النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
سورة يوسف: الآيات ٨٨ - ٩٣
إنَّها طَيِّبة، فأنت الذي تدَّعي الرداءةَ، فانظر لنفسك(١)؛ وأيضاً فإنَّ النفعَ يقع له،
فصار الأَجْرُ عليه، وكذلك لا يجب على الذي يجب عليه القصاصُ؛ لأنَّه لا يجب
عليه أن يقطعَ يَدَ نفسِه، إلا أن يُمكّن من ذلك طائعاً؛ أَلا ترى أنَّ فرضاً عليه أن يَقدي
يدَه، ويُصالِح عليه إذا طَلَب المقتصُّ ذلك منه، فأَجْرُ القَطّاعِ على المقتصِّ. وقال
الشافعيُّ في المشهور عنه: إنَّها على المقتصِّ منه، كالبائع(٢).
الرابعة: يُكرَه للرجل أن يقول في دعائه: اللهمَّ تصدَّق عليَّ؛ لأنَّ الصدقةَ إنَّما
تكون ممن يبتغي الثوابَ، والله تعالى متفضِّل بالثواب بجميع النِّعَم لا ربَّ غيرُه؛
وسمع الحسنُ رجلاً يقول: اللهمَّ تصدَّق عليَّ؛ فقال الحسن: يا هذا! إنَّ اللهَ لا
يتصدَّق إنما يتصدَّق مَن يبتغي الثوابَ؛ أما سمعتَ قولَ الله تعالى: ((إِنَّ اللهَ يَجْزِي
الْمُتَصَدِّقِينَ)) قل: اللهمَّ أعطني وتفضَّلْ عليّ(٣).
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَِهِلُونَ
قَالُواْ أَوَنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَ اَللّهُ عَلَيَّنَاً إِنَّهُ
مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥) قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ
ءَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ ﴾ قَالَ لَا تَغْرِيِبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ
أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوُهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (١)
يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِ بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ استفهامٌ بمعنى التذكير
والتوبيخ(٤)، وهو الذي قال الله: (لَتُنَبَِّنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا)) الآية. ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ﴾
دليل على أنَّهم كانوا صغاراً في وقت أَخْذِهم ليوسف، غيرَ أنبياء؛ لأنَّه لا يُوصف
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٣/٣ .
(٢) ينظر مغني المحتاج ٣٣٧/٢.
(٣) تفسير الرازي ٢٠٢/١٨. وذكر خبر الحسن أيضاً البغوي ٤٤٦/٢ .
(٤) الوسيط ٦٣٠/٢ .
٤٤٢
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٣
بالجهل إلا مَن كانت هذه صفته؛ ويدلُّ على أنَّه حَسُنت حالُهم الآن؛ أي: فعلتم ذلك
إذ أنتم صغارٌ جُهَّال؛ قال معناه ابنُ عباس والحسنُ(١)؛ ويكون قولهم: ((وَإِنْ كُنَّا
لَخَاطِئِينَ)) على هذا؛ لأنَّهم كَبِروا ولم يُخبِروا أباهم بما فعلوا؛ حياءً وخوفاً منه.
وقيل: جاهلون بما تؤولُ إليه العاقبةُ. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌ﴾ لما دخلوا عليهِ فقالوا: ((مَسَّنَا وَأَهْلَنَا
الضُّرُّ) فخضعوا له وتَواضعوا، رقَّ لهم، وعرَّفهم بنفسه، فقال: ((هِلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ
بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)) فتنبهوا فقالوا: ((أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ)) قاله ابنُ إسحاق(٢).
وقيل: إنَّ يوسفَ تبسَّم، فشبَّهوه بيوسفَ واستفهموا. قال ابنُ عباس: لما قال
لهم: ((هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ)) الآية، ثم تبسَّم يوسف - وكان إذا تبسَّم كأنَّ ثناياه
اللؤلؤَ المنظومَ - فشبَّهوه بيوسفَ، فقالوا له على جهةِ الاستفهام: «أَئِنَّكَ لَأَنْتَ
يُوسُفُ)). وعن ابنِ عباس أيضاً: أنَّ إخوتَه لم يَعرفوه حتى وضَع التاجَ عنه، وكان في
قَرْنه علامةٌ، وكان ليعقوبَ مثلُها، شِبْهِ الشَّامَة، فلمَّا قال لهم: ((هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ
بِيُوسُفَ)) رفَع التاجَ عنه، فعَرفوه، فقالوا: ((أَثِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ))(٣).
وقال ابنُ عباس: كتب يعقوبُ إليه يَطلُب ردَّ ابنِهِ، وفي الكتاب: مِن يعقوبَ
صفيِّ اللهِ ابنِ إسحاق ذبيحِ اللهِ ابنِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ إلى عزيزِ مصرَ - أمَّا بعد -: فإنَّا
أهلُ بيتٍ بلاءٍ ومِحَنٍ، ابتلى اللهُ جدِّي إبراهيمَ بنمرود ونارِهِ، ثم ابتلى أبي إسحاقَ
بالذَّبْحِ، ثم ابتلاني بولدٍ كان لي أحبَّ أولادي إليَّ حتى كُفَّ بصري مِن البكاء، وإنّي
لم أَسرق ولم ألِدْ سارقاً، والسلام. فلما قَرأَ يوسفُ الكتابَ ارتعدت مفاصلُه، واقشعرَّ
جِلْدُه، وأَرخى عينيه بالبكاء، وعِيلَ صبرُه، فباح بالسِّرِّ(٤).
(١) ذكر الخبرين الواحدي في الوسيط ٦٣٠/٢، فقال: روي عن ابن عباس: إذ أنتم صبيان، وعن
الحسن: شبان.
(٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ٧٤/٣ .
(٣) تفسير البغوي ٢/ ٤٤٧ .
(٤) ذكره البغوي ٢/ ٤٤٥ بنحوه عن عبد الله بن زيد بن أبي فروة، ولم نقف عليه عن ابن عباس.
٤٤٣
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٣
وقرأ ابنُ كثِير: ((إِنَّكَ)) على الخبر(١)، ويجوز أن تكون هذه القراءةُ استفهاماً
كقوله: ((وَتِلْكَ نِعْمَةٌ)) [الشعراء: ٢٢].
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ أي: أنا المظلومُ والمرادُ قَتْلُه، ولم يقل: أنا هو؛ تعظيماً
للقصّة(٢). ﴿قَدْ مَرَ اللَّهُ عَلَيَّنَاً﴾ أي: بالنجاة والمُلْك.
﴿إِنَُّ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ﴾ أي: يَتَّقِ اللهَ ويَصبِر على المصائب وعن المعاصي.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَبْرَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الصابرينَ في بلائِهِ، القائمينَ بطاعتِهِ.
وقرأ ابنُ كثير: (إِنَّه مَنْ يَتَّقِي)) بإثباتِ الياءِ(٣)، والقراءةُ بها جائزةٌ على أَنْ تجعلَ
(مَنْ)) بمعنى الذي، وتدخل ((يَتَّقِي)) في الصِّلَة، فتُثبت الياءَ لا غير، وتَرفع ((ويصبر)).
