النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة يوسف: الآيات ٧٧ - ٨٠ قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يَحتمِلُ أن يريدوا وصفَهُ بما رأوا من إحسانه في جميع أفعالِهِ معهم، ويحتمِلُ أن يُريدوا: إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسدَيْتَها إلينا، وهذا تأويلُ ابن إسحاق(١). قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ مصدرٌ ﴿أَنْ تَأْخُذَ﴾ في موضع نصبٍ، أي: من أن نأخُذَ ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا﴾ في موضع نصبٍ بـ ((نأْخُذَ)) ﴿مَتَعَنَا عِندَهُ﴾ أي: مَعَاذ الله أن نأخذَ البريءَ بالمُجرم، ونُخالف ما تعاقَدْنا عليه. ﴿إِنَّ إِذَا لَّظَلِمُونَ﴾ أي: إن نأخُذ غیرَه. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ غَيّاً قَالَ كَبِيُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِّتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيّ أَبِّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِىِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أُسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ﴾ أي: يَئِسوا، مثل عَجِبَ واستعجَبَ، وسَخِرَ واستسخَرَ. ﴿خَلَصُواْ﴾ أي: انفردوا، وليس هو معهم. ﴿فَيَّاً﴾ نصبٌ على الحال من المُضمَر في ((خَلَصُوا))، وهو واحد يؤدِّي عن جمعٍ، كما في هذه الآية، ويقعُ على الواحد كقوله تعالى: ﴿وَقَرَّتْنَهُ فِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] وجمعُه أَنجِيَة، قال الشاعر: إِنِّي إِذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْ واضطَرَبَ القومُ اضطِرابَ الأَرْشِيَهْ هناكٍ أَوصيني ولا تُوصي بِيَهْ (٢) وقرأ ابنُ كثير: ((استايَسُوا))، ((ولا تايَسُوا)) ((إِنه لا يايَسُ)) [٨٧] ((أفلم يايَس)) [الرعد: ٣١] بألفٍ من غير همزِ على القلب(٣)، قُدِّمت الهمزةُ وأُخِّرت الياءُ، ثم قُلِبت (١) المحرر الوجيز ٢٦٩/٣. (٢) الرجز نسبه في اللسان: (نجا) إلى سُحَيم بن وَثِيل الْيَرْبُوعيّ، وذكر أن هناكٍ بكسر الكاف بخط علي بن حمزة، وبخطه أيضاً: أَوْصيني ولا توصي، بإثبات الياء؛ لأنه يخاطب مؤنثاً. وهي في معاني القرآن للزجاج ١٢٤/٣ من غير نسبة. والأرشية، جمع رِشاء: وهو الحبل. القاموس (رشا). وقيل في معنى الرجز: إنه ضربه مثلاً لنزول الأمر المهم، وقيل غير ذلك. اللسان (نجا). (٣) هي قراءة ابن كثير في رواية البزي بخُلْف عنه، وكذلك قول: (استايس)) [الآية: ١١٠] والوجه الثاني للبزي كالجماعة. السبعة ص٣٥، والتيسير ص١٢٩ . ٤٢٢ سورة يوسف: الآية ٨٠ الهمزة ألفاً؛ لأنها ساكنةٌ قبلَها فتحة، والأصلُ قراءةُ الجماعة؛ لأنَّ المصدرَ ما جاءً إلا على تقديم الياء: يَأْساً، والإياسُ ليس بمصدرٍ أَيِسَ، بل هو مصدرُ أُسْتُهُ أَوْساً وإِياساً، أي: أعطيتُهُ(١). وقال قوم: أَيِسَ ويَيْسَ لغتان. أي: فلما يَئِسُوا من رَدِّ أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يُخالِطُهم غيرُهم من الناس، يتناجون فيما عَرَضَ لهم. والنَّجِيُّ: فعيلٌ بمعنى المُناجي. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قال قتادة: هو روبيل، كان أكبرَهم في السِّنِّ. مجاهد: هو شمْعون، كان أكبرَهم في الرأي. وقال الكلبيُّ: يهوذا، وكان أعقلَهم(٢). وقال محمد بنُ كعب وابنُ إسحاق: هو لاوي، وهو أبو الأنبياء. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ قَوْئِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: عهداً من الله في حفظٍ ابنه وردِّه إليه . ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِتُمْ فِ يُوسُفٌَ﴾ ((ما)) في محلٌّ نصبٍ عطفاً على ((أنَّ) والمعنى: ألم تعلموا أنَّ أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف، ذكره النخَّاس(٣) وغيرُه. و((من)) في قوله: ﴿وَمِن قَبَّلُ﴾ متعلِّقةٌ بـ ((تعلموا)). ويجوز أن تكون ((ما)) زائدةً، فيتعلَّق الظّرفان اللذان هما ((من قبلُ)) و((في يوسف)) بالفعل وهو ((فرَّطتُم)). ويجوز أن تكون ((ما)) والفعلُ مصدراً، و((من قبلُ)) متعلّقاً بفعلٍ مضمَرٍ، التقدير: تفريطُكم في يوسف وقع (٤) من قبلُ، فـ ((ما)) والفعلُ في موضع رفع بالابتداء، والخبرُ هو الفعل المضمَر الذي يتعلق به ((من قبلُ))(٥). ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ (٦) أي: ألزَمُها، ولا أبرحُ مقيماً فيها، يقال: بَرِحَ بَراحاً (١) الحجة للفارسي ٤/ ٤٣٤ . (٢) النكت والعيون ٦٧/٣، وتفسير البغوي ٤٤٢/٢ . (٣) إعراب القرآن ٣٤١/٢ . (٤) في النسخ: واقع، وكلاهما صحيح، والمثبت أنسب لسياق الكلام. ينظر الدر المصون ٥٣٩/٦ . (٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣٤٠/٢ - ٣٤١، ومعاني القرآن للزجاج ١٢٤/٣ - ١٢٥. (٦) بعدها في (ظ): أي من الأرض. ٤٢٣ سورة يوسف: الآية ٨٠ وبُرُوحاً، أي: زال، فإذا دخل النفيُ صار مثبتاً. ﴿حَ يَأْذَنَ لِيَّ أَبِ﴾ بالرجوع؛ فإني أستحي منه. ﴿أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِ﴾ بالمسير (١) مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى: أو يحكم الله لي بالسَّيف فأُحارِبَ وآخُذَ أخي، أو أعجَزَ فأنصرف