النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩
ورَوَى أيضاً قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالسٌ، إذ جاءه رجل فقال: يا أبا
يحيى! ادعُ لامرأةٍ حُبلَى منذُ أربعٍ سنين قد أصبحت في كَرْبٍ شديدٍ، فغضب مالك
وأَطبق المُصحَف، ثم قال: ما يرى هؤلاء القومُ إلا أَنَّا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ثم
قال: اللهمَّ هذه المرأةُ إنْ كان في بطنها ريحٌ فَأَخرِجْه عنها الساعةَ، وإنْ كان في بطنها
جاريةٌ فَأَبْدِلْها بها غلاماً، فإنك تَمْحُو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمُّ الكتاب، ثم رفع
مالكٌ يدَه، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أَدرِك امرأتَكَ فذهب
الرجل؛ فما حطّ مالكٌ يدَه حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلامٌ جَعْدٌ
قَطَطٌ، ابنُ أربعٍ سنينَ، قد استوت أسنانُه، ما قُطِعت سِرارُه(١).
ورَوى أيضاً: أنَّ رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني
غِبتُ عن امرأتي سنتين، فجئت وهي حُبلى! فشاوَرَ عمر الناسَ في رجمها، فقال معاذ
ابن جبل: يا أمير المؤمنين، إنْ كان لك عليها سبيلٌ فليس لك على ما في بطنها
سبيلٌ، فاتركْها حتى تضَعَ. فتركها، فولَدت(٢) غلاماً قد خرجت ثنيَّتاه، فعرف الرجل
الشَّبه [فيه]، فقال: ابني وربّ الكعبة! فقال عمر: عجزت النساءُ أنْ يَلْنَ مثلَ معاذ،
لولا معاذٌ لهلك عمر(٣).
وقال الضخَّاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد
خرجت سِنِّي(٤).
(١) سنن الدارقطني (٣٨٧٩)، وقوله: جَعْد قَطَط؛ الجعدُ من الشعر خلاف السّبط، والسَّبْط: المنبسط
المسترسل، والقطط: الشديد الجعودة. اللسان (جعد، قطط).
(٢) في (د) و(ز) و(م): فوضعت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لسنن الدارقطني.
(٣) سنن الدارقطني (٣٨٧٦)، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٨٨/١٠ ، وسعيد
بن منصور (٢٠٧٦). وذكر ابن حزم في المحلى ٣١٦/١٠ أن هذا الخبر باطل؛ لأنه عن أبي سفيان،
وهو ضعيف، عن أشیاخ لهم، وهم مجهولون.
(٤) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٩٩/٣ .

٢٢
سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩
ويُذكر عن مالكِ أنه حُمل به في بطن أُمِّه سنتين، وقيل: ثلاث سنين(١).
ویقال: إنَّ محمد بن عجلان مکث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو
يضطربُ اضطراباً شديداً، فشُقَّ بطنُها وأُخرج وقد نبتت أسنانه(٢).
وقال حمَّاد بن سلمة: إنما سُمي هَرِمُ بن حيَّان هَرِماً؛ لأنه بقيَ في بطن أمه أربعَ
سنين(٣).
وذكر الغَزْنَويُّ أنَّ الضحَّاك وُلد لسنتين، وقد طلعت سِنُّه فسُمِّي ضحَّاكاً(٤).
عبَّاد بنُ العوَّام: ولدت جارةٌ لنا (٥) لأربع سنين غلاماً شعرُه إلى مَنْكِبيه، فمرَّ به
طيرٌ، فقال: كش(٦).
السادسة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: أقلُّ الحيض والنفاس وأكثرُه، وأقلُّ الحمل
وأكثرُه، مأخوذٌ من طريق الاجتهاد؛ لأنَّ علمَ ذلك استأثر الله به، فلا يجوزُ أنْ يُحكمَ
(١) أخرج البيهقي ٧/ ٤٤٣ عن الواقدي عن مالك قال: قد يكون الحمل سنين وأعرف مَن حملت به أمه
أكثر من سنتين، يعني نفْسَه. وأخرج عن الواقدي أيضاً أن أم مالك حملت به في البطن ثلاث سنين.
(٢) أورده الذهبي في السير ٣١٨/٦، وذكره ابن قتيبة في المعارف ص ٥٩٥ بنحوه.
(٣) أورده ابن قتيبة في المعارف ص ٥٩٥ . وهرم بن حيان هو العبدي، ويقال: الأزدي، أحد العابدين،
وولي بعض الحروب في أيام عمر وعثمان ببلاد فارس. السير ٤٨/٤ .
(٤) ذكره السَّرخسي في المبسوط ٤٥/٦، إلا أنه قال: لأربع سنين، بدل: سنتين.
(٥) في (ظ): ولدت جارية له.
(٦) قال ابن حزم في المحلى ٣١٦/١٠: لا يجوز أن يكون حملٌ أكثر من تسعة أشهر، ولا أقلّ من ستة
أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿وحملُه وفصالُه ثلاثون شهراً﴾ وقال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فمن ادَّعى أن حملاً وفصالاً يكون في أكثر من ثلاثين شهراً
فقد قال الباطل والمحال، وردَّ كلام الله عزَّ وجلَّ جهاراً. اهـ.
وقد ثبت علمياً أن الدورة الطمثية قد تنقطع لسبب فيزيولوجي، كما هو الحال عند المرضعة، أو لسبب
مرضي، كما هو الحال عند وجود ضعف في الإباضة، أو وجود خلل في الهرمونات، مما يؤدي إلى
عدم حدوث الدورة الطمئية لأشهر، أو لسنين أحياناً، ثم تنشط الإباضة فجأة، ويحدث الحمل، فيُظن
أن المدة السالفة كلها هي مدة الحمل، وليس كذلك، فالحمل الحقيقي لن يزيد عن وقته (وهو تسعة
أشهر) أكثر من شهر، وإلا لمات الجنين في بطن أمه.