وقد يجوز أن تَجزِم ((ويصبر))، على أن تَجعلَ ((يتقي)) في موضعٍ جزم، و((مَن)) للشرط،
وتُثبت الياءَ، وتَجعل علامةَ الجَزْم حذفَ الضَّمَّة التي كانت في الياء على الأصل(٤)،
كما قال:
ثم نادِي إذا دَخلتَ دِمَشْقاً يا يزيدُ بنَ خالدِ بنِ يزيدٍ (٥)
وقال آخر:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي بما لَاقَتْ لَبُونُ بِنِي زيادٍ(٦)
وقراءةُ الجماعة ظاهرةٌ، والهاء في ((إِنَّهُ)) كنايةٌ عن الحديث، والجملة الخبر.
(١) السبعة ص٣٥١، والتيسير ص ١٣٠.
(٢) أي: تعظيماً لما وقع به من ظلم إخوته. الوسيط ٢/ ٦٣١، ونسب هذا القول إلى ابن الأنباري.
(٣) السبعة ص٣٥١، والتيسير ص١٣١.
(٤) ينظر الحجة لأبي علي الفارسي ٤٤٨/٤، وحجة القراءات لابن زنجلة ص٣٦٤، والمحرر الوجيز
٢٧٧/٣ .
(٥) نسب قریش للزبيري ص ١٣٠، ونسبه إلى موسى شهوات.
(٦) القائل قيس بن زهير، كما في النوادر في اللغة لأبي زيد ص ٢٠٣، والأغاني ١٩٨/١٧، وهو في
الكتاب ٣١٦/٣، والمحتسب ٦٧/١ دون نسبة، ووقع في الأغاني: ألم يبلغك.
٤٤٤
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٣
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَأْللَّهِ لَقَدْ ءَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الأصل همزتان، خُفِّفت
الثانيةُ، ولا يجوز تحقيقُها، واسمُ الفاعل: مُؤْثِر، والمصدر: إِيثار. ويقال: أثَرْتُ
الترابَ إثارةً، فأنا مُثِير؛ وهو أيضاً على أَفْعَل، ثم أُعِلَّ، والأصلُ أَثْيَر، نُقلت حركةُ
الياء على الثاء، فانقلبت الياءُ ألفاً، ثم حُذفت لالتقاءِ الساكنين. وأَثَرْتُ الحديثَ على
فَعَلْتُ، فأنا آثِرٌ (١). والمعنى: لقد فضَّلك اللهُ علينا، واختاركَ بالعِلْم والحِلْم والحُكم
والعقل والملك.
﴿وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾ أي مذنبينَ، مِن خَطِئ يَخْطَأ: إذا أتى الخطيئةَ(٢)، وفي
ضمن هذا سؤالُ العَفْو. وقيل لابنِ عباس: كيف قالوا: ((وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)) وقد
تعمَّدوا لذلك؟ قال: وإن تعمَّدوا لذلك، فما تعمَّدوا حتى أَخطؤوا الحقَّ، وكذلك كلُّ
مَن أتى ذنباً تَخَطَّى المنهاجَ الذي عليه مِن الحقِّ، حتى يقعَ في الشبهة والمعصية.
قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ﴾ أي: قال يوسف - وكان حليماً موقَّقاً -:
((لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)) وتمَّ الكلامُ. ومعنى ((اليوم)): الوقت. والتثريب: التَّعيير
والتوبيخ، أي: لا تعييرَ ولا توبيخَ ولا لَوْمَ عليكم اليوم؛ قاله سفيان الثوريُّ
وغيرُهُ(٣)؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا زنت أَمَةُ أحدِكم، فليجلِدها الحدَّ،
لا يُتَرِّب عليها))(٤) أي: لا يعيِّرها، وقال بشر(٥):
فعَفَوتُ عنهم عَفْوَ غَيرٍ مُثَرٍِّ وتركتهم لعقابٍ يومٍ سَرْمَدٍ
وقال الأَصمعيُّ: ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنَى، إذا قَبَّحتَ عليه فِعْلَه(٦). وقال
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٤ .
(٣) أخرجه الطبري ٣٣٠/١٣ .
(٤) سلف ٤٨٩/٢
(٥) هو بشر بن أبي خازم، والبيت في لسان العرب (ثرب)، وقيل: هو لتُبَّع.
(٦) الصحاح (ثرب).
٤٤٥
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٣
الزّجَّاج: المعنى: لا إفسادَ لما بيني وبينكم مِن الحرمة، وحقِّ الأُخوَّة، ولكم عندي
العفو والصفحُ؛ وأصلُ التثريبِ: الإفسادُ، وهي لغةُ أهلِ الحجاز(١).
وعن ابنِ عباس أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ أَخَذَ بعُضادَتَي الباب يومَ فَتْحِ مَّة، وقد لَاذَ
الناسُ بالبيت فقال: ((الحمد لله الذي صَدَقَ وَعْدَه، ونصرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ
وَحْدَه) ثم قال: ((ماذا تَظُنُّون يا معشرَ قريش؟» قالوا: خيراً، أخٌ كريمٌ، وابنُ آخِ
كريم، وقد قَدَرتَ. قال: ((وأنا أقول كما قال أخي يوسفُ: ((لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ))
فقال عمرُ ﴾: فِفِضْتُ عَرَقاً مِن الحياء مِن قولِ رسولِ الله ◌ِ﴾؛ ذلك أنِّي قد كنتُ قلتُ
لهم حين دخلنا مكّة: اليومَ ننتقمُ منكم ونفعلُ، فلما قال رسولُ الله # ما قال
استحييتُ مِن قولي(٢).
﴿يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ﴾ فعلٌ (٣) مستقبلٌ فيه معنى الدُّعاءِ(٤)؛ سأل اللهَ أن يسترَ عليهم
ويرحمهم.
وأجاز الأخفشُ(٥) الوقْفَ على ((عَلَيْكُمُ))، والأوَّل هو المستعمل؛ فإنَّ في الوقف
على ((عليكم)) والابتداء بـ ((الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ)) جَزْمٌ بالمغفرة في اليوم، وذلك لا
یکون إلا عن وخي، وهذا بيِّنٌ.
وقال عطاء الخراسانيُّ: طَلَبُ الحوائج مِن الشباب أَسهلُ منه مِن الشيوخ؛ ألم تَرَ
قولَ يوسف: ((لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ)) وقال يعقوب: ((سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ
لَكُمْ رَبِّي))(٦).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٢٨/٣، وتفسير أبي الليث ١٧٥/٢ .
(٢) نوادر الأصول ص٩٣، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل ٥٨/٥، وفي السنن الكبرى ١١٨/٩ من
حديث أبي هريرة ، دون قول عمر ـ
(٣) ليست في (م).
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٤ .
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٥٩٣ .
(٦) عرائس المجالس ص١٤١، وتفسير الرازي ١٨/ ٢٠٥ .
٤٤٦
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٣
قوله تعالى: ﴿أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا﴾ نعتٌ للقميص، والقميص مذگَّر، فأما قول
الشاعر:
تَدْعو هَوَازِنُ والقميصُ مُفَاضَةٌ فوق النِّطاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ (١)
فتقديره: والقميص دِرْعٌ مُفاضةٌ. قاله النخَّاس(٢).