بعُذرٍ، وذلك أنَّ يعقوب قال: ﴿لَأْتِ بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ومن حارب وعَجَز فقد أُحيط به. قال ابن عباس: وكان يهوذا إذا غضِبَ وأخَذَ السَّيف فلا يردُّ وجهَه مئة ألف، يقومُ شعرُه في صدره مثل المَسَالُ فتنفُذُّ من ثيابه. وجاء في الخبر: أنَّ يهوذا قال لإخوته - وكان أشدَّهم غضباً -: إما أن تكفُوني الملِكَ ومَن معه، أكْفِكم أهلَ مصر، وإما أن تكفوني أهل مصر، أكفِكم الملِكَ ومَن معه، قالوا: بل اكفِنا الملكَ ومَن معه، نكفِكَ أهلَ مصر، فبعث واحداً مِن إخوته فعدُّوا أسواقَ مصر، فوجدوا فيها تسعةً أسواقٍ، فأخَذَ كلُّ واحدٍ منهم سوقاً، ثم إنَّ يَهوذا دخل على يوسفَ وقال: أيُّها الملك، لئن لم تُخَلِّ معنا أخانا لأصبحنَّ صيحةً لا تبقى في مدينتك حامل (٢) إلا أَسقطتْ ما في بطنها؛ وكان ذلك خاصًّا(٣) فيهم عند الغضب؛ فأغضَبَه يوسفُ وأسمعَه كلمةً، فغضب يَهوذا واشتدَّ غضبُه، وانتفجَتْ شعراتُه؛ وكذا كان كلُّ واحدٍ من بني يعقوبَ؛ كان إذا غضب، اقشعرَّ جلدُه، وانتفَغَ جسدُه، وظهرت شعراتُ ظهرِه من تحت الثوب، حتى تقطُر من كلِّ شعرةٍ قطرةُ دم؛ وإذا ضرب الأرضَ برجله، تزلزلت وتهدَّم البنيانُ، وإن صاح صيحةً، لم تسمعْه حاملٌ من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها، تماماً أو غيرَ تمام، فلا يَهدأُ غضبُه إلا أن يَسفك دماً، أو تُمسِكه يدٌ مِن نَسْل يعقوب؛ فلما عَلم يوسفُ أنَّ غَضَبَ أخيه يهوذا قد تمَّ وكَمُلَ، كَلَّم ولداً له صغيراً بالقبطيَّة، وأمره أن يضع يده بین كَتِفَي يهوذا مِن حيث لا يراه؛ ففَعَل، فسكن غضبُه، وأَلقى السيفَ، فالتفتَ يميناً (١) في (د) و(م): بالممر. (٢) في (م): حاملاً. (٣) في (م): خاصة. ٤٢٤ سورة يوسف: الآية ٨٠ وشمالاً لعله يَرى أحداً مِن إخوتِه، فلم يَرَهُ؛ فخرج مسرعاً إلى إخوتِه وقال: هل حضَرني منكم أحدٌ؟ قالوا: لا! قال: فأين ذَهب شمعون؟ قالوا: ذهب إلى الجبل، فخرج فلَقِيَه وقد احتمل صخرةً عظيمةً، قال: ما تَصنع بهذه؟ قال: أذهبُ إلى السوق الذي وقع في نَصيبي أَشدخ بها رؤوسَ كلِّ مَن فيه، قال: فارجِع فرُدَّها، أو ألقها في البحر، ولا تُحدثنَّ حَدَثاً، فوالذي اتخذَ إبراهيم خليلاً، لقد مَسَّني كَفٍّ مِن نَسْل يعقوبَ! ثم دخلوا على يوسفَ، وكان يوسفُ أشدَّهم بطشاً، فقال: يا معشرَ العِبْرانيين! أَتظنون أنَّه ليس أحدٌ أشدَّ منكم قوَّة؟ ثم عَمد إلى حَجَرٍ عظيم مِن حجارة الطاحونة، فَرَكّلةَ بِرِجْله، فَدَحا به مِن خَلْفِ الجدار - الرَّكْلُ: الضَّرْبُ بالرِّجْل الواحدة، وقد رَكَله يَرْكُلُه؛ قاله الجوهري(١) - ثم أَمسكَ يَهوذا بإحدى يدَيْه، فصَرَعه لجنبه، وقال: هاتِ الحدَّادين(٢) أَقطعُ أيديهم وأرجلهم، وأَضْرِب أعناقهم، ثم صعد على سريرِه، وجلس على فراشه، وأَمَرَ بصُواعِه، فوُضِعَ بين يدَيْه، ثم نَقَره نقرةً، فخرج طنينه، فالتفتَ إليهم وقال: أَتردّونَ ما يقول؟ قالوا: لا! قال: فإنَّه يقول: إنه ليس على قلبٍ أبي هؤلاء همٍّ ولا غَمٍّ ولا كَرْبٌ إلا بسبِهم، ثم نَقَر نقرةً ثانية وقال: إنَّه يخبرني أنَّ هؤلاء أخذوا أخاً لهم صغيراً، فحسدوه ونَزعوه مِن أبيهم، ثم أَتلفوه. فقالوا: أيُّها العزيز! استر علينا، ستَر اللهُ عليكَ، وامنُن علينا، منَّ اللهُ عليك، فنقَره نقرةً ثالثة وقال: إنَّه يقول: إنَّ هؤلاءِ طَرَحوا صغيرَهم في الجُبِّ، ثم باعوه بيعَ العبيدِ بثمن بَخْسٍ، وزعموا لأَبيهم أنَّ الذئبَ أَكَلَه، ثم نقَره رابعةً وقال: إنَّه يُخبِرني أنَّكم أذنبتُم ذَنْباً منذ ثمانينَ سنةً، لم تَستغفروا اللهَ منه، ولم تتوبوا إليه، ثم نقَره خامسةً وقال: إنَّه يقول: إنَّ أخاهم الذي زعموا أنَّه هَلَكَ لن تَذهبَ الأيَّامُ حتى يرجعَ فيخبرَ الناسَ بما صَنعوا، ثم نقَره سادسةً وقال: إنَّه يقول: لو كنتم أنبياءَ أو بني أنبياء، ما كذبتم، ولا عَقَقْتم والدَكم، لأَجعلنَّكم نَكالاً للعالمين، ايتوني بالحدَّادين(٣) أَقطع (١) قوله: الركل الضرب، إلى هذا الموضع، ليس في (ظ)، وينظر الصحاح (ركل). (٢) في (د): الجدادين، وفي (ظ): الجلادين. (٣) في (ظ): بالجلادين. ٤٢٥ سورة يوسف: الآيتان ٨٠ - ٨١ أيديهم وأرجلَهم، فتضرَّعوا ويَكَوْا، وأَظهروا التوبةَ وقالوا: لو قد أصبنا أخانا يوسفَ إذ هو حيٍّ لنكوننَّ طوعَ یدِه، وتراباً يَطَأُ علینا برجله؛ فلما رأى ذلك یوسفُ مِن إخوته، بكى، وقال لهم: اخرجُوا عنِّي، قد خلَّيت سبيلَكم إكراماً لأبيكم، ولولا هو لجعلتُكم نكالاً(١). قوله تعالى: ﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَكَأَبَانًا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا ٨ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ قوله تعالى: ﴿أَرْجِعُواْ إِلَّ أَبِكُمْ﴾ قاله الذي قال: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ)). ﴿فَقُولُواْ يَكَبَنَا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ﴾ وقرأ ابنُ عباس والضَّحَّاك وأَبو رزِين: ((إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ))(٢). النخَّاس(٣): وحدثني محمد بنُ أحمد بن عمر قال: حدّثنا ابنُ شَاذَان، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيج البغداديُّ قال: سمعتُ الكسائيَّ يقرأ: ((يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سُرِّق)» بضمِّ السينِ وتشديدِ الرَّاء مكسورةً؛ على ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ أي: نُسب إلى السرقةِ ورُمي بها، مثل خوَّنته وفسَّقته وفجّرته: إذا نسبته إلى هذه الخِلال. وقال الزجَّاج(٤): ((سُرِّقَ)) يحتمل معنيين: أحدهما: عُلم منه السَّرَق، والآخر: اثُّهم بالسَّرَق. قال الجوهري(٥): والسَّرِق والسَّرِقة - بكسر الراء فيهما - هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سَرَق يَسْرِق سَرَقاً، بالفتح. (١) أخرجه بنحوه الطبري في التفسير ٢٧٧/١٣ - ٢٧٩، وفي تاريخه ٣٥٥/١ - ٣٥٦، وابن أبي حاتم في التفسير ٢١٧٩/٧ (١١٨٣٨)، عن السُّدِّي، وينظر تفسير أبي الليث ٢/ ١٧٢، وعرائس المجالس للثعلبي ص ١٣٥ - ١٣٦، والنكت والعيون ٦٥/٣ - ٦٦، وتفسير البغوي ٤٤١/٢ - ٤٤٢، وزاد المسير ٢٦٤/٤ - ٢٦٥ ، وجاء في المصادر أن الداخل على الملك هو روبيل، وليس يهوذا. (٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٤٣، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٧٠. (٣) معاني القرآن ٤٥٢/٤، وإعراب القرآن ٣٤١/٢ . (٤) في معاني القرآن ١٢٥/٣. (٥) في الصحاح (سرق). ٤٢٦ سورة يوسف: الآية ٨١ قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾. فیه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ((وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا)) يريدون ما شهدنا قطُ إلا بما عَلمنا، وأما الآن فقد شَهدنا بالظاهر وما نعلمُ الغيبَ؛ كأنَّهم وقعتْ لهم تُهمةٌ مِن قول بنيامين: دَسَّ هذا في رحلي مَن دَسَّ بضاعَتكم في رحالكم؛ قال معناه ابنُ إسحاق. وقيل: المعنى: ما شَهدنا عند يوسفَ بأنَّ السارقَ يُسْتَرَقُّ إلا بما عَلمنا مِن دِيْنك؛ قاله ابنُ زید(١). ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ أي: لم نعلم وقتَ أخَذْناه منكَ أنه يَسْرِق، فلا نأخذه(٢). وقال مجاهد وقتادة: ما كنَّا نَعلم أنَّ ابنكَ يُسترقُّ ويَصير أمرُنا إلى هذا، وإنَّما قلنا: نَحفظُ أخانا فيما نُطيق(٣). وقال ابنُ عباس: يَعنون أنه سَرَق ليلاً وهم نيام. والغيبُ هو الليلُ بلغة حِمْيَر(٤)؛ وعنه: ما كنَّا نَعلم ما يَصنع في ليله ونهارِه وذهابه وإيابِه(٥). وقيل: ما دام بمرأَى منَّا، لم يَجْرِ خَلَلٌ، فلما غاب عنَّا خَفيت عنَّا حالاته. وقيل معناه: قد أُخِذت السَّرِقةُ مِن رَحْله، ونحن أَخرجناها وننظرُ إليها، ولا عِلْمَ لنا بالغيب، فلعلهم سَرَّقوه ولم يَسرِقْ. الثانية: تضمَّنت هذه الآيةُ جوازَ الشهادة بأيِّ وجهٍ حصل العِلْمُ بها؛ فإنَّ الشهادةَ مرتبطةٌ بالعِلْم عقلاً وشرعاً، فلا تُسمع إلا ممَّن عَلِم، ولا تُقبَل إلا منهم (٦)، وهذا هو الأصلُ في الشهادات؛ ولهذا قال أصحابنا: شهادةُ الأعمى جائزةٌ، وشهادةُ المستمع جائزةٌ، وشهادةُ الأَخرس - إذا فُهمت إشارتُه - جائزةٌ، وكذلك الشهادةُ على الخطّ (١) ذكر خبر ابن زيد الماوردي في النكت والعيون ٦٨/٣، وأخرجه بنحوه الطبري ٢٨٨/١٤ - ٢٨٩. (٢) ينظر الوسيط ١٧٣/٢. (٣) أخرجه عنهما الطبري في التفسير ٢٨٩/١٤ - ٢٩٠. (٤) تفسير الطبري ٢٩٠/١٤ . (٥) ذكره الواحدي في الوسيط ٦٢٦/٢، والبغوي ٤٤٣/٢. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٠/٣ . ٤٢٧ سورة يوسف: الآيتان ٨١ - ٨٢ - إذا تيقَّن أنَّه خظُّه أو خطُّ فلانٍ - صحيحةٌ، فكلُّ مَن حصل له العِلْم بشيءٍ جاز أن يَشهد به وإن لم يُشهِده المشهودُ عليه؛ قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِأَلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَّمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقال رسول الله﴾: ((أَلَا أُخبركم بخيرِ الشهداء، خيرُ الشهداء الذي يأتي بشهادتِهِ قَبْلَ أن يُسْأَلها)» وقد مضى في ((البقرة)»(١). الثالثة: اختلف قولُ مالكِ في شهادةِ المرور، وهو أن يقولَ: مررتُ بفلانٍ فسمعتُه يقول كذا، فإن استوعبَ القولَ شَهِدَ، في أحد قوليه، وفي القول الآخر: لا يَشهدُ حتى يُشهِداه. والصحيحُ أداءُ الشهادةِ عند الاستيعابِ، وبه قال جماعةُ العلماء، وهو الحقُّ؛ لأنَّه قد حصل المطلوبُ، وتعيَّن عليه أداءُ العِلْم؛ فكان خيرَ الشهداء إذا أَعلم المشهودَ له، وشَرَّ الشهداءِ إذا كَتَمها، والله أعلم(٢). الرابعة: إذا ادّعى رجلٌ شهادةً لا يحتملها عمره، ردَّت؛ لأنَّه ادَّعى باطلاً، فَأَكذبه العِيَان ظاهراً(٣). قوله تعالى: ﴿وَسَثَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيَهَا وَالْغِيرَ الَّتِيِّ أَقْلْنَا فِيهَّا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَرَ﴾ حَقَّقوا بها شهادتَهم عنده، ورَفَعوا الُّهمةَ عن أنفسهم؛ لئلا يتَّهمهم. فقولهم: ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) أي: أهلَها؛ فحذف. ويريدون بالقرية مصر (٤). وقيل: قريةٌ مِن قراها نزلوا بها وامتاروا منها. وقيل: المعنى: ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) وإن كانت جماداً، فأنت نبيُّ الله، وهو يُنطق الجماد لك، وعلى هذا فلا حاجةَ إلى إضمارٍ(٥). قال سيبويه: ولا يَجوز كَلِّم هِنداً، وأنت (١) ٤٥٤/٤ وما بعدها، وسلف تخريج الحديث هناك. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٠٩٠ . (٣) المصدر السابق. (٤) تفسير الطبري ١٤/ ٢٩١ وأخرجه عن قتادة وابن عباس رضي الله عنهما. (٥) ينظر النكت والعيون ٦٨/٣، والمحرر الوجيز ٢٧١/٣، وزاد المسير ٢٦٨/٤ . ٤٢٨ سورة يوسف: الآيتان ٨٢ - ٨٣ تريد غلامَ هندٍ؛ لأنَّ هذا يُشكل(١). والقول في العِير كالقول في القرية سواء. ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ في قولنا. الثانية: في هذه الآيةِ مِن الفقه أنَّ كلَّ مَن كان على حقِّ وعَلِمَ أنَّه قد يُظنَّ به أنَّه على خلافِ ما هو عليه، أو يُتوهّم، أن يرفعَ الثُّهمةَ وكلَّ رِيْبة عن نفسه، ويُصرِّح بالحقِّ الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحدٍ مُتكلّم. وقد فعل هذا نبيُّنا محمد # بقوله للرجلَيْن اللذين مرَّا، وهو قد خرج مع صفِيَّة يَقْلِبُها مِن المسجد: ((على رِسْلِكُما إنَّما هي صفيَّة بنتُ حُيّيٍّ)) فقالا: سبحانَ الله! وكَبُر عليهما، فقال النبي ﴾: ((إنَّ الشيطانَ يَبلغُ من الإنسان مَبْلَغَ الدَّمِ، وإِنِّ خَشِيتُ أن يَقْذِفَ في قلوبكما شيئاً)) رواه البخاري ومسلم(٢). قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جِيعَاْ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَلَتْ﴾ أي: زَيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنفُسُّكُمْ﴾ أنَّ ابنِي سَرَق، وما سَرَق، وإنَّما ذلك لأمرٍ يريدُه الله. ﴿فَصَبْرٌ جميلٌ﴾ أي: فشأني صبرٌ جميلٌ، أو صبرٌ جميل أولى بي، على ما تقدَّم أوَّل السُّورة(٣). الثانية: الواجبُ على كلِّ مسلم إذا أُصيب بمكروهٍ في نفسِه أو ولدِه أو مالِه أن يتلقَّى ذلك بالصبرِ الجميل، والرضا والتسليم لمُجْرِيه عليه وهو العليمُ الحكيم، ويَقتدِي بنبيِّ الله يعقوبَ وسائرِ النبيين، صلواتُ الله عليهم أجمعين. (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤١/٢. (٢) صحيح البخاري (٢٠٣٥)، وصحيح مسلم (٢١٧٥) من حديث صفية رضي الله عنها. ويقلبها، أي: يصحبها إلى بيتها. النهاية (قلب). (٣) عند الآية (١٨). ٤٢٩ سورة يوسف: الآية ٨٣ وقال سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن الحسن قال: ما مِن جَرْعتين يتجرَّعهما العبدُ أحبُّ إلى الله مِن جَرْعةٍ مُصيبةٍ يتجرَّعها العبدُ بحُسنِ صبرٍ وحُسْنِ عَزَاءٍ، وجَرْعةٍ غيظٍ يتجرَّعها العبدُ بحِلْمٍ وعَفْوٍ(١). وقال ابنُ جُريج عن مجاهد في قوله تعالى: ((فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)) أي: لا أشكو ذلك إلى أحدٍ. وروى مقاتلُ بنُ سليمان، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن أبي هريرة، عن رسولِ الله ◌ِ﴾ قال: ((مَنْ بَثَّ، لم يَصْبِر))(٢). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣) أن الصَّبر عند أوَّل الصَّدمةِ، وثوابُ مَن ذَكَرَ مصيبته واستَرْجَعَ وإن تقادَم عهدُها. وقال جُوَيير، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس، قال: إنَّ يعقوبَ أُعطيَ على يوسفَ أَجْرَ مئةٍ شهيدٍ(٤). وكذلك مَن احْتَسب مِن هذه الأمّة في مصيبته، فله مثل أَجْرِ يعقوبَ عليه السلام. قوله تعالى: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعَا﴾ لأنَّه كان عنده أنَّ يوسفَ ﴿ لم يَمُتْ، وإنما غابَ عنه خبرُه؛ لأنَّ يوسفَ حُمِلَ وهو عبدٌ لا يَملكُ لنفسه شيئاً، ثم اشتراه الملكُ، فكان في دارِهِ لا يَظهر للناس، ثم حُبِسَ، فلما تمكَّن، احتال في أن يَعلم أبوه خبرَه؛ ولم يُوجِّه برسولٍ؛ لأنَّه كَرِهَ من إخوته أنْ يعرفوا ذلك، فلا يَدَعُوا الرسول یصلُ إلیه. وقال: ((بهم)) لأنَّهم ثلاثةٌ؛ يوسفُ وأخوه، والمتخلِّف مِن أجلِ أخيهِ(٥)، وهو (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٦٧٢)، وابن أبي شيبة ٢٥١/١٣ عن الحسن، عن النبي # مرسلاً. (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٧/١ - ٣٢٨، والطبري في التفسير ٣١٣/١٣ من حديث مسلم بن یسار رفعه إلى النبي ﴾. وهو مرسل. (٣) ١٧٤/٢ وما بعدها. (٤) لم نقف عليه من قول ابن عباس، وأخرجه الطبري في التفسير ٣٠٩/١٣ ، وابن أبي حاتم ٢١٨٦/٧ (١١٨٨٤) عن ليث بن أبي سليم. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٢ . ٤٣٠ سورة يوسف: الآية ٨٤ القائل: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ)). ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ فيما يَقضي. قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ بَّكَأَسَفَ عَلَى يُوسُفَ وَأَتْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ کَظِيمٌ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَّهُمْ﴾ أي: أَغْرض عنهم؛ وذلك أنَّ يعقوبَ لمَّا بلغه خبرُ بنيامين تَتَامَّ حزنُه، وبَلَغَ جهدَه، وجدَّد اللهُ مصيبته له في يوسف، فقال: ﴿يَأْسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ونَسيَ ابنَه بنيامين فلم يَذكره؛ عن ابنِ عباس(١). وقال سعيدُ بنُ جُبير: لم يكن عندَ يعقوبَ ما في كتابنا مِن الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: ((يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ))(٢). قال قَتَادةُ والحسنُ: والمعنى: يا حزناه(٣) !. وقال مجاهدٌ والضَّحَّاك: يا جَزَعاه(٤)!