النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ جعلهم مجتمعين مع قَرَاباتهم في الجنة، وإن دخلها كلُّ إنسان بعمل نفسه، بل برحمة الله تعالی. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن حُلّ باپٍ﴾ أي: بالتُّحَف والهدايا من عند الله تكرمةً لهم. ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يقولون: سلام عليكم، فأضمر القول، أي: قد سلمتم من الآفات والمحن. وقيل: هو دعاءٌ لهم بدوام السلامة، وإن كانوا سالمين، أي: سلَّمكم الله، فهو خبرٌ معناه الدعاء، ويتضمَّن الاعتراف بالعبودية. ﴿بِمَا صَبٌّ﴾ أي: بصبركم، فـ((ما)) مع الفعل بمعنى المصدر، والباءُ في (بما)) متعلقةٌ بمعنى ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ))، ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي: هذه الكرامةُ بصبركم، أي: على أمر الله تعالى ونهيه؛ قاله سعيد بن جُبَير. وقيل: على الفقر في الدنيا؛ قاله أبو عمران الجَوْنيّ. وقيل: على الجهاد في سبيل الله(١)؛ كما روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله﴾: ((هل تدرون مَن يدخل الجنة من خَلْقِ الله؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلم. قال: ((المجاهدون الذين تُسدُّ بهم الثغور، وتُنَّقى بهم المكارِهُ، فيموت أحدهم وحاجتُه في نفسه لا يستطيع لها قضاءً، فتأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كلِّ باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))(٢). وقال محمد بن إبراهيم: كان النبيُّ # يأتي قبورَ الشهداء على رأس كلِّ حول فيقول: ((السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان(٣)؛ (١) في النكت والعيون ١٠٩/٣ . (٢) أخرجه مطولاً أحمد (٦٥٧٠)، وعبد بن حميد في المنتخب (٣٥٢)، والبزار (٣٦٦٥ - كشف)، وابن حبان (٧٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٤٧ . وقد وقع في جميع المصادر: الفقراء المهاجرون، بدل: المجاهدون. (٣) أخرجه عبد الرزاق (٦٧١٦)، والطبري ٥١٣/١٣ . ومحمد بن إبراهيم: هو التيمي المدني الحافظ من علماء المدينة مع سالم ونافع، وكان جده الحارث بن خالد بن صخر القرشي من أصحاب رسول الله المهاجرين، توفي سنة (١١٩هـ). السير ٢٩٤/٥ . ٦٢ سورة الرعد: الآيات ٢١ - ٢٤ وذكره البَيْهَقيُّ(١) عن أبي هريرة قال: كان النبيُّ ﴾ يأتي الشهداء، فإذا أَتَى فُرْضَةَ الشِّعْب يقول: ((السلامُ عليكم بما صبرتُم فنعمَ عقبى الدار)). ثم كان أبو بكر بعد النبيِّ ﴾ یفعلُه، وكان عمرُ بعد أبي بكر يفعله، وكان عثمانُ بعد عمرَ یفعله. وقال الحسن البصريُّ رحمه الله: بما صبرتم عن فُضول الدنيا. وقيل: بما صبرتم على ملازمة الطاعة، ومُفارقة المعصية؛ قال معناه الفُضَيْل بن عِیَاض. ابن زيد: بما صبرتم عمَّا تحبُّونه إذا فقدتموه. ويحتمل سابعاً: بما صبرتم عن اتباع الشهوات(٢). وعن عبد الله بن سَلَام وعلي بن الحسين ﴾ أنهما قالا(٣): إذا كان يومُ القيامة ينادي منادٍ: ليقُمْ أهل الصبر، فيقوم ناسٌ من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. فيقولون: مَن أنتم؟ فيقولون: نحن أهلُ الصبر، قالوا: وما كان صبرُكم؟ قالوا: صبَّرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبَّرناها عن معاصي الله، وصبَّرناها على البلاء والمحن في الدنيا. قال علي بن الحسين: فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال ابن سَلَام: فتقول لهم الملائكة: ﴿سَلَمُ عَيْكُمُ بِمَا صَبَّمْ﴾(٤). ﴿فَنِعْمَ عُقْبِى الَّارِ﴾ أي: نعم عاقبةُ الدار التي كنتم فيها؛ عملتم فيها ما أَعْقَبَكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم، و(الدار)) هي الدنيا. وقال أبو عِمران الجَوْني: ((فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)): الجنة عن النار(٥). وعنه: ((فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)): الجنة عن الدنيا(٦). (١) في دلائل النبوة ٣٠٦/٣. (٢) النكت والعيون ١٠٩/٣ . (٣) في النسخ: أنه قال، والمثبت هو الجادة. (٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٣٩/٣ - ١٤٠ عن علي بن الحسين مطولاً، ولم نقف عليه عن عبد الله بن سلام. (٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٥١٤ . (٦) النكت والعيون ١٠٩/٣ . ٦٣ سورة الرعد: الآيتان ٢٥ -٢٦ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَفِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ- أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُ الَّعْنَةُ وَلَمْ سُوَهُ الدَّارِ (١٥) اللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ بَةُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِلْيَوِ الدُّنْيَا وَمَا الْخِيَةُ الدُّنْيَا فِ آَخِرَةِ إِلَّ مَتَعٌ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِثَقِهِ﴾ لمَّا ذَكَرِ المُؤْفين بعهده، والواصِلِين(١) لأمره، وذَكَر ما لهم، ذكر عكسَهم. فنقضُ(٢) الميثاقِ: تركُ أمرٍه. وقيل: إهمالُ عقولهم؛ فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِةٍ أَنْ يُؤْصَلَ﴾ أي: من الأرحام، والإيمانِ بجميع الأنبياء ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ﴾ أي: بالكفر وارتكاب المعاصي ﴿أُوْلِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ﴾ أي: الطَّردُ والإبعادُ من الرحمة ﴿وَْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ أي: سوء المُنقَلَب، وهو جهنم. وقال سعد بن أبي وقَّاص: واللهِ الذي لا إله إلا هو، إنهم الحَرُورِية(٣). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسُطُ الْرِّزْقَ لِمَنْ كَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لمَّا ذكر عاقبة المؤمن وعاقبةً المشرك، بَيَّن أنه - تعالى - الذي يبسط الرزق ويَقْدِرُ في الدنيا؛ لأنها دار امتحان، فَبَسْطُ الرزق على الكافرين لا يدلُّ على كرامتهم، والتَّقتير على بعض المؤمنين لا يدلُّ علی إهانتهم. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيِّق، ومنه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُمُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيِّق. وقيل: ((يقدر)): يعطي بقَدْرِ الكفاية. ﴿وَفَرِحُواْ بِلَةِ الدُّنَا﴾ يعني مشركي مكة (٤)؛ فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها، وجَهِلوا ما عند الله. وهو معطوفٌ على ﴿وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ﴾. وفي الآية تقديمٌ وتأخير؛ التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، (١) في (د) و(ز) و(م): والمواصلين، والمثبت من (ظ). (٢) في (د) و(ز): بنقض، وفي (م): نقض، والمثبت من (ظ). (٣) أخرجه مطولاً البخاري (٤٧٢٨)، والطبري ١٣/ ٣١٤ دون ذكر القسم. (٤) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ١٤ عن ابن عباس رضي الله عنهما. ٦٤ سورة الرعد: الآيات ٢٥ - ٢٨ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا. ﴿وَمَا لاَلَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: في جَنْبِها ﴿إِلَّ مَتَعُ﴾ أي: متاعٌ من الأمتعة، كالقَصْعة والسُّكُرُّجَةِ(١). وقال مجاهد: شيءٌ قليلٌ ذاهِب(٢). مِن مَتَعَ النهارُ: إذا ارتفع، فلابدَّ له من زوال(٣). ابن عباس: زَادٌ كزاد الراعي(٤). وقيل: متاع الحياة الدنيا: ما يُستمتع بها منها. وقيل: ما يُتزوَّد منها إلى الآخرة من التقوى والعمل الصالح(٥). ﴿ أُوْلَكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَمْ سُوَهُ الدَّارِ﴾ ثم ابتدأ: ﴿اللَّهُ يَّسُ الْرِزْقَ لِمَنْ كَيْنَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسِّع ويضيِّق؟. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّةٍ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُ مَنْ يَشَآءُ وَيَهْدِىّ ◌ِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَظْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّةٍ﴾ بيَّن في مواضعَ أنَّ اقتراح الآيات على الرسل جَهْلٌ، بعد أن رأَوْا آيةً واحدةً تدلُّ على الصدق، والقائلُ عبد الله بن أبي أمية(٦) وأصحابُه حين طالبوا النبيَّ ◌َ﴿ بالآيات. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ أي: كما أضلَّكم بعد ما أنزل من الآيات وحَرمَكم الاستدلال بها يُضلُّكم عند نزول غيرها. ﴿وَيُّهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ﴾ أي: مَن رَجَع. والهاء في ((إليه)) للحقِّ، أو (١) إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية. اللسان (سكرج). (٢) أخرجه الطبري ٤١٦/١٣ - ٤١٧، وهو في تفسير مجاهد ٣٢٨/١ . (٣) ينظر تهذيب اللغة ٢٩٥/٢ . (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٤١٧ . (٥) ذكر هذا القول الماوردي في النكت والعيون ١١٠/٣. (٦) أخو أمِّ سلمة زوجِ النبي ﴾، وابنُ عمته عاتكة، كان شديداً على المسلمين، وهو الذي قال: ﴿لَن تُؤْمِن لَّكَ حَّ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ثم أسلم وشهد الفتح وحنيناً والطائف. الإصابة ١١/٦. وينظر سيرة ابن هشام ٣٠٩/١ . ٦٥ سورة الرعد: الآيتان ٢٧ - ٢٨ للإسلام، أو لله عزَّ وجلَّ؛ على تقدير: ويهدي إلى دِينه وطاعته مَن رَجَع إليه بقلبه. وقيل: هي النبيِّ ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ ((الذين)) في موضع نصب؛ لأنه مفعول؛ أي: يهدي الله الذين آمنوا. وقيل: بدلٌ من قوله: ((مَنْ أَنَابَ)) فهو في محلٌ نصبٍ أيضاً(١). ﴿وَقَطْمَبْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾ أي: تسكُن وتستأنس بتوحيد الله، فـ((تطمئنُ)) حال(٢)، أي: وهم تطمئنُّ قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم؛ قاله قَتَادة(٣). وقال مجاهد وغيره(٤): بالقرآن. وقال سفيان بن عيينة: بأمره. مقاتل: بوعده. ابن عباس: بالحلف باسمه(٥)، أو تطمئنُّ بذكر فضله وإنعامه، كما تَوْجَل بذکر عَدْلِه وانتقامه وقضائه. وقيل: ((بذكر الله)) أي: يذكرون الله ويتأمَّلون آياته، فيعرفون كمال قدرته (٦) عن(٦) بصيرة. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَظْمَيْنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: قلوب المؤمنين. قال ابن عباس: هذا في الحلف؛ فإذا حلف خَضْمُه بالله سَکَن قلبه(٧). وقيل: ((بذِكر الله)) أي: بطاعة الله. وقيل: بثواب الله. وقيل: بوعد الله (٨). وقال مجاهد: هم أصحابُ النبيِّ ◌َ﴾(٩). (١) معاني القرآن للزجاج ١٤٧/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٧/٢. ويجوز الرفع على الابتداء. ينظر الدر المصون ٤٦/٧ . (٢) في (د) و(ز) و(م): قال، والمثبت من (ظ). (٣) أخرجه بنحوه الطبري ٥١٨/١٣، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١١٠/٣. (٤) في (د) و(ز): وقال مجاهد وقتادة وغيره، وفي (م): وقال مجاهد وقتادة وغيرهما، والمثبت من (ظ)، وقول مجاهد ذكره الماوردي في النكت والعيون ١١٠/٣ . (٥) ذكره البغوي ٣/ ١٧ . (٦) في (ظ): على. (٧) ذكره البغوي ١٧/٣ ، وقد سلف قريباً. (٨) النكت والعيون ١١٠/٣. (٩) أخرجه الطبري ٥١٩/١٣، وهو في تفسير مجاهد ٣٢٨/١. ٦٦ سورة الرعد: الآية ٢٩ قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوَ لَهُمْ﴾ ابتداء وخبر. وقيل: معناه: لهم طُوبَى، فـ ((طُوبَى) رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون موضعه نصباً على تقدير: جَعَل لهم طُوبى، ويُعطف عليه ((وَحُسْنُ مَآبٍ)) على الوجهين المذكورين، فترفع أو تنصب(١). وذكر عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن زيد(٢) البِكَالِي، عن عُثْبة بنِ عبدِ السُّلَميِّ قال: جاء أعرابيٍّ إلى النبيِّ# فسأله عن الجنة وذکر الحوض، فقال: فيها فاکهةٌ؟ قال: «نعم، شجرةٌ تدعی طوبی)). قال: يا رسول الله! أيَّ شجرٍ أرضِنا تُشبه؟ قال: ((لا تُشبه شيئاً من شجر أرضك، أأتيتَ الشام؟ هناك شجرةٌ تدعى الجوزة تَنْبُتُ علی ساقٍ ویفترش أعلاها». قال: يا رسول الله! فما عِظَمُ أصلها! قال: لو ارْتَحَلْتَ جَذَعةٌ من إيل أهلك ما أَحَظْتَ بأصلها حتى تنكسر تَرْقُوتُها ھَرَماً)» وذكر الحديث(٣)، وقد ذكرناه بكماله في أبواب الجنة من كتاب (التذكرة)) (٤)، والحمد لله. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الأشعث بن(٥) عبد الله، عن شَهْر بن (١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٤٨/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٧/٢، والبيان لابن الأنباري ٥١/٢. وقرأ: ((وحسنَ مآب)) بالنصب ابن محيصن. القراءات الشاذة ص٦٧ . (٢) في (د) و(ز) و(ظ): عمرو بن يزيد، وفي (م): عمرو بن أبي يزيد، والمثبت هو الصواب، ويقال له: عامر، كما سيرد. (٣) لم نقف عليه عند عبد الرزاق، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧١٦)، والطبراني في الكبير ٣١٣/١٧، وابن عبد البر في التمهيد ٣٢٠/٣ - ٣٢١ من طريق عبد الرزاق به. وأخرجه أحمد (١٧٦٤٢) من طريق معمر به، إلا أنه قال: عامر بن زيد، وكذلك ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٢٠/٦، وابن حبان في الثقات ١٩١/٥. (٤) ص٤٥١ - ٤٥٢ . (٥) في (د) و(ز) و(م): عن، والمثبت من (ظ) والمصادر على ما يأتي. ٦٧ سورة الرعد: الآية ٢٩ حَوْشَب، عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرةٌ يقال لها: طوبى، يقول الله تعالى: تفتَّقي لعبدي عمَّا شاء، فتتَفَتَّق له عن فرسٍ بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، وتَفَتَّقُ عن الراحلة برَحْلِها وزمامها وهيئتها كما شاء، وعن النَّجائب والثياب(١). وذكر ابنُ وهبٍ من حديث شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة الباهليّ قال: ((طُوبَى)) شجرةٌ في الجنة ليس منها دارٌ إلا وفيها غصنٌ منها، ولا طيرٌ حَسَنٌ إلا هو فيها، ولا ثمرةٌ إلا هي فيها(٢). وقد قيل: إنَّ أَصْلَها في قصر النبيِّ # في الجنة، ثم تنقسم فروعها على [جميع] منازل أهل الجنة، كما انتشر منه العلمُ والإيمانُ على جميع أهل الدنيا(٣). وقال ابن عباس: ((طُوبَى لَهُمْ)): فرحٌ (٤) وقرةُ عينٍ. وعنه أيضاً: أن ((طوبى)) اسمُ الجنة بالحبشية. وقاله سعيد بن جُبَير (٥). الربيع بن أنس: هو البستان بلغة الهند(٦)؛ قال القُشَيريُّ: إن صح هذا فهو وفاقٌ بین اللغتين. وقال قَتَادة: ((طُوبَى لَهُمْ)): حُسْنَى لهم (٧). عِكْرمة: نُعمى لهم(٨). إبراهيم (١) الزهد لابن المبارك (٢٦٥ - زوائد نعيم)، ومن طريق ابن المبارك أخرجه الطبري ٥٢٤/١٣، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٣٦/١ عن معمر به. (٢) لم نقف عليه، وأخرج نحوه ابن المبارك في الزهد (٢٦٨ - زوائد نعيم)، وابن أبي شيبة ١٣٦/١٣، والطبري ٥٢٥/١٣ عن مغیث بن سُمَيّ. (٣) التعريف والإعلام للسهيلي ص ٨٤ ، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) بعدها في (د) و(ز) و(م): لهم، والمثبت من (ظ)، وتفسير الطبري ١٣/ ٥٢١. (٥) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٢٢ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما. (٦) ذكره البغوي ١٨/٣، وأخرجه الطبري ٥٢٢/١٣ من قول سعيد بن مسجوح. (٧) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٢١ . (٨) زاد المسير ٣٢٨/٤، وهو في تفسير الطبري ٥٢٠/١٣، ومعاني القرآن للنحاس ٢٩٣/٣، والنكت والعيون ١١١/٣ بلفظ: نِعْمَ ما لهم. ٦٨ سورة الرعد: الآية ٢٩ النَّخَعَيُّ: خير لهم. وعنه أيضاً: كرامة من الله لهم. الضَّحاك: غِبْطَة لهم(١). النحاس(٢): وهذه الأقوالُ متقاربةٌ؛ لأن طُوبَى فُعْلَى من الطِّب، أي: العيشُ الطَّيِّبُ لهم، وهذه الأشياء ترجعُ إلى الشيء الطَّيِّب. وقال الزجَّاج: ◌ُوبَى فُعْلى من الطّيب(٣). وهي الحالةُ المُسْتَطابةُ لهم، والأصل: طَيَّى، فصارت الياء واواً لسكونها وضمِّ ما قَبْلَها، كما قالوا : موسِرٌ وموقِن. قلت: والصحيحُ أنها شجرة؛ للحديث المرفوع الذي ذكرناه، وهو صحيح على ما ذكره السُّهَيْلي(٤). ذكره أبو عمر في ((التمهيد))(٥)، ومنه نقلناه، وذكره أيضاً الثعلبيُّ في تفسيره. وذكر أيضاً المَهْدَويُّ والقُشَيريُّ عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﴾ قال: ((طوبى شجرةٌ في الجنة غَرَسَها الله