وقال ابنُ السُّدِّي، عن أبيه، عن مجاهد: قال لهم يوسف: ((اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا
فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً)) قال: كان يوسفُ أَعلمَ بالله مِن أنْ يُعلم أن قميصَه
يَرُدُّ على يعقوبَ بصرَه، ولكنَّ ذلك قميصُ إبراهيم الذي ألبسه اللهُ في النار مِن حرير
الجنة، وکان کساه إسحاق، وکان إسحاق کساه يعقوب، وکان یعقوبُ أدرج ذلك
القميصَ في قَصَبة مِن فضَّة، وعلَّقه في عُنُقِ يوسف، لِمَا كان يخافُ علیه مِن العين،
وأَخبره جبريلُ بأَنْ أَرسل قميصَك، فإنَّ فيه ريحَ الجثّة، وإن ريحَ الجنَّة لا يقع على
سقيم ولا مُبتَلَى إلا عُوفيَ(٣).
وقال الحسن: لولا أنَّ اللهَ تعالى أعلم يوسفَ بذلك، لم يَعلم أنَّه يَرجعُ إليه
بصرُه. وكان الذي حمل قميصَه يهوذا، قال ليوسف: أنا الذي حملتُ إليه قميصك بدمٍ
كَذِبٍ فأحزنته، وأنا الذي أَحمله الآن لأَسرَّه، وليعودَ إلیه بصرُه، فحمَله؛ حكاه
السُّدِّيُّ(٤).
﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لتتخذوا مصرَ داراً. قال مسروق: فكانوا ثلاثةً
وتسعينَ، ما بين رجلٍ وامرأةٍ (٥). وقد قيل: إنَّ القميصَ الذي بعثه هو القميصُ الذي
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/٢، والبيت لجرير، وهو في شرح ديوانه ٢/ ٨٩٧ بلفظ:
تدعو ربیعةُ والقميص مفاضة
تحت النجاد تشدُّ بالأزرار
وهو في لسان العرب (قمص) بنحوه.
(٢) في إعراب القرآن ٣٤٤/٢ .
(٣) تفسير البغوي ٤٤٨/٢ .
(٤) عرائس المجالس ص ١٤٠، والنكت والعيون ٧٦/٣ .
(٥) الوسيط ٦٣٢/٢، والنكت والعيون ٧٦/٣، وتفسير الرازي ٢٠٧/١٨ .
٤٤٧
سورة يوسف: الآيات ٨٩ - ٩٩
قُدَّ مِن دُبُرِه(١)؛ ليعلمَ يعقوبُ أنه عُصِمَ من الزنى؛ والقول الأوَّل أصحّ، وقد روي
مرفوعاً مِن حديث أنسٍٍ عن النبيِّ ﴾؛ ذكره القُشَيريُّ، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوُهُمْ إِ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَآ أَنْ
تُفَنِّدُونِ ﴾ قَالُواْ تَلَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ (١٥ فَلَمَّ أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلَقَئُهُ
عَلَى وَجْهِهِ. فَأَرْتَدَ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إَِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
قَالُواْ يَنَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ (٧﴾ قَالَ سَوّفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
رَقِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)
فَلَمَا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ عَامِنِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ أي: خرجت منطلقةً مِن مصرَ إلى الشام(٢)،
يقال: فَصَلَ فُصُولاً، وفَصَلْته فَضْلاً، فهو لازم ومتعدِّ (٣). ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ أي: قال لمن
حضَر مِن قرابته ممَّن لم يَخرج إلى مصرَ وهم ولدُ ولدِه (٤): ﴿إِ لَأَجِدُ رِيحَ
يُوسُفَّ﴾. وقد يَحتمِل أن يكون خرج بعضُ بَنِيْه، فقال لمن بقيَ: ﴿إِنّ لَأَجِدُ رِيحَ
يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾(٥). قال ابنُ عباس: هاجتْ ريحٌ فحمَلت ريحَ قميصٍ يوسفَ
إليه، وبينهما مسيرةُ ثمانٍ ليالٍ(٦). وقال الحسنُ: مسيرة عَشْر ليالٍ (٧)؛ وعنه أيضاً:
مَسيرة شَهر(٨). وقال مالكُ بنُ أنسٍ ﴾: إنَّما أَوصل ريحَه من أَوصل عَرْشَ بِلقيس قَبْلَ
(١) ينظر النكت والعيون ٧٦/٣ .
(٢) النكت والعيون ٧٦/٣ .
(٣) تفسير الرازي ١٨/ ٢٠٧ .
(٤) الوسيط للواحدي ٢/ ٦٣٢ .
(٥) المحرر الوجيز ٢٧٩/٣ .
(٦) أخرجه الطبري في التفسير ٣٣٣/١٣، وفي تاريخه ٣٦٠/١، وابن أبي حاتم (١١٩٦١).
(٧) أخرجه الطبري في التفسير ٣٣٣/١٣، وفي تاريخه ٣٦٠/١.
(٨) المحرر الوجيز ٢٧٩/٣ .
٤٤٨
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
أن يرتدَّ إلى سليمانَ عليه السلام طَرْفُهُ(١). وقال مجاهدٌ: هبَّت ريحٌ فصَفَقَت القميصَ،
فراحت روائحُ الجنة في الدنيا واتَّصلت بيعقوبَ، فوجدَ ریحَ الجنَّة، فعلم أنَّه ليس في
الدنيا من ريح الجنَّة إلا ما كان مِن ذلك القميص، فعند ذلك قال: ((إِنِّي لَأَجِدُ))(٢)
أي: أَشَمُّ؛ فهو وجود بحاسَّةِ الشَّمُّ(٣).
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ قال ابنُ عباس ومجاهد: لولا أن تُسفِّهون(٤)؛ ومنه قولُ
النابغة (٥):
قُمْ في البرِيَّة فاحْدُدها عنِ الفَتَدِ
إلَّا سُليمانَ إذ قال المليكُ لَهُ
أي: عن السَّفَه.
وقال سعيد بنُ جُبير والضَّحَّاك: لولا أن تكذِّبون(٦). والفَنَد: الكذب. وقد أَفْتَد
إِفْنَاداً: كَذَب(٧)؛ ومنه قولُ الشاعر:
أَمْ هل لقول الصَّدُوقِ مِن فَنَدِ (٨)
هل في افتخار الكريم مِن أَوَدِ
أي: مِن كذب.
وقيل: لولا أن تُقبِّحون؛ قاله أبو عمرو؛ والتَّفنيدُ: التقبيح، قال الشاعر:
فليس ما فاتَ مِن أمرِي بمردودِ(٩)
يا صاحبيَّ دعا لومِي وتَقْنِيدِي
(١) لم نقف عليه.
(٢) عرائس المجالس ص١٤٠، وتفسير البغوي ٤٤٨/٢ .
(٣) تفسير الرازي ٢٠٨/١٨ .