٢٣
سورة الرعد: الآيتان ٨ - ٩
في شيء منه إلا بقَدْرٍ ما أَظهره لنا، ووُجد ظاهراً في النساء؛ نادراً أو معتاداً؛ ولمَّا
وَجَدْنا امرأةٌ قد حملت أربعَ سنين وخمسَ سنين حَكَمْنا بذلك، والنفاسُ والحيضُ لمَّا
لم نجد فيه أمراً مُستقرًّا رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهنَّ.
السابعة: قال ابن العربي(١): نقل بعضُ المتساهلين من(٢) المالكيين أنَّ أكثر
الحملِ تسعةُ أشهر! وهذا ما لم ينطق به قطُ إلا هالِكيٍّ، وهم الطََّائِعُّون الذين
يزعمون أنَّ مدبِّرَ الحملِ في الرَّحِم الكواكبُ السبعة؛ تأخذه شهراً شهراً، ويكونُ
الشهر الرابعُ منها للشمس؛ ولذلك يتحرَّك ويضطرب، وإذا تكامَلَ التَّدَاوُلُ في السبعة
الأشهرِ بين الكواكب السبعةِ عاد في الشهر الثامن إلى زُحلِ، فَيُبْقِله(٣) بِبَرْده، فياليتني
تمكَّنتُ من مناظرتهم أو مقاتلتِهم(٤)! ما بالُ المَرْجِع بعدَ تمامِ الدَّور يكون إلى زُحلَ
دونَ غيره؟ آللهُ أَخبركم بهذا أم على الله تفترون؟! وإذا جاز أنْ يعودَ إلى اثنين
منها(٥)، لمَ لا يجوزُ أنْ يعودَ التدبير إلى ثلاثٍ أو أربع، أو يعود إلى جميعها مرتين
أو ثلاثاً؟! ما هذا التحكّم بالظنون الباطلةِ على الأمور الباطنة !.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ يعني من النقصان والزيادة.
ويقال: ((بمقدار)): قَدْرَ خروجِ الولد من بطن أمِّه، وقَدْرَ مُكْثِه في بطنها إلى خروجه.
وقال قَتَادةُ: في الرزق والأجل(٦). والمقدارُ: القَدْرُ. وعمومُ الآيةِ يتناول كلَّ ذلك،
والله سبحانه أعلم.
(١) في أحكام القرآن ١٠٩٧/٣ .
(٢) في (د) و(ز) و(ظ): عن، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٣) في (٥) و(ز) و(ظ): فيلقيه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن ومعنى يبقله: يخرجه. ينظر
اللسان (بقل).
(٤) في (د) و(ز): مقابلتهم، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٥) في (د) و(ز) و(ظ): إلى شيء منها، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٦) النكت والعيون ٩٧/٣، وأخرجه الطبري ٤٥٢/١٣ بنحوه.
٠٠

٢٤
سورة الرعد: الآيات ٨ - ١٠
التاسعة(١): هذه الآيةُ تَمدَّحَ الله سبحانه وتعالى بها بأنه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَؤُ﴾ أي: هو عالمٌ بما غاب عن الخلق، وبما شَهِدوه. فالغيبُ مصدرٌ بمعنى
الغائب. والشهادةُ مصدرٌ بمعنى الشاهد، فنبّه سبحانه على انفراده بعلم الغيبِ،
والإحاطةِ بالباطن الذي يَخْفَى على الخَلْقِ، فلا يجوزُ أنْ يشاركَه في ذلك أحدٌ. فأما
أهلُ الطبِّ الذين يستدلُّون بالأمارات والعلاماتِ، فإنْ قطعوا بذلك فهو كفرٌ (٢)، وإنْ
قالوا: إنها تجربة، تُرِكوا وما هم عليه، ولم يَقدَح ذلك في الممدوح (٣)؛ فإنَّ العادةَ
يجوز انكسارُها، والعلمُ لا يجوزُ تَبَدُّلُه.
و﴿اَلْكَبِيرُ﴾ الذي كلُّ شيءٍ دونه. ﴿اٌلْمُتَعَالِ﴾ عما يقول المشركون، المستعلي
على كلِّ شيءٍ بقدرته وقَهْرِه؛ وقد ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفّى (٤)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ﴾ إِسْرارُ القول: ما حَدَّث به
المرءُ نفسَه، والجهرُ ما حَدَّث به غيرَه؛ والمرادُ بذلك أنَّ الله سبحانه يَعلم ما أَسَرَّه
الإنسان من خيرِ وشرّ، كما يعلم ما جَهَر به من خيرٍ وشرّ.
و((مِنْكُمْ)) يحتمل أنْ يكونَ وصفاً لـ ((سواءٌ))، التقدير: سِرُّ مَن أَسَرَّ وَجَهْرُ مَن جَهَر
سواءٌ منكم. ويجوزُ أنْ يتعلق بـ ((سواء)) على معنى: يستوي منكم، كقولك: مررتُ
بزيد. ويجوز أنْ يكونَ على تقدير: سِرُّ مَن أسَرَّ منكم وجَهْرُ مَن جَهَر منكم.
(١) في (د) و(م): قلت، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٢) وقعت العبارة في أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٦/٣ (والكلام منه): وأهل الطب يقولون: إذا ظهر
النفخ في ثدي الحامل الأيمن فالحمل ذكر، وإن ظهر في الثدي الأيسر فالحمل أنثى، وإذا كان الثقل
للمرأة في الجانب الأيمن فالحمل ذكر، وإن وجدت الثقل في الجانب الأيسر فالولد أنثى، فإن قطعوا
بذلك فهو كفر. وينظر ما سلف ٤٠٣/٨ .
(٣) في أحكام القرآن: التمدح.
(٤) الأسنى ص٢٠٨ و ٢١٠ وما بعدها.

٢٥
سورة الرعد: الآية ١٠
ويجوزُ أنْ يكونَ التقدير: ذو سواءٍ منكم مَن أَسرَّ القولَ ومَن جَهَر به، كما تقول:
عدلٌ زيدٌ وعمرو، أي: ذوا عدلٍ. وقيل: ((سواء))، أي: مُسْتوٍ، فلا يحتاج إلى تقدير
حذفٍ مضاف(١).
﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ وَسَارِبُّ بِلنََّارِ﴾ أي: يستوي في علم الله السرُّ والجهر،
والظاهِرُ في الظُّرقات والمُسْتَخْفي في الظُلُمات(٢).
وقال الأخفش وقُظْرُب(٣): المستخفي بالليل: الظاهرُ؛ ومنه خَفَيتُ الشيءَ
وأَخْفَيته، أي: أظهرتُه، واختفيت(٤) الشيءَ، أي: استخرجتُه، ومنه قيل لِلنَّبَّاش:
المختفي(٥). وقال امرؤ القيس:
خَفَاهُنَّ من أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلّبٍ (٦)
والسَّاربُ: المتواري، أي: الداخلُ سَرَباً؛ ومنه قولُهم: انْسَرَب الوحش: إذا
دخل في كِناسه(٧). وقال ابن عباس: ((مُسْتَخْفٍ)): مستتر، ((وَسَارِبٌ)): ظاهر(٨).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٤١/٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٥٣/٢، ومشكل إعراب القرآن
٣٩٧/١ والإملاء (على هامش الفتوحات الإلهية) ٣٧٣/٣.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٤٢/٣ .
(٣) قول الأخفش في معاني القرآن له ٢/ ٥٩٥، وقول قطرب ذكره الزجاج في معاني القرآن ٣/ ١٤٢،
وأبو الطيب اللغوي في الأضداد ١/ ٢٤٧، وذكر هذا القول عنهما الرازي ١٩/ ١٧ - ١٨.
(٤) في (د) و(ز) و(م): أخفيت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في تفسير الرازي ١٧/١٩، واللسان
(خفي)، ومثلها: استخفيت، ذكرها الجوهري في الصحاح (خفي). وينظر الأضداد لأبي الطيب ٢٤٧/١ ،
وتهذيب اللغة ٥٩٧/٧ .
(٥) الأضداد لابن الأنباري ص٧٦ ، والصحاح (خفي).
(٦) ديوان امرئ القيس ص٥١ . وجاء في شرحه الأصمعي: الوَذْق: المطر، وخَصَّ مطر العَشيِّ لأنه أغزر.
والمجلَّب: الذي تُسمع له جَلَبة لشدةٍ وَقْعِه، أي: وَدْقٌ من عَشيٍّ فيه جلبةٌ للمطر. والمعنى: أن الفرس
لشدة جَرْيِه أخرج الفِئرةَ من حِجْرتهنَّ ظنَّه مطراً، فخشينَ أن يُسيل الأرض فيغرقهن.
(٧) في (م): الوحشي، ومثله في معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٤٢، والصحاح (سرب)، والمثبت موافق لما
في معاني القرآن للنحاس ٤٧٦/٣، وتهذيب اللغة ٤١٤/١٢، وتفسير الرازي ١٧/١٩ . والكِناس:
هو مستتر الظبي في الشجر. القاموس (کنس).
(٨) أخرجه الطبري ٤٥٣/١٣ - ٤٥٤ .

