النكاح، وهذه سنَّة المرسلين كما نصَّت عليه هذه الآية، والسنَّةُ واردةٌ بمعناها؛ قال:﴿: ((تزوَّجوا، فإِنِّي مُكَاثِرٌ(٥) بكم الأمم)) الحديث. وقد تقدَّم في ((آل (١) تفسير البغوي ٣/ ٢٢ . (٢) في (م): التوجيه. (٣) في (ظ): وعيروه. (٤) أسباب النزول للواحدي ص٢٧٩ عن الكلبي. (٥) في (ظ): مباه. ٨٥ سورة الرعد: الآية ٣٨ عمران))(١)، وقال: ((مَن تزوَّجَ فقد استكمل نِصْفَ الدِّين، فلْيتَّقِ الله في النِّصْفِ الثاني)»(٢). ومعنى ذلك أنَّ النكاح يُعِفُّ عن الزنى، والعَفافُ أحدُ(٣) الخَصْلَتين اللتين ضَمِن رسول الله ﴿ عليهما الجنةَ، فقال: ((مَن وَقَاه الله شرَّ اثنتين وَلَجَ الجنَّة، ما بين لَحْيَيْه وما بين رجليه)) خرَّجه ((الموظَأ)) وغيره(٤). وفي ((صحيح)) البخاري(٥) عن أنس قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتٍ أزواجِ النبيِّ ◌ِ يسألون عن عبادة النبيِّ ﴾، فلمَّا أُخبروا كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبيِّ ﴾؟! قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر. فقال أحدهم: أمَّا أنا، فإنِّي أُصلِّي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا(٦) أصومُ الدهر، فلا أُفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج، فجاء رسول الله ﴾(٧) فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلِّي وأَرْقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رَغِب عن سنَّتي فليس منِّي)). خرَّجه مسلم بمعناه(٨)، وهذا أَبْيَن. وفي ((صحيح)) مسلم عن سعد بن أبي وقَّاص قال: أراد عثمان أن يتبثَّل، فنهاه (١) ١١٠/٥ - ١١١ من حديث عائشة ومعقل بن يسار رضي الله عنهما. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧٦٤٣) و(٨٧٨٩)، والبيهقي في الشعب (٥٤٨٦)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٦٨/٢، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٠٥) عن أنس ﴾. وأخرجه الحاكم ١٦١/٢ بلفظ: ((مَن رَزَقَه الله امرأةً صالحةً فقد أعانه على شَطْر دينه، فليتّق الله في الشطر الثاني)). وينظر التلخيص الحبير ١١٧/٣، وفيض القدير ٦/ ١٣٧. (٣) في (ظ): إحدى. (٤) الموطأ ٩٨٧/٢ - ٩٨٨ عن عطاء بن يسار عن النبي # مرسلاً، وأخرجه أحمد (٢٣٠٦٥) عن رجل من أصحاب رسول الله # عن النبي # مطولاً. ويشهد له حديث سهل بن سعد عند أحمد (٢٢٨٢٣)، والبخاري (٦٤٧٤)، ولفظه عند البخاري: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)). (٥) برقم (٥٠٦٣). وسلف ١١٦/٨ . (٦) في (ظ): أما أنا، وفي (ف) و(م): إني، والمثبت من (د) و(ز) وصحيح البخاري. (٧) بعدها في (ف) و(م): إليهم. (٨) صحيح مسلم (١٤٠١). ٨٦ سورة الرعد: الآية ٣٨ النبيُّ#، ولو أجاز له ذلك لاخْتَصَيْنَا(١). وقد تقدَّم في ((آل عمران))(٢) الحضُّ على طلب الولد، والردُّ على مَن جَهِل ذلك. وقد رُويَ عن عمرَ بنِ الخطاب ﴾ أنه كان يقول: إني لَأتزوَّجُ المرأة وما لي فيها من حاجة، وأَطَؤُها وما أشتهيها، فقيل له: وما يَحمِلك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: حبِّي أن يُخرِج الله منِّي مَن يُكاثِر به النبيُّ :﴿ النبيين يوم القيامة، وإنِّي سمعته يقول: ((عليكم بالأبكار، فإنهنَّ أَغْذبُ(٣) أفواهاً، وأحسنُ أخلاقاً، وأَنْتَقُ أرحاماً، وإِنِّي مُكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة))(٤). يعني بقوله: ((أنتقُ أرحاماً) أَقْبَلُ للولد، ويقال للمرأة الكثيرة الولد: ناتِقٍ؛ لأنها ترمي بالأولاد رمياً (٥). وخرَّج أبو داود(٦) عن مَعْقِل بن يَسَار قال: جاء رجل إلى رسول اللـه :﴾ فقال: إِنِّي أصبتُ امرأةً ذاتَ حَسَبٍ وجمال، وإنَّها لا تَلِد، أَفأتزوَّجُها؟ قال: ((لا)). ثم أتاه الثانيةَ، فنهاه، ثم أتاه الثالثةَ، فقال: ((تزوَّجوا الودود الولود، فإنِّي مُكَاثِرٌ بكم الأمم)). صحَّحه أبو محمد عبدُ الحقِّ(٧) وحَسْبُك. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ عاد الكلام إلى ما اقترحوا من الآيات مما(٨) تقدَّم ذكره في هذه السورة، فأنزل الله ذلك فيهم، وظاهرُ (١) صحيح مسلم (١٤٠٢): (٨) وسلف ١١٠/٥ و١١٧/٨، وعثمان المذكور: هو ابنُ مظعون. (٢) ١١٠/٥. (٣) في (ظ): أطيب. (٤) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن أبي شيبة ٢١٦/٤ نحوه عن عمر موقوفاً وإسناده ضعيف لانقطاعه. وأخرجه مرفوعاً ابن ماجه (١٨٦١) من طريق عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، عن النبي #. وهو حديث ضعيف لاضطراب إسناده، وجهالة عبد الرحمن ابن سالم كما ذكر الحافظ في الإصابة ٣٧٨/٦ - ٣٧٩، وينظر مصباح الزجاجة ٣٢٦/١ - ٣٢٧ . (٥) تهذيب اللغة ٩/ ٦١ . (٦) في سننه (٢٠٥٠)، وسلف ١١١/٥ . (٧) في الأحكام الصغرى ٦٠٦/٢ . (٨) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: ما. ٨٧ سورة الرعد: الآيتان ٣٨ - ٣٩ الكلام حَظْرٌ ومعناه النفي؛ لأنه لا يُحظَر على أحدٍ ما لا يقدِر عليه. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي: لكلِّ أمرٍ قضاه الله كتابٌ عند الله؛ قاله الحسن(١). وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، المعنى: لكلِّ كتابٍ أجلٌ؛ قاله الفراء والضّحاك(٢)، أي: لكلِّ أمر كتبه الله أجلٌ مؤقّت، ووقتٌ معلوم، نظيرُهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَرٍ مُسْتَقَرٌ ﴾ [الأنعام: ٦٧]. بيَّن أنَّ المراد ليس على اقتراح الأمم في نزول العذاب، بل لكلِّ أجلٍ كتاب(٣). وقيل: المعنى: لكلِّ مدة كتابٌ مكتوبٌ وأمرٌ مقدَّر لا تقف عليه الملائكة. وذكر الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)» عن شَهْرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي هريرة قال: لمَّا ارتقى موسى صلوات الله عليه وسلامه طُورَ سَيناء، رأى الجَبَّارُ في أصبعه خاتماً، فقال: يا موسى ما هذا؟ وهو أعلم به، قال: شيءٌ من حُلِيٍّ الرجال، قال: فهل عليه شيءٌ من أسمائي مكتوبٌ أو كلامي؟ قال: لا، قال: فاكتب عليه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَآءُ وَيُتْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ﴾ أي: يمحو من ذلك الكتابِ ما يشاء أن يُوقِعَه بأهله ويأتي به، ((وَيُثْبِتُ)) ما يشاء، أي: يُؤَخّره إلى وقته، يقال: محوتُ الكتاب مَحْواً، أي: أذهبت أثره. ((وَيُثْبِتُ)) أي: ويُثْبِته، كقوله: ﴿وَالَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًاً وَالذَّكِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، أي: والذاكرات الله. (١) ذكر الماوردي في النكت والعيون ١٧/٣ هذا القول عن الطبري، وذكر عن الحسن قوله: لكلِّ أجلٍ من آجال الخَلْق کتابٌ عند الله. (٢) أخرجه عن الضحاك الطبري ٥٥٨/١٣ - ٥٥٩، وذكره الماوردي في النكت والعيون ٥٥٩/٣، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢/ ٦٥ . (٣) ينظر تفسير الرازي ٦٤/١٩. وقال الرازي: فالآيات التيٍ سألوها لها وقتٌ معيَّن حَكّم الله به، وكتبه في اللوح المحفوظ، فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكّماتهم الفاسدة. (٤) لم نقف عليه في المطبوع من نوادر الأصول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ١١٨/٣ له، وشهر بن حوشب قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام. ٨٨ سورة الرعد: الآية ٣٩ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿وَيُقْبِتٌ﴾ بالتخفيف، وشَدَّد الباقون(١)، وهي قراءة ابن عباس(٢)، واختيارُ أبي حاتم وأبي عبيد(٣) لكثرة مَن قرأ بها، ولقوله: ﴿ُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وقال ابن عمر: سمعت النبيَّ# يقول: ((يمحو الله ما يشاء ويُثْبت، إلَّ السعادةَ والشقاوةَ والموت)) (٤). وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويُثْبِت إلا ستًّا(٥): الخَلْقَ والخُلُق، والأجل والرزق، والسعادة والشقاوة(٦). وعنه: هما كتابان؛ [كتابٌ] سوى أمّ الكتاب يمحو الله منه(٧) ما يشاء ويُثْبِت، وعنده أُمُّ الْكتاب الذي لا يتغيّر منه شيء. قال القُشَيْريُّ: وقيل: السعادةُ والشَّقاوة، والخَلْقِ والخُلُق والرِّزق، لا تتغيَّر؛ فالآ يةُ فيما عدا هذه الأشياء. وفي هذا القول نوعُ تحگُم. قلت: مثلُ هذا لا يُدرَك بالرأي والاجتهاد، وإنما يُؤخذ توقيفاً، فإن صحَّ فالقولُ به يجب، ويُوقف عنده، وإلَّا فتكون الآية عامَّةً في جميع الأشياء، وهو الأظهرُ، والله أعلم؛ وهذا يُروى معناه عن عمرَ بن الخطاب ه وابن مسعود وأبي وائلٍ وكعب (١) السبعة ص٣٥٩، والتيسير ص١٣٤ . (٢) ذكرها عنه النحاس في معاني القرآن ٥٠٢/٣ . (٣) ذكر اختيار أبي عبيد النحاس في معاني القرآن ٥٠٣/٣، ومكي في الكشف عن وجوه القراءات ٢٣/٢، وقال النحاس: على أن أبا حاتم قد أومأ إلى أنَّ معناهما واحد. (٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٤٦٨) وفيه: (( ... إلا الشِّقوة والسعادة والحياة والموت)) بزيادة: ((الحياة). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٣/٧: فيه محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف من غيرٍ تعمُّدٍ كذب. (٥) في (م): إلا أشياء. (٦) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٣٨/٢، وعبد الله بن أحمد في السنة (٧٣١)، والطبري ٥٥٩/١٣ بلفظ : ... إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت. (٧) في النسخ: منهما، والمثبت من تفسير البغوي ٣/ ٢٣، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٥٦٢/١٣، والحاكم ٣٤٩/٢، وذكره الواحدي في الوسيط ٢٠/٣، وابن الجوزي ٣٣٩/٤. ٨٩ سورة الرعد: الآية ٣٩ الأحبار وغيرِهم، وهو قولُ الكلبيّ. وعن أبي عثمان النَّهْديِّ: أنَّ عمرَ بنَ الخطاب ﴾ كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنتَ كتبتني في أهل السعادة فأَثْبِتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنبٍ، فامحُني وأَثْبِتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمُّ الكتاب(١). وقال ابن مسعود: اللهمَّ إنْ كنتَ كتبتني في السعداء فأَثْبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في الأشقياء، فامحُني من الأشقياء واكتبني في السُّعَداء، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمُّ الكتاب(٢). وكان أبو وائل يُكْثر أن يدعو: اللهمَّ إن كنت كتبتنا أشقياء فامْحُ واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأَثْبِتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمُّ الكتاب(٣). وقال كعب لعمرَ بنِ الخطاب: لولا آيةٌ في كتاب الله، لأنبأتك بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِثٌ وَعِندَهُ: أُمُّ الْكِتَبِ﴾(٤). وقال مالك بن دينار في المرأة التي دعا لها: اللهمَّ إن كان في بطنها جاریةٌ، فأبْدِلْها غلاماً، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمُّ الكتاب. وقد تقدَّم(٥). وفي(٦) الصحيحين عن أبي هريرةَ قال: سمعت النبيَّ# يقول: ((مَن سَرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه))(٧). ومثلُه عن أنس بن مالك، أنَّ (١) أخرجه الدولابي في الكنى ١٥٥/١، والطبري ١٣/ ٥٦٤ . (٢) أخرجه مطولاً ابن أبي شيبة ٣٣١/١٠ - ٣٣٢، ومقطَّعاً الطبري ٤٦٤/١٣ و ٤٦٥ . (٣) أخرجه عبد الرزاق ٣/ ٣٣٨، والطبري ٥٦٣/١٣. (٤) أخرجه الطبري ٥٦٥/١٣، والنكارة فيه ظاهرة. (٥) ص٢١ من هذا الجزء. (٦) في (د) و(م): في. (٧) صحيح البخاري (٥٩٨٥)، ولم نقف عليه عند مسلم، وسلف ١٠/ ٢٠٢ . ٩٠ سورة الرعد: الآية ٣٩ رسول الله﴿ قال: ((مَنْ أَحَبَّ))، فذكره بلفظه سواء(١)، وفيه تأويلان: أحدُهما: معنوي، وهو ما يبقى بعده من الثناء الجميل والذِّكْر الحسن، والأَجْرِ المتگرِّر، فكأنه لم يمت. والآخر: يُؤخَّر أجلُه المكتوبُ في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابتٌ لا تبديل(٢) له، كما قال: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُتْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾. وقيل لابن عباس لمَّا رَوَى الحديثَ الصحيح عن رسول اللـه ﴾ أنه قال: ((مَن أحبَّ أن يَمُدَّ اللهُ في عمرِهِ وأَجَلِه، ويَبْسُط له في رِزْقه، فليتَّقِ اللهَ ولْيَصِلْ رَحِمَه)): كيف يُزاد في العمر والأجل؟ فقال: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَوَ أَجَلَا وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندَّهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فالأجلُ الأوَّلُ أجلُ العبد من حينٍ ولادته إلى حين موته، والأجلُ الثاني - يعني المُسمَّى عنده - من حينٍ وفاته إلى يومٍ يلقاه في البَرْزخ، لا يعلمه إلا الله، فإذا اتقى العبد ربَّه ووَصَل رَحِمه، زاده الله في أَجَلٍ عمره الأولِ من أَجَلِ البَرْزخ ما شاء، وإذا عصى وقَطَعِ رَحِمَه، نَقَصَه الله من أَجَل عمره في الدنيا(٣) ما شاء، فيزيدُه في أَجَل البَرْزَخ، فإذا تحتَّم الأجَلُ في علمه السابق، امتنع الزيادةُ والنقصان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ◌َءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(٤) [النحل: ٦١]. فَتَوافَقَ الخبر والآية. وهذه زيادةٌ في نَفْس العمر وذاتِ الأَجَل على ظاهر اللفظ، في اختيار حَبْر الأمة، والله أعلم. وقال مجاهد: يُحْكِم اللـه أَمْرَ السَّنَّة في رمضان، فيمحو ما يشاء ويُثْبت ما يشاء، إِلَّ الحياةَ والموت، والشقاءَ والسعادة(٥)؛ وقد مضى القول فيه. (١) صحيح البخاري (٥٩٨٦)، وصحيح مسلم (٢٥٥٧): (٢١)، وهو