(٤) أخرجه عن ابن عباس عبد الرزاق ٣٢٩/١، والطبري في التفسير ٣٣٨/١٣، وعن مجاهد الطبري في
التفسير ٣٣٧/١٣ .
(٥) ديوانه ص٣٣ .
(٦) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٣٣٩/١٣ - ٣٤٠.
(٧) الصحاح (فند).
(٨) هكذا أورده الماوردي في النكت والعيون ٧٧/٣ ولم ينسبه.
(٩) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٥٤٣/١، ونسبه في مجاز القرآن لأبي عبيدة ص٣١٨/١ إلى =
٤٤٩
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
وقال ابنُ الأعرابي: ((لَوْلًا أَنْ تُفَنِّدُونِ)) لولا أن تُضعِّفوا رَأْيِي؛ وقاله ابنُ إسحاق.
والفَنَد: ضَعْفُ الرأي من كِبرِ(١).
وقولٌ رابع: تُضلِّلون، قاله أبو عبيدة(٢).
وقال الأخفشُ: تَلوموني. والتفنيدُ: اللَّوم وتَضعيف الرأي(٣).
وقال الحسن وقَتَادة ومجاهد أيضاً: تُهرِّمون(٤)، وكلُّه متقاربُ المعنى، وهو
راجعٌ إلى التعجيز وتضعيفِ الرأي.
يقال: فَّده تفنيداً: إذا أَعجزه، كما قال:
أهلكني باللوم والتفنيد(٥)
ويقال: أَفند: إذا تكلم بالخطأ؛ والفَنَد: الخطأُ في الكلام والرأي، كما قال
النابغة :
فاحدُدْها عن الفَنَدِ (٦)
أي: امنعها عن الفساد في العقل، ومن ذلك قيل: اللومُ تفنيدٌ؛ قال الشاعر:
طالَ الهَوَى وأطلتما التَّفْنِیدا(٧)
يا عاذليَّ دَعَا المَلَامَ وأَقْصِرَا
= هانئ بن شكيم العدوي، وأورده الطبري في التفسير ٣٣٦/١٣، والماوردي في النكت والعيون
٧٧/٣ ولم ينسباه.
(١) ينظر تهذيب اللغة ١٣٨/١٤، والنكت والعيون ٧٧/٣ .
(٢) تفسير البغوي ٤٤٨/٢، وجاء في مجاز القرآن ص٣١٨/١: تسفُّهوني، وتُعجِّزوني، وتلوموني.
(٣) الصحاح (فند).
(٤) أخرجه عنهم الطبري في التفسير ٣٤٠/١٣ - ٣٤١، وعن مجاهد ابن أبي حاتم (١١٩٦٨).
(٥) رجز لذي الرمة، وهو في ديوانه ١/ ٣٣٣، وبعده:
هل بيننا للوصل من مردود
(٦) سلف قريباً، وينظر جمهرة اللغة لابن دريد ٢٩٠/٢، ومعجم متن اللغة ٤٥٣/٤ - ٤٥٤ .
(٧) قائله جرير، وهو في ديوانه ١/ ٣٣٧، والكلام السابق من معاني القرآن للنحاس ٤٥٣/٣، وينظر
تفسير الطبري ٣٤١/١٣، والمحرر الوجيز ٢٧٩/٣ .
٤٥٠
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
ويقال: أَفْتَد فلاناً الدهرُ: إذا أَفسدَه؛ ومنه قولُ ابنِ مُقْبِل:
دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلْ ما أَرادَ فإنَّهُ إذا كُلِّف الإفنادَ بالناسِ أَفْنَدَا (١)
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: لفي ذهاب عن طريقٍ
الصواب. وقال ابنُ عباس وابنُ زيد: لفي خَطَئِك الماضي مِن حبٍّ يوسفَ لا
تنساه(٢). وقال سعيد بن جُبير: لفي جنونِك القديم. قال الحسن: وهذا عقوقٌ(٣).
وقال قَتَادة وسفيان: لفي محبَّتك القديمة(٤). وقيل: إنَّما قالوا هذا؛ لأنَّ يوسفَ
عندهم كان قد مات(٥). وقيل: إن الذي قال له ذلك من بقي معه مِن ولده، ولم يكن
عندهم الخبر(٦). وقيل: قال له ذلك مَن كان معه مِن أهله وقرابتِهِ. وقيل: بنو بَنِيْه،
وكانوا صغاراً(٧) فالله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَّهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: على عينيه. ﴿فَأَرْتَ
بَصِيرًا﴾ ((أَنْ)) زائدة (٨)، والبشير، قيل: هو شمعون(٩). وقيل: يَهوذا قال: أنا أذهبُ
بالقميص اليومَ كما ذهبت به مُلَطّخاً بالدَّم؛ قاله ابنُ عباس (١٠). وعن السُّدِّي أنَّه قال
(١) ديوان ابن مقبل ص ٦٠، والبيت فيه هكذا:
إذا كُلِّف الإفساد بالناس أفسدا
دَعًا الدهر يفعل ما أراد فإنه
والكلام السابق في تفسير الطبري ٣٣٦/١٣ .
(٢) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٣٤٢/١٣ - ٣٤٣، وأخرجه عن ابن عباس ابن أبي حاتم في التفسير
٢١٩٨/٧ (١١٩٧٠).
(٣) أخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٢١٩٨/٧ (١١٩٧١) و(١١٩٧٢).
(٤) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٣٤٢/١٣، وأخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم ٢١٩٨/٧ - ٢١٩٩
(١١٩٧٣)، والكلام السابق من النكت والعيون ٧٨/٣ .
(٥) الوسيط للواحدي ٦٣٣/٢، وعزاه إلى الحسن، وينظر تفسير البغوي ٤٤٨/٢ .
(٦) ينظر تفسير أبي الليث ١٧٦/٢ .
(٧) النكت والعيون ٧٨/٣ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٥/٢.
(٩) النكت والعيون ٧٨/٣، وزاد المسير ٢٨٦/٤ ونسباه إلى الضحاك.
(١٠) تفسير البغوي ٤٤٩/٢، وزاد المسير ٢٨٦/٤.
٤٥١
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
لإخوتِه: قد عَلمتم أنِّي ذهبت إليه بقميصِ التَّرْحة، فدعوني أذهب إليه بقميصٍ
الفَرْحة (١). وقال يحيى بنُ يمان عن سفيان: لما جاء البشيرُ إلى يعقوبَ قال له: على
أيِّ دِينٍ تركتَ يوسفَ؟ قال: على الإسلام؛ قال: الآن تمَّت النعمةُ(٢). وقال
الحسن: لما ورد البشيرُ على يعقوبَ لم يجد عنده شيئاً يُثِيْبه به؛ فقال: واللهِ ما أصبتُ
عندنا شيئاً، وما خبزنا شيئاً منذ سَبْع ليالٍ، ولكن هوَّن اللهُ عليك سكراتِ الموت(٣).
قلت: وهذا الدعاءُ مِن أَعظم ما يكون مِن الجوائز، وأفضل العطايا والذخائر.