٢٦
سورة الرعد: الآيتان ١٠ - ١١
مجاهد: مُسْتَخْفٍ [بالليل، أي: مستترا بالمعاصي، ((وَسَارِبٌ)): ظاهر(١).
وقيل: معنى ((سَارِبٌ)): ذاهبٌ؛ قال الكسائيُّ: سَرَبَ يَسْرُبُ سَرَباً وسُرُوباً: إذا
ذهب(٢)؛ وقال الشاعر:
ونَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو سَارِبُ(٣)
وكُلُّ أناسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَخلِهِمْ .
أي: ذاهبٌ. وقال أبو رجاء: السَّاربُ: الذَّاهب على وجهه في الأرض (٤)؛ قال
الشاعر :
أَنَّى سَرَبْتٍ وكنتِ غيرَ سَرُوبٍ(٥)
وقال القُتَبِيُّ: ((سَارِبٌ بِالنَّهَارِ))، أي: متصرِّفٌ(٦) في حوائجه بسرعة، من قولهم:
انْسَرَب الماء. وحكى الأصمعيُّ: خَلِّ سَرْبَه، أي: طريقه(٧).
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتُ مِّنَّ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا يِأَنْفُسِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا
لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ﴾، أي: لله ملائكةٌ يتعاقبون بالليل والنهار؛ فإذا
(١) معاني القرآن للنحاس ٤٧٦/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٤٧٧/٣ .
(٣) قائله الأخنس بن شهاب التغلبي، كما في إصلاح المنطق ص ٢٢٥، وشرح أبيات إصلاح المنطق
للسيرافي ص٣٧٨، والصحاح (سرب)، وشرح اختيارات المفضل للتبريزي ٩٣٨/٢ . قال السيرافي:
يعني بالفحل هنا السيد، يقول: كلَّ أناس غيرنا لم يتركوا رئيسهم وسيدهم أن يفارقهم ويبعدَ عنهم خشيةً
عليه من القتل، ونحن لعزِّنا لا يجترئ أحد على سيدنا وإن كان وحده بعيداً عنا.
(٤) أخرجه الطبري ١٣/ ٤٥٤ .
(٥) وعجزه: وتقرُّبُ الأحلامُ غيرَ قريب، والبيت لقيس بن الخَطِيم كما في تفسير الطبري ٤٥٣/١٣،
والأضداد لابن الأنباري ص٧٧ ، وبلا نسبة في الصحاح (سرب)، وسلف ١/ ١٠١ .
(٦) في (د) و(م): منصرف، والمثبت من (ز) و(ظ) وتفسير الغريب لابن قتيبة ص٢٢٤ .
(٧) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣/ ٤٧٧ .

٢٧
سورة الرعد: الآية ١١
صعِدت ملائكةُ الليل أعقبتها ملائكةُ النهار.
وقال: ((مُعَقِّبَاتٌ)) والملائكة ذُكْران؛ لأنه جمعُ مُعقِّبة؛ يقال: مَلَك مُعقّب،
وملائكة مُعقّبة، ثم مُعقِّبات جمعُ الجمع(١).
وقرأ بعضهم: ((له مَعَاقيبُ مِن بَيْنِ يَدَيْه ومن خَلْفِه). ومعاقيبُ جمع مُعقِّب(٢)؛
وقيل: للملائكة: معقِّبة؛ على لفظ الملائكة. وقيل: أنّث لكثرة ذلك منهم؛ نحو نسَّابة
وعلَّامة وراوِيَة؛ قاله الجوهريُّ وغيره(٣).
والتعقيب(٤): العَودُ بعد البدء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَّى مُذْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]،
أي: لم يَرجع، وفي الحديث: ((مُعقِّباتٌ لا يَخِيبُ قائِلُهنَّ - أو: فاعلهن - )) فذكر
التسبيحَ والتحميدَ والتكبير(٥)؛ قال أبو الهيثم (٦): سُمِّين ((مُعقِّبات))؛ لأنها عادت مرَّةً
بعد مرَّة، وكلُّ(٧) مَن عَمِل عَملاً ثم عاد إليه فقد عَقَّبَ.
والمعقِّبات من الإبل: اللواتي يَقُمْنَ عند أعجازِ الإبل المُعْتَرِكات على الحوض،
فإذا انصرفت ناقةٌ دخلت مكانَها أخرى(٨).
وقوله: ﴿مِّنْ بَيْنِ يَدَيّهِ﴾، أي: المستخفي بالليل والساربِ بالنهار. ﴿يَحْفَُّونَهُ مِنْ
أَمْرِ اللَّهِ﴾ اختلف في هذا الحفظِ؛ فقيل: يَحتَمِل أنْ يكونَ توكيلُ الملائكةِ بهم
(١) معاني القرآن للفراء ٦٠/٢، وتفسير الطبري ٤٥٦/١٣.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٤٨٠، وهي في القراءات الشاذة ص٦٦ عن زياد بن أبي سفيان، وفي
المحتسب ٣٥٥/١ عن عبيد الله بن زياد. قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا تكسير معقّبٍ أو معقّبة، إلا
أنه لمَّا حذف إحدى القافين عوض منها الياء.
(٣) الصحاح (عقب)، ومعاني القرآن للأخفش ٥٩٦/٢ .
(٤) في النسخ: والتعقب، والمثبت من تفسير الطبري ٤٧٣/١٣، والكلام منه، وتفسير البغوي ٩/٣ .
(٥) أخرجه مسلم (٥٩٦) من حديث كعب بن عُجرة ﴾.
(٦) هو الرازي، مشهور بكنيته، وسلفت ترجمته ١٣٦/٥، وكلامه في تهذيب اللغة ٢٧٢/١ - ٢٧٣ .
(٧) في (د) و(ز) و(م): فعل.
(٨) الصحاح (عقب).