؛ قال كُثَيِّر: فيا أَسفاً للقلبِ كيف انصرافُهُ وللنَّفْسِ لمَّا سُلِّيَتْ فَتَسلَّتِ(٥) والأسَفُ: شدَّةُ الحُزن على ما فات. والنداء على معنى: تعالَ يا أَسَف فإنَّه من أوقاتِك(٦). وقال الزجَّاج(٧): الأصل: يا أسفِي؛ فأُبدل مِن الياء ألفٌ؛ لخفَّة الفتحة. (١) الوسيط ٦٢٧/٢، وأخرجه الطبري ٢٩٣/١٣ عن ابن إسحاق. (٢) تفسير أبي الليث ١٧٣/٢، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٧/٢، والطبري ٢٩٥/١٣ ، بنحوه. (٣) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٧/١، والطبري ٢٩٤/١٣ عن قتادة، ولم نقف عليه من قول الحسن. (٤) أخرجه عن مجاهد الطبري ٢٩٤/١٣. وأخرج قول الضحاك بلفظ: يا حَزّناه. (٥) النكت والعيون ٦٩/٣، وهو في الديوان ص ٧٧ برواية: فقل نفسُ حرِّ سُلِّيتْ فتسلَّتِ فإن سأل الواشون فیم صرَمْتُها (٦) ينظر المحرر الوجيز ٢٧٢/٣، وتفسير الرازي ١٩٥/١٨ . (٧) في معاني القرآن ١٢٥/٣ . ٤٣١ سورة يوسف: الآية ٨٤ ﴿وَأَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ قيل: لم يُبصِر بهما ستَّ سنين، وأنَّه عَمِيَ؛ قاله مقاتل(١). وقيل: قد تبيضُّ العينُ ويَبقى شيءٌ مِن الرؤية، والله أعلم بحالٍ يعقوبَ، وإنما ابيضَّت عيناه مِن البكاء، ولكنَّ سببَ البكاءِ الحزنُ، فلهذا قال: ((مِنَ الْحُزْنِ)). وقيل: إنَّ يعقوب كان يُصلِّي، ويوسف نائماً معترضاً بين يديه، فَغظّ في نومه، فالتفتَ يعقوبُ إليه، ثم غَطّ ثانيةً، فالتفتَ إليه، ثم غَطّ ثالثة، فالتفتَ إليه، سروراً به ويغطيطه؛ فأوحى اللهُ تعالى إلى ملائكته: انظروا إلى صَفيِّي وابٍ خليلي، قائماً في مناجاتي، يلتفتُ إلى غيري، وعِزَّتي وجَلَالي! لأنزعنَّ الحدقتَيْن اللتين التفتَ بهما، ولأفرقنَّ بينه وبين مَن التفتَ إليه ثمانينَ سنةً؛ ليعلم العاملون أن مَن قام بين يديَّ يجبُ علیه مراقبةٌ نظري. الثانية: هذا يدلُّ على أنَّ الالتفاتَ في الصلاة - وإن لم يُبطِل - يدلُّ على العقوبة عليها، والنقصٍ فيها، وقد رَوى البخاريُّ(٢) عن عائشة قالت: سألتُ رسولَ الله ﴾ عن الالتفاتِ في الصلاة فقال: ((هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد)» وسيأتي ما للعلماء في هذا، في أوَّل سورةِ ((المؤمنون)) موعباً إن شاء الله تعالى. الثالثة: قال النَّحاس(٣): فإنْ سأَل قومٌ عن معنی شدَّة ◌ُزْنٍ يعقوبَ - صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا - فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها: أنَّ يعقوبَ ﴿ لما عَلِمَ أنَّ يوسفَ ﴾ حيٍّ خاف على دِينه، فاشتدَّ حزنُه لذلك. وقيل: إنَّما حَزِنَ؛ لأنَّه سلَّمه إليهم صغيراً، فنَدم على ذلك. (١) الوسيط ٦٢٧/٢، وتفسير البغوي ٤٤٤/٢، وتفسير الرازي ١٩٥/١٨. (٢) في صحيحه (٧٥١). (٣) في إعراب القرآن ٢/ ٣٤٢. ٤٣٢ سورة يوسف: الآية ٨٤ والجواب الثالث - وهو أبْيَنُها -: هو أنَّ الحزنَ ليس بمحظورٍ، وإنَّما المحظورُ الوَلْولة وشَقُّ الثياب، والكلامُ بما لا ينبغي. وقال النبيُّ ﴾: «تدمعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ ما يُسخِطِ الرَّبَّ))(١). وقد بيَّن اللهُ جلَّ وعزَّ ذلك بقوله: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظومٌ، مملوءٌ مِن الحزن، ممسِك عليه لا يبُثُّه؛ ومنه كَظْمُ الغيظِ وهو إخفاؤه، فالمكظومُ: المسدودُ عليه طريقُ حزنِه؛ قال الله تعالى: ﴿إِذْ نَدَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أي: مملوءٌ كَرْباً. ويجوز أن يكون المكُوم بمعنى الكاظمِ، وهو المشتملُ على حزنِه. وعن ابن عباس: كظيمٌ: مغمومٌ (٢)؛ قال الشاعر: فإِنْ أَكُ كاظِماً لِمُصَابٍ شَاسٍ فإني اليومَ مُنطلقٌ لسانِي(٣) وقال ابن جُريج، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس قال: ذهبتْ عيناه مِن الحزنِ ((فَهُوَ كَظِيمٌ)) قال: فهو مكروبٌ (٤). وقال مقاتلُ بنُ سليمان، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، في قوله: ((فَهُوَ كَظِيمٌ)) قال: فهو كَمِدٌ(٥)؛ يقول: يَعلَم أنَّ يوسفَ حيٍّ، وأنَّه لا يَدري أين هو، فهو كَمِدٌ من ذلك. قال الجوهريُّ(٦): الكَمَد: الحزنُ المكتومُ؛ تقول منه: كَمِد الرجلُ فهو كَمِدٌ وگَمِيدٌ. النخَّاس(٧): يقال: فلانٌ كظِيمٌ وكاظِمٌ، أي: حزينٌ لا يَشكو حزنَه؛ قال الشاعر: فَحَضَضْتُ قَوْمي واحتسبتُ قِتالَهُم والقومُ مِن خوفِ المَنَايا كُظّم(٨) (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (١٥٨٩) من حديث أسماء بنت يزيد، وهو عند البخاري (١٣٠٣) ومسلم (٢٣١٥) من حديث أنس بن مالك ه بنحوه. (٢) الوسيط ٢/ ٦٢٧ . (٣) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٧٠ ولم ينسبه. (٤) الوسيط ٦٢٧/٢، وأخرجه الطبري ٢٩٧/١٣ عن عطاء الخراساني. (٥) أخرجه الطبري ٢٩٧/١٣ عن الضحاك، وكذا أورده الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٧٠ . (٦) في الصحاح (كمد). (٧) في معاني القرآن ٤٥٣/٣ . (٨) أورده الماوردي في النكت والعيون ٣/ ٧٠ ولم ينسبه. ٤٣٣ سورة يوسف: الآيتان ٨٥ - ٨٦ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُأْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴾ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَقِّ وَحُزْنِّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: قال له ولدُه: ((تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) قال الكسائيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفعل ذلك، أي: ما زلتُ. وزعم الفرَّاء أنَّ ((لا)) مضمرة؛ أي: لا تفتأ(١)، وأنشد: فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداً ولو قَطَّعُوا رأسِي لديكِ وأَوصَالِي(٢) أي: لا أَبرحُ؛ قال النَّحاس: والذي قال، حسنٌ صحيحٌ. وزعم الخليلُ وسيبويه أنَّ ((لا)) تضمر في القسم؛ لأنَّه ليس فيه إشكال، ولو كان واجباً لكان باللام والنون (٣). وإنَّما قالوا له ذلك؛ لأنَّهم عَلموا باليقين أنَّه يُداوم على ذلك؛ يقال: ما زال يفعلُ كذا، وما فَتِئَ وَفَتَأْ، فهما لغتان، ولا يُستعملان إلا مع الجَحْد(٤)؛ قال الشاعر: فما فَتِئتْ حتَّى كأنَّ غُبارَها سُرَادِقُ يومٍ ذي رياحٍ تُرَفَّعُ(٥) أي: ما برحتْ، فتفتأ: تَبرحُ. وقال ابنُ عباس: [لا] تزال(٦). ﴿حَّ تَكُونَ حَرَّضًا﴾ أي: تالفاً. وقال ابن عباس ومجاهد: دَنِفاً مِن المرض، وهو ما دونَ الموت(٧)؛ قال الشاعر: (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٢/٢ - ٣٤٣. (٢) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص٣٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٢، وينظر الكتاب لسيبويه ١٠٥/٣. (٤) الصحاح (فتا). (٥) قائله أوس بن حجر التميمي، وهو في ديوانه ص٥٩ . (٦) أخرجه الطبري ٢٢٩/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٨٧/٧ (١١٨٩١)، وما بين حاصرتين منهما. (٧) النكت والعيون ٧٠/٣ . ٤٣٤ سورة يوسف: الآيتان ٨٥ - ٨٦ وقِذْماً زادني مَرَضاً سَرَى هَمِّي فأمرضَني مِ ممَّا يُورِث الحَرَضَا (١) كذاكَ الحبُّ قبلَ اليو وقال قَتَادة: هرِماً(٢). الضَّحَّاك: بالِياً دائِراً(٣). محمد بن إسحاق: فاسداً لا عَقْلَ لك(٤). الفرَّاء(٥): الحارضُ الفاسدُ الجسم والعقلِ، وكذا الحَرَض. ابنُ زيدٍ : الحَرَض الذي قد رُدَّ إلى أرذلِ العمر(٦). الربيعُ بنُ أنس: يابس الجِلْد على العظم(٧). المؤرِّج: ذائباً من الْهُمِّ. وقال الأخفش: ذاهباً. ابن الأنباريِّ: هالكاً، وكلُّها متقاربةٌ. وأصل الحَرَض: الفسادُ في الجسم أو العقلِ من الحزن أو العشقِ أو الهَرَم، عن أبي عُبيدة وغيرِه(٨)؛ وقال العَرْجِيُّ(٩): حتَّى بَلِيتُ وحثَى شَفَّنِي السَّقَمُ إِني امرُؤْ لَجَّ بِي حُبٍّ فأخْرَضَنِي قال النخَّاس(١٠): يقال: حَرَض حَرَضاً، وحَرُض حُرُوضاً وحُرُوضة: إذا بَلِيَ وسَقِّمَ، ورجل حارِضٌ وحَرَضٌ، إلا أن حَرَضاً لا يثنَّى ولا يُجمَع، ومثله فَمِن وحَرِيٌّ لا یثنیان ولا يجمعان. الثَّعلبيُّ: ومن العرب مَن يقول: حارِض، للمذكَّر، والمؤنثة: حارِضة، فإذا وصف بهذا اللفظ، ثَنَّى وجَمع وأنَّت. ويقال: حَرِض یَحرَض حَرَاضَةً، فهو حریض (١) لم نقف عليهما. (٢) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٣٢٧/١، والطبري ٣٠٣/١٣. (٣) أخرجه الطبري ٣٠٣/١٣. (٤) أخرجه الطبري ٣٠٣/١٣ - ٣٠٤ . (٥) معاني القرآن ٥٤/٢ . (٦) أخرجه الطبري ٣٠٤/١٣ . (٧) تفسير أبي الليث ٢/ ١٧٤ . (٨) ذكره الطبري ٣٠١/١٣، والبغوي ٤٤٤/٢ دون نسبة. (٩) ديوانه ص٥ ، والغَرْجي هو: عبد الله بن عمر بن عبد الله. (١٠) إعراب القرآن ٣٤٣/٢ . ٤٣٥ سورة يوسف: الآيتان ٨٥ - ٨٦ وحَرِضٌ. ويقال: رجل مُحْرَض (١)، ويُنْشَد: طَلَبَتْهُ الخيلُ يوماً كاملاً ولَوَ الْفَتْهُ لَأَضْحَى مُخْرَضًا (٢) وقال امرؤ القيس (٣): أَرَى المرءَ ذا الأَذْوَادِ يُصبِحُ مُخْرَضاً كإخْرَاضٍ بِكْرٍ في الدِّيارِ مَرِيضٍ قال النخَّاس(٤): وحكى أهلُ اللغة: أحرضه الھُمُّ: إذا أُسقمه، ورجلٌ حارض، أي: أحمق. وقرأ أنسٌ: ((حُرْضاً)) بضمِ الحاء وسكون الراء، أي: مثل عُود الأُشْنان(٥). وقرأ الحسن: بضمِّ الحاء والراء (٦). قال الجوهريُّ(٧): الحُرُض والحُرْض: الأُشْتَان. ﴿أَوْ تَكُّنَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾ أي: الميّتين، وهو قول الجميع(٨)؛ وغرضُهم مَنْعُ يعقوبَ من البكاء والحزن شفقةً عليه، وإن كانوا السبب في ذلك. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَئِى﴾ حقيقةُ البَثّ في اللغة: ما يَرِدُ على الإنسانِ من الأشياء المهلكة التي لا يتهيَّ له أن يُخفيها؛ وهو مِن بثئتُه، أي: فرَّقتُه، فسمِّيت المصيبةُ بَثَّا مجازاً (٩). قال ذو الرُّمّة (١٠): (١) ينظر معاني القرآن للفراء ٥٤/٢، وتفسير الطبري ٣٠١/١٣. (٢) أورده الطبري ١٣/ ٣٠١ ولم ينسبه. (٣) ديوانه ص٧٧ . (٤) في إعراب القرآن ٢/ ٣٤٣ . (٥) تفسير الرازي ١٩٧/١٨، والأشنان: شجر ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رمادُه في غسل الثياب والأيدي. المعجم الوسيط. (٦) القراءات الشاذة ص ٦٥، والكشاف ٣٣٩/٢. (٧) الصحاح (حرض). (٨) النكت والعيون ٣/ ٧٠ . (٩) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٣/٢. (١٠) ديوانه ٨٢١/٢. ٤٣٦ سورة يوسف: الآيات ٨٥ - ٨٧ فما زِلْتُ أَبْكي عِندَه وأُخَاطِبهْ وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِمِيَّةَ نَاقَتي تُكَلِّمُني أَحجارُهُ ومَلَاعِبُه وأَسْقِيه حتى كاد مما أبثُهُ وقال ابن عباس: ((بِّي)) هَمِّي(١). الحسن: حاجتي(٢). وقيل: أشدُّ الحزنِ(٣)، وحقيقته ما ذكرناه. ﴿وَحُزْنِّ إِلَى اَللَّهِ﴾ معطوفٌ عليه، أعادَه بغير لفظه. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم أنَّ رؤيا يوسفَ صادقةٌ، وأنِي سأَسجد له. قاله ابنُ عباس(٤). قتادة: إني أَعلم من إحسانِ الله تعالى إليَّ ما يُوجِب حسن ظنِّي به(٥). وقيل: قال يعقوب لملك الموت: هل قبضتَ رُوح یوسف؟ قال: لا، فأگَّد هذا رجاءه(٦). وقال السُّدِّي: أُعلِم أنَّ يوسف حيٍّ، وذلك أنَّه لما أَخبره ولدُه بسيرة الملك وعَذله وخُلُقه وقولِه، أحسَّت نَفْسُ يعقوبَ أنَّه ولدُه، فطمع وقال: لعلَّه يوسف. وقال: لا يكون في الأرض صِدِّيقٌ إلا نُبِّئ(٧). وقيل: أعلم مِن إجابة دعاءِ المضطرين ما لا تعلمون. قوله تعالى: ﴿يَبَفِىَّ أَذْهَبُوْ فَتَحَشَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأَيْئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيِئَسُ مِنْ زَوْجِ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ قوله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ هذا يدلُّ على أنَّه تيقّن (١) أخرجه الطبري ٣٠٦/١٣. (٢) أخرجه الطبري ٣٠٦/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٨٩/٧ (١١٩٠٣). (٣) أورده أبو الليث ١٧٤/٢ وعزاه إلى القتبي، وابن عطية في المحرر الوجيز ٢٧٣/٣ وعزاه إلى أبي عبيدة، وهو في مجاز القرآن ص٣١٧ . (٤) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٣، وابن أبي حاتم ٢١٨٩/٧ (١١٩٠٨). (٥) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٣ ، وابن أبي حاتم ٢١٨٩/٧ (١١٩٠٦). (٦) تفسير أبي الليث ١٧٤/٢، وتفسير البغوي ٤٤٥/٢، وزاد المسير ٢٧٥/٤ وعزاه ابن الجوزي إلى ابن السائب. (٧) أخرجه الطبري ٣٠٧/١٣ . ٤٣٧ سورة يوسف: الآيتان ٨٧ - ٨٨ حياته؛ إما بالرؤيا، وإما بإنطاقِ الله تعالى الذئبَ، كما في أوَّل القصّة، وإما بإخبارِ مَلَكِ الموت إِيَّاه بأنَّه لم يَقْبِض رُوحه؛ وهو أظهر. والتَّحسُّس: طلبُ الشيء بالحواسِّ؛ فهو تفعُّل من الحِسِّ(١)، أي: اذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم، واحتالَ عليكم في أَخْذِهِ، فاسألوا عنه وعن مذهبِهِ. ويُروى أنَّ مَلَكَ الموتِ قال له: اطْلُبه مِن هاهنا! وأشار إلى ناحيةٍ مصر(٢). وقيل: إنَّ يعقوبَ تنبَّه على يوسفَ بردِّ البضاعة، واحتباسٍ أخيه، وإظهارِ الكرامة؛ فلذلك وجَّههم إلى جهةٍ مصر دون غيرها(٣). ﴿وَلَا تَأْتَسُواْ مِن ◌َزَّوْجِ اللّهِ﴾ أي: لا تقنطوا مِن فَرَج الله؛ قاله ابنُ زيد(٤)؛ يريد: أنَّ المؤمنَ يَرجو فَرَجَ الله، والكافر يَقنُط في الشِّدَّة. وقال قَتَادةُ والضَّحَّاكِ: مِن رحمةِ الله(٥). ﴿إِنَّهُ لَا يَأْفَسُ مِن زَّوْجِ الَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ دليلٌ على أنَّ القنوطَ مِن الكبائر، وهو اليأسُ، وسيأتي في ((الزُّمَر))(٦) بيانُه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَكَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا أُلغُّرُّ وَجِئْنَا بِضَعٍَّ ◌ُزْجَةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَّلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّ اللّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِنَ ﴾﴾﴾ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ أي: الممتنع. ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الغُّرُّ﴾ هذه المرَّة الثالثة من عَوْدِهم إلى مصر؛ وفي الكلام حذفٌ، أي: فخرجوا إلى مصرَ، فلما دخلوا على يوسفَ قالوا: ((مَسَّنَا)) أي: أصابَنا ((وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) أي: الجوعُ والحاجةُ. وفي هذا دليلٌ على جواز الشكوى عند الضُّرِّ، أي: الجوع، بل واجبٌ (١) تفسير الطبري ٣١٤/١٣، وتفسير البغوي ٤٤٦/٢. (٢) تفسير الرازي ١٩٨/١٨ . (٣) النكت والعيون ٣/ ٧٢ . (٤) أخرجه الطبري ٣١٥/١٣ . (٥) أخرجه عنهما الطبري ٣١٤/١٣ - ٣١٥ . (٦) عند الآية (٥٣). ٤٣٨ سورة يوسف: الآية ٨٨ عليه إذا خاف على نفسِه الضُّرَّ من الفقر وغيرِه أن يُبدِي حالتَه إلى مَن يرجو منه النفعَ، كما هو واجبٌ عليه أن يشكو ما به مِن الألم إلى الطبيب ليعالجَه، ولا يكون ذلك قَدْحاً في التوُّل، وهذا ما لم يكن التشكِّي على سبيل التَّسخُّط؛ والصبرُ والتَّجلُّد في النّوائب أحسنُ، والتَّعقُّف عن المسألة أفضلُ، وأحسنُ الكلام في الشكوى سؤالُ المولى زوالَ البَلوى؛ وذلك قولُ يعقوبَ: ((إِنَّمَا أَشْكُو بَتِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) أي: مِن جميل صُنعه، وغريبٍ لُظْفه، وعائدته على عبادِهِ. فأمَّا الشكوى على غيرٍ مُشْكٍ فهو السَّفَه، إلا أن يكون على وَجْهِ البثِّ والتَسلِّي، كما قال ابنُ دُرَیْد: لِنَكْبةٍ تَعْرِقُنِي عَرْقَ الْمُدَى لَا تَحْسَبَنْ يا دهرُ أنِّي ضارِعٌ جَوَانِبِ الجوِّ عليه ما شَكًا مَارَسْت مَنْ لَوْ هَوَتِ الأفلاكُ مِنْ جَاشَ لُغَامٌ مِن نَوَاحِيها عمى(١) لكنَّها نَفْئَةُ مَصْدورٍ إِذا قوله تعالى: ﴿وَجِثْنَا بِضَعَةْ﴾ البضاعةُ: القِطْعة من المال يُقصد بها شراءُ شيء(٢)؛ تقول: أَبضعتُ الشيءَ، واستبضعتُه، أي: جعلتُه بضاعةً، وفي المَثَل: كمستبضعِ التمرِ إلى هَجَر(٣). قوله تعالى: ﴿مُزْجَةٍ﴾ صفةٌ لبضاعة؛ والإزجاءُ: السَّوْق بدَفع(٤)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَمَابًا﴾ [النور: ٤٣] والمعنى أنَّها بضاعةٌ تُدفَع؛ ولا يَقبلها كلُّ أحدٍ. قال ثعلب: البضاعةُ المزجاةُ: الناقصةُ غيرُ التَّامَّة. (١) مقصورة ابن دريد ص ٣٩ - ٤٣ بشرح التبريزي، واللُّغام: ما يخرج من فم البعير. وعمى: رمى، يقال: عمى البعيرُ بلعابه: إذا رمى به، ووقع في (م): غما، وكذا في إحدى النسخ الخطية للمقصورة، كما ذكر ذلك محقق شرح المقصورة لابن هشام اللخمي ص٧٧ . (٢) المحرر الوجيز ٢٧٥/٣ . (٣) الصحاح (بضع)، والمثل في المستقصى في أمثال العرب للزمخشري ٢٣٣/٢ . (٤) الوسيط ٢/ ٦٣٠، والنكت والعيون ٧٢/٣ . ٤٣٩ سورة يوسف: الآية ٨٨ اختلف في تعيينها هنا؛ فقيل: كانت قدِيداً وحَيْساً؛ ذكره الواقديُّ عن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾. وقيل: خَلَّقُ الغَرَائر والحِبال؛ روي عن ابنِ عباس(١). وقيل: متاعُ الأَعراب صوفٌ وسمنٌ؛ قاله عبدُ الله بنُ الحارث(٢). وقيل: الحبَّة الخضراء، والصَّنَوبر - وهو البُظْم: حبُّ شجرٍ بالشام، يُؤكّل ويُعصَر الزيتُ منه لعمل الصابون - قاله أبو صالح(٣)؛ فباعوها بدراهمَ لا تَنفُق في الطعام، وتَتْفُق فيما بين الناس؛ فقالوا: خُذها منا بحسابٍ جيادٍ تَنفُق في الطعام. وقيل: دراهم رديئة؛ قاله ابنُ عباس أيضاً (٤). وقيل: ليس عليها صورةُ يوسفَ، وكانت دراهمُ مصرَ عليها صورةٌ يوسف. وقال الضَّخَّاك: النعالُ والأدَم. وعنه: كانت سوِيقاً منخلاً(٥). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً﴾. فيه أربعُ مسائل : الأولى: قوله تعالى: ((فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ)) يريدون كما تبيعُ بالدراهم الجياد لا تَنْقُصْنا بمكان دراهمنا؛ هذا قولُ أكثرِ المفسرين. وقال ابنُ جريج: ((فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ)) يريدون الكيلَ الذي كان قد كَالَه لأخيهم(٦). ((وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا)) أي: تفضَّل علينا بما بين سِعْرِ الجِياد والرديئة. قاله سعيدُ بنُ جُبير (١) أخرجه الطبري ٣١٨/١٣، والغرائر: جمع الغيرارة: وهي وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه. المعجم الوسيط (غرر). (٢) أخرجه الطبري ٣١٩/١٣ ، وابن أبي حاتم (١١٩٢٠). (٣) أخرجه الطبري ١٣/ ٣٢٠، وابن أبي حاتم (١١٩٢١). (٤) أخرجه الطبري ٣١٧/١٣ - ٣١٨، وابن أبي حاتم (١١٩٢٢). (٥) عرائس المجالس ص١٣٨ - ١٣٩، وزاد المسير ٢٧٧/٤ . (٦) النكت والعيون ٧٣/٣ . ٤٤٠ سورة يوسف: الآية ٨٨ والسُّدِّيُّ والحسن، لأنَّ الصدقةَ تَحرُم على الأنبياء. وقيل المعنى: ((تَصَدَّقْ عَلَيْنَا)) بالزيادة على حقِّنا؛ قاله سفيانُ بنُ عُبَيْنة. قال مجاهد: ولم تَحرُم الصدقةُ إلا على نبيِّنا محمَّدٍ ﴾. وقال ابن جُريج: المعنى ((تَصَدَّقْ عَلَيْنَا)) بردِّ أخينا إلينا. وقال ابنُ شجرة: (تَصَدَّق عَلَيْنَا)) تَجوَّز عنا؛ واستشهد بقول الشاعر: تَصدَّقْ علينا يا ابنَ عَفَّان واحْتَسِبْ وأَمِّرْ علينا الأشعريَّ لَيَالِيًا(١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَّصَدِّقِينَ﴾ يعني في الآخرة؛ يقال: هذا مِن مَعَاريضِ الكلام؛ لأنَّه لم يكن عندهم أنَّه على دينهم، فلذلك لم يقولوا: إنَّ اللهَ يَجزِيك بصدقتِك، فقالوا لفظاً يُوهمه أنَّهم أرادوه، وهم يصحُّ لهم إخراجُه بالتأويل؛ قاله النقَّاش(٢)، وفي الحديث: ((إن في المَعَاريض لمندوحةً عن الكذب))(٣). الثانية: استدلَّ مالكٌ وغيرُه مِن العلماء على أنَّ أجرةَ الكيَّال على البائع (٤)؛ قال ابنُ القاسم وابنُ نافع: قال مالكٌ: قالوا ليوسف: ((فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ)) فكان يوسفُ هو الذي يَكيل، وكذلك الوزَّان والعدَّاد وغيرهم؛ لأنَّ الرجل إذا باع عِدَّة معلومةً من طعامه، وأَوجبَ العقدَ عليه، وجب عليه أن يُبرِزها ويميِّز حقَّ المشتري مِن حقٌّه، إلا أنْ يبيعَ منه مُعيَّناً - صُبْرةً أو ما لا حقَّ تَوفيةٍ فيه - فخلَّى ما بينه وبينه، فما جرى على المبيعِ فهو على المبتاع؛ وليس كذلك ما فيه حقُّ تَوفية مِن كيل أو وزن، ألا ترى أنَّه لا يَستحِق البائعُ الثمنَ إلا بعد التوفية، وإن تلف، فهو منه قبلَ التوفية (٥). الثالثة: وأما أجرةُ النقد، فعلى البائع أيضاً؛ لأنَّ المبتاعَ الدافعَ لدراهمِه يقول: (١) ذكر الشعر مع ما سبقه من أقوال الماوردي في النكت والعيون ٧٤/٣ . (٢) المحرر الوجيز ٢٧٦/٣. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٩٦٣/٣، والبيهقي ١٩٩/١٠ عن عمران ابن حصين مرفوعاً، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨٥٧)، والبيهقي ١٩٩/١٠ عن عمران بن حصين موقوفاً، قال البيهقي عقبه: هذا هو الصحيح الموقوف. وينظر كشف الخفاء ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ . (٤) أحكام القرآن للجصاص ١٧٧/٣ وللكيا الهراسي ص٢٣٤، والمحرر الوجيز ٢٧٦/٣ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١٠٩٣/٣ .