ودلَّت هذه الآيةُ على جواز البذل والهِبات عند البشائر. وفي الباب حديثُ كعب بنِ
مالك - الطويل - وفيه: فلما جاءني الذي سمعت صوتَه يبشِّرني، نزعت ثوبيَّ
فكسوتُهما إيَّه ببشارته، وذكر الحديث، وقد تقدَّم بكماله في قصة الثلاثة الذين
خُلِّفوا(٤)، وکسوةُ کعبٍ ثوبَيْه للبشير مع کونه ليس له غیرهما دليلٌ على جواز مثلٍ
ذلك إذا ارتجى حصولَ ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بعد زوال
الغمِّ والتَّرَح. ومن هذا الباب جواز حذَّاقة الصبيانِ(٥)، وإطعام الطعام فيها، وقد نَحَرَ
عمرُ بعد حفظه سورةَ ((البقرة)) جَزُوراً (٦). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمّ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذَكَّرهم قوله:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَقِّ وَحُزْنِّ إِلَى اَللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦].
(١) المحرر الوجيز ٣/ ٢٨٠، وأخرجه عنه الطبري في التفسير ٣٤٥/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٩٦/٧
(١١٩٥٥).
(٢) أخرجه الواحدي في الوسيط ٢/ ٦٣٤ .
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير ٢١٩٩/٧ (١١٩٧٩) عن لقمان الحنفي.
(٤) ١٠/ ٤١٣ .
(٥) في النسخ الخطية: حذاق الصبيان، والمثبت من (م). وحَذَق الصبيُّ القرآنَ والعملَ، يَحْذِق حَذْقاً
وحَذَاقة وحِذاقاً: إذا مَهَرَ فيه. ويقال لليوم الذي يختم فيه القرآن: هذا يوم حِذاقه. الصحاح (حذق)،
ونقل ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٢٤١ عن ابن الصباغ في كتابه ((الشامل)) قوله: الحذاق: الطعام الذي
يتخذ عند حذق الصبي، وعن ابن الرفعة: هو الذي يصنع عند الختم، أي: ختم القرآن. اهـ
(٦) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٣١/٢، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٨٦/٤٤ .
٤٥٢
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَكَأَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُويَنَآَ إِنَّا كُنَّا خَاطِينَ﴾ في الكلامِ حذفٌ،
التقدير: فلما رَجَعوا مِن مصرَ قالوا: يا أبانا؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الذي قال له: ﴿َِّ
إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ بَنُو بَنِيْه أو غيرُهم مِن قرابتِه وأهلِه لا ولدُه؛ فإنَّهم كانوا
غُيَّباً، وكان يكون ذلك زيادةً في العقوقِ. والله أعلم.
وإنَّما سألوه المغفرةَ؛ لأنَّهم أَدخلوا عليه من أَلَم الحُزن ما لم يَسقط المأثمُ عنه
إلا بإحلالِه(١).
قلت: وهذا الحكم ثابتٌ فيمن آذى مسلماً في نفسِه أو مالِه أو غيرِ ذلك، ظالماً
له فإنَّه يَجب عليه أن يَتَحَلَّل له، ويُخبِرِه بالمَظْلِمة وقَدْرِها، وهل ينفعه التَّحليلُ المطلَق
أم لا؟ فيه خلافٌ، والصحيحُ أنَّه لا يَنفع؛ فإنَّه لو أَخبره بمظلِمةٍ لها قَدْرٌ وبَالٌ ربَّما لم
تَطِبْ نفسُ المظلوم في الثَّحلُّل منها. والله أعلم.
وفي ((صحيح البخاريِ)) وغيرِه عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللـه لَ﴾: ((مَن كانت
له مَظْلِمَةٌ لأخيه مِن عِرْضِه أو شيءٍ، فَلْيَتحلَّهُ منه اليوم قَبْلَ أَلَّا يكونَ دینارٌ ولا دِرْهمٌ،
إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقَدْر مَظلِمته، وإن لم يكن له حسناتٌ، أُخِذَ مِن
سيئات صاحبِه فحُمِل عليه))(٢) قال المهلَّب فقوله :﴿: ((أُخذ منه بقَدْر مَظْلِمته)) يجب
أن تكون المظلمةُ معلومةَ القَدْر، مشاراً إليها مبيّنة، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ قال ابنُ عباس: أَخَّرَ دعاءَه إلى
السَّحَر(٣). وقال المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاح عن طاوس قال: سَحَر ليلةِ الجمعةِ، ووافَق ذلك
ليلةَ عاشوراء(٤). وفي دعاء الحِفظِ - من كتاب الترمذيِّ - عن ابنِ عباس أنَّه قال: بينما
نحن عند رسولِ الله ﴾ إذ جاءه عليُّ بنُ أبي طالب﴾ فقال: بأبي أنت وأمِّي،
(١) النكت والعيون ٧٩/٣ .
(٢) صحيح البخاري (٢٤٤٩)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٢٤١٩) بنحوه.
(٣) ينظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٥٥، والوسيط للواحدي ٦٣٤/٢، وزاد المسير ٢٨٧/٤ .
(٤) تفسير البغوي ٤٤٩/٢، وزاد المسير ٢٨٧/٤، وينظر عرائس المجالس للثعلبي ص١٤١.
٤٥٣
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ٩٩
تَفَلَّتَ هذا القرآنُ مِن صدرِي، فما أَجِدُني أَقدِرُ عليه، فقال له رسولُ الله ﴾: ((أَفلا
أُعلِّمك كلماتٍ يَنفعْكَ اللهُ بهنَّ، ويَنفعْ بهنَّ مَن عَلَّمته، ويُثَبِّتْ ما تَعلَّمتَ في صدرك))
قال: أجل يا رسولَ الله، فَعَلِّمني، قال: ((إذا كان ليلةُ الجمعة، فإن استطعتَ أن تقومَ
في ثلث الليلِ الآخِرِ فإنَّها ساعةٌ مشهودةٌ، والدعاءُ فيها مستجابٌ، وقد قال أخي
يعقوب لبَنِيْه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ يقول: حتى تأتي ليلةُ الجمعة))(١) وذكر
الحدیث.
وقال أيوبُ بنُ أبي تَمِيمةَ السَّخْتِيَاني، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ
لَكُمْ رَبِّ﴾ في الليالي البيض، في الثالثة عَشْرة، والرابعة عَشْرة، والخامسة عَشْرة،
فإنَّ الدعاءَ فيها مستجابٌ(٢). وعن عامر الشَّعبيِّ قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَفْ﴾
أي: أَسألُ يوسفَ إن عفا عنكم استغفرتُ لكم ربي(٣).
وذكر سُنَيد بنُ داود قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ إسحاق،
عن محاربٍ بنِ دِثَار، عن عَمِّه قال: كنت آتي المسجد في السَّحَرِ، فَأَمُرُّ بدارِ ابنِ
مسعودٍ فأَسمعه يقول: اللهمَّ إنَّك أَمرتَني فأَطعتُ، ودعوتَني فأجبتُ، وهذا سَحَرٌ،
فاغفِرْ لي، فلقيتُ ابنَ مسعودٍ فقلت: كلماتٍ أَسمعكَ تقولهنَّ في السَّحر؟ فقال: إنَّ
يعقوبَ أَخَّرَ بَنِيْه إلى السَّحَر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾(٤).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: قَصْراً كان له هناك ﴿ءَوَىَ إِلَيْهِ
أَبَوَبِّهِ﴾ قيل: إنَّ يوسفَ بعثَ مع البشير مئتي راحلةٍ وجَهازاً، وسأل يعقوبَ أن يأتيه
(١) سنن الترمذي (٣٥٧٠).