٢٨
سورة الرعد: الآية ١١
لحِفْظِهم من الوحوش والهوامٌّ والأشياءِ المُضرَّة، لطفاً منه به، فإذا جاء القَدّر خلَّوا
بينَه وبينه. قاله ابن عباس وعلي بنُ أبي طالب رضي الله عنهما(١)؛ قال أبو مِجلّز:
جاء رجلٌ من مُرَاد إلى عليٍّ فقال: احترس؛ فإنَّ ناساً من مُرَاد يريدون قتلَك، فقال:
إنَّ مع كلِّ رجل مَلَكين يحفظانِه مما لم (٢) يُقدَّر، فإذا جاء القَدَر خَلَّيا بينه وبينَ قَدَرٍ
الله، وإنَّ الأجلَ حِصنٌ حَصينة. وعلى هذا: ((يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ» أي: بأمر الله
وبإذنه، فـ ((مِن)) بمعنى الباء؛ وحروفُ الصِّفات يقوم بعضُها مقامَ بعض(٣).
وقيل: ((مِن) بمعنى ((عن))، أي: يحفظونه عن أمر الله. وهذا قريبٌ من الأوّل؛
أي: حِفْظُهم عن أمر الله لا مِن عند أنفسِهم. وهذا قولُ الحسن(٤)؛ تقول: كسوتُه
عن عُرْيٍ ومن عُرْي، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ [قريش: ٤]، أي: عن
جوع(٥).
وقيل: يحفظونه من ملائكة العذابٍ حتى لا تَحِلَّ به عقوبةٌ؛ لأنَّ اللهَ لا يغيِّر ما
بقوم من النعمة والعافية حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإذا أصرُّوا
حان الأجلُ المضروب، ونزلت بهم النّقمة، وتزولُ عنهم الحَفَظة المعقِّبات.
وقيل: يحفظونه من الجِنِّ؛ قال كعب: لولا أنَّ الله وَثَّل بكم ملائكةٌ يَذبُّون
عنكم في مَظْعَمكم وَمَشْرَبِكم وعوراتكم لتَخَطَّفتْكم [الجن](٦) فإذاً(٧) الجِنُّ وملائكةُ
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٣٢/١، والطبري ٤٥٨/١٣ عن ابن عباس.
(٢) في (د) و(ز) و(م): ما لم، والمثبت من (ظ) وتفسير الطبري ٤٦٦/١٣ وفيه تخريج الخبر.
(٣) زاد المسير ٣١١/٤، وذكر هذا القول أبو عبيدة في مجاز القرآن ٣٢٤/١، والبغوي ٩/٣، وأخرجه
عبد الرزاق ٣٣٢/١، والطبري ٤٦٤/١٣ عن قتادة. وقاله مجاهد أيضاً كما في تفسيره ٣٢٦/١.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٣/ ٤٨٠، وذكر الطبري ٤٧٤/١٣ هذا القول عن بعض نحونِّي البصرة، وينظر
معاني القرآن للزجاج ٣/ ١٤٢ .
(٥) تفسير الطبري ١٣/ ٤٧٤ .
(٦) تفسير البغوي ٩/٣، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٤٦٦/٣ .
(٧) قوله: فإذاً ليس في (م).

٢٩
سورة الرعد: الآية ١١
العذابِ من أمر الله، وخصَّهم بأنْ قال: ((مِنْ أَمْرِ اللهِ))؛ لأنهم غيرُ مُعايَنين، كما
قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، أي: ليس مما تشاهدونه أنتم.
وقال الفرَّاء(١): في الكلام تقديمٌ وتأخير، تقديره: له معقِّباتٌ من أمر الله من بين
يديه ومن خلفه يحفظونه. وهو مرويٍّ عن مجاهد وابنٍ جُبير والنَّخَعيِّ(٢). وعلى أنَّ
ملائكة العذابِ والجِنَّ من أمر اللهِ لا تقدیمَ فيه ولا تأخير.
وقال ابن جريج: إنَّ المعنى: يحفظون عليه عمله(٣)، فحذف المضاف. وقال
قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله.
ويجوز إذا كانت المعقِّباتُ الملائكة أن تكون الهاء في ((له)) لله عزَّ وجلَّ، كما
ذكرنا. ويجوز أن تكونَ للمستخفي، فهذا قول.
وقيل: ﴿لَهُ مُعَقِبَتْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني به النبيَّ ﴾(٤)؛ أي: إنَّ
الملائكةَ تحفظه من أعدائه، وقد جرى ذكرُ الرسول في قوله: ﴿لَوَلَا أُنزِلَ عَيْهِ ءَايَةٌ مِّن
زَّيِّدُهُ إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرٌ﴾، أي: سواءٌ منكم مَن أَسرَّ القولَ ومَن جهر به في أنه لا يضرُّ
النبيَّ ﴾، بل له معقباتٌ يحفظونه عليه الصلاة والسلام. ويجوز أنْ يرجعَ هذا إلى
جميع الرسل؛ لأنه قد قال: ﴿وَلِكُلّ قَوْرِ هَادٍ﴾ أي: يحفظون الهاديَ مِن بین یدیه ومِن
خلفه.
وقول رابع: أنَّ المرادَ بالآية: السلاطينُ والأمراءُ الذين لهم قومٌ من بين أيديهم
ومن خلفهم يحفظونهم؛ فإذا جاء أمر الله لم يُغنوا عنهم من الله شيئاً؛ قاله ابن عباس
(١) في معاني القرآن ٦٠/٢ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): وابن جريج والنخعي، والمثبت من (ظ)، ينظر تخريج قولهم في تفسير الطبري
٠٤٦٣/١٣
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٣١٢/٤ بلفظ: يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وأخرجه بنحوه
الطبري ٤٥٩/٣ - ٤٦٠ و ٤٦٧، وينظر المحرر الوجيز ٣٠٢/٣ .
(٤) ذكره الطبري ١٣/ ٤٧٠، وابن عطية ٣/ ٣٠١ عن عبد الرحمن بن زيد، ونسبه ابن الجوزي ٤/ ٣١٠
لا بن عباس رضي الله عنهما.

٣٠
سورة الرعد: الآية ١١
وعِكْرِمة. وكذلك قال الضَّحاك: هو السلطانُ المتحرِّسُ من أمر الله، المشرِكُ(١). وقد
قيل: إنَّ في الكلام على هذا التأويلِ نفياً محذوفاً تقديره: لا يحفظونه من أمر الله
تعالى؛ ذكره الماوَزديُّ(٢).
قال المَهْدَويُّ: ومَن جَعَل المعقّباتِ الحرسَ؛ فالمعنى: يحفظونه من أمر الله
علی ظنّه وزَغْمه.
وقيل: سواءٌ مَن أسرَّ القولَ ومَن جهر به، فله حرَّاسٌ وأعوانٌ يتعاقبون عليه
فيحملونه على المعاصي، ويحفظونه من أنْ يَنْجَع فيه وعظٌ؛ قال القُشَيرِيُّ: وهذا لا
يمنع الربَّ من الإمهال إلى أنْ يحقَّ العذاب؛ وهو إذا غَيَّر هذا العاصي ما بنفسه بطول
الإصرارِ، فيصير ذلك سبباً للعقوبة؛ فكأنّه الذي يُحِلُّ العقوبةَ بنفسه، فقوله:
(يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ»، أي: من امتثال أمرِ الله.
وقال عبد الرحمن بنُ زيد: المعقِّباتُ: ما يتعاقبُ من أمر الله تعالى وقضائه في
عباده؛ قال الماورديُ(٣): ومَن قال بهذا القول؛ ففي تأويل قوله: ((يَحْفَُونَهُ مِنْ أَمْرٍ
اللهِ» وجهان:
أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجلٌ؛ قاله الضحاك.
الثاني: يحفظونه من الجِنِّ والهوامِّ المؤذية، ما لم يأت قَدَرٌ. قاله أبو أمامة
وكعب الأحبار (٤). فإذا جاء المقدورُ خلَّوا عنه.
والصّحيحُ أنَّ المعقِّباتِ الملائكةُ، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج؛
ورُوي عن ابن عباس، واختاره النَّحاس(٥)، واحتجَّ بقول النبيِّ #: ((يتعاقبون فيكم
(١) أخرج قولهم الطبري ٣/ ٤٦٠ - ٤٦١ .
(٢) في النكت والعيون ٩٨/٣ .
(٣) في النكت والعيون ٩٨/٣ ، وما قبله منه.
(٤) خبر أبي أمامة أخرجه الطبري بنحوه ١٣/ ٤٦٦ ، وخبر كعب سلف قريباً.
(٥) في معاني القرآن ٤٧٩/٣، وأخرج قول الأئمة المذكورين الطبري ١٣/ ٤٥٦ - ٤٦٠ و ٤٦٣ - ٤٦٤.