بيده، ونفخ فيها من روحه، تُنبت الحُلِيَّ والحُلَل، وإنَّ أغصانها لَتُرى من وراء سور الجنة))(٦) ومَن أراد زيادةً على هذه الأخبار فلْيُطالع الثعلبيّ. وقال ابن عباس: ((طُوبَى)) شجرة في الجنة أصلُها في دار عليٍّ، وفي دار كلِّ مؤمنٍ منها غُضْن(٧). (١) زاد المسير ٣٢٨/٤، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٥٢٠/١٣ - ٥٢٢. (٢) في معاني القرآن ٣/ ٤٩٤ . (٣) معاني القرآن للزجاج ١٤٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن الجوزي في زاد المسير ٣٢٨/٤، وما سیأتي بعده ذكره ابن الجوزي عن ابن الأنباري. وذكر قول الزجاج وابن الأنباري أيضاً الواحدي في الوسيط ١٦/٣ . (٤) في التعريف والإعلام ص٨٤ . (٥) ٣٢٠/٣. (٦) أخرجه الطبري ٥٢٨/١٣ . (٧) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٧٣/١٣ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وعزاه للثعلمي. ٦٩ سورة الرعد: الآيتان ٢٩ - ٣٠ وقال أبو جعفر محمد بنُ علي: سئل النبيُّ# عن قوله تعالى: ﴿لطُوبَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ قال: ((شجرةٌ أصلُها في داري، وفروعُها في الجنة)). ثم سئل عنها مرةً أخرى فقال: ((شجرةٌ أصلُها في دار عليٍّ، وفروعُها في الجنة))، فقيل له: يا رسول الله، سُئلتَ عنها فقلت: ((أصلها في داري وفروعُها في الجنة)) ثم سئلت عنها فقلت: ((أصلُها في دار عليٍّ وفروعُها في الجنة)) فقال النبيُّ﴾: ((إنَّ داري ودارَ عليٍّ غداً في الجنة واحدةٌ في مكان واحد))(١). وعنه#: ((هي شجرةٌ أصلُها في داري، وما مِن دارٍ من دوركم إلا تَدَلَّى فيها غُصنٌ منها))(٢) ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ أي: مرجع (٣)؛ آبَ: إذا رجع. وقيل: تقدير الكلام: الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبُهم بذكر الله وعملوا الصالحات طوبى لهم. قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِ أُمٍَّ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمٌَّ لِتَتْلُوَأْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَاپٍ قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَّمٌ﴾ أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك؛ قاله الحسن (٤). وقيل: شبَّه الإنعام على مَن أُرسل إليه محمدٌ عليه الصلاة والسلام بالإنعام على مَن أرسل إليه الأنبياءُ قبله. ﴿لِتَتْلُوَأْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾. قال مقاتل وابن جُريج: نزلت في صُلح الحُدَيْبِيَة حين أرادوا أن يكتبوا كتابَ الصُّلْح، فقال النبيُّ # لعليّ: ((اكتُبْ: بسم الله الرحمن الرحيم)) فقال سُهَيْل بن عمرو والمشركون: ما نَعْرفُ الرحمن إلَّا صاحبَ اليمامة - يعنون مُسَيْلمة الكذاب - اكتب: باسمك اللهم. وهكذا (١) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٣/ ١٧٣ وهو ضعيف لإرساله. (٢) ينظر مجمع البيان ١٣/ ١٧٢ . (٣) قوله: أي مرجع، من (ظ). (٤) ذكره الرازي ١٩/ ٥١ . ٧٠ سورة الرعد: الآيتان ٣٠ - ٣١ كان أهلُ الجاهلية يكتبون، فقال النبيُّ# لعليٍّ: «اكتب: هذا ما صالَحَ عليه محمدٌ رسول الله)) فقال مشركو قريش: لئن كنتَ رسول الله ثم قاتلناك وصَدَدْناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بنُ عبد الله، فقال أصحاب النبيِّ: دعنا نقاتلهم، فقال: ((لا، ولكن اكتب ما يريدون)) فنزلت(١). وقال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبيُّ#: «اسْجُدُوا للرَّحمن)) قالوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ فنزلت: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: الذي أنكرتم ﴿هُوَ رَبِ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ﴾(٢) ولا معبودَ سواه، هو واحدٌ بذاته وإن اختلفت أسماء صفاته ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ واعتمدت ووثقت ﴿وَإِلَيْهِ مَتَّابٍ﴾ أي: مرجعي غداً، واليوم أيضاً عليه توكلتُ ووثقت، رِضاً بقضائه، وتسليماً لأمره. وقيل: سمع أبو جهل رسول الله # يدعو في الحِجْر ويقول: ((يا الله، يا رحمن)) فقال: كان محمدٌ ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين! فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قَلِ أَدَّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ (٣) [الإسراء: ١١٠]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُزْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِ اَلْمَوْقَُّ بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمَ يَأْتِفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةُ أَ تَخُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَّى يَأْنِىَ وَعْدُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ هذا مثَّصلٌ بقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَّهِ (١) أخرجه عن قتادة ومجاهد الطبري ٥٣٠/١٣ - ٥٣١، وذكره عنهما البغوي ١٩/٣، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٧٧ عن أهل التفسير. وحديث صلح الحديبية ليس فيه ذكر لنزول هذه الآية، وقد أخرجه مطولاً أحمد (١٨٩١٠) و(١٨٩٢٨)، والبخاري (٢٧٣١ و٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. وينظر حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد (٣١٨٧)، وحديث أنس عند أحمد (١٣٨٢٧)، ومسلم (١٧٨٤). (٢) أسباب النزول للواحدي ص٢٧٧، وتفسير البغوي ١٩/٣ . (٣) ذكره البغوي ١٩/٣، وابن الجوزي ٣٢٩/٤ . ٧١ سورة الرعد: الآية ٣١ ءَايَةٌ مِّن رَّيِّدٌ﴾. وذلك أنَّ نَفَراً من مشركي مكةً فيهم أبو جهل وعبدُ الله بن أبي أمية المخزوميَّان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله # فأتاهم، فقال له عبد الله: إنْ سَرَّك أن نتَبعك فسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأَذْهبها عنَّا حتى تنفسح؛ فإنها أرضٌ ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً حتى نغرس ونزرع، فلستَ - كما زعمتَ - بأهونَ على ربِّك من داودَ حيث سخّر له الجبال تُسبِّح معه (١)، وسَخِّر لنا الريح فنركَبَها إلى الشام نقضي عليها مِيرتَنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا؛ فقد كان سليمان سخّرت له الريح كما زعمتَ، فلستَ بأهونَ على ربِّك من سليمانَ بنِ داود، وأَخي(٢) لنا قُصِيًّا جدَّك ـ أو مَن شئتَ أنت من مَوْتانا - نسأله: أحقٌّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإنَّ عيسى كان يُحيي الموتى، ولست بإهونَ على الله منه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية؛ قال معناه الزبير بنُ العوام (٣). ومجاهد وقَتَادة والضَّحاك(٤). والجواب محذوفٌ تقديره: لكان هذا القرآن، لكن حذف إيجازاً، لمَا في ظاهر الكلام من الدلالة عليه(٥)، كما قال امرؤ القيس: فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَموتُ جَمِيعةً ولكِنَّها نفسٌ تَساقَطُ أَنْفُسَا (٦) يعني: لَهَانَ عليَّ، وهذا معنى قولٍ قَتَادةَ؛ قال: لو فَعَل هذا قرآنٌ قبل قرآنكم (٧) لفعله قرآنكم (٧). (١) في (د) و(ز) و(م): حين سخر له الجبال تسير معه، والمثبت من (ظ)، وتفسير البغوي ١٩/٣، والكلام منه. (٢) في تفسير البغوي: أو سخر لنا الريح فركبها ... أو أحي. (٣) أخرجه عن الزبير أبو يعلى (٦٧٩)، والواحدي في أسباب النزول ص٢٧٨ . (٤) أخرج قولهم الطبري ١٣/ ٥٣٢ و٥٣٤، وهو في تفسير مجاهد ٣٢٨/١، وعن قتادة أخرجه أيضاً عبد الرزاق ٣٣٦/١ . (٥) النكت والعيون ١١٢/٣ . (٦) ديوان امرئ القيس ص١٠٧ . (٧) أخرجه الطبري ٥٣٤/١٣، وذكره البغوي ٢٠/٣، وابن الجوزي ٣٣٠/٤، ولفظه عندهم: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقر آنكم. : ٧٢ سورة الرعد: الآية ٣١ وقيل: الجوابُ متقدِّم، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو (١) أنزلنا هذا(٢) القرآنَ وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن يكون الجوابُ: لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن (٣). الزّجاج(٤): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ إلى قوله: ﴿اَلْمَوْنَى﴾ لمَا آمنوا، والجوابُ المضمَر هنا ما أُظهر في قوله: ﴿وَلَوَّ أَنَّنَا نَزَّنَاٌ إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ﴾ إلى قوله: ﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]. ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: هو المالِكُ لجميع الأمور، الفاعلُ لمَا يشاء منها، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن، إنما يكون بأمر الله. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَأْتَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قال الفرَّاء: قال الكلبيُّ: ((يئس)) بمعنى يعلم، لغة النَّخَع(٥). وحكاه القُشَيْريُّ عن ابن عباس، أي: أفلم يعلموا، وقاله الجوهريُّ في ((الصحاح))(٦). وقيل: هي لغةُ هَوَازِن (٧)، أي: أفلم يعلم؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ والحسن (٨). وقال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبيَّنوا، وأنشد في ذلك أبو عبيدة لمالك بن عوف النَّصْري : (١) في النسخ: لو، والمثبت هو الصواب. ينظر معاني القرآن للفراء ٦٣/٢، وتفسير الطبري ٥٣١/١٣، وتفسير البغوي ٢٠/٣، والمحرر الوجيز ٣١٣/٣، وزاد المسير ٣٣١/٤. (٢) قوله: هذا، من (ظ). (٣) بنحوه في معاني القرآن للفراء ٦٣/٢. (٤) في معاني القرآن له ١٤٨/٣ . (٥) معاني القرآن للفراء ٦٤/٢، وقد ذكره من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وأخرجه الطبري ٥٣٨/١٣ من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٦) مادة (یئس). (٧) تفسير الطبري ١٣/ ٥٣٦ . (٨) النكت والعيون ١١٣/٣، وسلف تخريجه عن ابن عباس. ٧٣ سورة الرعد: الآية ٣١ ألم تَيْأَسُوا أَنِّي ابنُ فَارِسٍ زَهْدَمِ (١) أقولُ لهم بِالشِّعْبِ إِذْ يَيْسِرُونَني يَيْسرونني من المَيْسر(٢)، وقد تقدَّم في ((البقرة))، ويروى: يأسرونني من الأَسْر (٣). وقال رباح بن عديٍّ: ألم يَيْئَسِ الأقوامُ أنِّي أنا (٤) ابْنُهُ وإنْ كنتُ عن أرضٍ العشيرةِ نائياً (٥) في كتاب ((الردّ»: أني أنا ابنه، وكذا ذكره الغزنوي(٦)، أي: ألم يعلم. والمعنى على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً من غير أن يشاهدوا الآيات. وقيل: هو من اليأس المعروف، أي: أفلم ييئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار؛ لعلمهم أنَّ الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم(٧)؟ لأن المؤمنين تَمنَّوا نزول الآيات طمعاً في إيمان الكفار. وقرأ عليٍّ وابن عباس: ((أفلم يَتَبَيَّن الذين آمنوا)»(٨) من البيان. قال القُشَيْريُّ: وقيل لابن عباس: المكتوبُ: ﴿أَفَلَمْ يَأْيَِّسِ﴾ قال: أظنُّ الكاتبَ كتبها وهو ناعِس(٩)، (١) مجاز القرآن ٣٣٢/١ برواية: يأسرونني (وسيذكرها المصنف)، وقد نسبه لسُحيم بن وَثيل، وكذلك نسبه لسحيم الطبري ٥٣٥/١٣، وابن منظور في اللسان (يئس)، وقال ابن منظور: وذكر بعض العلماء أنه لولده جابر بن سحيم. اهـولم نقف على مَن نسبه لمالك بن عوف. (٢) قال ابن منظور في اللسان يئس: كان وقع عليه سباء، فضربوا عليه بالميسر يتحاسبون على قِسْمة فدائه، وينظر تفسير الطبري ٥٣٥/١٣. (٣) ينظر تفسير الطبري ٥٣٥/١٣، واللسان (يئس). وقد سلف البيت ٤٣٦/٣ برواية: ييسرونني. (٤) قوله: أنا، من (ظ) والمصادر. (٥) النكت والعيون ١١٣/٣، وذكره أبو الليث ١٩٤/٢ من أجوبة ابن عباس على سؤالات نافع بن الأزرق منسوباً لمالك بن عوف، وهو بلا نسبة في تفسير الطبري ٥٣٦/١٣، وأساس البلاغة (يئس). (٦) من قوله: في كتاب الرد، إلى هذا الموضع ليس في (ظ). (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٩٩/٣ ونسب القول للكسائي، وينظر معاني القرآن للفراء ٦٣/١ - ٦٤. (٨) القراءات الشاذة ص ٦٧، والمحتسب ٣٥٧/١. (٩) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٣٧ من طريق عكرمة عن ابن عباس. ٧٤ سورة الرعد: الآية ٣١ أي: زاد بعضَ الحروف حتى صار ﴿يَأْتَِّسِ﴾. قال أبو بكر الأنباريُّ: روى عِكرمة عن ابن عباس(١) أنه قرأ: ((أفلم يتبيَّن الذين آمنوا)) وبها احتجَّ مَن زعم أنه الصوابُ في التلاوة، وهو باطلٌ عن ابن عباس؛ لأنَّ مجاهداً وسعيد بن جُبَير حَكَيا الحرفَ عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جُبير عن ابن عباس. ثم إن معناه: أفلم يتبيَّن، فإن كان مرادُ الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماعَ فقراءتُنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها. وإن أراد الله المعنى الآخَرَ - الذي اليأسُ فيه ليس من طريق العلم - فقد سَقَطْ ممَّا أوردوا، وأَمَا سقوطُه يُبْطِل القرآن، ويلزم (٢) أصحابه البهتان. ﴿أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اَللَّهُ﴾ ((أَنْ)) مخفَّفة من الثقيلة، أي: أنه لو يشاء الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ وهو يردُّ على القَدَرية وغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ أي: داهيةٌ تَفْجَؤُهم بكُفْرهم وعتوِّهم؛ ويقال: قرعه أمرٌ: إذا أصابه، والجمعُ: قَوارِع؛ والأصل في القَرْع: الضَّرب؛ قال: أَقْنَى تِلَادِي وَمَا جَمَّعْتُ مِن نَشَبِ قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أَقْوَاهَ الأَبَارِيقِ(٣) أي: لا يزال الكافرون تصيبهم داهيةٌ مُهْلِكةٌ؛ من صاعقة كما أصاب أَرْبَد(٤)، (١) وقع في (د) و(ز) و(م): ابن أبي نجيح، بدل: ابن عباس، والمثبت من (ظ)، وينظر التعليق السابق. (٢) في (د) و(ز) و(م): ولزوم. (٣) البيت للأُقَيْشر الأسدي كما في الأغاني ٢٧٦/١١، واللسان (ققز)، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص٣٧٢، والمقتضب ٢١/١، والإنصاف ٢٣٣/١. قوله: تلادي، التلاد: المال الذي له أصل عند صاحبه مما جمع أبوه وغيره له، والنَّشَب: المال، والقواقيز: آنية من آنية الشراب. يقول: أفنى مالي كثرة شربي وإنفاقي فيه. ويجوز في أفواه الأباريق الرفع على أنه فاعل للمصدر ((قَرْع)) والقواقيز مفعولة، والنصب على أنه مفعول والقوافيز فاعلة. ينظر شرح أبيات إصلاح المنطق للسيرافي ص ٥٤١ . (٤) سلفت قصته ص٣٦-٣٧ من هذا الجزء. . ٧٥ سورة الرعد: الآية ٣١ أو من قتلٍ أو أسرٍ أو جَذْبٍ، أو غير ذلك من العذاب والبلاء، كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء المشركين. وقال عِكرمة عن ابن عباس: القارعة: النكبة(١). وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة: القارعة: الطلائعُ والسرايا التي كان يُنفِذُها رسول الله % لهم(٢). ﴿أَوَ عَمُلُّ﴾ أي: القارعة ﴿قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ قاله الحسن(٣). وقال ابن عباس: أو تَخُلُّ أنت قريباً من دارهم(٤). وقيل: نزلت الآية بالمدينة؛ أي: لا تزال تصيبهم القوارعُ، فتنزل بساحتهم، أو بالقرب منهم، كَقُرى المدينة ومكة، ﴿حَّ بَأْتَِ وَعْدُ اللَّهِ﴾ في فتح مكة؛ قاله مجاهد وقتادة(٥). وقيل: نزلت بمكة، أي: تصيبهم القوارع، أو تخرج (٦) عنهم إلى المدينة يا محمد، فتحلُّ قريباً من دارهم، أو تحلُّ بهم محاصراً لهم؛ وهذه المحاصرةُ لأهل الطائف، ولقِلاع خَيْبَر، أو يأتي(٧) وعدُ الله بالإذن لك في قتالهم وقَهْرِهم. وقال الحسن: وعدُ الله: يوم القيامة(٨). (١) معاني القرآن للنحاس ٤٩٩/٣ . (٢) النكت والعيون ١١٣/٣ عن عكرمة، وأخرجه عن ابن عباس الطبري ٥٤١/١٣ . (٣) في (٥) و(ز) و(م): قاله قتادة والحسن، والمثبت من (ظ)، وأخرجه الطبري ٥٤٣/١٣ من طريق قتادة عن الحسن. (٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٥٤٠، وأخرجه أيضاً عن عكرمة ومجاهد وابن أبي نجيح وسعيد بن جبير وقتادة. (٥) أخرج عنهما الطبري ١٣/ ٥٤٠ - ٥٤٣ . (٦) في (م): وتخرج. (٧) في (د) و(ز) و(م): ويأتي. (٨) أخرجه الطبري ٥٤٤/١٣ . ٧٦ سورة الرعد: الآيات ٣٢ - ٣٤ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴿ أَفَعَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ فَكَفَ كَانَ عِقَابٍ شُرَّكَّةَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنِعُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِيِنَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّه ◌َا لَهُ مِنْ هَادٍ نَّمْ عَذَابٌ فِى الْخَوَةِ الدُّنَّا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَّقٌّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن ◌َاقٍ ٣٤ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ تقدَّم معنى الاستهزاءِ في ((البقرة))، ومعنى الإملاء في ((آل عمران)) (١). أي: سُخِر بهم، وأُزْرِيَ عليهم، فأمهلتُ الكافرين مدةً ليؤمنَ مَن كان في عِلْمي أنه يؤمن منهم، فلمَّا حقَّ القضاء أخذتُهم بالعقوبة. ﴿فَكِفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ أي: فكيف رأيتَ ما صنعتُ بهم، فكذلك أصنع بمشركي قومك. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآَبِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ليس هذا القيامُ القيامَ الذي هو ضدُّ القعود، بل هو بمعنى: التولِّ لأمور الخَلْق، كما يقال: قام فلانٌ بشُغْل كذا. فالله(٢) قائمٌ على كلِّ نفس بما كسبت، أي: يُقْدِرُها على الكسب، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها، فالمعنى: أنه حافظٌ لا يغفل، والجوابُ محذوف، والمعنى: أَفمن هو حافظٌ لا يغفل؛ كمن يغفل؟ وقيل: ((أَفَمَن هو قائمٌ)) أي: عالم؛ قاله الأعمش(٣). قال الشاعر: سَرَقْتُمْ ثيابَ البيتِ واللهُ قائمٌ (٤) فلولا رِجالٌ من قريشٍ أَعِزَّةٌ (١) في البقرة ٣١٤/١، وفي آل عمران ٤٣٢/٥. (٢) في (م): فإنه. (٣) في (ظ): الأخفش، وذكر هذا القول الماوردي في النكت والعيون ١١٤/٣ دون نسبة. (٤) النكت والعيون ١١٤/٣ دون نسبة، وهو في الشعر والشعراء ٦٤٦/٢، وأمالي اليزيدي ص٩٦ عن خداش بن زهير برواية: والبيت قائم. وفي الشعر والشعراء: من علي، بدل: من قريش؛ قال ابن قتيبة: يقال لبني كنانة بنو علي. ٧٧ سورة الرعد: الآيات ٣٢ - ٣٤ أي: عالم؛ فالله عالمٌ بكسب كلِّ نفس. وقيل: المراد بذلك الملائكةُ المؤكّلون ببني آدم؛ عن الضحاك(١). ﴿وَجَعَلُوا﴾ حال، أي: وقد(٢) جعلوا، أو عطفٌ على ((اسْتُهْزِئَ)) أي: استهزؤوا وجعلوا، أي: سَمَّوا ﴿يَتَِّ شُرّكآءَ﴾ يعني أصناماً جعلوها آلهة ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: قل لهم يا محمد: ((سَمُّوهُمْ)) أي: بيِّنوا أسماءهم؛ على جهة التهديد(٣)، أي: إنما يسمَّوْن: اللّات والعُزَّى ومَنَاة وهُبَل. ﴿أَمْ تُُِّونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ﴾ ((أم)) استفهامُ توبيخ، أي: أتنبِّئونه، وهو على التحقيق عطفٌ على استفهام متقدِّم في المعنى؛ لأن قوله: ((سَمُّوهُمْ)) معناه: أَلَهُمْ أسماءُ الخالقين ﴿أَمْ تُُّونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ﴾؟. وقيل: المعنى قل لهم: أتنبِّون الله بباطنٍ لا يعلمه، أَمْ بِظَاهِرٍ (٤) يعلمه؟ فإن قالوا: بباطنٍ لا يعلمه؛ أحالوا (٥)، وإن قالوا: بظاهر يعلمه؛ فقل لهم: سمُّؤهم، فإذا سمَّوْهم اللَّاتَ والعُزَّى، فقل لهم: إن الله لا يعلم لنفسه شريكاً. وقيل: ﴿أَمْ تُُِّونَهُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ﴾ أي: أفمن هو قائم، أم تُنَبِّئون الله بما لا يعلم، أي: أنتم تَدَّعون لله شريكاً، والله لا يعلم لنفسه شريكاً، أفتنبِّئونه بشريكٍ له في الأرض وهو لا يعلمه! وإنما خَصَّ الأرضَ بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريكٌ في غير الأرض؛ لأنهم ادَّعوا له شركاءَ في الأرض. (١) النكت والعيون ١١٤/٣ . (٢) في (د) و(ز): قد، وفي (م): أو قد، والمثبت من (ظ). (٣) ينظر النكت والعيون ١١٤/٣، وتفسير الرازي ٥٦/١٩، قال الرازي: فكأنه تعالى قال: سمُّوهم بالآلهة، على سبيل التهديد، والمعنى: سواء سمَّيتموهم بهذا الاسم أو لم تسمُّوهم به فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها. (٤) بعدها في (م): من القول. (٥) أحال: أتى بالمحال وتكلم به. معجم متن اللغة (حول). ٧٨ سورة الرعد: الآيات ٣٢ - ٣٤ ومعنى: ﴿أَمَ بِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوْلْ﴾ أي: أم بظَنٍّ من القول؛ عن مجاهد (١). وقيل: أم بظاهرٍ من القول(٢) الذي أنزل الله على أنبيائه. وقال قَتَادة: معناه: أم (٣) بباطل من القول؛ ومنه قولُ الشاعر: أَعَيَّرْتَنَا الْبَانَها وَلُحُومَهَا . وذلِك عارٌ يا ابن رَيْطَةَ ظاهِرُ(٤) أي: باطل. وقال الضَّحَّاك: بكَذِب من القول. ويحتمل خامساً: أن يكون الظاهرُ من القول حجَّةً يُظهرونها بقولهم، ويكون معنى الكلام: أتُخبِرونه بذلك مُشاهِدين، أم تقولون محتجِّين(٥). ﴿بَّ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ أي: دع هذا! بل زُيِّن للذين كفروا مكرُهم؛ قيل: استدراكٌ على هذا الوجه، أي: ليس لله شريك، لكنْ زُيِّن للذين كفروا مكرُهم. وقرأ ابن عباس ومجاهد: ((بل زَيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَروا مَكرُهُم))(٦) مُسَمَّى الفاعل. وعلى قراءة الجماعة، فالذي زَيَّن للكافرين مكرَهم اللهُ تعالى، وقيل: الشيطان. ويجوز أن يُسمَّى الكفر مكراً؛ لأنَّ مكرهم بالرسول كان كفراً. ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: صدَّهم الله، وهي قراءةُ حمزةَ والكسائي(٧). الباقون بالفتح، أي: صَدُّوا غيرَهم، واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله: ﴿وَيَعُدُونَ عَن سَبِلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) أخرجه الطبري ٥٤٩/١٣، وهو في تفسير مجاهد ٣٢٩/١. (٢) من قوله: أي أم بظن، إلى هذا الموضع من (ظ). (٣) قوله: أم، من (ظ)، والخبر أخرجه الطبري ٥٤٩/١٣، وذكره الماوردي في النكت والعيون ١١٤/٣. (٤) قائله سَبْرةُ بن عمرو الفَقْعَسي، كما في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ٢٣٨/١، والخزانة ٩/ ٥٠٤ وهو في النكت والعيون ١١٤/٣ بلا نسبة. ويخاطب الشاعر ضمرة بن ضمرة النهشلي وقد عيَّره كثرة إبله، كما ذكر المرزوقي. (٥) النكت والعيون ١١٥/٣. (٦) القراءات الشاذة ص٦٧ . (٧) وقرأ بها أيضاً من السبعة عاصم. السبعة ص٣٥٩، والتيسير ص١٣٣. ٧٩ سورة الرعد: الآيات ٣٢ - ٣٤ [الفتح: ٢٥]. وقراءةُ الضم أيضاً حسنةٌ في ((زُيِّن)) و((صُدُّوا))؛ لأنه معلومٌ أنَّ الله فاعلُ ذلك في مذهبٍ أهل السنَّة، ففيه إثباتُ القَدَر، وهو اختيار أبي عبيد. وقرأ يحيى بنُ وثَّابِ وعلقمة: ((وصِدُّوا) بكسر الصاد (١)، وكذلك: ((هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رِدَّتْ إِلَيْنَا)) [يوسف: ٦٥]، بكسر الراء وهي(٢) أيضاً على ما لم يُسمَّ فاعلُه، وأصلُهما: صُدِدُوا ورُدِدَتْ، فلمَّا أُدغمت الدال الأولى في الثانية نُقِلت حركتها إلى (٣) ما قَبْلَها فانكسر (٤). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله﴾ بخذلانه. ﴿فَا لَهُ مِنْ هَارٍ﴾ أي: موقِّق، وفي هذا إثباتُ قراءةِ الكوفيين ومَن تَابَعَهم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله﴾، فكذلك قوله: ﴿وَصُدُّواْ﴾. ومعظَمُ القُرَّاء يقفون على الدَّال من غير الياء، وكذلك ﴿وَالٍ﴾ [الآية: ١١] و﴿وَاقٍ﴾ [الآية: ٣٤-٣٧](٥)؛ لأنك تقول في الرجل: هذا قاضٍ ووالٍ وهادٍ، فتحذف الياء لسکونها والتقائها مع التنوین. وقُرئ: ((فَمَا لَهُ مِنْ هَادي)) و((وَالي)) و((وَاقي)) بالياء؛ وهو على لغة مَن يقول: هذا داعي ووالي وواقي، بالياء؛ لأن حذف الياء في حالة الوَضْل لالتقائها مع التنوين، وقد أَمِنَّا هذا في الوقف، فرُدَّت الياء، فصار: هادي ووالي وواقي(٦). وقال الخليل(٧) في نِداء قاضٍ: يا قاضي، بإثبات الياء؛ إذ لا تنوينَ مع النداء، كما لا تنوينَ في نحوِ: الدَّاعِي والمُتعالي. (١) القراءات الشاذة ص٦٧، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٨/٢ كلاهما عن يحيى بن وثاب وحده. (٢) قوله: وهي، من (ز) و(ظ) و(ف)، والقراءة في المحتسب ٣٤٥/١. (٣) في (د) و(ز) و(ف) و(م): على. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٥٨/٢ . (٥) وهي قراءة السبعة ما عدا ابن كثير، فقد قرأ بها بالتنوين في الوصل، فإذا وقف وقف بالياء. السبعة ص٣٦٠، والتيسير ص ١٣٣ . (٦) الكشف عن وجوه القراءات ٢١/٢. وقال مكي: والحذف والإثبات لغتان للعرب، والحذف أكثر. (٧) قوله في الكتاب ٤/ ١٨٤ . ٨٠ سورة الرعد: الآيات ٣٢ - ٣٥ قوله تعالى: ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِ اَلْيَّةِ الدُّنْيًّا﴾ أي: للمشركين الصَّادِّين، بالقتل والسَّنْي والإسار (١)، وغيرِ ذلك من الأسقام والمصائب ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَنٌ﴾ أي: أشدُّ؛ من قولك: شَقَّ عليَّ كَذا يَشُقُّ. ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ أي: مانعٍ يمنعهم من عذابه ولا دافع. و((مِن)) زائدة. قوله تعالى: ﴿َّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَّ تَجْرِى مِن ◌َحْنَهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا دَآبٌِ (٣٥) وَِلُّهَاْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْبَىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ اَلَتِ وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ اختلف النحاة في رفع ((مَثَلُ))، فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر محذوف، والتقدير: وفيما يتلى عليكم مَثَلُ الجنة(٢). وقال الخليل: ارتفع بالابتداء، وخبره: ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَفِرْ﴾ أي: صفةٌ الجنة التي وُعِد المتقون تجري من تحتها الأنهار(٣)، كقولك: قَوْلي يقوم زيد، فقولي مبتدأ، ويقوم زيد خبره، والمَثَل بمعنى الصفة موجود؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَمَثَلُّهُمْ فِ الْإِنِلِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] أي: الصفةُ العليا. وأنكره أبو عليٍّ وقال: لم يُسمع مَثَل بمعنى الصِّفة، إنما معناه الشَّبَه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرَّفاته، کقولهم: مررت برجل مثلك؛ كما تقول: مررت برجل شِبْهِك. قال: ويَفْسُد أيضاً من جهة المعنى؛ لأن مَثَلاً إذا كان معناه صفةً، كان تقدير الكلام: صفةُ الجنة التي فيها أنهار، وذلك غيرُ مستقيم؛ لأنَّ الأنهار في الجنة نفسِها لا صفتِها. وقال الزجَّاج(٤): مَثَّلَ الله عزَّ وجلَّ لنا ما غاب عنَّا بما نراه، والمعنى: مَثَلُ (١) في (ظ): والأسر. (٢) الكتاب ١٤٣/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٤٩/٣، والكشف عن وجوه القراءات ٣٩٨/١، وعنه نقل المصنف. واختاره أبو علي الفارسي كما في مجمع البيان ١٣/ ١٨٢ . (٣) معاني القرآن للنحاس ٥٠١/٣، وذكر الزجاج في معاني القرآن ١٤٩/٣ هذا القول دون نسبة إثر قول سیپویہ، ثم قال: وکلا القولین حسن جميل. (٤) في معاني القرآن ٣/ ١٥٠، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ٥٠١/٣ ، وما سيرد بین حاصر تین منهما.