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٣/ ٢٨٠.
(٣) تفسير البغوي ٤٤٩/٢ .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير ٤١٠/٥ (١١٤٤)، والطبري في التفسير ٣٤٧/١٣، وابن أبي
حاتم في التفسير ٧/ ٢٢٠٠ (١١٩٨٣)، والطبراني في الكبير ١٠٤/٩ (٨٥٤٨) من طرق، عن عبد
الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن عمِّه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٥٥/١٠: وفيه
عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف.
٤٥٤
سورة يوسف: الآيات ٩٤ - ١٠٠
بأهلِهِ وولدِه جميعاً، فلما دخلوا عليه ﴿مَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي: ضَمَّ، ويعني بأبويه أباه
وخالتَه، وكانت أمُّه قد ماتت في ولادةٍ أخيه بنيامين(١). وقيل: أحيا الله له أمَّه تحقيقاً
للرؤيا حتى سجدتْ له، قاله الحسنُ(٢)، وقد تقدَّم في ((البقرة)) أنَّ اللهَ تعالى أَحيا لنبيّه
عليه الصلاة السلام أباه وأمَّه، فآمنا به(٣).
قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ قال ابنُ جريج: أي: سوف
أَستغفرُ لكم ربِّي إنْ شاء الله، قال: وهذا مِن تقديم القرآن وتأخيرِه (٤). قال
النَّاس(٥): يَذهبُ ابنُ جُرَيج إلى أنَّهم قد دخلوا مصرَ، فكيف يقول: ﴿أَدْخُلُواْ مِصْرَ
إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾. وقيل: إنَّما قال: ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ تَبَرُّكاً وجَزْماً. ﴿َامِنِينَ﴾ مِن
القَحْطِ، أو مِن فرعونَ، وكانوا لا يَدخلونها إلا بجوازِه(٦).
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُبَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ
رُهْ يَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَّهُ بِكُمْ
مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَقِتَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ
16
هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال قَتَادة: يريد السَّرير(٧)، وقد تقدَّمت
(١) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥٢/١٣، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٠ - ٢٢٠١ (١١٩٨٦) ونسباه إلى
السدي، وينظر زاد المسير ٢٨٨/٤، وتفسير الرازي ٢١٠/١٨. والأظهر أن المراد بأبويه: أبوه وأمه،
بحسب اللفظ، إلا إذا ثبت بسند أن أمه ماتت. المحرر الوجيز ٢٨١/٣.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٥٠، وتفسير الرازي ٢١٠/١٨ قال الآلوسي في روح المعاني ٥٧/١٣: والظاهر
أنه لم يثبت، ولو ثبت مثله لاشتهر.
(٣) ٣٤٤/٢. وهذا حديث كذب، فيما نقلناه عن الذهبي ثمة.
(٤) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥١/١٣، وينظر كلام الطبري حول هذا المعنى.
(٥) معاني القرآن ٤٥٦/٣ .
(٦) ينظر تفسير البغوي ٢/ ٤٥٠، وزاد المسير ٢٨٩/٤، وتفسير الرازي ٢١١/١٨.
(٧) معاني القرآن للنحاس ٤٥٦/٣ .
٤٥٥
سورة يوسف: الآية ١٠٠
محَامله(١)، وقد يُعبَّر بالعرش عن المُلْكِ والمَلِك نفسِه، ومنه قولُ النابغة الذُّبْيَانيّ:
عُروشٌ تَفانَوْا بعد عِزَّ وأَمْنةٍ(٢)
وقد تقدَّم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُبَدًا﴾
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ الهاء في ((خَرُّوا لَهُ)) قيل: إنَّها تَعودُ على
اللهِ تعالى، المعنى: وخَرُّوا شكراً لله سُجَّداً، ویوسف کالقِبلة، لتحقيقِ رؤياه، ورُوي
عن الحسن(٤)، قال النَّقاش: وهذا خطأً، والهاء راجعةٌ إلى يوسف، لقوله تعالى في
أوَّل السورة: ﴿رَيُّهُمْ لِ سَيِدِينَ﴾. وكان تحيَّتُهم أن يسجدَ الوضِيْعُ للشريف(٥)،
والصغيرُ للكبير؛ سجد يعقوبُ وخالتُه وإخوتُه ليوسف عليه السلام، فاقشعرَّ جِلْدُه
وقال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾(٦).
وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها اثنتان وعشرونَ سنةً(٧). وقال سلمانُ الفارسيُّ
وعبدُ الله بنُ شَدَّاد: أربعونَ سنةً(٨)؛ قال عبدُ الله بنُ شَدَّاد: وذلك آخِرُ ما تُبطئ
(١) ٩/ ٢٤٠.
(٢) لم نقف عليه في ديوانه، وأورده القرطبي في الأسنى ص١٨٦ ولم ينسبه، وتمامه:
هووا بعدما راموا السلامة والبقاء
(٣) لم يتقدم، بل الوارد سابقاً ٩/ ٢٤٠ قول زهير:
وذبيان إذ زلَّت بأقدامها النعل
تداركتما عبساً وقد ثُلَّ عرشها
(٤) النكت والعيون ٨٢/٣، والمحرر الوجيز ٢٨١/٣، وزاد المسير ٢٩٠/٤.
(٥) تفسير أبي الليث ٢/ ١٧٧ .
(٦) ينظر تفسير الرازي ٢١٣/١٨ - ٢١٤.
(٧) تفسير أبي الليث ١٧٧/٢، وزاد المسير ٢٩٠/٤، ونسباه إلى ابن عباس.
(٨) المحرر الوجيز ٢٨٢/٣، وأخرجه الطبري ٣٥٧/١٣ - ٣٥٩ عنهما، وابن أبي حاتم في التفسير
٧/ ٢٢٠٢ (١١٩٩٨) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
٤٥٦
سورة يوسف: الآية ١٠٠
الرؤيا(١). وقال قَتَادة: خمسٌ وثلاثون سنةٌ(٢). وقال السُّدِّيُّ وسعيدُ بنُ جُبير وعِكرمةُ:
ستّ وثلاثون سنةً(٣). وقال الحسن وجَسْر بنُ فَرْقَد وفُضَيلُ بنُ عِيَاض: ثمانون سنةً(٤).
وقال وهب بنُ مُنَبِّه: أُلقيَ يوسفُ في الجُبِّ وهو ابنُ سبعَ عَشْرةَ سنةً، وغاب عن
أبيه ثمانينَ سنةً، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثاً وعشرينَ سنةً، ومات وهو ابنُ مئة
وعشرينَ سنةً. وفي التوراة مئةٌ وستُّ وعشرون سنةً. وولد ليوسفَ مِن امرأة العزيز:
إفراييم، ومنشا، ورحمة امرأة أيوب(٥). وبين يوسف وموسى أربعُ مئةٍ سنةٍ(٦).