٣١
سورة الرعد: الآية ١١
ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار)) الحديثَ، رواه الأئمة(١).
ورَوى ابنُ عيينةً(٢) عن عمرو، عن ابن عباس أنه قرأ: ((له معقِّباتٌ من بين يديه
ورُقباءُ من خلفه من أمر الله يحفظونه)). فهذا قد بيَّن المعنى(٣).
وقال كِنانةُ العَدوَيُّ(٤): دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على النبيِّ # فقال:
يا رسول الله! أخبرني عن العبد، كم معه مِن مَلَك؟ قال: «مَلَكٌ عن يمينك یکتب
الحسناتِ، وآخَرُ عن الشمال يكتب السَّيِّئاتِ، والذي على اليمين أميرٌ(٥) على الذي
على الشِّمال، فإذا عُمِلتْ حسنةٌ كُتبت عشراً، وإذا عُمِلت سيئة، قال الذي على
الشمال للذي على اليمين: أأكتبُ؟ قال: لا، لعله يستغفرُ اللهَ تعالى أو يتوبُ(٦).
فإذا قال ثلاثاً، قال: نعم، اكتبْ أراحنا الله تعالى منه، فبئس القرينُ هو، ما أقلَّ
مُراقبتَه لله عزَّ وجلَّ وأقلَّ استحياءَه منَّا، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيّهِ
رَقِبُ عِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. ومَلَكَان من بين يديك ومِن خَلْفِك يقولُ الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ
مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾. [وملك قابضٌ على ناصيتك، فإذا
تواضَعْتَ لله رفعك، وإذا تَجَبَّرْتَ على الله قَصَمكَ]. ومَلَكان على شَفَتیك، ولیس
يحفظان عليك إلا الصَّلاةَ على محمد وآله. ومَلَكٌّ قائمٌ على فِيك لا يدَع أنْ تدخلَ
الحيَّةُ في فِيك، وملَكَان على عينيك. فهؤلاء عشرةُ أملاكٍ على كلِّ آدميٍّ يتداولون(٧)؛
(١) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٤٩١)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، وسلف
١٧٩/٤ ٠
(٢) في (د) و(ز) و(م): وروى الأئمة، والمثبت من (ظ) ومعاني القرآن للنحاس ٤٨٠/٣ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٨٠/٣. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١١٥٩ - تفسير) عن سفيان
بالإسناد المذكور، ولفظه: ((له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه يحفظونه من أمر الله».
(٤) ابن نعيم، أبو بكر البصري، تابعي ثقة روى له مسلم. التهذيب ٤٧٦/٣. والخبر أخرجه الطبري
٤٥٧/١٣. وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وما سيأتي بين حاصرتين منهما.
(٥) في (د) و(ز): أمين، وهي كذلك في مطبوع تفسير الطبري، وفي تفسير ابن كثير: آمر.
(٦) في (م): أو يتوب إليه، وفي تفسير الطبري وتفسير ابن كثير: ويتوب.
(٧) في تفسير الطبري وتفسير ابن كثير: ينزلون.

٣٢
سورة الرعد: الآية ١١
ملائكةُ الليلِ على ملائكة النهار؛ لأنَّ ملائكةَ الليلِ ليسوا بملائكة النهار، فهؤلاء
عشرون مَلكاً على كلِّ آدميٍّ، وإبليس مع ابنِ آدمَ بالنهار، وولدُه بالليل))(١). ذكره
الثعلميُّ.
قال الحسن: المعقِّبات أربعةُ أملاكِ [اثنان بالنهار واثنان بالليل] يجتمعون عند
صلاة الفجر(٢).
واختيار الطَّبريِّ(٣): أنَّ المعقِّباتِ المواكبُ بين أيدي الأمراءِ وخَلْفَهم، والهاء
في ((له)) لـ ((مَنْ))(٤)، على ما تقدَّم(٥).
وقال العلماء رضوان الله عليهم: إنَّ الله سبحانه جعل أوامرَه على وجهين؛
أحدهما قضى حلولَه ووقوعَه بصاحبه، فذلك لا يدفَعُه أحدٌ ولا يغيِّرِه. والآخَرُ قضى
مجيئه، ولم يقضِ حلولَه ووقوعَه، بل قضى صرفَه بالتَّوبة والدعاء والصَّدَقة والحفظ.
قوله تعالى: ﴿إِنَ اَللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِمْ﴾ أخبر الله تعالى في
هذه الآية أنه لا يغيِّر ما بقوم حتى يقعَ تغيير(٦)؛ إما منهم، أو من الناظر لهم، أو ممن
هو منهم بسبب؛ كما غيَّر الله بالمنهزمين يومَ أُحُد بسبب تغيير الرّماةِ [ما] بأنفسهم،
إلى غير هذا من أمثلة الشَّريعة. فليس معنى الآية أنه ليس ينزلُ بأحد عقوبةٌ إلا بأنْ
يتقدَّم منه ذنبٌ، بل قد تنزل المصائبُ بذنوب الغير، كما قال # وقد سُئل: أَنَهِلك
(١) قال ابن كثير: حديث غريب جدًّا. قلنا: وفي إسناده إبراهيم بن عبد السلام بن صالح وعلي بن جرير،
ولم نقف لهما على ترجمة.
(٢) النكت والعيون ٩٨/٣، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) في تفسيره ٤٦١/١٣ - ٤٦٢.
(٤) يعني في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ وهذا هو اختيار الطبري في تفسيره، ووقع في النسخ: لهنَّ،
بدل: لمن. والصواب ما أثبتناه.
(٥) ص٢٩ من هذا الجزء.
(٦) قبلها في النسخ: منهم، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٠٢/٣، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه.