عند أحمد (١٣٥٨٥). (٢) في النسخ عدا (ظ): لا تبدل، والمثبت من (ظ)، والمفهم ٥٢٨/٦، والكلام منه. (٣) في (ظ): نقص الله من أجله في الدنيا. (٤) أخرج المرفوع منه البزار (١٨٨٠ - كشف)، وفي أوله: ((في التوراة مكتوب من أحب ... )). والطبراني في الكبير (١١٨٢٢)، ولم نقف على باقي الخبر، وذكر معناه ابن حجر في الفتح ٤/ ٣٠٢ عن الحكيم الترمذي وقال: أغرب الحكيم الترمذي فقال: المراد بذلك قلة البقاء في البرزخ. (٥) أخرجه الطبري ٥٦١/١٣ - ٥٦٢ بنحوه، وفيه: يقضى في ليلة القدر ... ٩١ سورة الرعد: الآية ٣٩ وقال الضَّحاك: يمحو الله ما يشاء من ديوان الحفَظَة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويُثْبِت ما فيه ثواب وعقاب؛ وروى معناه أبو صالح عن ابن عباس(١). وقال الکلميُّ: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، ورواه عن النبيِّ ﴾(٢). ثم سُئِل الكلبيُّ عن هذه الآية فقال: يكتب القول كلَّه، حتى إذا كان يومُ الخميس، طَرَح منه كلَّ شيء ليس فيه ثوابٌ ولا عقاب(٣)، مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت ونحوه، وهو صادق، ويُثْبت ما فيه الثواب والعقاب (٤). وقال قَتَادة وابن زيد وسعيد بن جبير: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض(٥)، فيَنْسُه ويُبدِّله، ويُثْبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملةُ الناسخ والمنسوخ عنده في أمِّ الكتاب. ونحوه ذكره النحاس والمهدويُّ عن ابن عباس؛ قال النحاس: وحدَّثنا بَكْر بن سهل، قال: حدَّثنا أبو صالح، عن معاويةَ بنِ صالح، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ يقول: يُبدِّل الله من القرآن ما يشاء فيَنْسِخُه، ﴿وَيُتِبِثٌ﴾ ما يشاء فلا يبدِّلُه، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ يقول: جملةُ ذلك عنده في أمِّ الكتاب؛ الناسخُ والمنسوخ(٦). (١) النكت والعيون ١١٨/٣، وزاد المسير ٣٣٨/٤. (٢) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣/ ٥٠٢ . وأخرجه الطبري ٥٦٦/١٣ أيضاً عن أبي صالح قوله، وذكره عنه الحافظ في الفتح ٣٠٩/١١ بنحوه وقال: وهذا لو ثبت كان نصًّا في ذلك، ولكنه من رواية الكلبي، وهو ضعيف جدًّا. (٣) أخرجه ابن سعد ٥٧٤/٣، والطبري ٥٦٥/١٣ - ٥٦٦، وابن عدي ٢١٣١/٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً، وهذا إسناد ضعيف جداً. (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٦٦ . (٥) في (د) و(ز) و(م): من الفرائض والنوافل، والمثبت من (ظ) و(ف) وتفسير البغوي، والكلام منه، وأخرجه عن قتادة وابن زيد الطبري ٥٦٧/١٣ . (٦) معاني القرآن للنحاس ٥٠٢/٣ - ٥٠٣، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤)، والطبري ٥٦٦/١٣ عن أبي صالح به. ٩٢ سورة الرعد: الآية ٣٩ وقال سعيد بن جُبَير أيضاً: يغفر ما يشاء من(١) ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفره. وقال عكرمة: يمحو ما يشاء - يعني بالتوبة - جميعَ الذنوب، ويُثْبِت بَدَل الذنوب حسناتٍ [كما قال الله تعالى]: ﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. .- (٢) [الفرقان: ٧٠] الآية وقال الحسن: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ مَن جاءَ أَجَلُه، ﴿وَيُتْبِتٌ﴾ مَن لم يأت أجله(٣). وعنه أيضاً(٤): يمحو الآباءَ، ويُثْبت الأبناء. وعنه أيضاً: يُنْسِي الحَفَظةً من الذنوب ولا يُنْسي. وقال السدِّي: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ يعني: القمر، ﴿وَيُثْبِتٌ﴾ يعني: الشمس، بيانُه قولُه: ﴿فَحَوْنَاَ ءَايَةَ أَِّلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]. وقال الربيع بن أنس: هذا في الأرواح حالةَ النوم يقبضها؛ مَن أراد(٥) موته فجأةً أمسكه(٦)، ومَن أراد بقاءه أثبته وردَّه إلى صاحبه، بيانُه قولُه: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وقال علي بن أبي طالب: يمحو الله ما يشاء من القرون، كقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١]، ويُثْبت ما يشاء منها، كقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ (١) قبلها في (م): يعني. (٢) ذكر قول سعيد بن جبير وعكرمة البغوي ٢٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) أخرجه الطبري ٥٦٨/١٣ . (٤) في النسخ عدا (ظ): وقال الحسن، والمثبت من (ظ)؛ إلا أنها وقعت فيها بعد قول عكرمة ووقع قول الحسن فيها آخِراً، فيكون هذا القول وما بعده - على ما في نسخة (ظ) - منسوباً