وقيل: إنَّ يعقوبَ بَقيّ عند يوسفَ عشرينَ سنةً، ثم توفِّي ﴾. وقيل: أَقام عنده
ثماني عَشْرة سنةً(٧). وقال بعضُ المحدِّثين: بضعاً وأربعينَ سنةً. وكان بين يعقوبَ
ويوسفَ ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً حتى جمعَهم اللهُ. وقال ابنُ إسحاق: ثماني عَشْرة سنةً،
والله أعلم(٨).
الثانية: قال سعيدُ بنُ جُبير، عن قَتَادة، عن الحسن، في قوله: ﴿وَخَرُواْ لَمُ سُبَّدًا﴾
قال: لم يكن سجوداً، لكنَّه سُنَّة كانت فيهم، يُؤمِنون برؤوسهم إيماءً، كذلك كانت
تحيَّتهم(٩). وقال الثَّوريُّ والضَّحَّاك وغيرُهما: كان سجوداً كالسجود المعهودِ عندنا،
وهو كان تحيَّتهم. وقيل: كان انحناءً كالركوع، ولم يكن خُروراً على الأرض، وهكذا
(١) المحرر الوجيز ٢٨٢/٣.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧/ ٢٢٠٢ (١١٩٩٩).
(٣) زاد المسير ٢٩٠/٤ - ٢٩١ .
(٤) المحرر الوجيز ٢٨٢/٣، وأخرجه عنهم الطبري في التفسير ٣٥٩/١٣ - ٣٦٠.
(٥) تفسير البغوي ٢/ ٤٥١ ولكن عزاه إلى الحسن، وفيه وفي المعارف لابن قتيبة ص٤١ أن في التوراة أنه
عاش مئة وعشر سنين.
(٦) المعارف لابن قتيبة ص٤١ .
(٧) ينظر المحرر الوجيز ٣/ ٢٨٢، وتفسير أبي الليث ١٧٨/٢، وتفسير البغوي ٤٥١/٢.
(٨) أخرجه الطبري في التفسير ٣٦١/١٣ .
(٩) ينظر الوسيط للواحدي ٦٣٥/٢، والمحرر الوجيز ٢٨١/٣ .
٤٥٧
سورة يوسف: الآية ١٠٠
كان سلامُهم بالتَّكفِّي والانحناء، وقد نسَخ اللهُ ذلك كلَّه في شرعِنا، وجعَل الكلامَ
بدلاً عن الانحناء.
وأَجمع المفسِّرون أنَّ ذلك السجود على أيٍّ وجهٍ كان، فإنَّما كان تحيةً لا عبادةً.
قال قَتَادة: هذه كانت تحيَّةَ الملوك عندهم، وأَعطى اللهُ هذه الأمَّةَ السلامَ تحيَّةَ أهلِ
الجنة(١)
.
قلت: هذا الانحناء والتَّكفِّي الذي نُسِخَ عنَّا، قد صار عادةً بالديار المصريّة،
وعند العَجَم، وكذلك قيامُ بعضِهم إلى بعض، حتى إنَّ أحدَهم إذا لم يُقَمْ له، وَجَدَ
في نفسِه كأنَّه لا يُؤْبَهُ به، وأنَّه لا قَدْرَ له، وكذلك إذا التقَوا، انحنى بعضُهم لبعض،
عادةٌ مستمرَّة، ووراثةٌ مستقِرَّة، لا سيما عند التقاءِ الأُمراء والرؤساء. نَكبوا عن
السَّنَنِ، وأَعرضوا عن السُّنَن. وروى أنسُ بنُ مالك قال: قلنا يا رسول الله، أَينحني
بعضُنا إلى بعضٍ إذا التقينا؟ قال: ((لا))، قلنا: أَفَيعتَنِقُ بعضُنا بعضاً؟ قال: ((لا))، قلنا:
أَفيصافح بعضُنا بعضاً؟ قال: ((نعم)). خرَّجه أبو عمر في ((التمهيد))(٢).
فإن قيل: فقد قال رسولُ الله #: ((قوموا إلى سيِّدِكم وخَيْرِكم))(٣) - يعني: سعدَ
ابنَ معاذٍ - قلنا: ذلك مخصوصٌ بسعدٍ؛ لما تقتضيه الحالُ المعيَّنة. وقد قيل: إنَّما كان
قيامُهم لينزلوه عن الحمار. وأيضاً فإنَّه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثِّر ذلك في نفسِه،
فإن أثَّر فيه، وأُعجب به، ورأى لنفسه حظًّا، لم يَجُزْ عَوْنه على ذلك؛ لقوله {﴾: ((مَن
سرَّه أن يتمثَّل له الناسُ قياماً، فليتبوَّأ مقعدَه مِن النار))(٤). وجاء عن الصحابة رضوان
الله عليهم أجمعين أنَّه لم يكن وجهٌ أكرمَ عليهم مِن وَجْهِ رسولِ الله ﴾، وما كانوا
يقومون له إذا رَأَوْه؛ لما يعرفونَ مِن كراهتِه لذلك.
(١) أخرجه الطبري في التفسير ٣٥٥/١٣، وابن أبي حاتم في التفسير ٢٢٠٢/٧ (١١٩٩٦).
(٢) ١٥/٢١، وأخرجه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٠.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٠٩٧) من حديث عائشة، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١٢٠) من حديث أبي
سعيد الخدري ﴾.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥) من حديث معاوية ﴾. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
٤٥٨
سورة يوسف: الآية ١٠٠
الثالثة: فإن قيل: فما تقولُ في الإشارة بالإصبع؟ قيل له: ذلك جائزٌ إذا بَعُدَ
عنك؛ لتعيِّن له به وقتَ السلام، فإن كان دانياً، فلا(١). وقد قيل بالمنْع في القُرب
والبعد؛ لما جاء عن رسولِ الله ﴿ أنَّه قال: ((من تَشبَّه بغيرنا، فليس منا)). وقال: ((لا
تُسلِّموا تسليمَ اليهودِ والنصارى، فإنَّ تسليمَ اليهود بالأكُفِّ، والتَّصارى بالإشارة))(٢).
وإذا سَلَّم فإنَّه لا يَنحني، ولا أن يُقبِّلَ مع السَّلامِ يدَه، ولأنَّ الانحناءَ على معنى
التواضع لا ينبغي إلا لله.
وأما تقبيلُ اليدِ فإنَّه مِن فِعْل الأعاجم، ولا يُتَّبعون على أفعالهم التي أحدثوها؛
تعظيماً منهم لِكُبَرائهم؛ قال النبيُّ ﴾: ((لا تقوموا عند رأسي، كما تقوم الأعاجمُ عند
رؤوس أكاسرتها))(٣) فهذا مثلُه.
ولا بأسَ بالمصافحة؛ فقد صافح النبيُّ # جعفرَ بنَ أبي طالب حين قَدِمَ من
الحبشة، وأَمَرَ بها، ونَدَبَ إليها (٤)، وقال: ((تصافحوا يذهبِ الغِلُّ»(٥) وروى غالب
التَّمَّار عن الشّعبيِّ أنَّ أصحابَ النبيِّ ﴾ كانوا إذا التقَوا تَصافحوا، وإذا قَدِموا مِن
سفرٍ، تَعانقوا(٦).