٣٣
سورة الرعد: الآيات ١١ - ١٣
وفينا الصّالحون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُر الْخَبَث))(١). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾، أي: هلاكاً وعذاباً ﴿فَلَ مَرَدَّ لَّمَّ﴾.
وقيل: إذا أراد بهم بلاءً من أمراضٍ وأسقامٍ، فلا مَرَدَّ لبلائه(٢).
وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءاً أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاءُ
ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحثَ أحدُهم عن حتفة بكفِّه، ويسعى
بقدمه إلى إراقة دمِه.
﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ أي: من ملجأ؛ وهو معنى قول السُّدِّيِّ. وقيل: مِن
ناصِرٍ یمنعهم من عذابه؛ وقال الشاعر:
ما في السماء سوى الرحمنِ من وَالٍ(٣)
ووَالٍ ووليٍّ کقادر وقدیر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ
اَلِقَالَ ٧ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ
بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيِكُمُ الْبَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنِشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ﴾،
أي: بالمطر. ((والسَّحاب)) جمعٌ، والواحدة سَحَابة، وسُحُبٌ وسَحَائبُ في الجمع
أيضاً (٤).
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ﴾ قد مضى في
((البقرة))(٥) القولُ في الرعد والبرق والصواعق، فلا معنى للإعادة.
(١) قطعة من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها، وقد سلف ١٤٦/٩.
(٢) النكت والعيون ٩٩/٣ .
(٣) ذكره مع ما قبله الماوردي في النكت والعيون ٣/ ١٠٠.
(٤) الصحاح (سحب).
(٥) ٣٢٧/١ وما بعدها.

٣٤
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
والمرادُ بالآية بيانُ كمالٍ قدرته، وأنَّ تأخيرَ العقوبةِ ليس عن عجز، أي: يريكم
البرقَ في السماء خوفاً للمسافر؛ فإنه يخاف أذاهُ لمَا ينالُهُ من المطر والهولِ
والصواعق؛ قال الله تعالى: ﴿أَذَى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]. وطمعاً للحاضر أنْ
يكونَ عِقِبه مطرٌ وخِصْب؛ قال معناه قَتَادة ومجاهد وغيرهما(١).
وقال الحسن: خوفاً من صواعق البرق، وطمعاً في غيثه المزيلِ للقحط (٢).
﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ الِثِّقَالَ﴾ قال مجاهد: أي: [الثقال] بالماء(٣). ﴿وَيُسَيِّحُ الرَّعْدُ
يُحَمْدِهِ) مَن قال: إنَّ الرَعدَ صوتُ السحاب، فيجوز أنْ يُسبِّح الرعدُ بتقدير (٤) خلقٍ
الحياةِ فيه، ودليلُ صحة هذا القولِ قولُه: ﴿وَالْمَلَّكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ فلو كان الرعد ملكاً
لدخل في جملة الملائكة.
ومَن قال: إنه ملَك قال: معنى ((مِنْ خِيفَتِهِ)): من خيفة الله؛ قاله الطَّبَريُّ(٥)
وغيره. قال ابن عباس: إنَّ الملائكةَ خائفون من الله ليس كخوف ابنِ آدم، لا يعرفُ
أحدهم مَن على يمينه ومَن على يساره، لا يشغلُهم عن عبادة الله طعامٌ ولا شرابٌ(٦).
وعنه قال: الرّعدُ ملَكٌ يَسوق السَّحابَ، وإنَّ بحارَ(٧) الماء لفي نُقْرةِ إبهامِه، وإنه
مُؤَكَّلٌ بالسَّحاب يصرفُه حيثُ يؤمرُ، وإنه يسبِّح الله؛ فإذا سبَّحِ الرّعدُ لم يبق مَلَكٌ في
(١) أخرجه عن قتادة عبد الرزاق في التفسير ٣٣٣/١، والطبري ٤٧٥/١٣، وذكره النحاس في معاني
القرآن ٣/ ٤٨١ عن قتادة ومجاهد والحسن.
(٢) النكت والعيون ١٠٠/٣ .
(٣) النكت والعيون ١٠٠/٣، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه الطبري ٤٧٦/١٣، وهو في تفسير مجاهد
٣٢٦/١.
(٤) في (د) و(ز) و(م): بدليل، والمثبت من (ظ).
(٥) في تفسيره ٤٧٨/١٣ .
(٦) ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ١٠ .
(٧) في (م): بخار.

٣٥
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
السّماء إلا رفع صوتَه بالتّسبيح، فعندها ينزل القَظْر(١).
وعنه أيضاً: كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي سَبَّحْتَ له(٢).
وروى مالك، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه: أنه كان إذا سمع صوت الرّعد
[لَهِي من حديثه و] قال: سبحان الذي يسبِّح الرّعد بحمده والملائكةُ من خيفته، ثم
يقول: إنَّ هذا وعيدٌ لأهل الأرض شديدٌ(٣).
وقيل: إنه مَلَك جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، وعن يمينه سبعون ألف
مَلَك، وعن يساره مثلُ ذلك، فإذا أقبل على يمينه وسبَّح؛ سبَّح الجميعُ من خوف
الله، وإذا أقبل على يساره وسَبّح؛ سبَّح الجميعُ من خوف الله.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ ذكر الماورديُّ عن ابن عباس وعليّ بنِ
أبي طالب ومجاهد: نزلت في يهوديِّ قال للنبيِّ ﴾: أَخِرْني! مِن أيِّ شيءٍ ربُّك؟ أمِن
لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقةٌ، فأحرقته(٤).
وقيل: نزلت في بعض كفَّار العرب؛ قال الحسن: كان رجلٌ من طواغيت
العربِ، بَعثَ النبيُّ# إليه نَفَراً يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام، فقال لهم:
أخبروني عن ربِّ محمد ما هو، ومِمّ هو، أمِن ذهب أم من فضة(٥) أم من حديد
أم نحاس؟ فاستعظم القومُ مقالته، فقال: أُجيبُ محمداً إلى ربِّ لا أعرفه! فبعث
(١) ذكره البغوي ١١/٣، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وينظر تفسير الطبري
٣٥٧/١ - ٣٥٩.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٢٢)، والطبري ١٣/ ٤٧٧ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٨٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منه. ومن طريق مالك أخرجه البخاري في
الأدب المفرد (٧٢٣). ووقع في الموطأ ٩٩٢/٢: مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا
سمع ... ، قال ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧/ ٣٨٠: هكذا رواه يحيى، لم يجاوز به عامراً، ورواه غيره
من رواة الموطأ فقالوا فيه: مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه.
(٤) النكت والعيون ١٠١/٣، وأخرجه عن علي ﴾ ومجاهد الطبري ٤٧٩/١٣ - ٤٨٠ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): ومم هو أمن فضة، والمثبت من (ظ) والمصادر على ما يأتي.