لعكرمة. (٥) في النسخ عدا (ظ): يقبضها عند النوم ثم إذا أراد، والمثبت من (ظ). ووقع في تفسير البغوي ٢٣/٣ : هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم فمن أراد ... (٦) في تفسير البغوي: محاه فأمسكه، بدل: فجأة أمسكه. ٩٣ سورة الرعد: الآية ٣٩ قَرْنَا ءَاخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]، فيمحو قَرْناً، ويُثْبتِ قَرْناً (١). وقيل: هو الرجل يعمل الزمنَ الطويلَ بطاعة الله، ثم يعمل بمعصية الله فيموتُ على ضلاله، فهذا (٢) الذي يمحو. والذي يُثْبت: الرجلُ يعمل بمعصية الله الزمانَ الطويلَ ثم يتوب، فيمحوه الله من ديوان السيئات، ويُثْبته في ديوان الحسنات؛ ذكره الثعلبيُّ والماورديُّ عن ابن عباس(٣). وقيل: يمحو الله ما يشاء - يعني الدنيا - ويُثْبت الآخرة. وقال قيس بن عُبَاد في اليوم العاشر من رجب: هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء، ويثبت ما يشاء؛ وقد تقدَّم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان (٤). وقال ابن عباس: إن لله لوحاً محفوظاً مسيرةً خمسٍٍ مئة عام، من دُرَّة بيضاء لها دَفَّتان من ياقوتة حمراءَ، [والدقَّتان لوحان]، للهِ فيه كلَّ يوم ثلاثُ مئة وسِتُّون نَظْرةَ، يُثْبِث ما يشاء، ويمحو ما يشاء(٥). وروى أبو الدرداء عن النبيِّ# قال: ((إنَّ الله سبحانه يفتح الذِّكْر في ثلاث ساعات يَبْقَيْنَ من الليل، فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحدٌ غيره، فيمحو ما يشاء، ويُثْبت ما يشاء))(٦). (١) لم نقف عليه. (٢) في النسخ عدا (ظ): فهو، والمثبت من (ظ). (٣) النكت والعيون ١١٨/٣، وأخرجه الطبري ١٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥ . (٤) ص ٩٠ من هذا الجزء، وخبر قيس بن عباد أخرجه الطبري ٥٧١/١٣ من طريق رجل، عن أبيه، عن قيس به. وهذا إسناد ضعيف إلى قيس، ثم هو مقطوع عليه. (٥) أخرجه الطبري ٥٧٠/١٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وفيه: لحظة، بدل: نظرة. (٦) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص٣٢، والبزار (٣٥١٦ - كشف) والطبري ١٣/ ٥٧٠، والعقيلي في الضعفاء (٥٥٢)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف ١١٥١/٣ - ١١٥٢، وابن الجوزي في العلل (٢١) وقال: هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد، قال البخاري: هو منكر الحديث. وقال ابن حبان: هو منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. ٩٤ سورة الرعد: الآيات ٣٩ - ٤١ والعقيدةُ أنه لا تبديلَ لقضاء الله، وهذا المحو والإثباتُ مما سبق به القضاء، وقد تقدَّم أنَّ من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً، وهو الثابت، ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب، وهو الممحوُّ، والله أعلم. الغَزْنَويُّ: وعندي أنَّ ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة، فيَحتمِل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع عِلم الله مُحالٌ، وما في علمه من تقدير الأشياء لا يُبدَّل. ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾، أي: أصلُ ما كتب من الآجال وغيرها. وقيل: أمُّ الكتاب: اللوحُ المحفوظ الذي لا يُبدَّل ولا يُغيَّر(١). وقد قيل: إنه يجري فيه التبديل. وقيل: إنما يجري في الجرائد الأُخَر. وسُئِل ابن عباس عن أمِّ الكتاب فقال: [قال كعب: ] عِلْمُ الله ما هو خالِقٌ، وما خَلْقُه عامِلون، فقال لعِلْمه: كن كتاباً [فكان كتاباً](٢)، ولا تبديلَ في علم الله. وعنه: إنه الذِّكْر(٣)، دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وهذا يرجع معناه إلى الأوَّل؛ وهو معنى قول کعب. قال کعبُ الأحبار: أمُّ الكتاب: عِلمُ الله تعالى بما خَلقَ وبما هو خالق (٤). قوله تعالى: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفََّنَّكَ فَإنََّا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأَتِ الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَلْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾ ((ما)) زائدة، والتقدير: وإِنْ نُرِينَك بعضَ (١) تفسير البغوي ٢٣/٣ . (٢) أخرجه عبد الرزاق ٣٣٨/١، وما بين حاصرتين منه، وهو في تفسير الطبري بنحوه ٥٣٢/١٣. (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣ . (٤) ذكره عن كعب بهذا اللفظ الماوردي في النكت والعيون ١١٨/٣ . ٩٥ سورة الرعد: الآيتان ٤٠ - ٤١ الذي نَعِدُهم، أي: من العذاب؛ لقوله: ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِى الْمَوِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤]، وقولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، أي: إن أَريناك بعضَ ما وعدناهم ﴿أَوْ تَتَوَقََّنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ﴾ فليس عليك إلا البلاغُ، أي: التبليغ ﴿وَعَلَيْنَا الِْسَابُ﴾ أي: الجزاءُ والعقوبة. قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا﴾ يعني أهل مكة، ﴿أَنَّ ◌َأَنِ الْأَرْضَ﴾ أي: نقصِدُها. ﴿َتُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ اختُلِف فيه؛ فقال ابن عباس ومجاهد: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ موتُ علمائها وصُلَحائها(١). قال القُشَيري: وعلى هذا فالأطرافُ الأشراف(٢)، وقد قال ابن الأعرابي: الطَّرَف والظَّرْف الرجل الكريم. ولكنَّ هذا القول بعيدٌ؛ لأنَّ مقصود الآية: أنَّا أَرَيْناهم النقصانَ في أمورهم، ليعلموا أنَّ تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز، إلَّا أن يُحمل قولُ ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى. وقال مجاهد أيضاً وقتادة والحسن: هو ما يَغلِب عليه المسلمون ممَّا في أيدي المشركين. ورُوي ذلك عن ابن عباس(٣). وعنه أيضاً: هو خرابُ الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها (٤). وعن مجاهد: نُقصانها: خَرابُها وموتُ أهلها(٥). وذكر وكيع بن الجَرَّاح، عن طلحةً بنٍ عمرو (٦)، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِ آلْأَرْضَ نَنقُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: ذهابُ فقهائها وخِیارٍ أهلها(٧) . (١) أخرجه عن ابن عباس الطبري ٥٧٩/١٣، والحاكم ٢/ ٣٥٠ من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، وطلحة بن عمرو، قال عنه الحافظ في التقريب: متروك. وسيأتي تخريجه عن مجاهد. (٢) وذكر هذا المعنى الأزهري في تهذيب اللغة ٣٢٠/١٣. (٣) أخرجه عن ابن عباس والحسن الطبري ٥٧٤/١٣ - ٥٧٥، وذكره عن قتادة الماوردي في النكت والعيون ١١٩/٣، ولفظ خبر ابن عباس عن الطبري: أَوَ لم يروا أنَّا نفتح لمحمد الأرض بعد الأرض. (٤) معاني القرآن للنحاس ٥٠٥/٣، وأخرجه الطبري ٥٧٦/١٣ . (٥) جامع بيان العلم (١٠٣٣)، وأخرجه الطبري ٥٧٦/١٣ - ٥٧٧، وهو في تفسير مجاهد ٣٣٠/١. (٦) في (ظ): عمر، وفي باقي النسخ: عمير، والمثبت هو الصواب. (٧) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٠٣٠)، وقد سلف من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. ٩٦ سورة الرعد: الآيتان ٤٠ - ٤١ قال أبو عمر بنُ عبد البَرِّ (١): قولُ عطاءٍ في تأويل الآية حسنٌ جدًّا، تلقَّاه أهل العلم بالقَبول. قلت: وحكاه المهدويُّ عن مجاهد وابن عمر، وهذا نصُّ القول الأوَّل نفسِه(٢)؛ روى سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿نَقُّمُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: الموت(٣)؛ موتُ الفقهاء والعلماء(٤). ومعروفٌ في اللغة أنَّ الطَّرَف: الكريمُ من كلِّ شيءٍ(٥)، وهذا خلافُ ما ارتضاه أبو نصرٍ عبدُ الرحيم بنُ عبد الكريم من قول ابن عباس. وقال عكرمةُ والشَّعبيُّ: هو النقصان وقبضُ الأنفس؛ قال أحدهما: ولو كانت الأرض تَنْقُص لضاق عليك حَشُّك. وقال الآخر: لضاق عليك حَشِّ تتبرَّزُ فيه(٦). قيل: المراد به هلاكُ مَن هَلَكَ من الأمم قبل قريش، وهلاكُ أرضِهم بعدهم، والمعنى: أو لم تر قريشٌ هلاكَ مَن قَبْلَهم، وخرابَ أرضهم بعدهم؟! أفلا يخافون أن يَحُلَّ بهم مثلُ ذلك. ورُويَ ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وابن جُرَيج. وعن ابن عباس أيضاً: أنه نقصُ بركات الأرض وثمارِها وأهلِها(٧). وقيل: نَقْصُها بِجَوْر وُلَاتها (٨). قلت: وهذا صحيحٌ معنًى، فإن الجَوْر والظُلم يُخَرِّب البلاد بقتل أهلها (١) في جامع بيان العلم إثر الخبر (١٠٣٤). (٢) في (ظ): وهذا هو القول الأول بعينه. (٣) قوله: الموت، من (ظ) وهو الموافق لما في المصادر على ما يأتي. (٤) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٥٠٥، وأخرجه عبد الرزاق ٣٣٩/١، وأخرجه من طريق آخر بنحوه الطبري ٥٧٩/١٣. (٥) ذكر النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٣٦٠ هذا المعنى عن عبد الله بن عبد العزيز. (٦) جامع بيان العلم (١٠٣٢)، وأخرج قول الشعبيِّ الطبريُّ ٥٧٧/١٣ من طريق طلحة القَنَّاد عمن سمع الشعبي. وأخرج الطبري ٥٧٨/١٣ أيضاً قول عكرمة بنحوه. والحَش: الكنيف. معجم متن اللغة (حش). (٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٧٧ . (٨) النكت والعيون ١١٩/٣ . ٩٧ سورة الرعد: الآيات ٤٠ - ٤٣ وانجلائهم(١) عنها، وتُرفع من الأرض البركة، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِتُكْمِةٍ﴾ أي: ليس يَتَعقَّب حكمَه أحدٌ بنقضٍ (٢) ولا تغيير. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: الانتقام من الكافرين، سريعُ الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى رَوِيَّةِ قلبٍ، ولا عَقْدِ بَنَان؛ حَسْبَ ما تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَّدٌ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِنُ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِنَبِ ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَِّينَ مِن قّلهم﴾ أي: مِن قَبْل مشركي مكة، مَگروا بالرسل وكادوا لهم وكفروا بهم. ﴿فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي: هو مخلوقٌ له مكرُ الماكرين، فلا يضرُّ إلا بإذنه(٤). وقيل: فلله خيرُ المكر، أي: يجازيهم به(٥). ﴿يَعْلَُّ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نفسُ﴾ من خير وشر، فيجازي علیه. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكَافِرُ﴾ كذا قراءةُ نافعٍ وابنٍ كثير وأبي عمرو. والباقون: ﴿الْكُفَّارَ﴾ على الجمع(٦). وقيل: عني به أبو جهل(٧). ﴿لِمَنْ عُقْبَىَ الذَّارِ﴾ أي: عاقبةُ دار الدنيا ثواباً وعقاباً، أو (٨) لِمن الثواب والعقاب في الدَّار الآخرة، وهذا تهديد ووعيد. (١) في (ظ): وجلائهم. (٢) في النسخ عدا (ظ): بنقص، والمثبت من (ظ) ومعاني القرآن للنحاس ٥٠٦/٣ والكلام منه. (٣) ٣٥٩/٣ - ٣٦١. (٤) الوجيز للواحدي (على هامش مراح لبيد) ٣٣٤/١، وزاد المسير ٣٤١/٤ . (٥) ذكر الرازي ٦٨/١٩ هذا القول بلفظ: فلله جزاء المكر، وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بيَّن تعالى أنه یجازیھم علی مکرهم. ووقع في (ظ): خير الماکرین. (٦) السبعة ص٣٥٩، والتيسير ص١٣٤. (٧) في (ظ): أبا جهل، وذكر الواحدي في الوسيط ٢١/٣ هذا القول عن ابن عباس. (٨) في (د): و، وفي (ظ): أي. ٩٨ سورة الرعد: الآيتان ٤٢ - ٤٣ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قال قَتَادة: هم مشركو العرب (١)، أي: لستَ بِنبيٍّ ولا رسول، وإنما أنت متقوِّلٌ، أي: لمَّا لم يأتهم بما اقترحوا؛ قالوا ذلك. ﴿قُلْ كَفَى بِالَِّ﴾ أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَى بِلَّهِ﴾ أي: كفى اللهُ ﴿شَهِيدًا بَيْنِ وَبَنْنَكُمْ﴾ بصِدقي وگذِیکم. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ وهذا احتجاجٌ على مشركي العرب؛ لأنهم كانوا يَرجعون إلى أهل الكتاب - مَن آمَنَ منهم - في التفاسير. وقيل: كانت شهادتهم قاطعةً لقول الخصوم، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب؛ كعبد الله بن سَلَام، وسَلْمانَ الفارسيِّ، وتميم الداريِّ، والنجاشيِّ وأصحابه؛ قاله قَتَادة وسعيد بن جُبَيْرِ(٢). وروى الترمذيُّ عن ابن أخي عبدِ الله بن سَلَام قال: لمَّا أُريد(٣) عثمانُ، جاء عبد الله بنُ سَلَام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نُصرتك. قال: اخرج إلى الناس فاظْرُدهم عني، فإنك خارجٌ خيرٌ لي منك(٤) داخل. فخرج عبد الله بنُ سَلام إلى الناس فقال: أيُّها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلان(٥)، فسمَّاني رسول الله# عبدَ الله، ونزلت فيَّ آيات من كتاب الله؛ نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبرٌُ إِنَ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]، ونزلت فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ الحديث(٦). (١) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٨٣ . (٢) أخرجه عن قتادة عبد الرزاق ٣٣٩/١، والطبري ٥٨٣/١٣ - ٥٨٤. أما سعيد بن جبير فقد روي عنه عكس هذا القول على ما يأتي. (٣) بعدها في (م): قتل. (٤) في النسخ: من، والمثبت من سنن الترمذي. (٥) في (ف): سفيان، وفي (ظ): فلانا، والمثبت من باقي النسخ وسنن الترمذي. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ١٣٨/٩: الظاهر أن يكون فلاناً ... ، وأمَّا الرفع فَعَلى أنَّ في ((كان)) ضمير الشأن، و((اسمي)) مبتدأ، وفلان خبره، والجملة خبر كان. (٦) سنن الترمذي (٣٢٥٦). وابن أخي عبد الله بن سلام مجهول كما قال الحافظ في التقريب. ٩٩ سورة الرعد: الآيتان ٤٢ - ٤٣ وقد كتبناه بكماله في كتاب ((التذكرة))(١). وقال فيه أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن غريب. وكان اسمه في الجاهلية حُصَين، فسمَّاه النبيُّ :﴿ عبدَ الله(٢). وقال أبو بِشْر: قلت لسعيد بن جُبَيْر: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلِمُ الْكِتَبِ﴾ هو عبد الله بن سَلَام؟ قال: وكيف يكون (٣) عبدَ الله بنَ سَلَام وهذه السورة مكية، وابنُ سَلَام ما أسلم إلا بالمدينة؟! ذكره الثعلبي. وقال القُشَيريُّ: وقال ابن جُبِير: السورة مكِّيّةٌ، وابن سَلَام أسلم بالمدينة بعد هذه السورة، فلا يجوز أن تُحمل هذه الآية على ابن سَلَام، فمَن عنده علم الكتاب جبريلُ، وهو قول ابن عباس (٤). وقال الحسن ومجاهد والضَّحَّاك: هو الله تعالى، وكانوا يقرؤون: ((ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكتَاب))، ويُنكِرون على مَن يقول: هو عبد الله بنُ سَلَام وسَلْمانُ؛ لأنهم يَرَوْن أنَّ السورة مكيةٌ، وهؤلاء أسلموا بالمدينة(٥). ورُوي عن النبيِّ ﴿ أنه قرأ: ((ومِن عِندِهِ عِلم الكِتابِ))، وإن كان في الرواية ضعفٌ، وروى ذلك سليمان بنُ أَرْقَم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ ﴾(٦). (١) ص٥٣٤ . (٢) الاستيعاب (على هامش الإصابة) ٢٢٨/٦ . (٣) في النسخ: ﴿وَمَنْ عِندَمُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ قال: هو عبد الله بن سلام قلت: وكيف يكون ... وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج، فقد أخرجه سعيد بن منصور (١١٧٧ - تفسير)، والطبري ٥٨٦/١٣ ، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٧٩/٢ . وأبو بشر هو جعفر بن إياس. (٤) قول سعيد بن جبير أنَّ مَن عنده عِلْمُ الكتاب هو جبريل، ذكره الماوردي في النكت والعيون ١١٩/٣ ، وأخرج النحاس في الناسخ والمنسوخ ٤٧٨/٢ عن ابن عباس قال: سورة الرعد نزلت بمكة، فهي مكية. (٥) النكت والعيون ١١٩/٣، وذكر القراءة عنهم ابن جني في المحتسب ٣٥٨/١. (٦) معاني القرآن للنحاس ٥٠٨/٣، وأخرجه أبو يعلى (٥٥٧٤) بهذا الإسناد، وسليمان بن أرقم ضعيف = ١٠٠ سورة الرعد: الآيتان ٤٢ - ٤٣ ورَوى محبوبٌ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ اليمانيِّ أنه قرأ كذلك: ((ومِن عِندِهِ)) بكسر الميم والعين والدال ((عُلِمَ الكتابُ)) بضمِّ العين ورَفْعِ الكتاب (١). قال عبد الله بن عطاء: قلت لأبي جعفر بن عليٍّ بن الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب: زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبدُ الله بنُ سَلَام، فقال: إنما ذلك عليُّ بن أبي طالب ﴾(٢)، وكذلك قال محمد ابن الحنفية. وقيل: جميعُ المؤمنين، والله أعلم. قال القاضي أبو بكر بنُ العربي (٣): أمَّا مَن قال: إنه عليٍّ، فَعوَّل على أحد وجهين: إمَّا لأنه عنده أعلمُ المؤمنين، وليس كذلك، بل أبو بكر وعمر وعثمانُ أعلمُ منه. أو لقول(٤) النبيِّ :﴿: ((أنا مدينةُ العلم وعليٍّ بابُها))، وهو حديثٌ باطل(٥)؛ النبيُّ ﴾ مدينةُ عِلم، وأصحابُه أبوابُها؛ فمنهم الباب المنفسِح، ومنهم المتوسط، على قَدْر منازلهم في العلوم. وأمَّا مَن قال: إنهم جميع المؤمنين، فصَدَق؛ لأنَّ كلَّ مؤمنٍ يَعْلَم الكتاب ويُدرِك وجه إعجازه يشهد(٦) للنبيّ آ # بصدقه. = كما ذكر الحافظ في التقريب. وأخرجه الطبري ٥٨٦/٣ - ٥٨٧ من طريق هارون الأعور عن الزهري به، قال الطبري: هذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري. وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٧ ، وابن جني في المحتسب ٣٥٨/١، كما سلف. (١) معاني القرآن للنحاس ٥٠٩/٣، وهي في القراءات الشاذة ص ٦٧، والمحتسب ٣٥٨/١ عن علي بن محمد وابن السميفع. (٢) ذكر قول أبي جعفر الطبرسي في مجمع البيان ١٩٣/١٣، وذكره ابن العربي في أحكام القرآن ١١٠١/٣ دون نسبة. (٣) في أحكام القرآن ١١٠٢/٣ . والقول الأخير وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ عدا (ظ): ولقول، والمثبت من (ظ) وأحكام القرآن. (٥) وقال الحاكم ١٢٦/٣ بعد أن أخرجه من حديث ابن عباس: هذا حديث صحيح الإسناد. فتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع. وقال أيضاً ١٢٧/٣ : العجب من الحاكم وجرأته في تصحيحه هذا وأمثاله من البواطيل. وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٤٥٦/٢ بعد أن ذكر طرقه: والحديث لا أصل له. (٦) في النسخ: ويشهد، والمثبت من أحكام القرآن.