فإن قيل: فقد كَره مالكٌّ المصافحةَ؟ قلنا (٧): روى ابنُ وهبٍ عن مالكِ أنَّه كرِهَ
المصافحةَ والمعانقةً، وذهب إلى هذا سُخنون وغیرُه مِن أصحابنا. وقد روي عن
(١) في أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٥/٣. والكلام منه: فلا بأس بالمصافحة. وسيذكر المصنف
المصافحة فيما يأتي.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٩٥) والنسائي في الكبرى (١٠١٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٩١١) من
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الترمذي: هذا حديث إسناده ضعيف. اهـ
(٣) أخرجه أبو داود (٥٢٣٠)، وابن ماجه (٣٨٣٦) عن أبي أمامة ﴾ بنحوه.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٥/٣، والحديث أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٨١/٤ .
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ٩٠٨/٢ عن عطاء مرسلاً.
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٨١/٤ .
(٧) القائل ابن عبد البر في التمهيد ١٧/٢١.
٤٥٩
سورة يوسف: الآية ١٠٠
مالكِ خلافُ ذلك مِن جوازِ المصافحة، وهو الذي يدلُّ عليه معنى ما في ((الموطأ)»،
وعلى جواز المصافحةِ جماعةُ العلماء مِنِ السَّلَف والخَلَف.
قال ابن العربي(١): إنَّما كَرِهَ مالكٌ المصافحةَ؛ لأنَّه لم يَرَها أمراً عامًا في الدِّين،
ولا منقولاً نَقْلَ السلام، ولو کانت منه لاستوی معه.
قلت: قد جاء في المصافحةِ حديثٌ يدلُّ على الترغيب فيها، والدَّأب عليها
والمحافظة، وهو ما رواه البَرَاءُ بنُ عازب قال: لقيتُ رسولَ الله ﴾، فأخذ بيدي
فقلت: يا رسولَ الله، إن كنتُ لأَحسب أنَّ المصافحةَ للأعاجم؟ فقال: ((نحن أحقُّ
بالمصافحة منهم، ما من مسلمَين يلتقيان فيأخذ أحدُهما بيدٍ صاحبِه مودةً بينهما
ونصيحةً، إلا أُلقيت ذنوبُهما بينهما))(٢).
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل: من الجُبِّ؛ استعمالاً
للكَرَم؛ لئلا يُذكِّر إخوتَه صنيعَهم بعد عَفْوه عنهم بقوله: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣)
[يوسف: ٩٢].
قلت: وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية: ذِكْرُ الجَفَا في وقتِ الصَّفَا جَفَا (٤)،
وهو قولُ صحیحٌ دَلَّ علیه الکتابُ.
وقيل: لأنَّ في دخوله السجنَ كان باختياره بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا
يَدْعُونَفِىّ إِلَيْهِ﴾ وكان في الجبِّ بإرادة الله تعالى له. وقيل: لأنَّه كان في السجن مع
اللصوص والعُصَاة، وفي الجبِّ مع الله تعالى؛ وأيضاً فإن المِنَّة في النَّجاة مِن
السِّجن كانت أكبرَ؛ لأنَّه دخلَه بسبب أَمْرِ هَمَّ به، وأیضاً دخله باختياره إذ قال: ﴿رَبِّ
السّجْنُ أَحَبُّ إِلَ﴾ فكان الكَرْبُ فيه أكثرَ، وقال فيه أيضاً: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾
(١) أحكام القرآن ٣/ ١٠٩٥ .
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٣٣٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٣/٢١ .
(٣) الوسيط للواحدي ٦٣٥/٢، وزاد المسير ٢٩١/٤ .
(٤) هذا من كلام الجنيد للسَّرِيِّ السَّقَطي، وهو في الرسالة القشيرية ١١٨/٢ .
٤٦٠
سورة يوسف: الآية ١٠٠
[يوسف: ٤٢] فعُوقبَ فيه(١).
﴿وَجَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْرِ﴾ يُروى أنَّ مسكنَ يعقوبَ كان بأرضٍ كنعان، وكانوا أهلَ
مواشٍ وبَريَّةُ (٢). وقيل: كان يعقوبُ تحوَّل إلى بادية وسَكّنها، وأنَّ اللهَ لم يبعث نبيًّا
مِن أهل البادية. وقيل: إنَّه كان خرج إلى بَدًا، وهو موضعٌ؛ وإياه عنى جَمِيلٌ بقوله:
وأنتِ التي حَبَّبْتِ شَغْباً إلى بَدَا إليَّ وأوطانِي بلادٌ سِواهُمَا(٣)
وليعقوبَ بهذا الموضع مسجدٌ تحت جبل. يقال: بَدَا القومُ بَدْواً: إذا أَتَوا بَدَا،
كما يقال: غَاروا غَوْراً، أي: أَتَوا الْغَوْر، والمعنى: وجاء بكم مِن مكان بَدًا؛ ذكره
القشيريُّ، وحكاه الماوَزْديُّ عن الضَّحَّاك عن ابنِ عباس (٤).
﴿مِنْ بَعْدٍ أَنْ نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِتْ﴾ بإيقاع الحسد؛ قاله ابنُ عباس(٥).
وقيل: أفسد ما بيني وبين إخوتي (٦)؛ أَحال ذَنْبهم على الشيطان؛ تکژُّماً منه.
﴿إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ أي: رفيقٌ بعباده. وقال الخَطَّابيُّ: اللطيفُ هو البَرُّ
بعبادِه، الذي يَلطُف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبِّب لهم مصالحَهم من حيث لا
يَحتسبون؛ كقوله: ﴿اَللَّهُ لَلِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَاءٍ﴾ [الشورى: ١٩]. وقيل:
اللطيفُ: العالِم بدقائق الأمور؛ والمراد هنا الإكرامُ والرِّفق.
قال قتادة: لطف بيوسفَ بإخراجه من السجن، وجاءَه بأهله من البَدْو، ونزعَ عن
قلبِهِ نَزْعَ الشيطانِ (٧).
(١) ينظر النكت والعيون ٨٣/٣، وتفسير البغوي ٤٥١/٢، وزاد المسير ٢٩١/٤.
(٢) الوسيط للواحدي ٦٣٦/٢ ونسبه إلى قتادة، وأخرجه عنه الطبري في التفسير ٣٦٢/١٣.
(٣) دیوان جميل ص ٢٠٠ .
(٤) النكت والعيون ٨٤/٣، وينظر تفسير الرازي ٢١٥/١٨ .
(٥) النكت والعيون ٨٤/٣ .
(٦) مجاز القرآن لأبي عبيدة ص ٣١٩/١، وتفسير الطبري ٣٦٣/١٣ .
(٧) أخرجه الطبري في التفسير ٣٦٤/١٣، وابن أبي حاتم في التفسير ٢٢٠٣/٧ (١٢٠٠٣).