٣٦
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
النبيُّ # إليه مراراً وهو يقول مثلَ هذا، فبينا النَّفَر ينازِعونه ويدعونه إذ ارتفعت سحابةٌ
فكانت فوقَ رؤوسهم، فرَعدت وأَبرقَتْ ورمتْ بصاعقة، فأحرقت الكافرَ وهم
جلوس، فرجعوا إلى النبيِّ #، فاستقبلهم بعضُ أصحابِ رسولِ الله # فقالوا:
احترق صاحبُكم، فقالوا: مِن أين علمتم؟ قالوا: أَوحى الله إلى النبيِّ ﴾: ﴿وَبُرْسِلُ
الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾. ذكره الثعلبيُّ عن الحسن(١)، والقشيريُ بمعناه عن
أنس، وسيأتي(٢).
وقيل: نزلت الآية في أربد بن ربيعة أخي لَبيد بن ربيعة، وفي عامر بن الطُّفَيْل؛
قال ابن عباس: أقبل عامر بنُ الظُفَيْل وأَرْبَد بنُ ربيعة العامِريَّان يريدان النبيَّ # وهو
في المسجد جالسٌ في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس لجمال
عامرٍ وكان أعورَ، وكان من أجمل الناس، فقال رجل من أصحاب النَّبيِّ ﴾: هذا يا
رسولَ الله عامر بنُ الظُفَيْل قد أقبل نحوَك، فقال: ((دَعْه فإنْ يُرِدِ اللهُ به خيراً يَهْدِه»
فأقبل حتى قام عليه فقال؛ يا محمد ما لي إنْ أسلمت؟ فقال: ((لك ما للمسلمين
وعليك ما على المسلمين)) قال: أتجعلُ لي الأمرَ من بعدك؟ قال: ((ليس ذاك إليَّ،
إنما ذلك إلى الله يجعلُه حيثُ يشاء)». قال: أفتجعلُني على الوَبَر وأنت على المَدَر؟
قال: ((لا)). قال: فما تجعلُ لي؟ قال: «أجعلُ لك أَعِنَّةَ الخيلِ تغزو عليها في سبيل
الله)). قال: أو ليس لي أعنَّةُ الخيلِ اليومَ؟ قم معي أُكلِّمْكَ. فقام معه رسول الله ﴾،
وكان عامرٌ أومأً إلى أَرْبَد: إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه واضرِبْه بالسيف؛ فجعل
يخاصم النبيَّ# ويراجعه، فاخترط أَرْبَد من سيفه شبراً، ثم حبسه الله؛ فلم يقدر على
سَلُّه، ويَبِستْ يدُه على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقةً في يوم صائفٍ صاحٍ فأحرقته،
وولَّى عامرٌ هارباً وقال: يا محمد! دعوتَ ربَّك على أربدَ حتى قتلته(٣)، والله
(١) وذكره عن الحسن أيضاً البغوي ١١/٣.
(٢) ص٣٩ من هذا الجزء.
(٣) في (ظ): حتى قتله الله.

٣٧
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
لأملأنَّها عليك خيلاً جُرْداً، وفتيانا مُرْداً، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يمنعُك الله
من ذلك وأبناءُ قَيْلةَ)) (١) يعني الأوْسَ والخَزْرَج؛ فنزل عامرٌ بيت امرأةٍ سَلُولية، وأصبح
وهو يقول: واللهِ لئن أَصْحَرَ(٢) لي محمدٌ وصاحبُه - يريد مَلَك الموت - لأُنفِذَنَّهما(٣)
برمحي. فأرسل الله مَلَكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب؛ وخرجت على ركبته غُدَّةٌ
عظيمةٌ في الوقت، فعاد إلى بيت السَّلُولية وهو يقول: غُدَّةٌ كغدة البعير، وموتٌ في
بيت سَلُولية! ثم ركب على فرسه، فمات على ظهره(٤). ورَثَى لَبيد بنُ ربيعة أخاه أَرْبَد
فقال:
قُمنا وقام الخُصُوم في حَبَدٍ
يا عينُ هلَّا بَكَّيتٍ أَرْبَد إذ
أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاكِ وَالْأَسَدِ
أَخْشَى على أَرْبَد الحُثُوفَ وَلَا
فارس يَوْمَ الْكَرِيهَة النَّجُدِ (٥)
فَجَّعنِي الرَّعْدُ والصَّوَاعِقُ بال
وفيه قال:
فِقْدَانُ كُلِّ أخٍ كضوءِ الكَوْكَبِ
إنَّ الرَّزيَّةَ لَا رَزِيَّةَ مِثْلُهَا.
أَقْرِدْتَني أَمشي بقَرْنٍ أَعْضَبٍ(٦).
يا أَرْبَدَ الخيرِ الکرِيمَ جُدُودُهُ
(١) في تفسير البغوي ٣/ ١٠ (والكلام منه): وابنا قيلة وكذلك وقع في بعض المصادر التي ذكرت الخبر
مثل الكامل للمبرد ١٣٩٣/٣، ومجمع الأمثال للميداني ٥٧/٢، وينظر ما سلف ٦٨/١٠.
(٢) أي: خرج إلى الصحراء. الصحاح (صحر).
(٣) في النسخ عدا (ظ): لأنفذتهما، وكذلك هو في مطبوع تفسير البغوي، والمثبت من (ظ) ومجمع
الأمثال.
(٤) ذكره البغوي ٩/٣ - ١٠ من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأخرجه الطبري ٤٦٧/١٣ -٤٧٠
عن ابن زيد مطولاً، وأخرجه بنحوه ٤٨١/١٣ - ٤٨٢ عن ابن جريج.
(٥) الأبيات في شرح ديوان لبيد ص١٥٨ - ١٦٠، والكامل ١٣٩٤/٣ على اختلاف في الترتيب. قال.
الطوسي شارح الديوان: قوله: كبد، هو القيام على الأمر الشديد. والنَّجُد: البطل ذو نجدة. وقال في
شرح البيت الثاني: كنت أخشى عليه كلَّ سبب من أسباب المنية، ولم أكن أَفْرَقُ عليه صاعقة. وسلف
البيت الأخير ٣٢٨/١ .
(٦) شرح ديوان لبيد ص١٥٤ - ١٥٧، والكامل ١٣٩٤/٣، وقد تقدم فيهما البيت الثاني على الأول. قال
الطوسي شارح الديوان: الأعضب: المكسور أحد قرنّه، وهذا مَثَل، أي: ذهب حَدِّي.

٣٨
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
﴾.
وأَسلَمَ لِيد بعد ذلك ـ
مسألة: روى أَبَان عن أنس قال: قال رسول الله ﴾: ((لا تأخذُ الصاعقةُ ذاكراً لله
عزَّ وجلَّ)(١).
وقال أبو هريرة ﴾: كان النبيُّ # إذا سمع صوتَ الرعدِ يقول: ((سبحان مَن
يُسبِّحُ الرعد بحمده والملائكةُ من خِيفته))(٢). قال ابن عبّاس: مَن سمع صوتَ الرعد
فقال: سبحان مَن يسبِّح الرعدُ بحمده والملائكةُ من خِيفته(٣) وهو على كلِّ شيءٍ
قديرٌ، فإنْ أصابته صاعقةٌ فعليَّ دِيَتُه(٤).
وذكر الخطيب من حديث سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن
جدِّه قال: كنا مع عمرَ في سفرٍ، فأصابنا رعدٌ وبردٌ، فقال لنا كعبٌ: مَن قال حين
يسمع الرعدَ: سبحان مَنْ يسبِّحُ الرّعدُ بحمده والملائكةُ من خِيفته ثلاثاً، عُوفي مما
يكون في ذلك الرعد، ففعلنا فعُوفينا، ثم لقيت عمر بنَ الخطاب ﴾، فإذا بَرَدَةٌ قد
أصابت أنفَه فأثَّرَتْ به، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ما هذا؟ قال: بَرَدَةٌ أصابت أنفي
فأثّرت، فقلت: إنَّ كعباً حين سمع الرعدَ قال لنا: مَن قال حين يسمعُ الرعدَ: سبحان
مَن يُسبِّحُ الرعد بحمده والملائكةُ من خيفته ثلاثاً عُوفي مما يكون في ذلك الرعد،
فقلنا فعوفِينا. فقال عمر: أفلا قلتم لنا حتى نقولَها؟ وقد تقدَّم هذا المعنى في
((البقرة))(٥).
(١) النكت والعيون ١٠١/٣، وأبان هو ابن أبي عياش، قال الحافظ في التقريب: متروك. وأخرجه ابن
المبارك في الزهد (١٠٢٣) من طريق معمر عمن سمع عطاءً يقول، وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم
٢٦١٨/٨ (١٤٧١٦) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر.
(٢) أخرج الطبري ١٣/ ٤٧٧ .
(٣) من قوله: قال ابن عباس إلى هذا الموضع من (ظ).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (١١٦٥)، وفي إسناده سلَّام الطويل، قال أحمد: منكر الحديث. وقال يحيى:
ضعيف لا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك. الميزان ٢/ ١٧٥ .
(٥) ٣٢٩/١، وسلف ثَمَّ تخريج الخبر.

٣٩
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اُللَّهِ﴾ يعني جدالَ اليهوديِّ حين سأل عن الله
تعالى: من أيِّ شيءٍ هو؟ قاله مجاهد. وقال ابن جُرَيج: جدال أَرْبَدَ فيما همَّ به من
قتل النبيِّ ﴾(١). ويجوزُ أنْ يكون: ((وهم يُجَادِلُون في اللـه)) حالاً، ويجوز أنْ يكونَ
منقطعاً.
وروى أنس: أنَّ رسولَ الله ﴾ بعثَ إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله عزَّ
وجلَّ، فقال لرسوله(٢): أخبرني عن إلهك هذا! أهو من ذهب، أم من فضة، أم من
نحاس؟ فاستعظم ذلك، فرجع إليه فأعلمه، فقال: ((ارجعْ إليه فادعُه)). فرجع إليه وقد
أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله ﴿ وقد نزل: ﴿وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ﴾(٣).
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾ قال ابنُ الأعرابي: ((المِحال)): المكر، والمكرُ من الله عزَّ
وجلَّ: التدبيرُ بالحقِّ(٤).
النخَّاس(٥): المكر من الله: إيصالُ المكروه إلى مَن يَستحقُّه من حيثُ لا يشعر.
وروى ابن اليزيديِّ عن أبي زيد: ((وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)) أي: النقمة(٦).
وقال الأزهريُّ: ((المِحال)) أي: القوة والشدة. والمَخْل: الشدّة؛ الميم أصلية،
وما حَلْتُ فلاناً مِحَالاً، أي: قاوَيْتُه حتى يتبيَّنَ أيُّنا أشدُ(٧).
(١) أخرج القولين الطبري ٤٧٩/١٣، ٤٨١ .
(٢) في (م): لرسول الله.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩٥)، والبزار (٢٢٢١ - زوائد)، وأبو يعلى (٣٣٤١)، والطبري
١٣/ ٤٨٠، والعقيلي في الضعفاء ٢٣٢/٣، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٧٥ .
(٤) ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن ص ٢٨٠ .
(٥) في معاني القرآن ٤٨٥/٣ .
(٦) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٥٧/١٣ والرازي ٢٨/١٩ عن الحسن. وابن اليزيدي هو أحمد بن
محمد بن يحيى بن المبارك أبو جعفر، كان متقناً في العلوم، راوية للشعر والأخبار، شاعراً، قال ابن
عساكر: كان من ندماء المأمون، وقدم معه دمشق، وتوجه منها غازياً للروم. إنباه الرواة ١٢٦/٢ .
(٧) ينظر تهذيب اللغة ٩٦/٥، ومعاني القرآن للزجاج ١٤٣/٣.

٤٠
سورة الرعد: الآيتان ١٢ - ١٣
وقال أبو عبيدة(١): ((المِحالُ)): العقوبةُ والمكر(٢).
قال ابن عَرَفة: ((المِحال)): الجدالُ؛ يقال: ماحَلَ عن أمره، أي: جادل(٣).
وقال القُتَبيُّ(٤): أي: شديدُ الكيد [والمكر]، وأصلُه من الحيلة. جَعَل ميمَه كمیم
المكان؛ وأصلُه من الكون، ثم يقال: تمكَّنت. وقال الأزهري(٥): غَلِطَ ابنُ قتيبة أنَّ
الميمَ فيه زائدةٌ، بل هي أصليَّةٌ، وإذا رأيتَ الحرفَ على مثال فِعال أوّلُه ميمٌ مكسورةٌ
فهي أصليّةٌ، مثل: مِهاد ومِلَاك ومِرَاس، وغير ذلك من الحروف. ومِفْعَل إذا كان من
بنات الثلاثةِ، فإنه يجيءُ بإظهار الواو [والياء] مثل: مِزْوَد ومِخْوَل ومِخْوَر [ومِزْيَل
ومِغْيَراً، وغيرها من الحروف.
وقال: وقرأ الأعرج: ((وهو شديدُ المَحَال)) بفتح الميم(٦). وجاء تفسيره على هذه
القراءة عن ابن عباس أنه الحَوْل(٧).
ذَكَر هذا كلَّه أبو عبيد الهَرَويّ(٨) - إلا ما ذكرناه أوّلاً عن ابن الأعرابيِّ - وأقاويلُ
الصحابة والتابعين بمعناها، وهي ثمانية: أولها: شديد العداوة؛ قاله ابن عباس.
وثانيها: شديد الحَوْل؛ قاله ابن عباس أيضاً. وثالثها: شديد الأخذ؛ قاله عليّ بن أبي
طالب. ورابعها: شديد الحقد؛ قاله الحسن(٩). وخامسها: شديد القوة؛ قاله مجاهد.
(١) في (د) و(م): أبو عبيد، والقول في مجاز القرآن له ٣٢٥/١.
(٢) في النسخ: والمكروه، والمثبت من مجاز القرآن، وكذا ذكره عنه الطبري ٤٨٣/١٣.
(٣) ذكره الرازي ٢٨/١٩، وابن منظور في اللسان (محل).
(٤) في تفسير غريب القرآن ص٢٢٦ ، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٥) في تهذيب اللغة ٩٥/٥ ، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٦) القراءات الشاذة ص٦٦، والمحتسب ٣٥٦/١.
(٧) أخرجه الطبري ٤٨٤/١٣، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٩٦/٥ ، والكلام منه.
(٨) هو أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الشافعي اللغوي، صاحب الغريبين.
(٩) في النسخ: قاله ابن عباس، والمثبت من النكت والعيون ١٠٢/٣، والكلام منه. وقال ابن الجوزي
٣١٦/٤: قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسنداً من طرق، وقد رواه عنه جماعة من المفسرين
منهم ابن الأنباري والنقاش، ولا يجوز هذا في صفات الله. قال النقاش: هذا قول منكر. وينظر تفسير
الرازي ٢٨/١٩ .